HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٤٤٨

أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ مِمَّا حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ بِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تَأْتِي الْإِبِلُ عَلَى رَبِّهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ إِذَا هِيَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَأْتِي الْغَنَمُ عَلَى رَبِّهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ إِذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا تَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا. قَالَ: وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى الْمَاءِ، أَلَا لَا يَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِبَعِيرٍ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ لَهُ رُغَاءٌ فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ! فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ بَلَّغْتُ. أَلَا لَا يَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِشَاةٍ يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ لَهَا يُعَارٌ فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ! فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ بَلَّغْتُ. قَالَ: وَيَكُونُ كَنْزُ أَحَدِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ يَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ وَيَطْلُبُهُ: أَنَا كَنْزُكَ - فَلَا يَزَالُ حَتَّى يُلْقِمَهُ أُصْبُعَهُ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص180
  • زبير علي زئي:صحيح البخاري
ج ٥ ص ٢٣

سلسلة الرواة

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٢ ص٩٢
يُخالف شيئا منها. ووجدنا من أحال بالخلطة حكم الزكاة يرى في خمسة لكلّ واحد منهم خمس من الإبل أن على كلّ واحد منهم خُمُس بنت مخاض، وأن ثلاثة لهم مائة وعشرون شاة على السواء بينهم أن على كلّ امرئ منهم ثُلُث شاة، وأن عشرة رجال لهم خمس من الإبل بينهم، فإن بعضهم يوجب على كلّ واحد منهم عُشْر شاة، وهذه زكاة ما أوجبها اللَّه تعالى قط، وخلاف لحكمه تعالى، وحكم رسوله - ﷺ - انتهى المقصود من كلام ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى-. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي حرّره ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- من ترجيح تفسير الخليطين بالشريكين، هو الذي يترجّح عندي؛ لما قرّره في كلامه المذكور آنفًا. والحاصل أن ما ذهب إليه الثوريّ، وأبو حنفية، وشريك بن عبد اللَّه، والحسن بن حيّ، أرجح المذاهب، لما ذُكر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٦ - (بَابُ مَانِعِ زَكَاة الإِبِلِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على عقاب مانع زكاة الإبل. ٢٤٤٨ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ ، مِمَّا حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ، مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يُحَدِّثُ بِهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «تَأْتِي الإِبِلُ عَلَى رَبِّهَا، عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، إِذَا هِيَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَأْتِي الْغَنَمُ عَلَى رَبِّهَا، عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، إِذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا، تَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا»، قَالَ:«وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى الْمَاءِ، أَلَا لَا يَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِبَعِيرٍ، يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، لَهُ رُغَاءٌ، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ بَلَّغْتُ، أَلَا لَا يَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِشَاةٍ، يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ، لَهَا يُعَارٌ، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ بَلَّغْتُ»، قَالَ:«وَيَكُونُ كَنْزُ أَحَدِهِمْ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، شُجَاعًا أَقْرَعَ، يَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ، وَيَطْلُبُهُ، أَنَا كَنْزُكَ، فَلَا يَزَالُ حَتَّى يُلْقِمَهُ أُصْبُعَهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمران بكّار) بن راشد الكَلاعيّ البرّاد الحمصيّ المؤذّن، ثقة [١١] ١٧/ ١٥٤١. ٢ - (عليّ بن عيّاش) الألهانيّ الحمصيّ، ثقة ثبت [٩] ١٢٣/ ١٨٢. ٣ - (شعيب) بن أبي حمزة دينار الحمصيّ، ثقة عابد [٧] ٦٩/ ٨٥. ٤ - (أبو الزناد) عبد اللَّه بن ذكون القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة فقيه [٥] ٧/ ٧. ٥ - (عبد الرحمن الأعرج) ابن هرمز، أبو داود المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٧/ ٧. ٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن النصف الأول منه حمصيون، والنصف الثاني مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أبا هريرة أكثر الصحابة رواية للحديث، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن شعيب بن أبي حمزة، أنه (قال: حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ، مِمَّا حدَّثهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأعْرَجُ) متعلق بـ«حدثني»، و«من» للتبعيض، أي بعض ما حدّثه عبد الرحمن بن هُرْمز الأعرج (مِمَّا ذَكَرَ) «من» متعلّق بحال مقدّر، أي حال كونه من جملة ما ذكر (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (يُحَدِّثُ بِهِ) جملة في محلّ نصب على الحال من أبي هريرة (قَالَ) أبو هريرة - ﵁ - (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: («تَأْتِي الإِبِلُ) يعني يوم القيامة، كما صرّح به في رواية أخرى (عَلَى رَبِّهَا) أي صاحبها، ومالكها، والربّ هنا بمعنى المالك، وله معان أُخر، ويستعمل في غير اللَّه تعالى مضافًا، كما في هذا الحديث، ولا يستعمل مع الإطلاق إلا في حقّ اللَّه تعالى. [فإن قلت]: كيف أطلق الربّ على المالك في هذا الحديث، وحديثِ ضالّة الإبل:«حتى يلقاها ربّها»، وحديثِ أشراط الساعة:«أن تلد الأمة ربّها»، وكلها في«الصحيحين»، مع ورود النهي في حديث أبي هريرة - ﵁ - المتفق عليه، فقد روى الشيخان، عن محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، أنه سمع أبا هريرة، - ﵁ -، يحدث عن النبي - ﷺ -، أنه قال:«لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وَضِّئْ ربك، اسق ربك، وليقل: سيدي، مولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي، أمتي، وليقل: فتاي، وفتاتي، وغلامي». هذا لفظ البخاريّ. ولفظ مسلم:«لا يقل أحدكم: اسق ربك، أطعم ربك، وضئ ربك، ولا يقل أحدكم: ربي، وليقل: سيدي، مولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي، أمتي، وليقل: فتاي، فتاتي، غلامي». [قلت]: أجاب عنه العلماء، فقال ابن الأثير: إن البهائم غير متعبّدة، ولا مخاطبة، فهي بمنزلة الأموال التي يجوز إضافة مالكيها إليها، وجعلهم أربابًا لها. قال: فأما قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]، فإنه خاطبهم على المتعارف عندهم، وعلى ما كانوا يسمونهم به، ومثله قول موسى - ﵇ - للسامريّ: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ [طه: ٩٧]، أي الذي اتخذته إلهًا انتهى كلام ابن الأثير بتصرّف . وقال في «الفتح» عند شرح حديث النهي المذكور: ما نصّه: والسبب في النهي أن حقيقة الربوبيّة للَّه تعالى؛ لأن الربّ هو المالك، والقائم بالشيء، فلا توجد حقيقة ذلك إلا للَّه تعالى. قال الخطّابيّ: سبب المنع أن الإنسان مربوب متعبّد بإخلاص التوحيد للَّه، وترك الإشراك معه، فكره له المضاهاة في الاسم؛ لئلا يدخل في معنى الشرك، ولا فرق في ذلك بين الحرّ والعبد، فأما ما لا تعبّد عليه من سائر الحيوانات، والجمادات، فلا يكره إطلاق ذلك عليه عند الإضافة، كقوله: «ربّ الدار»، و«رب الثوب». وقال ابن بطّال: لا يجوز أن يقال لأحد غير اللَّه ربّ، كما لا يجوز أن يقال له إله. انتهى. والذي يختصّ باللَّه تعالى إطلاق الربّ بلا إضافة، وأما مع الإضافة، فيجوز إطلاقه، كما في قوله تعالى حكايته عن يوسف - ﵇ -: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]، وقوله: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠]، وقوله - ﷺ - في أشراط الساعة: «أن تلد الأمة ربها»، فدلّ على أن النهي في ذلك محمول على الإطلاق. ويحتمل أن يكون النهي للتنزيه، وما ورد من ذلك فلبيان الجواز. وقيل: هو مخصوص بغير النبيّ - ﷺ -، ولا يرد ما في القرآن، أو المراد النهي عن الإكثار من ذلك، واتخاذ استعمال هذه اللفظة عادة، وليس المراد النهي عن ذكرها في الجملة انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أقرب الأجوبة عندي حمل النهي على التنزيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ) أي من العِظَم، والسِّمَن، ومن الكثرة؛ لأنها تكون عنده على حالات مختلفة، فتأتي على أكملها ليَكون ذلك أنكى له لشدّة ثقلها (إِذَا هِيَ لَمْ يُعْطِ) بالبناء للفاعل، والضمير لـ«ربها». ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول، والنائب عن الفاعل «حقّها»، والأول أوضح (فِيهَا) أي منها، فـ«في» بمعنى «من» (حَقَّهَا) أي لم يؤدّ زكاتها، أو ما هو أعمّ، وهذا أولى بدليل قوله: «ومن حقها أن تُحلب الخ» (تَطَؤُهُ) مضارع وَطِئَهُ -بالكسر-: إذا داسه، أي تدُوسه تلك الإبل (بأَخْفَافِهَا) جمع خفّ بالضمّ: وهو مَجْمَعُ فِرْسِنِ البعير، وقد يكون للنعام، أو الخفُّ لَا يكون إلا لهما. قاله في «القاموس» (وَتَأتِي الغَنَمُ عَلَى رَبِّهَا، عَلَى خَيرِ مَا كَانَتْ، إِذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا، تَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا) جمع ظِلْف -بكسر، فسكون- بمنزلة القدم للإنسان، ويكون للبقر، والشاة، والظبي، ونحوها (وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا) بكسر الطاء، وفتحها، من بابي مَنَعَ، وضَرَبَ. (قَالَ: وَمِنْ حَقِّهَا) أي المندوب على ما قاله الجمهور، أو الواجب على ما قاله بعضهم، وهو الحقّ على ما يأتي بيانه، و«من» للتبعيض (أَنْ تُحْلَبَ) بحاء مهملة، مبنيا للمفعول، أي لمن يحضرها من المساكين. وذكره الداوديّ -بالجيم- وفسّره بالإحضار إلى المصدّق. وتعقّبه ابن دحية، وجزم بأنه تصحيف. ولفظ مسلم: «حلبها». قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: هو بفتح اللام على اللغة المشهورة، وحكي إسكانها، وهو غريب ضعيف، وإن كان هو القياس انتهى . (عَلَى الْمَاءِ) أي في محلّ سقيها الماء. ولفظ مسلم: «يوم وردها» -بكسر الواو. أي إتيانها إلى الماء، أو نوبة الإتيان إلى الماء، فإن الإبل تأتي الماء في كلّ ثلاثة أيام، أو أربعة، وربما تأتي في ثمانية. وإنما خصّ الحلب بموضع الماء ليكون أسهل على المحتاجين من قصد المنازل، وأرفق بالماشية. قاله في «الفتح». ولأنه حالة كثرة لبنها؛ ولأن الفقراء يحضرون هناك لذلك. وفي هذا دليل لمن يرى في المال حقوقًا غير الزكاة. قاله في «طرح التثريب». وقال الطيبيّ: معناه أن يُسقى ألبانها المارّة، ومن ينتاب المياه من أبناء السبيل. وقيل: أمران يحلبها صاحبها عند الماء ليصيب ذوو الحاجة منه، وهذا مثل نهيه - ﷺ - عن الجذاذ بالليل، أراد أن يُصرَمَ بالنهار ليحضره الفقراء انتهى. وقال ابن بطّال: يريد حقّ الكَرَم، والمواساة، وشريفِ الأخلاق، لا أن ذلك فرضٌ، قال: وكانت عادة العرب التصدّق باللبن على الماء، فكان الضعفاء يرصدون ذلك منهم، قال: والحقّ حقّان: فرض عين، وغيره، فالحلب من الحقوق التي هي من مكارم الأخلاق. وقال إسماعيل القاضي: الحقّ المفترض هو الموصوف المحدّد، وقد تحدث أمورٌ لا تحُدّ، فتجب فيها المواساة للضرورة التي تنزل، من ضعيف مضطرّ، أو جائع، أو عارٍ، أو ميت ليس له من يُواريه، فيجب حينئذ على من يمكنه المواساة التى تزول بها الضرورات. وقال ابن التين: وقيل: كان هذا قبل فرض الزكاة انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث يردّ قول من قال: إنه من مكارم الأخلاق، وليس من الواجب، وقول من قال بالنسخ، ويدلّ دلالة واضحة لمن يرى في المال حقّا سوى الزكاة على ما سنبيّنه، وهو مذهب غير واحد من التابعين، وهو الحقّ، وسيأتي تحقيق الخلاف في هذا، في المسألة الثانية، إن شاء اللَّه تعالى. (أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه (لَا يَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِبَعِيرٍ) أي لا يجوز لأحدكم أن يمنع بعيرًا من زكاة الإبل، فيأتي به يوم القيامة (يَحْمِلُه عَلَى رَقَبَتِهِ، لَهُ رُغَاءٌ) بضم الراء، ومعجمة: صوت الإبل. وفيه أن اللَّه تعالى يحيي البهائم ليعاقب بها مانع الزكاة، وفي ذلك معاملة له بنقيض قصده؛ لأنه قصد بمنع حقّ اللَّه منها الارتفاق، والانتفاع بما يمنعه منها، فكان ما قصد الانتفاع به أضرّ الأشياء عليه. والحكمة في كونها تعاد كلها مع أن حقّ اللَّه فيها إنما هو في بعضها؛ لأن الحقّ في جميع المال غير متميّز؛ ولأن المال لما لم يُخرَج زكاته غيرُ مطهّر. قاله في «الفتح» . (فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ) نداء للنبي - ﷺ - ليشفع له في تخليصه من التعذيب بالحمل المذكور (فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا) من الشفاعة حتى يعفو اللَّه تعالى عنك (قَدْ بَلَّغْتُ) هذا تعليل لعدم ملكه له شيئًا، وذلك لأنه الجاني على نفسه، حيث بلّغه النبيّ - ﷺ - ما أوجب اللَّه تعالى عليه، وعلم ذلك، ثم فرّط فيه، فلو لم يعلم به لعُذر بالجهل (أُلَا لَا يَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِشَاةٍ، يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ، لَهَا يُعَارٌ) بتحتانيّة مضمومة، ثم مهملة: صوت المعز. قال في «الفتح»: وفي رواية المستملي، والكشميهني هنا: «ثُغَاءٌ» بضم المثلثة، ثم معجمة، بغير راء، ورجحه ابن التين، وهو صِيَاحُ الغنم. وحكى ابن التين عن القزّاز أنه رواه «تعار» بمثناة، ومهملة، وليس بشيء. انتهى. (فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيئًا، قَدْ بَلَّغْتُ») ما أُمرتُ ببيانه، وعصيتَ، فلا أشفع لك عند اللَّه تعالى. (قَالَ) - ﷺ - (وَيَكُونُ كَنْزُ أَحَدِهِمْ) قال في«الصحاح»: الكنز المال المدفون. وفي«المحكم»: أنه اسم للمال، ولما يُخزن فيه. وفي«المشارق»: أصله ما أُودع الأرضَ، من الأموال. وفي الحديث:«ما لم يُؤَدِّ زكاتَهُ، وغيّبه عن ذلك». وقال في«النهاية»: الكنز في الأصل: المال المدفون تحت الأرض، فإذا أخرج منه الواجب لم يبق كنزًا، وإن كان مكنوزًا، قال: وهو حكم شرعيّ، تُجوّز فيه عن الأصل . وقال ابن عبد البرّ: الكنز في لسان العرب: هو المال المجتمع المخزون، فوق الأرض كان، أو تحتها. ذكره صاحب«العين»وغيره بمعناه. انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: سيأتي بيان اختلاف العلماء في المراد بالكنز في هذا الحديث، ونحوه، وفي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية [التوبة: ٣٤]، في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) متعلّق بـ«يكون»(شُجَاعًا) منصوب على الخبرية لـ«يكون»، قال السنديّ: وكتابته بلا ألف كما في بعض النسخ مبنيّ على عادة أهل الحديث في كتابة المنصوب بلا ألف أحيانًا انتهى . و«الشجاع»-بضم الشين المعجمة، وتكسر، بعدها جيم-: الحيّة الذكر. وقيل: الذي يقوم على ذنبه، ويواثب الفارس، وتقدّم بأكثر من هذا في شرح حديث ابن مسعود -٢/ ٢٤٤١ - (أَقْرَعَ) قيل: هو الذي تقرّع رأسه، أي تمعّط لكثرة سمه. وفي«كتاب أبي عُبيد»: سمي أقرع لأن شعر رأسه يتمعّط لجمعه السمّ فيه. وتعقبه القزّاز بأن الحيّة لا شعر برأسها، فلعله يذهب جلد رأسه. وفي«تهذيب الأزهريّ»: سمي أقرع لأنه يَقرِي السمّ، ويجمعه في رأسه، حتى تتمعّط فروة رأسه، قال ذو الرُّمّة [من الطويل]: قَرَى السُّمَّ حَتَّى انْمَارَ فَزوَةُ رَأْسِهِ … عَنِ الْعَظْمِ صَلَّ قَاتِل اللَّسْعِ مَارِدُهْ وقال القرطبيّ: الأقرع من الحيّات الذي ابيضّ رأسه من السمّ، ومن الناس الذي لا شعر برأسه. انتهى. (يَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ، وَيَطلُبُهُ، أَنَا كَنْزُكَ) ولفظ البخاريّ:«ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك». قال في«الفتح»: وفائدة هذا القول الحسرة، والزيادة في التعذيب، حيث لا ينفعه الندم، وفيه نوع من التهكّم (فَلَا يَزَالُ حَتَّى يُلْقِمَهُ أُصْبُعَهُ«) بضم حرف المضارعة، من ألقمه الحجرَ: إذا أدخله في فيه. وفي حديث ثوبان - ﵁ - عند ابن حبّان: «يتبعه، فيقول: أنا كنزك الذي تركتَهُ بعدَك، فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده، فيمضغها، ثم يتبعه سائر جسده». ولمسلم في حديث جابر - ﵁ -: «يتبع صاحبه حيث ذهب، وهو يفرّ منه، فإذا رأى أنه لا بدّ منه، أدخل يده في فيه، فجعل يَقضَمُهَا كما يَقضَمُ الفحل». وللطبرانيّ في حديث ابن مسعود - ﵁ -: «ينقر رأسه». والحديث ظاهر في أن اللَّه تعالى يصيّر نفس المال بهذه الصفة. وفي حديث جابر - ﵁ - عند مسلم: «إلا مثل له» قال القرطبيّ: أي صُوّر، أو نُصِب، وأقيم، من قولهم: مثَلَ قائمًا: أي منتصبًا انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متفق عليه، وقد تقدّم تخريجه، والكلام على مسائله في ٢/ ٢٤٤٢ - وأتكلّم هنا على ما لم يُذكَر هناك من المسائل، فأقول: (المسالة الأولى): قال الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى-: الظاهر أن قوله: «ومن حقها حلبها يوم وردها» مدرج من قول أبي هريرة، قال: وكأن أبا داود أشار إلى ذلك في «سننه» من غير تصريح، فإنه لما ذكر هذه الزيادة روى بعدها من حديث أبي عمر الغدانيّ، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - نحو هذه القصّة، فقال له يعني لأبي هريرة: فما حقّ الإبل؟، قال: تُعطي الكريمة، وتَمنَح الغزيرة، وتُفقر الظهر، وتُطرِق الفحل، وتَسقي اللبن. قال: ففي هذه الرواية أن هذا من قول أبي هريرة - ﵁ -. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: دعوى الإدراج المذكور غير صحيحة، فقد أخرج الحديث البخاريّ في «صحيحه»، فقال: ١٤٠٢ حدثنا الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، أن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، حدثه أنه سمع أبا هريرة، - ﵁ -، يقول: قال النبي - ﷺ -: «تأتي الإبل على صاحبها، على خير ما كانت، إذا هو لم يعط فيها حقها، تطؤه بأخفافها، وتأتي الغنم على صاحبها، على خير ما كانت، إذا لم يعط فيها حقها، تطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها، وقال:«ومن حقها أن تحلب على الماء»، قال:«ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة، يحملها على رقبته لها يُعَار، فيقول: يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد بلغت، ولا يأتي ببعير يحمله على رقبته، له رُغَاء، فيقول: يا محمد، فأقول: لا أملك لك من اللَّه شيئا، قد بلغت». فهذا ظاهرٌ في كون الكلّ مرفوعًا، وأصرح من هذا أن البخاريّ روى الزيادة فقط من حديث أبي هريرة - ﵁ -، فقال في«كتاب المساقاة»من«صحيحه»: ٢٣٧٨ حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا محمد بن فليح، قال: حدثني أبي، عن هلال بن عليّ، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -، قال:«من حق الإبل، أن تُحلَب على الماء». فهذا صريح في رفع هذا الكلام إلى النبيّ - ﷺ - بحيث لا يحتمل الإدراج. وأخرج مسلم في«صحيحه»من حديث أبي الزبير، عن جابر - ﵁ -:«ما من صاحب إبل، ولا بقر، ولا غنم، لا يؤدّي منها حقّها … »الحديث، وفيه: فقلنا: يا رسول اللَّه وما حقّها؟ قال:«إطراق فحلها، وإعارة دلوها، ومنحتها، وحلبها على الماء، وحمل عليها في سبيل اللَّه». وذكر الحديث. وهذا أيضًا صريح في رفع هذا الكلام إلى النبيّ - ﷺ -. فتنبّه. وقد ادعى العراقيّ أيضًا هنا الانقطاع في هذه الزيادة، بأن مسلما أخرجه في بعض طرقه دون الزيادة، ثم قال أبو الزبير: سمع عبيد بن عمير يقول هذا القول، ثم سألنا جابر بن عبد اللَّه، فقال مثل قول عبيد بن عمير، قال أبو الزبير: وسمعت عبيد بن عمير يقول: قال رجل: يا رسول اللَّه، ما حقّ الإبل؟ قال:«حلبها على الماء … » الحديث. قال العراقيّ: فقد تبيّن بهذا أن هذه الزيادة إنما سمعها أبو الزبير من عبيد بن عمير مرسلة، لا ذكر لجابر فيها انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الدعوى غير صحيحة أيضًا، لأن الانقطاع في طريق لا يستلزم الانقطاع في جميع الطرق، فأبو الزبير سمعه من جابر - ﵁ -، مرفوعًا، وسمعه من عُبيد بن عمير مرسلًا، فحدث بالطريقين، وقد نبّه مسلم بإخراجه من كلا الطريقين على أن الإرسال هنا لا يضرّ الاتصال، على أن الحديث قد صحّ من رواية أبي هريرة - ﵁ - عند البخاريّ كما قدّمته قريبًا. والحاصل أن ادعاء الإدراج في مثل هذه الزيادة غير صحيح؛ إذ لو فتح مثل هذا الباب لارتفعت الثقة بروايات الثقات، ولا سيما ما اعتمده الشيخان، وأورداه في «صحيحيهما»، فإن هذا هو الفساد العريض. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): اختلف أهل العلم في وجوب حقّ في المال سوى الزكاة: قال المازريّ -رحمه اللَّه تعالى-: يحتمل أن يكون هذا الحقّ في موضع تتعيّن فيه المواساة. وقال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: هذه الألفاظ صريحة في أن هذا الحقّ غير الزكاة. قال: ولعلّ هذا كان قبل وجوب الزكاة. وقد اختدف السلف في معنى قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥]. فقال الجمهور: المراد به الزكاة، وأنه ليس في المال حقّ سوى الزكاة. وأما ما جاء غير ذلك فعلى وجه الندب، ومكارم الأخلاق، ولأن الآية إخبار عن وصف قوم أُثني عليهم بخصال كريمة، فلا يقتضي الوجوب، كما لا يقتضيه قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]. وقال بعضهم: هي منسوخة بالزكاة، وإن كان لفظه لفظ خبر، فمعناه أمر. قال: وذهب جماعة، منهم: الشعبيّ، والحسن، وطاوسٌ، وعطاءٌ، ومسروقٌ، وغيرهم إلى أنها محكمة، وأن في المال حقّا سوى الزكاة، من فكّ الأسير، وإطعام المضطرّ، والمواساة في العسرة، وصلة القرابة انتهى . وقال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: إنه مذهب أبي ذرّ، وغير واحد من التابعين . وقال أبو محمد ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى-: من قال: إنه لا حقّ في المال غير الزكاة، فقد قال الباطل، ولا برهان على صحّة قوله، لا من نصّ، ولا إجماع، وكلّ ما أوجبه رسول اللَّه - ﷺ - في الأموال فهو واجب. ونسأل من قال هذا، هل تجب في الأموال كفارة الظهار، والأيمان، وديون الناس، أم لا؟ فمن قولهم: نعم، وهذا تناقض منهم. وأما إعارة الدلو، وإطراق الفحل، فداخل تحت قول اللَّه تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧]. انتهى . وهذا المذهب هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميّة -رحمه اللَّه تعالى-، فإنه رجّح القول بأن في المال حقًّا سوى الزكاة، وذلك مثل صلة الرحم من النفقة الواجبة، وحمل العقل عن المعقول عنه، ومثل إطعام الجائع، وكسوة العاري، وكالإعطاء في النوائب، مثل النفقة في الجهاد، وكذلك قرى الضيف، فهو واجب بالسنة الصحيحة. قال: وهو فرض كفاية، فمن غلب على ظنه أن غيره لا يقوم به تعيّن عليه انتهى كلام شيخ الإسلام بتصرّف . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وهذا القول الأخير الذي اختاره ابن حزم، وابن تيميّة هو الحقّ عندي؛ لظواهر النصوص الدالّة على أن في المال حقّا سوى الزكاة، كأحاديث الباب. وأما قولهم: إنه كان قبل الزكاة، فنسخ بها، فغير صحيح، لأن الحديث من رواية أبي هريرة - ﵁ -، وهو متأخّر الإسلام عن وجوب الزكاة بيقين، فإنه أسلم عام خيبر، وفرض الزكاة كان قبل ذلك بزمان، كما تقدّم بيانه. والحاصل أن الصواب وجوب الحقّ في المال سوى الزكاة إذا دعت الحاجة إليه، كفكّ الأسير، وإطعام المضطرّ، والمواساة في العسرة، وصلة القرابة، وتكفين الميت، وتجهيزه، ودفنه، إذا لم يوجد من يقوم به، ونحو ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: أخرج الترمذيّ في «جامعه»، وابن ماجه في «سننه» عن فاطمة بنت قيس - رضي اللَّه تعالى عنها -، عن النبيّ - ﷺ -، قال: «إن في المال حقّا سوى الزكاة». ولفظ ابن ماجه: «في المال حقّ سوى الزكاة»، وفي بعض نسخه: «ليس في المال حقّ سوى الزكاة». وهو ضعيف جدًّا، لا يصلح للاحتجاج به، لأن في إسناده أبا حمزة ميمون الأعور القصّاب، قال أحمد: متروك الحديث. وقال الترمذيّ: هذا حديث إسناده ليس بذاك، وأبو حمزة ميمون الأعور يُضعّف، ورَوَى بيانٌ، وإسماعيل بن سالم عن الشعبيّ هذا الحديث قولَهُ، وهذا أصحّ انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): اختُلِفَ في معنى «الكنز» في قوله - ﷺ -: «يكون كنز أحدكم الخ»، وفي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ الآية [التوبة: ٣٤]: قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: ما معناه: اختلف في المراد بالكنز في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾، وما في معناه، فالجمهور على أنه ما لم تؤدَّ زكاته، وعليه جماعة فقهاء الأمصار، ثم ذكر ذلك عن عمر، وابنه عبد اللَّه، وجابر بن عبد اللَّه، وابن مسعود، وابن عباس، ثم استشهد لذلك بما رواه عن أم سلمة - ﵂ -، قالت: كنت ألبس أوضاحًا من ذهب، فقلت: يا رسول اللَّه أكنز هو؟ قال: «ما بلغ أن تُؤَدَّى زكاتُهُ، فزُكِّيَ فليس بكنز». أخرجه أبو داود، قال الحافظ ابن عبد البرّ: وفي إسناده مقال. وقال الحافظ العراقيّ في «شرح الترمذيّ»: إسناده جيّد، رجاله رجال الصحيح. قال ابن عبد البرّ: ويشهد لصحّته حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - قال: «إذا أَدَّيتَ زكاة مالك، فقد قضيت ما عليك». رواه الترمذيّ، وقال حسنٌ غريب، والحاكم في «مستدركه»، وقال: صحيح من حديث المصريين، وذكر العراقيّ أنه على شرط ابن حبّان في «صحيحه». وفي معناه أيضًا حديث جابر مرفوعًا: «إذا أدّيت زكاة مالك، فقد أذهبت عنك شرّه». رواه الحاكم في «مستدركه»، وصححه على شرط مسلم، ورجّح البيهقيّ وقفه على جابر، وكذلك ذكره ابن عبد البرّ، وكذا صحح أبو زرعة وقفه على جابر، وذكره بلفظ: «ما أدي زكاته فليس بكنز». وروي البيهقيّ عن ابن عمر، مرفوعًا: «كلّ ما أدّي زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفونًا تحت الأرض، وكلّ ما لا يؤدى زكاته فهو كنز، وإن كان ظاهرًا». وقال البيهقيّ: ليس بمحفوظ، والمشهور وقفه. وفي «سنن أبي داود» عن ابن عباس - ﵄ -: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ قال: كبر ذلك على المسلمين، فقال عمر: أنا أفرّج عنكم، فانطلق، فقال للنبيّ - ﷺ -: يا نبيّ اللَّه، إنه كبر على أصحابك هذه الآية، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «إن اللَّه لم يَفرض الزكاة إلا لتطييب ما بقي من أموالكم …» الحديث. وفيه ضعف . قال ابن عبد البرّ: والاسم الشرعيّ قاضٍ على الاسم اللغويّ، وما أعلم مخالفًا في أن الكنز ما لم تؤدّ زكاته، إلا شيئًا عن عليّ، وأبي ذرّ، والضحّاك، ذهب إليه قوم من أهل الزهد، قالوا: إن في المال حقوقًا سوى الزكاة. أما أبو ذرّ - ﵁ -، فقد ذهب إلى أن كلّ مال مجموع يفضل عن القوت، وسداد العيش، فهو كنزٌ، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك. وأما عليّ - ﵁ -، فروي أنه قال: أربعة آلاف نفقة، فما فوقها فهو كنز. وأما الضحّاك، فقال: من ملك عشرة آلاف درهم، فهو من الأكثرين الأخسرين إلا من قال بالمال هكذا، وهكذا. وكان مسروق يقول في قوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٠] هو الرجل يرزقه اللَّه المال، فيمنع قرابته الحقّ الذي فيه، فيُجعل حيّة يُطَوَّقها. قال ابن عبد البرّ: وهذا ظاهر أنه غير الزكاة، ويحتمل أنه الزكاة. قال: وسائر العلماء، من السلف والخلف على ما تقدّم في الكنز، قال: وما استدلّ به من الأمر بإنفاق الفضل، فمعناه أنه على الندب، أو يكون قبل نزول الزكاة، ونُسِخَ بها، كما نسخ صوم عاشوراء برمضان، وعاد فضيلةً بعد أن كان فريضةً. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدّم في المسألة السابقة أن الراجح بقاء وجوب الحقّ سوى الزكاة، إذا دعت الحاجة إلى ذلك، من مواساة أصحاب الحاجة والضرورة. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. قال: على أن أبا ذرّ أكثر ما تواتر عنه في الأخبار الإنكارُ على من أخذ المال من السلاطين لنفسه، ومنع منه أهله، فهذا ما لا خلاف عنه في إنكاره، وأما إيجاب غير الزكاة، فمختلف عنه فيه. وتأول القاضي عياض أيضًا كلام أبي ذرَ على نحو ذلك، فقال: الصحيح أن إنكاره إنما هو على السلاطين الذين يأخذون لأنفسهم من بيت المال، ولا ينفقونه في وجوهه. قال النوويً: وهذا الذي قاله باطلٌ؛ لأن السلاطين في زمنه أبو بكر، وعمر، وعثمان - ﵃ -، وتوفي في زمن عثمان سنة اثنتين وثلاثين انتهى. قال وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: لعله أراد بالسلاطين بعض نوّاب الخلفاء، كمعاوية، وقد وقع بينه وبين أبي ذرّ بسبب هذه الآية تشاجُرٌ، أوجب انتقال أبي ذرّ إلى المدينة، كان معاوية يقول: هي في أهل الكتاب خاصّةً، وقال أبو ذرّ: هي فينا، وفيهم، على أن عبارة ابن عبد البرّ ليست صريحة في أن الإنكار على السلاطين، كعبارة القاضي عياض، بل هي محتملة لأن يكون المراد الإنكار على الآحاد الذين يأخذون الأموال من السلاطين، وهم غير محتاجين إليها، فيجمعونها عندهم، وقد يؤدّي ذلك إلى منع من هو أحقّ منهم. واللَّه تعالى أعلم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تمثيله بمعاوية - ﵁ - لمن يأخذ من بيت المال ظلمًا، فيه سوء أدب مع صحابيّ جليل، من أصحاب رسول اللَّه - ﷺ -، فليُتنبّه، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. قال: ولما حَكَى ابن العربيّ قول الضحّاك، قال: وإنما جعله أوّل حدّ الكثرة؛ لأنه قيمة النفس المؤمنة، وما دونه في حدّ القلّة، وهو فقه بالغ. وقد رُوي عن غيره، وإني لأستحبّه قولًا، وأصوّبه رأيًا انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحقّ أن ما أدّي زكاته فليس بكنز، لكن هذا لا ينافي ما تقدّم من ثبوت الحقّ في المال لحاجة المحتاجين، لثبوت الأدلة على ذلك، فمن أنكر ذلك فقد تناقض، فإنه قد ثبت الإجماع على وجوب أنواع الكفارات، من القتل، والظهار، واليمين، والجماع في رمضان، وكذا النذور، وأداء ديون الناس، وغير ذلك من الحقوق، وكلها سوى الزكاة، فمن أوجب هذه الأشياء في المال، وهي سوى الزكاة، فكيف ينكر وجوب صلة ذوي الأرحام، ومواساة الفقراء، وغيرهم من أصحاب الضرورة؟، إن هذا لهو العجب العجاب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٧ - (بَابُ: سُقُوطِ الزَّكَاةِ عَنِ الْإِبِلِ إِذَا كَانَتْ رُسُلًا لِأَهْلِهَا، وَلِحُمُولَتِهِمْ) قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: «إذا كانت رِسْلًا لأهلها» -بكسر الراء- بمعنى اللبن، وكذا ما كان في الإبل والغنم من عشر إلى خمس وعشرين. والظاهر أنه أراد المعنى الأول، أي إذا اتَّخذوها في البيت لأجل اللبن، وأخذ الترجمة من مفهوم: «في كلّ إبل سائمة». ويحتمل على بُعْد أنه أراد الثاني، أي إذا كانت دون أربعين، فأخذ من قوله: «من كلّ أربعين» أنه لا زكاة فيما دون أربعين، لكن هذا مخالف لسائر الأحاديث، وقد تقدّم حمل الحديث على ما يندفع به التنافي بين الأحاديث. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: «ويحتمل أنه أراد الثاني الخ» هذا غلط، فإن ضبط الثاني إنما هو بفتحتين، لا بكسر، فسكون، راجع «النهاية» ج ٢ ص ٢٢٢. وكذا كتب اللغة. وأيضًا إرادة المعنى الثاني هنا غير صحيح، لمنافاته ما ثبت في الأحاديث الصحيحة
مصادر المؤلف (١٧)

١. - وفي نسخة: «حدثني».

٢. - وفي نسخة: «أبو الزناد في حديث عبد الرحمن الأعرج ما ذكر أنه سمع».

٣. - «النهاية» ج ٢ ص ١٧٩.

٤. - «فتح» ج٥ ص ٤٨٧ - ٤٨٨. «كتاب العتق» رقم ٢٥٥٢.

٥. - «شرح مسلم» ج ٧ ص ٦٧.

٦. - «فتح» ج ٤ ص ١٣.

٧. - «النهاية» ج٤ ص ٢٠٣.

٨. - راجع طرح التثريب ج ٤ ص ٧ - ٩.

٩. - «شرح السنديّ» ج ٥ ص ٢٤ - ٢٥.

١٠. - يقال: قضم الشيءَ يقضمه، من بابي تَعِبَ، وضرب: إذا كسر بأطراف الأسنان. كما في«المصباح».

١١. - «شرح مسلم» للنوويّ ج ٧ ص ٧٣ - ٧٤.

١٢. - «شرح التثريب» ج ٤ ص ١١.

١٣. - «المحلّى» ج ٦ ص ٥٠.

١٤. - راجع «مختصر الفتاوى المصريّة» ص ٢٤٧. وراجع «تيسير الفقه الجامع للاختيارات الفقهية» لشيخ الإسلام ابن تيمية، تأليف د/ أحمد موافي ج ١ ص ٤١٥.

١٥. - راجع «جامع الترمذيّ» ج ٣ ص ٣٢٦ - ٣٢٧. بنسخة «تحفة الأحوذيّ».

١٦. - هذا الحديث إسناده ثقات، إلا أن فيه انقطاعًا، فقد ثبت عن شعبة أنه قال: لم يسمع جعفر عن مجاهد شيئًا، بل من صحيفة. انظر ترجمته في «تهذيب التهذيب» ج١ ص ٣٠٠ - ٣٠١ - فعلى هذا ففيه انقطاع، فتنبّه.

١٧. - راجع «طرح التثريب» ج ٤ ص ٧ - ٩.