HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٤٩١

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ خُبَيْبَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ نِيَارٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ: أَتَانَا وَنَحْنُ فِي السُّوقِ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَأْخُذُوا أَوْ تَدَعُوا الثُّلُثَ - شَكَّ شُعْبَةُ - فَدَعُوا الرُّبُعَ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:ضعيف
  • الألباني:ضعيفضعيف سنن النسائي ج1 ص79
  • زبير علي زئي:إسناده حسن
ج ٥ ص ٤٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن الدارمي, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٢ ص٢١٠
٢٤٩١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ خُبَيْبَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ نِيَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثَمَةَ، قَالَ: أَتَانَا وَنَحْنُ فِي السُّوقِ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا، وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَأْخُذُوا» أَوْ «تَدَعُوا الثُّلُثَ» -شَكَّ شُعْبَةُ- «فَدَعُوا الرُّبُعَ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن بشار) بندر البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧. ٢ - (يحيى بن سعيد) القطان الإمام الحجة الثبت البصري [٩] ٤/ ٤. ٣ - (محمد بن جعفر) غندر البصري، ثقة [٩] ٢١/ ٢٢. ٤ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧. ٥ - (خُبيب بن عبد الرحمن) أبو الحارث المدنيّ، ثقة [٤] ١٠/ ٦٤٠. ٦ - (عبد الرحمن بن مسعود بن نِيَار) -بكسر النون، بعدها تحتانيّة- الأنصاريّ المدنيّ، مقبول [٤]. روى عن سهل بن أبي حَثْمة. وعنه خُبيب بن عبد الرحمن. ذكره ابن حبّان في «الثقات». وقال البزّار: معروف. وقال ابن القطّان: لكنّه لا يُعرف حاله. أخرج له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عندهم حديث الباب فقط. ٧ - (سهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ) -بفتح المهملة، وسكون المثلّثة- ابن ساعدة بن عامر الأنصاريّ الخزرجيّ المدنيّ، صحابيٌّ صغيرٌ، وُلد سنة ثلاث من الهجرة، وله أحاديث، مات في خلافة معاوية - ﵄ -، تقدّم في ٥/ ٧٤٨. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الاسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، سوى عبد الرحمن بن مسعود كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، والباقون مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سهْلِ بْنِ أَيِي حَثْمَةَ) الأنصاري الصحابي الصغير - رضي اللَّه تعالى عنه - (قَالَ) الضمير لعبد الرحمن، أي قال: عبد الرحمن بن مسعود (أَتَانَا) الضمير لسهل بن أبي حثمة، وقوله: (وَنَحْنُ فِي السُّوقِ) جملة في محلّ نصب على الحال، يعني أنه أَتَي سهلُ ابن أبي حثمة عبد الرحمن بنَ مسعود، ومن معه، والحال أنّهم كائنون في السوق، والظاهر أنه أراد سوق المدينة. وفي رواية أبي داود: «جاء سهل بن أبي حثْمَة إلى مجلسنا، فقال: أمرنا رسول اللَّه - ﷺ -، إذا خرصتم، فَجَذُّوا … (فَقَالَ:) سهل - ﵁ - (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -:«إِذَا خَرَصْتُمْ) من باب قَتَلَ: أي قدّرتم، وحَزَرْتم أيّها السُّعَاة، والْمُصدِّقُون (فَخُذُوا) أمر من الأخذ -بالخاء، والذال المعجمتين-: أي خُذُوا زكاة المخروص، إن سَلِمَ من الآفة. والخرص: تقدير ما على النخل من الرُّطَب تمرًا، وما على الكرم من العنب زبيبًا؛ ليُعرَف مقدار عُشره، ثّم يُخلَّى بينه وبين مالكه، ويؤخذ ذلك المقدار وقت قطع الثمار. وفائدته التوسعة على أرباب الثمار في التناول منها، وهو جائز عند الجمهور، خلافًا للحنفيّة؛ لإفضائه إلى الربا، وحملوا أحاديث الخرص على أنها كانت قبل تحريم الربا. وسيأتي تحقيق القول في ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. ووقِع في بعض نسخ أبي داود «فَجَذُّو» -بالجيم، والذال المعجمة بصيغة الماضي-: أي فقَطَعُوا، وفي بعضها «فَجَدُّوا» -بالدّال المهملة-وهو القطع أيضًا، وعلى هاتين النسختين جزاء الشرط محذوف: أي إذا خَرَصتم، ثم قَطَع أرباب النخل ثمرها، فخذوا زكاة المخروص. وقيل: «جُذُّوا» -بضمّ الجيم، بصيغة الأمر، وهو جزاء الشرط، ويكون أمرًا لأرباب النخل: أي إذا قدّر العامل الثمارَ، وعرفتم حقّ الفقراء، فاقطعوا ما شئتم، وهو أمر إباحة. (وَدَعُوا) أي اتركوا (الثُّلُثَ) -بضمّ اللام، وسكونها- يحتمل أن يكون المراد: اتركوا ثلث الزكاة ليتصدّق به ربّ المال بنفسه على أقاربه، وجيرانه، فلا يَغرَم لهم من ماله شيئًا. ويحتمل أن يكون المراد: اتركوا الثلث من نفس الثمرة، فلا يؤخذ عليه زكاة، رأفةً بأرباب الأموال، فإنه يكون منه الساقطة، والهالكة، وما يأكله الطير والناس، فلو أخذت الزكاة على جميع المال أضرّ بربّه. وكان عمر بن الخطّاب - ﵁ - يأمر الخرّاص بذلك. قال في «الفتح»: وقال بظاهره الليث، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم. وفَهِمَ أبو عُبيدة في «كتاب الأموال» أنه القدر الذي يأكلونه بحسب احتياجهم إليه، فقال: يُترك قدرُ احتياجهم. وقال مالك، وسفيان: لا يُترك لهم شيء، وهو المشهور عن الشافعيّ. قال ابن العربي: والمتحصّل من صحيح النظر أن يُعمل بالحديث، وهو قدر المؤونة، ولقد جرّبناه، فوجدناه كذلك في الأغلب مما يؤكل رُطَبًا انتهى . وقال ابن قُدامة في «المغني»: على الخارص أن يترك في الخرص الثلث، أو الربع؛ توسعةً على أرباب الأموال؛ لأنهم يحتاجون إلى الأكل هم وأضيافهم، وُيطعمون جيرانهم، وأهلَهم، وأصدقاءَهم، وسُؤَّالَهُم، ويكون في الثمرة الساقطة، وينتابها الطير، وتأكل منها المارّة، فلو استوفى الكلّ منهم أضرّ بهم. وبهذا قال إسحاق، ونحوه قال الليث، وأبو عُبيد. والمرجع في تقدير المتروك إلى الساعي باجتهاده، فإن رأى في الأَكَلَة كثرةً ترك الثلث، وإن كانوا فيهم قلْةٌ ترك الربع، وذكر حديث الباب. وقال: وروى أبو عُبيد بإسناده عن مكحول قال: كان رسول اللَّه - ﷺ - إذا بعث الخرّاص قال: «خفّفوا على الناس، فإن في المال العَرِيّة، والواطئة، والأكلة». و«العريّة» نخَلَاتٌ يَهبها ربّ المال لشخص يَجني ثمارها. و«الواطئة»: المارّة في الطريق، سُمُّوا بذلك لوطئهم بلاد الثمار مُجتازين. و«الأكلة»: أرباب الثمار، وأقاربهم، وجيرانهم. انتهى كلام ابن قُدامة بتصرّف . (فَإِنْ لَمْ تَأْخُذُوا»(أَوْ) للشكّ (تَدَعُوا) أي تتركوا. وقوله (الثُّلُثَ) بالنصب تنازعه الفعلان قبله (شَكَّ شُعْبَةُ) بن الحجّاج في لفظ خُبيب شيخِهِ، هل هو«تأخذوا»، أو هو«تدعوا»، ومعنى«فإن لم تأخذوا»-واللَّه أعلم-: أي إن لم تأخذوا ثلث الثمار في الاستثناء، بمعنى أنهم لم يروا استثناء الثلث مناسبًا؛ لكثرته حيث كانت حاجة صاحب الثمار قليلةً، فيكون بمعنى«تَدَعُوا الثلث»(«فَدَعُوا الرُّبُعَ») أي اتركوا لهم ربع الزكاة؛ ليتصدّقوا بأنفسهم، أو ربع الثمار، فلا يؤخذ عليه زكاة، على ما تقدّم من الاحتمالين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سهل بن أبي حثْمَة - ﵁ - هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه عبد الرحمن بن مسعود بن نيار، وقد قال ابن القطّان لا يُعرف؟. [قلت]: إنما حكمت بصحّته لأمرين: (أحدهما): أن عبد الرحمن قال فيه البزّار: إنه معروف، ووثقه ابن حبّان. (الثاني): أن له شواهد يصحّ بها: (فمنها): ما أخرجه الشيخان، وغيرهما عن أبي حميد الساعدي - ﵁ -، قال: غزونا مع النبيّ - ﷺ -، غزوة تبوك، فلما جاء وادي القرى، إذا امرأة في حديقة لها، فقال النبيّ - ﷺ - لأصحابه: «اخرُصُوا»، وخَرَصَ رسولُ اللَّه - ﷺ -، عشرة أوسق، فقال لها: «أحصي ما يخرج منها» … وفيه: فلما أتى وادي القرى، قال للمرأة: «كم جاء حديقتك؟»، قالت: عشرة أوسق، خَرْصَ رسول اللَّه - ﷺ - … الحديث بطوله. (ومنها): ما أخرجه أبو داود، والترمذيّ، ويأتي للمصنّف برقم ١٠٠/ ٢٦١٨ عن سعيد بن المسيّب، عن عتّاب بن أَسيّد - ﵁ -: أمر رسول اللَّه - ﷺ - أن يُخرص العنب، كما يُخرص النخل، وتؤخذ زكاته زَبيبًا، كما تؤخذ صدقة النخل تمرًا». [فإن قلت]: هذا غير صحيح، لأنه منقطعٌ، فقد قيل: إن عتابًا لم يسمع منه ابن المسيّب، فإنه مات يوم مات أبو بكر الصديق - ﵄ -، على ما قاله الواقديّ، وسعيد إنما وُلد لسنتين مضتا من خلافة عمر - ﵁ -. [قلت]: دعوى عدم الصحة فيه غير صحيحة؛ لأمرين: (الأول): أن دعوى الانقطاع فيه مبنيّ على قول الواقديّ: إنه مات يوم مات أبو بكر، والواقديّ ضعيف، والراجح أن عتابًا كان من عمّال عمر - ﵁ -، وإنما توفّي في أواخر حياته. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في ترجمة عتّاب - ﵁ -: روى الطيالسيّ، والبخاريّ في «تاريخه» من طريق أيوب بن عبد اللَّه بن يسار ، عن عمرو بن أبي عقرب ، سمعت عتّابًا، فذكر حديثًا، وإسناده حسنٌ، ومقتضاه أن عتّابًا تأخّرت وفاته عما قال الواقديّ؛ لأن عمرو بن أبي عقرب ذكره البخاريّ في التابعين، وقال: سمع عتّابًا. ويؤيّد ذلك أن الطبريّ ذكر عتّابًا فيمن لا يُعرف تاريخ وفاته، وقال في «تاريخه»: إنه كان والي عمر سنة عشرين، وذكره قبل ذلك في سني عمر، ثم ذكره في سنة (٢٢) ثمّ قال في مقتل عمر سنة (٢٣) قتل، وعامله على مكّة نافع بن عبد الحارث انتهى. فهذا يُشعر بأن موت عتّاب كان في أواخر سنة (٢٢) أو أوائل سنة (٢٣)، فعلى هذا فيصحّ سماع سعيد بن المسيّب منه انتهى كلام الحافظ . (الثاني): أن مرسلات سعيد بن المسيّب من أصحّ المراسيل، كما نُقِل عن الشافعيّ، وأحمد، وابن معين، وابن المدينيّ، وغيرهم من أئمة كبار المحدثين، انظر «شرح علل الترمذيّ» للحافظ ابن رجب في بحث المرسل ص ١٧٩ - ١٨٦. بتحقيق صبحي السامرّائيّ. فظهر بهذا أن الحديث أقلّ أحواله أن يكون حسنًا. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): حديث ابن عمر - ﵄ - في «صحيح ابن حبّان»: أن رسول اللَّه - ﷺ - غلب أهل خيبر على الأرض، والزرع، والنخل، فصالحوه، وفيه: فكان ابن رواحة يأتيهم، فيخرصها عليهم، ثم يضمّنهم الشطر». (ومنها): حديث جابر - ﵁ - قال: أفاء اللَّه على رسوله - ﷺ - بني النضير، فأقرّهم رسول اللَّه - ﷺ - على ما كانوا، وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد اللَّه بن رواحة، فخرصها عليهم، ثم قال: يا معشر اليهود أنتم أبغض الناس إليّ، قتلتم أنبياء اللَّه، وكَذَبتم على اللَّه، وليس شيء يحملني بغضي إياكم على أن أَحيف عليكم، قد خرصت عليكم عشرين ألف وسق من تمر، إن شئتم فلكم، وإن أبيتم فلي، قالوا: بهذا قامت السموات والأرض، قالوا: قد أخذنا، فاخرجوا عنّا. رواه البيهقيّ بسند رجاله ثقات . فثبت بما ذُكر أن حديث الباب صحيح. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٦/ ٢٤٩١ - وفي «الكبرى» ٢٧/ ٢٢٧٠. وأخرجه (ت) في «الزكاة» ٦٤٣ (أحمد) في «مسند المكيين»، و«مسند المدنيين» ١٥٦٦٢ (الدارميّ) في «البيوع» ٢٦١٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف، وهو بيان ما يتركه الخارص، وهو الثلث، أو الربع على حسب ما يراه (ومنها): مشروعية الخرص، خلافًا لمن نفاه، كما سيأتي في المسألة التالية (ومنها): سماحة الشريعة، وسهولتها على المكلّفين، حيث تراعي أحوال الجميع، وتدفع عنهم الحرج، فلَمّا كان بعض أرباب الثمار يتحرّجون عن التصرف في ثمارهم حيث تعلّقت به حقوق الفقراء، ويتساهل بعضهم، فيتصرّف بغير حدّ، ويُضَيّق على الفقراء حقوقهم شُرع الخرص رعايةً لمصلحة الجانبين، وهذا من فضل اللَّه تعالى (ومنها): أن الخارص عليه أن يراعي حاجة أرباب الثمار، فمن كانت حاجته أكثر من غيره، يترك له الثلث، ومن كان أقلّ يترك له الربع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الخرص: ذهب أكثر أهل العلم إلى مشروعيّة الخرص في العنب والنخل، منهم عمر بن الخطّاب، وسهل بن أبي حثمة، ومروان، والقاسم بن محمد، وعطاء، والزهريّ، وعمرو بن دينار، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وأبو عبيد، وأبو ثور. ثم اختلفوا، هل هو واجبٌ، أو مستحبٌ؟ فقال الشافعيّ في أحد قوليه بوجوبه، مستدلا بما في حديث عتّاب بن أَسيد: أمر رسول اللَّه - ﷺ - أن يُخرص العنب، كما يُخرص النخل، ويؤخذ زكاته زبيبًا». رواه أحمد، وأصحاب السنن. قال الصنعانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: والحديث دليلٌ على وجوب خرص التمر والعنب؛ لأن قول الراوي:«أمر» يُفهم منه أنه أتى - ﷺ - بصيغة تفيد الأمر، والأصل فيه الوجوب انتهى. وقال الجمهور: هو مستحبّ، وهي رواية عن الشافعيّ، إلا إن تعلّق به حقٌّ لمحجور مثلًا، أو كان شُركاؤه غير مؤتمنين، فيجب لحفظ مال الغير. وروي عن الشافعيّ أنه جائز فقط. وقال الشعبيّ، والثوريّ، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد: الخرص مكروه. وقال الشعبيّ: الخرص بدعة. وقال الثوريّ: خرص الثمار لا يجوز. وقال ابن رُشد: قال أبو حنيفة، وصاحباه: الخرص باطلٌ، وعلى ربّ المال أن يؤدّي عشر ما تحصّل بيده، زاد على الخرص، أو نقص منه. واستدلّ الجمهور لمشروعيّة الخرص بالأحاديث المتقدّمة في المسألة الأولى. وأجاب الحنفيّة عنها بوجوه: (الأول): الكلام في أسانيدها. قال ابن العربيّ: ليس في الخرص حديث صحيح، إلا حديث أبي حميد الساعديّ عند الشيخين، ويليه ما روي في خرص ابن رواحة على أهل خيبر. وتُعقّب بأن حديث سهل بن أبي حثمة صحيح، وحديث عتّاب حسنٌ، كما تقدّم البحث عنهما مستوفىً. (الثاني): أنه منسوخ بنسخ الربا. قال الخطابيّ: قال بعض أصحاب الرأي إنما كان جوازه قبل تحريم الربا والقمار. وتعقبه في «المعالم» (٢/ ٤٤) بأن تحريم الربا والقمار والميسر متقدّم، والخرص عُمل به في حياة النبيّ - ﷺ - حتى مات، ثم أبو بكر، وعمر، فمن بعدهم، ولم يُنقل عن أحد منهم، ولا عن التابعين خلاف فيه، إلا عن الشعبيّ انتهى. وقال الإمام ابن القيّم في «إعلام الموقّعين»: «المثال التاسع والعشرون» ردّ السنّة الصحيحة الصريحة المحكمة في خرص الثمار في الزكاة، والعرايا، وغيرها، إذا بدا صلاحها، ثم ذكر أحاديث الخرص، ثم قال: فردّت هذه السنن كلها بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]، قالوا: والخرص من القمار والميسر، فيكون تحريمه ناسخًا لهذه الآثار. وهذا من أبطل الباطل، فإن الفرق بين القمار والميسر، والخرص المشروع كالفرق بين البيع والربا، والميتة والمذكّى، وقد نزّه اللَّه رسوله - ﷺ -، وأصحابه عن تعاطي القمار، وعن شرعه، وإدخاله في الدين، ويا للَّه العجب أكان المسلمون يُقامرون إلى زمن خيبر، ثم استمرّوا على ذلك إلى عهد الخلفاء الراشدين، ثم انقضى عصر الصحابة، وعصر التابعين على القمار، ولا يعرفون أنّ الخرص قمار حتى بيّنه بعض فقهاء الكوفة، هذا واللَّه الباطل حقًّا. انتهى كلام ابن القيم. وقد ذكر صاحب «المرعاة» ما تعلّق به الحنفيّة في ردّ أدلّة الخرص كلها وناقشها كلّها، فأجاد، وأفاد، فراجعه في جـ ٦ ص ١٥١ - ١٥٤. تستفد. وباللَّه تعالى التوفيق. [تنبيهان]: (الأول): اختلف القائلون بالْخَرْص، هل يختصّ بالنخل، أو يُلحق به العنب، أو يعمّ كلّ ما ينتفع به رطبًا وجافًّا؟ وبالأول قال شُريح القاضي، وبعض أهل الظاهر. وبالثاني قال الجمهور. وإلى الثالث نحا البخاريّ. قال الجامع: مذهب الجمهور عندي أرجح، لصحة الأدلّة به. واللَّه تعالى أعلم. وهل يمضي قول الخارص، أو يرجع إلى ما آل إليه الحال بعد الجفاف؟ الأول قول مالك، وطائفة. والثاني قول الشافعيّ، ومن تبعه. قال الجامع: قول مالك عندي أظهر. واللَّه تعالى أعلم. وهل يكفي خارصٌ واحد عارف ثقةٌ، أو لابدّ من اثنين؟ وهما قولان للشافعيّ، والجمهور على الأول. قال الجامع: قول الجمهور هو الموافق ظاهر أحاديث الخرص. واللَّه تعالى أعلم. واختُلف أيضًا، هل هو اعتبار، أو تضمينٌ؟ وهما قولان للشافعيّ، أظهرهما الثاني. وفائدته جواز التصرّف في جميع الثمرة، ولو أتلف المالك الثمرة بعد الخرص أُخذت منه الزكاة بحساب ما خُرص. . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». …
مصادر المؤلف (٧)

١. - «فتح» ج ٤ ص ١١٢.

٢. - «المغني» ج ٤ ص ١٧٧ - ١٧٨.

٣. - ترجمه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ج ٢ ص ٢٥٢، وقال: روى عنه عبد اللَّه وخالد ابنا أبي عثمان، يعدّ في البصريين انتهى. ووثقه ابن حبّان.

٤. - ترجمه البخاريّ في «التاريخ الكبير» ج ٦ ص ٣٥٦.

٥. - «تهذيب التهذيب» ج ٣ ص ٤٨.

٦. - «السنن الكبرى» ج ٤ ص ١٢٣.

٧. - راجع «الفتح» ج ٤ ص ١١٢.