حَتَّى يُقْضَي بَيْنَ النَّاسِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. والسند مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فبغداديّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدّم سندًا ومتنًا في -٢/ ٢٤٤٠ - وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله: «تنطحه» بكسر الطاء، وفتحها.
وقوله: «نَفِدَت» -بفتح النون، وكسر الدال المهملة، أو بفتح النون، والذال المعجمة- قال النوويّ: ضبطناه بالدال المهملة، وبالمعجمة، وفتح الفاء، وكلاهما صحيح انتهى.
وقوله: «عادت» ووقع في بعض النسخ: «أُعيدت» بالبناء للمفعول، وهو صحيح أيضًا. ووقع في أخرى: «أعادت» بزيادة الهمزة، وهو غلط. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب».
…
١٢ - (بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمُتَفَرِّقِ، وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُجْتَمِعِ)
٢٤٥٧ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ مَيْسَرَةَ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، قَالَ: أَتَانَا مُصَدِّقُ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَأَتَيْتُهُ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ فِي عَهْدِي، أَنْ لَا نَأْخُذَ رَاضِعَ لَبَنٍ، وَلَا نَجْمَعَ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا نُفَرِّقَ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ كَوْمَاءَ، فَقَالَ: خُذْهَا، فَأَبَى)
رجال هذا الإسناد ستة:
١ - (هنّاد بن السّريّ) التميمي، أبو السريّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥.
٢ - (هُشيم) بن بشير السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقة ثبت كثير الإرسال والتدليس الخفيّ [٧] ٨٨/ ١٠٩.
٣ - (هلال بن خَبّاب)، أبو العلاء البصريّ، نزيل المدائن، صدوق تغيّر بآخره [٥] ٨١/ ١٠١٣.
٤ - (ميسرة أبو صالح) مولى كندة الكوفيّ، مقبول [٣].
روى عن عليّ بن أبي طالب، وسُويد بن غَفَلة. وعنه عطاء بن السائب، وهلال بن خَبّاب، وسلمة بن كُهيل. ذكره ابن حبّان في «الثقات». انفرد به المصنّف، وأبو داود، له عندهما هذا الحديث فقط.
٥ - (سُوَيد بن غَفَلَةَ) -بفتح المعجمة والفاء- أبو أمية الجعفي مخضرم ثقة من كبار التابعين، قدم المدينة يومَ دُفِنَ النبيّ - ﷺ -، وكان مسلمًا في حياته، ثم نزل الكوفة، ومات سنة ٨٠ وله ١٣٠ سنة [٢] ٦٣/ ١١٨٧. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سُوَيْدِ نجنِ غَفَلَةَ) أنه: (قَالَ: أتَانَا مُصَدِّقُ النَّبِيِّ) وفي نسخة: «رسول اللَّه» - ﷺ - أي الذي أرسله النبيّ - ﷺ - آخذًا للصدقات، والمصدّق -بتخفيف الصاد، وتشديد الدال-: اسم فاعل، من صدّق: إذا أخذ الصدقة (فَأَتَيْتُهُ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ فِي عَهْدِي) أي فيما عَهِدَ إليّ النبيّ - ﷺ -، والمراد ما كتبه له، وفي رواية لأبي داود من طريق أبي ليلى الكِنْدِيّ، عن سُوَيدُ بن غَفَلَة: «أتانا مصدّق النبيّ - ﷺ -، فأخذت بيده، وقرأت في عهده …». وللدارقطنيّ: «قدم عدينا مصدّق رسول اللَّه - ﷺقال: فقرأت في كتابه: لا يجمع بين متفرّق …» الحديث.
(أَنْ لَا نَأخُذَ رَاضِعَ لَبَنٍ) هكذا نسخ «المجتبى» «راضع لبن». ووقع في «الكبرى»: «من راضع لبن» بزيادة «من»، وهو الذي في «سنن أبي داود» فـ «من» زائدة، أي لا نأخذَ صغيرًا يَرْضَع اللبن.
ويحتمل أن يكون المعنى أنها إذا كانت كلها صغارًا لا آخذ منها شيئًا، ويؤيّده ما في رواية الدارقطنيّ: «أن لا آخذ من راضع لبن شيئًا».
وإنما نهاه - ﷺ - عن أخذ الصغير لأنه يضرّ بمصلحة الفقراء، فإن حقّهم في الأوساط، وفي الصغار إخلال بحقّهم. أو المراد ذات لبن، بتقدير مضاف، أي ذات راضع لبن، وإنما نهاه لأنها من خيار المال، فتضرّ بالمالك. وقيل: المعنى أن ما أُعدّت للدّرّ لا يؤخذ منها شيء.
ويحتمل أن يكون المعنى أن لا نعُدّ الصغارَ في نصاب الزكاة. ويؤيد هذا المعنى ما في رواية الدارقطنيّ بلفظ: «أن لا آخذ من راضع لبن شيئًا»، كما تقدّم قريبًا.
وعليه يكون الحديث حجّة لأبي حنيفة ومحمد في أن الصغار من الإبل، والغنم، والبقر لا زكاة فيها استقلالًا، فلو ملك خمسًا وعشرين من الأبل، وقد وضعت خمسًا وعشرين فصيلًا، ومات الكبار كلها قبل تمام الحول، وتمّ الحول على الصغار، فلا
زكاة فيها. أما لو بقي من الكبار ولو واحدة، فإنها تُزكّى تبعًا للأصل، لا قصدًا. وعند أبي يوسف يجب في الصغار واحدة منها، إذا تمّ لها حول .
(وَلَا نَجْمَعَ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ) وفي نسخة: «مفترق» (وَلَا نُفَرِّقَ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ) تقدّم شرحه مستوفًى في -٥/ ٢٤٤٧ - زاد في رواية أبي داود: «وكان إنما يأتي المياه حين ترد الغنم، فيقول: أدّوا صدقات أموالكم. قال: فعمد رجل منهم إلى ناقة كوماء، قال: قلت: يا أبا صالح ما الكوماء؟ قال: عظيمة السنام …» الحديث (فَأَتَاهُ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ كَوْمَاءَ) -بفتح الكاف، وسكون الواو- أي مشرفة السنام، عاليته. وفي رواية ابن ماجه: ١٨٠١ «فأتاه رجل بناقة، عظيمة، مُلَمْلَمَة، فأبى أن يأخذها، فأتاه بأخرى دونها، فأخذها، وقال أيُّ أرض تُقِلُّني، وأيُّ سماء تظلني، إذا أتيت رسول اللَّه - ﷺ -، وقد أخذت خيار إبل رجل مسلم». و«الْمُلَمْلَمَةُ»: هي المستديرة سِمَنًا، من اللَّمّ، بمعنى الضمّ والجمع.
(فَقَالَ) ذلك الرجل للمصدّق (خُذْهَا، فَأَبَى) أي امتنع المصدّق من قبول تلك الناقة الكَوْماء؛ لكونها من خيار ماله، وقد نهاه النبيّ - ﷺ - من أخذ خيار المال.
وفي رواية أبي داود: «فأبى أن يقبلها، قال: إني أحبّ أن تأخذ خير إبلي، قال: فأبى أن يقبلها، قال: فخطم له أخرى، دونها، فأبى أن يقبلها، ثم خطم له أخرى دونها، فقبلها، وقال: إني آخذها، وأخاف أن يَجِدَ عليّ رسول اللَّه - ﷺ -، يقول: عَمَدت إلى رجل، فتخيّرت عليه إبله» انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سويد بن غَفَلَة، عن مصدّق النبيّ - ﷺ - صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ وفيه ميسرة أبو صالح، وقال عنه في «التقريب»: مقبول. يعني أنه يحتاج إلى متابع؟.
[قلت]: لم ينفرد به، بل تابعه أبو ليلى الكنديّ سلمة بن معاوية. وقيل: معاوية بن سلمة الكوفي، وهو ثقة.
فقد أخرجه أبو فى داود، وابن ماجه من طريق شريك، عن عثمان بن أبي زرعة، عن