«فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ، وَالأَنْهَارُ، وَالْعُيُونُ الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح:
وقد تقدّموا غير مرّة. و«عمرو بن سوّاد» -بتشديد الواو-: هو أبو محمد المصريّ، ثقة [١١]. و«أحمد بن عمرو»: هو ابن السرح المصريّ، ثقة [١٠]. و«عمرو بن الحارث»: هو المصريّ الثقة الثبت [٧]. و«أبو الزبير»: هو محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوق [٤].
والحديث أخرجه المصنّف هنا -٢٥/ ٢٤٨٩ - وفي «الكبرى» ٢٦/ ٢٢٦٨. وأخرجه (م) في «الزكاة» ٩٨١ (د) في «الزكاة» ١٥٩٧ (أحمد) في «باقي مسند المكثرين» ١٤٢٥٦ و١٤٣٨٩، وشرحه يُعلم من شرح الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٤٩٠ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ -وَهُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ- عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مُعَاذٍ، قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، إِلَى الْيَمَنِ، فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِمَّا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرَ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالدَّوَالِي نِصْفَ الْعُشْرِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: «عاصم»: هو ابن أبي النَّجُود المقرىء. و«أبو وائل»: هو شقيق بن سلمة.
والحديث صحيح، أخرجه المصنّف هنا -٢٥/ ٢٤٩٠ - وفي «الكبرى» ٢٦/ ٢٢٦٩.
وأخرجه (ق) في «الزكاة» ١٨١٨ (أحمد) في «مسند الأنصار» ٢١٥٣ (الدارميّ) في «الزكاة» ١٦٦٧. وفي إسناده اختلاف، فمنهم من أدخل بين أبي وائل وبين معاذ مسروقًا، لكن يشهد له ما قبله.
وقوله: «بالدوالي» جمع دالية: آلةٌ لإخراج الماء. قال في «المصباح»: الدالية: دَلْوٌ، ونحوُها، وخشبٌ يُصنَع كهيئة الصليب، وُيشدّ برأس الدَّلْو، ثمّ يُؤخذ حَبْلٌ يُربَط طَرَفه بذلك، وطرَفه بِجِذْعٍ قائمٍ على رأس البئر، ويُسقى بها. فهي فاعلةٌ بمعنى مفعولة، والجمع الدَّوالي، وشَذّ الفارابيُّ، وتبعه الجوهريّ، ففسّرها بالْمَنْجَنُونِ. انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب».
٢٦ - (كَمْ يَتْرُكُ الْخَارِصُ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: «الخارص»: اسم فاعل من «الْخَرْصِ» -بفتح المعجمة، وحكي كسرها، وبسكون الراء، بعدها مهملة-: وهو حَزْرُ ما على النخل من الرُّطَب تمرًا. وحكى الترمذيّ عن بعض أهل العلم أن تفسيره أن الثمار إذا أدركت من الرطب، والعنب، مما تجب فيه الزكاة بعث السلطان خارصًا ينظر، فيقول: يخرج من هذا كذا وكذا زبيبًا، وكذا وكذا تمرًا، فيُحصيه، وينظر مبلغ العشر، فيثبته عليهم، ويخلِّي بينهم وبين الثمار، فإذا جاء وقت الجذاذ أخذ منهم العشر انتهى.
وفائدة الخرص التوسعة على أرباب الثمار في التناول منها، والبيع من زهوها، وإيثار الأهل والجيران والفقراء؛ لأن في منعهم تضييقًا لا يخفى.
وقال الخطّابيّ: أنكر أصحاب الرأي الخرص، وقال بعضهم: إنما كان يُفعل تخويفًا للمزارعين؛ لئلا يخونوا، لا ليلزم به الحكم؛ لأنه تخمين وغُرور، أو كان يجوز قبل تحريم الربا والقمار.
وتعقّبه الخطّابيّ بأن تحريم الربا والميسر متقدّم، والخرص عُمِل به في حياة النبيّ - ﷺ - حتى مات، ثم أبو بكر، وعمر، فمن بعدهم، ولم يُنقل عن أحد منهم، ولا من التابعين تركه إلا عن الشعبيّ. قال: وأما قولهم: إنه تخمين وغُرور، فليس كذلك، بل هو اجتهاد في معرفة مقدار التمر، وإدراكه بالخرص الذي هو نوع من المقادير.
وحكى أبو عُبيد عن قوم منهم أنّ الخرص كان خاصًّا بالنبيّ - ﷺ -؛ لأنه كان يُوفَّق من الصواب ما لا يوفّق له غيره. وتعقّبه بأنه لا يلزم من كون غيره لا يُسدّد لما كان يُسدّد له سواه أن تثبت بذلك الخصوصيّة، ولو كان المرء لا يجب عليه الاتباع إلا فيما يعلم أنه يسدّد فيه كتسديد الأنبياء لسقط الاتباع.
وتردّ هذه الحجّة أيضًا بإرسال النبيّ - ﷺ - الخرّاص في زمانه. واللَّه تعالى أعلم.
واعتلّ الطحاويّ بأنه يجوز أن يحصل للثمرة آفةٌ فتتلفها، فيكون ما يؤخذ من صاحبها مأخوذًا بدلًا مما لم يَسلَم له.
وأجيب بأن القائلين به لا يضمّنون أرباب الأموال ما تلف بعد الخرص. قال ابن المنذر: أجمع من يُحفظ عنه العلم أن المخروص إذا أصابته جاثحة قبل الجذاذ فلا ضمان. ذكره فى «الفتح» . وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.