HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٥٤٧

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَاهُ أَبُو الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ مَثَلَ الْمُنْفِقِ الْمُتَصَدِّقِ وَالْبَخِيلِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ - أَوْ جُنَّتَانِ - مِنْ حَدِيدٍ مِنْ لَدُنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَإِذَا أَرَادَ الْمُنْفِقُ أَنْ يُنْفِقَ اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ الدِّرْعُ أَوْ مَرَّتْ حَتَّى تُجِنَّ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَإِذَا أَرَادَ الْبَخِيلُ أَنْ يُنْفِقَ قَلَصَتْ وَلَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَهَا، حَتَّى إِذَا أَخَذَتْهُ بِتَرْقُوَتِهِ أَوْ بِرَقَبَتِهِ. يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ يُوَسِّعُهَا فَلَا تَتَّسِعُ. قَالَ طَاوُسٌ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُشِيرُ بِيَدِهِ وَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَوَسَّعُ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص210
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٥ ص ٧٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٣ ص١٧
الصدقة أفضل»، وهو أنّ أفضل الصدقة الصدقة على النفس، ثم الأهل، ثم الأقرباء (ومنها): مشروعية تدبير المملوك (ومنها): أنّ الحقوق إذا تزاحمت قُدْم الأوكد، فالأوكد (ومنها): أنّ الأفضل في صدقة التطوّع أنّ ينوّعها في جهات الخير، ووجوه البرّ، بحسب المصلحة، ولا ينحصر في جهة بعينها (ومنها): أنّ فيه دلالةً ظاهرة لما ذهب إليه الشافعيّ، وأهل الحديث، من جواز بيع المدبّر، وهو المذهب الراجح، وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه، إن شاء اللَّه تعالى (ومنها): أن الدين مقدّم على التبرّع بالتدبير (ومنها): أن للإمام أن يبيع أموال الناس بسبب ديونهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب». … ٦١ - (صَدَقَةُ الْبَخِيلِ) ٢٥٤٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ … ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنَّ مَثَلَ الْمُنْفِقِ الْمُتَصَدِّقِ، وَالْبَخِيلِ، كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ، أَوْ جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، مِنْ لَدُنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَإِذَا أَرَادَ الْمُنْفِقُ أَنْ يُنْفِقَ، اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ الدِّرْعُ، أَوْ مَرَّتْ حَتَّى تُجِنَّ بَنَانَهُ، وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَإِذَا أَرَادَ الْبَخِيلُ أَنْ يُنْفِقَ، قَلَصَتْ، وَلَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَهَا، حَتَّى أَخَذَتْهُ بِتَرْقُوَتِهِ، أَوْ بِرَقَبَتِهِ»، يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، يُوَسِّعُهَا، فَلَا تَتَّسِعُ، قَالَ طَاوُسٌ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يُشِيرُ بِيَدِهِ، وَهُوَ يُوَسِّعُهَا، وَلَا تَتَوَسَّعُ«). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (محمد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠] من أفراد المصنف. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١. ٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أبو الوليد، وأبو خالد المكي، ثقة فقسيه فاضل، يدلس يرسل [٦] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (الْحَسَن بْن مُسْلِمٍ) بن يَنّاق -بفتح التحتانية، وتشديد النون، آخره قاف- المكّيّ، ثقة [٥]. قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال أبو داود: كان من العلماء بطاوس. وقال ابن سعد: مات قبل طاوس، وكان ثقة، وله أحاديث. وذكره ابن حبّان في «الثقات». مات قديمًا قبل المائة بقليل. روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله عند المصنف في هذا الكتاب تسعة أحاديث برقم ٢٥٤٧ و٢٧٢١ و٢٩٢٢ و٢٩٨٧ و٣٥٣٥ و٣٦٩٢ و٣٧٠٤ و٥٠٩٧. ٥ - (طاوس) بن كيسان اليماني الثقة الثبت الفقيه [٣] ٢٧/ ٣١. ٦ - (أبو الزناد) عبد اللَّه بن ذكران المدني، ثقة فقيه [٥] ٧/ ٧. ٧ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني، ثقة ثبت [٣] ٧/ ٧. ٨ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى- بالنسبة للسند الأول، ومن خماسياته بالنسبة للثاني. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه كما سبق آنفًا. (ومنها): أن السند الأول مسلسل بالمكيين غير طاوس فيمني، وأبي هريرة فمدني والثاني مسلسل بالمدنيين غير شيخه، وسفيان فمكيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه أبو هريرة - ﵁ - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ طَاوُسٍ) بن كيسان -رحمه اللَّه تعالى- أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبا هُرَيْرَة) - رضي اللَّه تعالى عنه -، ولم يسق المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- متن هذا السند، وقد ساقه البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في، «صحيحه»، في «كتاب اللباس»، فقال: ٥٣٥١ حدثنا عبد اللَّه بن محمد، حدثنا أبو عامر، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن الحسن، عن طاوس، عن أبي هريرة، قال: ضرب رسول اللَّه - ﷺ -، مثل البخيل والمتصدق، كمثل رجلين، عليهما جبتان، من حديد، قد اضطُرَّت أيديهما إلى ثُدِيِّهما، وتَرَاقيهما، فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة، انبسطت عنه، حتى تُغشِى أنامله، وتَعفُوَ أَثَرَه، وجعل البخيل كلما هَمَّ بصدقة، قلصت، وأخذت كلُّ حَلْقَة بمكانها»، قال أبو هريرة: فأنا رأيت رسول اللَّه - ﷺ -، يقول بإصبعه هكذا، في جيبه، فلو رأيته يوسعها، ولا تتوسع. تابعه ابن طاوس، عن أبيه، وأبو الزناد، عن الأعرج«في الجبتين». وقال حنظلة: سمعت طاوسا، سمعت أبا هريرة، يقول:«جبتان»وقال جعفر بن حيان، عن الأعرج:«جبتان» انتهى . (ثُمَّ قَالَ) أي سفيان بن عُيينة، فلسفيان في هذا الحديث طريقان: أحدهما: طريق ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -. والثاني: طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - (حَدَّثَنَاه) أي الحديث الآتي (أَبُو الزَّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ (عَنِ الْأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هُرْمُز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، وفي رواية البخاريّ: «أنّ عبد الرحمن حدثه، أنه سمع أبا هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:»إِنَّ مَثَلَ الْمُنْفِقِ، الْمُتَصَدِّقِ) أي صفة المنفق على نفسه، وأهله، وصفة المتصدّق في سُبُل الخير، فإن البخيل يمنع الأمرين جميعًا، فلذلك جمع بينهما، وقد جاء الاقتصار على أحدهما؛ لكونهما كالمتلازمين عادة. أفاده السنديّ (وَالْبَخِيلِ) ووقع في رواية مسلم: «مثل المنفق، والمتصدّق» بحذف «والبخيل»، قال النوويّ في «شرحه»: هكذا وقع هذا الحديث، في جميع النسخ، من رواية عمرو -يعني ابن محمد الناقد- قال القاضي عياض وغيره: هذا وَهَمٌ، وصوابه مثل ما وقع في باقي الروايات: «مثل البخيل، والمتصدّق»، وتفسيرهما آخر الحديث يبيّن هذا. وقد يحتمل أن صحّة رواية عمرو هكذا أن تكون على وجهها، وفيها محذوفٌ، تقديره: «مثل المنفق، والمتصدّق، وقسيمهما، وهو البخيل»، وحذف «البخيل»؛ لدلالة المنفق والمتصدّق عليه، كقول اللَّه تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ الآية [النحل: ٨١]: أي «والبرد»، وحُذف ذكر البرد لدلالة الكلام عليه انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- . وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: قد رواه الحميديّ، وأحمد، وابن أبي عمر، وغيرهم في «مسانيدهم» عن ابن عيينة، فقالوا في رواياتهم: «مثل المنفق، والبخيل»، كما في رواية شعيب، عن أبي الزناد، وهو الصواب انتهى . (كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ) هذا هو الصواب، ووقع في رواية مسلم: «كمثل رجل» بالإفراد، قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: هكذا وقع في الأصول كلّها «كمثل رجل» بالإفراد، والظاهر أنه تغيير من بعض الرواة، وصوابه: «كمثل رجلين» انتهى (عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ) - بضم الجيم، وتشديد الموحّدة، تثنية جُبّة، وهو ثوب مخصوص (أَوْ جُنَّتَانِ) بالنون بدل الباء الموحّدة، وهي الدرع، وهذا شكّ من الراوي، وصوّبوا النون؛ لقوله: «من حديد»، وقوله: «واتسعت عليه الدرع»، وغير ذلك. ذكره النوويّ. وأفاد الحافظ في «الفتح» أن المحفوظ في هذه الرواية بالموحّدة، ومَن رواه فيها بالنون، فقد صحّف. قال: ورُجّحت رواية النون لقوله: «من حديد». والجنّة في الأصل الحصين، وسمّيت بها الدرع؛ لأنها تُجِنّ صاحبها، أي تحصنه. والجبّة -بالموحّدة ثوب مخصوص، ولا مانع من إطلاقه على الدرع انتهى . وقال السنديّ: نعم إطلاق الجبّة -بالباء- على الجنّة -بالنون- مجازًا غير بعيد، فينبغي أن تكون الجنّة -بالنون- هي المرادة في الروايتين انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن الروايتين بالموحّدة، والنون صحيحتان. واللَّه تعالى أعلم. (مِنْ حَدِيدٍ) «من» لبيان الجنس، فتكون بيانًا للجنّتين، وتتعلّق بمحذوف، صفةٍ لهما، أي كائنين من حديد (مِنْ لَدُنْ ثُدِيِّهمَا) «من» ابتدائية متعلّق بحال محذوف، أي حال كون الجبّتين، أو الجنّتين كائنتين من ثُديهّما. و«الثُّدِيُّ» -بضمّ المثلّثة، وكسر الدال المهملة، وتشديد الياء، جمع ثَدْي -بفتح، فسكون، كفلس، وفُلُوس، وأصله ثُدُويٌ«، اجتمعت الواو والياء في كلمة، وسبقت إحداهما بالسكون الأصليّ، فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت في الياء، كما قال ابن مالك -رحمه اللَّه تعالى- في»الخلاصة«: إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيَا … وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُرُوضٍ عَرِيَا فَيَاءَ الْوَاوَ اقْلِبَنَّ مُدْغِمَا … وَشَذَّ مُعْطَى غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا قال في«المصباح»: الثَّدْيُ للمرأة، وقد يقال في الرجل أيضًا. قاله ابن السّكّيت. ويُذكّر، ويؤنّث، فيقال: هو الثَّدْيُ، وهي الثديُ، والجمع أَثْدٍ، وثُدِيٌّ، وأصلهما أَفْعُلٌ، وفُعُولٌ، مثل أفلُسٍ، وفُلُوسٍ، وربّما جمُع على ثِدَاءٍ، مثلُ سَهْمِ وسِهَام انتهى . وفي» القاموس«:» الثَّدْيُ -أي بالفتح- وُيكسر، وكالثَّرَى: خاصّ بالمرأة، أو عامّ، ويؤنّث، وجمعه أَثْدٍ، وثُدِيٌ، كَحُليٌّ انتهى. قال الشارح المرتضى: قوله: «كحليّ» أي بالضمّ على فُعُولٍ، كما في «الصحاح»، قال: و«ثِدِيّ» أيضًا بكسر الثاء إتباعًا انتهى. (إِلَى تَرَاقِيهِمَا) بفتح المثنّاة الفوقيّة، وقاف، جع تَرْقُوة -بفتح المثنّاة، وسكون الراء، وفتح الواو-: هما العظمان المشرفان في أعلى الصدر. قال في «المصباح»: التَّرْقُوَة: وزنَهُا فَعْلُولَةٌ -بفتح الفاء، وضمّ اللام- وهو العظم الذي بين ثُغْرَة النَّحْر والعاتق من الجانبين، والجمع التَرَاقِي. قال بعضهم: ولا تكون التَّرْقُوة لشيء من الحيوان إلا للإنسان انتهى. وهذا إشارة إلى ما جُبل عليه الإنسان من الشحّ، ولذا جمع بين البخيل، والجواد فيه (فَإِذَا أَرَادَ الْمُنْفِقُ أَنْ يُنْفِقَ، اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ الدِّرْعُ) -بكسر، فسكون-: قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: دِرْعُ الحديد مؤنّثةٌ في الأكثر، وتُصغّر على دُريع، بغير هاء على غير قياس، وجاز أن يكون التصغير على لغة من ذكّر، وربّما قيل: دُريعةٌ بالهاء، وجمعها أَدْرُعٌ، ودُرُوعٌ، وأدراعٌ. قال ابن الأثير: وهي الزَّرَدِية. ودرع المرأة: قميصها مذكّر انتهى. وفيه إشارة إلى ما يُفيض اللَّه تعالى على من يشاء من التوفيق للخير، فيشرح لذلك صدره (أَوْ مَرَّتْ) أي جازت ذلك المحلَّ. و«أو» للشكّ من بعض الراوة (حَتَّى تُجِنَّ) - بضمّ أوّله، وكسر الجيم، وتشديد النون- من أجنّ الشيءَ: إذا ستره، أي تستر (بَنَانَهُ) بالنصب مفعول «تُجنّ» وهو -بفتح الموحّدة، ونونين خفيفتين- قال الفيّوميّ -﵀- تعالى: البَنَانُ: الأصابع. وقيل: أطرافها، الواحدة بَنَانَةٌ. قيل: سمّيت بَنَانًا؛ لأنّ بها صلاحَ الأحوال التي يستقرّ بها الإنسان؛ لأنه يقال: أَبَنَّ بالمكان: إذا استقرّ به. انتهى. (وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ) أي تمحوَ أثر مشيه بسبوغها، وكمالها. يقال: عما المنزلُ عَفْوًا، وعَفَاءً -بالفتح، والمدّ: دَرَسَ، وعَفَتْهُ الريحُ، يُستعمل لازمًا، ومتعدّيًا، ومنه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾: أي محا ذنوبك، وعفوتُ الحقّ: أسقطته، كأنّك محوته عن الذي هو عليه، وعافاه اللَّه: محا عنه الأسقام. قاله الفيّوميّ. والمناسب هنا المتعدّي، ولذا نَصَبَ «أثرَهُ». والمعنى: أن الصدقة تستر خطاياه، كما يغطّي الثوبُ الذي يُجَرُّ على الأرض أثرَ صاحبه، إذا مشى بمرور الذيل عليه. قاله في «الفتح». وقال النوويّ نقلًا عن القاضي عياض -رحمهما اللَّه تعالى-: هو تمثيلٌ لنماء المال بالصدقة، والإنفاق، والبخل بضد ذلك. وقيل: هو تمثيلٌ لكثرة الجود والبخل، وأنّ المعطي إذا أعطى انبسطت يداه بالعطاء، وتعوّد ذلك، وإذا أمسك صار ذلك عادةً له. وقيل: معنى «تعفو أثره» أي تَذْهَبَ بخطاياه، وتمحوها. وقيل في البخيل: «قلَصَت، ولَزِمَت كلُّ حلقة مكانها»: أي يُحمَى عليه يوم القيامة، فيكوى بها. والصواب الأوّل، والحديث جاء على التمثيل، لا على الخبر عن كائن. وقيل: ضرب المثل بهما؛ لأنّ المنفق يستره اللَّه تعالى بنفقته، ويستر عورته في الدنيا والآخرة، كستر هذه الْجُنَّة لابسها، والبخيل كمن لبس جُبّة إلى ثدييه، فيبقى مكشوفًا، بادي العورة، مُفتَضَحًا في الدنيا والآخرة انتهى . (وَاِذَا أَرَادَ الْبَخِيلُ أَنْ يُنْفِقَ، قَلَصَتْ) -بفتح القاف، واللام، والصاد المهملة-: أي انقبضت. يقال: قَلَصَت شَفَتُهُ تَقْلِصُ، من باب ضرب: انزَوَتْ، وتقلَّصَت مثله، وقَلَصَ الظلُّ: ارتفع، وقَلَصَ الثوبُ: انزوَى بعد غَسْلِهِ. قاله الفيّوميّ (وَلَزِمَتْ) وفي لفظ: «لَزِقَت» (كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَهَا) يعني اشتدّت، والتصقت الحلقة بعضها ببعض. قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: حَلْقَةُ الباب بسكون اللام، من حديد وغيره، وحَلْقَةُ القوم الذين يجتمعون مستديرين، والْحَلْقَةَ السّلاحُ كلُّهُ بالسكون، والجمعُ حَلَقٌ بفتحتين، على غير قياس. وقال الأصمعيّ: والجمع حِلَقٌ بكسر، ففتح، مثلُ قَصْعَة وقِصَعٍ، وبَدْرَةٍ وبِدَرٍ. وحكى يونس عن أبي عمرو بن العلاء أنّ الحَلَقَة بفتحِ اللام لغة في السكون، وعلى هذا فالجمع بحذف الهاء قياسٌ، مثلُ قَصَبَة وقَصَبٍ. وجمَعَ ابنُ السّراج بينهما، وقال: فقالوا: حَلَقٌ بفتحتين، ثم خفَّفُوا الواحد حين ألحقوه الزيادة، وغُيِّرَ المعنى، قال: وهذا لفظ سيبويه انتهى كلام الفيّوميّ ببعض تصرّف . وقال المجد اللغويّ: وحَلْقَةُ الباب، والقوم، وقد تُفتحُ لامهما، وتُكسرُ، أو ليس في الكلام حَلَقَةٌ، محرَّكَةً، إلا جَمْعَ حالق، أو لغةٌ ضعيفة، جمعه حَلَقٌ، محرَّكَةً، وكَبِدَرٍ، وحَلَقَاتٌ، محرَّكةً، وتكسر الحاء انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تحصّل من مجموع ما ذُكر أن «الْحَلْقَة» يجوز في حائه الفتح، والكسر، وفي لامه السكون، وهو الأفصح، والفتح، وهو قليل، وذكر في «تاج العروس» عن «العُباب» كسر اللام، قال: نقله الفراء، والأموي، وقالا: هي لغة لبلحرث بن كعب. وأما جمعه فحَلَقٌ محرَّكةً، وحِلَق، بكسر، ففتح، وحَلَقَات، محرَّكةً، وتكسر حاؤه. واللَّه تعالى أعلمِ. (حَتَّى إِذَا أَخَذتهُ بِتَرْقُوَتِهِ) تقدّم معناها قريبًا (أَوْ بِرَقَبَتِهِ) شكّ من الراوي، وجواب «إذا» محذوفٌ دلّ عليه ما بعده، تقديره: أخذ يوسّعها، فلا تتّسع. واللَّه تعالى أعلم. (يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ) فيه التفات؛ لأنّ الظاهر أن يقول: «أنّي رأيت الخ» (رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يُوَسِّعُهَا، فَلَا تَتَّسِعُ) وفي الرواية التالية: «وسمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول:»فيجتهد أن يوسّعها، فلا تتّسع«. وفي رواية عند الشيخين:»فأنا رأيت رسول اللَّه - ﷺ - يقول بأصبعه هكذا في جيبه، فلو رأيته يوسّعها، ولا تتّسع«. ووقع عند أحمد من طريق ابن إسحاق، عن أبي الزناد في الحديث:»وأما البخيل، فإنها لا تزداد عليه إلا استحكامًا«. (قَالَ: طَاوُسٌ) يعني أن ما تقدّم هو رواية الأعرج، عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى - عنه، وأما طاوس، فقال في روايته (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (يُشِيرُ بِيَدِهِ) وفي نسخة:«بيديه». والظاهر أن هذه الجملة حال من محذوف، تقديره: يقول: رأيت رسول اللَّه - ﷺ -، يشير بيده«. يوضّح ذلك رواية مسلم من طريق إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس، بلفظ: »قال: فأنا رأيت رسول اللَّه - ﷺ -، يقول بإصبعه في جيبه، فلو رأيته يوسّعها، ولا تَوَسّع« (وَهُوَ يُوَسِّعُهَا) جملة في محلّ نصب على الحال، والواو حاليّة، فهو من الأحوال المترادفة، أو المتداخلة، ويجوز أن تكون الواو عاطفة، فيكون معطوفًا على الحال الأولى (وَلَا تَتَوَسَّعُ) يعني أنه يحاول في توسيعها، ولكنّها لا تقبل التوسيع؛ لاستحكام تقلّصها، وثبوتها في مكانها. قال التوربشتيّ -رحمه اللَّه تعالى-: معنى الحديث أن الجواد الموفّق إذا همّ بالصدقة اتّسع لذلك صدره، وطاوعته نفسه، وانبسطت بالبذل والعطاء يداه، كالذي لبس درعًا، فاسترسلت عليه، وأخرج منها يديه، فانبسطت حتى خلصت إلى ظهور قدميه، فأجنّته، وحصنته. وأنّ البخيل إذا أراد الإنفاق حَرِجَ به صدره، واشمأزّت عنه نفسه، وانقبضت عنه يداه، كالذي أراد أن يستجنّ بالدرع، وقد غُلّت يداه إلى عنقه، فحال ما ابتُلي به بينه وبين ما يبتغيه، فلا يزيده لبسها إلا ثقلًا، ووبالًا، والتزامًا في العنق، والتواءً، وأَخْذًا بالترقوة انتهى. وقال في «الفتح»: قال الخطّابيّ وغيره: وهذا مثلٌ ضربه النبيّ - ﷺ - للبخيل والمتصدّق، فشبّههما برجلين أراد كلّ واحد منهما أن يلبس درعًا، يستتر به من سلاح عدوّه، فصبّها على رأسه ليلبسها، والدرعُ أول ما تقع على الصدر، والثديين إلى أن يُدخل الإنسان يديه في كمّيها، فجَعَلَ المنفقَ كمن لبس درعًا سابغةً، فاستَرسَلَت عليه، حتى سترت جميع بدنه، وهو معنى قوله: «حتّى تعفوَ أثره»: أي تستر جميع بدنه. وجَعَلَ البخيلَ كمثل رجل غُلَّت يداه إلى عنقه، كلّما أراد لبسها، اجتمعت في عنقه، فلزمت ترقوتَهُ، وهذا معنى قوله: «قلَصَت»: أي تضامّت، واجتمعت. والمراد أنّ الجواد إذا هَمَّ بالصدقة انفسح لها صدره، وطابت نفسه، فتوسّعت في الإنفاق -أي وطاوعت يداه بالعطاء-. والبخيل إذا حدّث نفسه بالصدقة شحّت نفسه، فضاق صدره، وانقبضت يداه: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] انتهى. وقال الطيبيّ: أوقع المتصدّق مقابل البخيل، والمقابل الحقيقيّ السخيّ، إيذانًا بأنّ السخاء ما أَمَرَ به الشرع، وندب إليه من الإنفاق، لا ما يتعاناه المبذّرون، وخصّ المشبّه بهما بلبس الجبّتين من الحديد، إعلامًا بأن الشحّ، والقبض من جبلّة الإنسان، وخلقته، وأنّ السخاء من عطاء اللَّه تعالى، وتوفيقه، يمنحه من يشاء من عباده المفلحين، وخصّ اليد بالذكر؛ لأنّ السخيّ، والبخيل يوصفان ببسط اليد وقبضها، فإذا أريد المبالغة في البخل قيل: مغلولة يده إلى عنقه، وثديه، وتراقيه. وإنما عدل عن الغُلّ إلى الدرع لتصوّر معنى الانبساط والتقلّص، والأسلوبُ من التشبيه المفرّق، شبّه السخيّ الموفّق، إذا قصد التصدّق، يسهل عليه، ويطاوعه قلبه بمن عليه الدرع، ويده تحت الدرع، فإذا أراد أن يُخرجها منها، وينزعها يسهل عليه، والبخيل على عكسه انتهى. وقال المنذريّ: شبّه - ﷺ - نِعَمَ اللَّه تعالى، ورزقه بالْجُنَّة، وفي رواية بالْجُبَّة، فالمنفق كلّما أنفق اتسعت عليه النعم، وسَبَغَت، ووَفَرَت حتّى تستره سَتْرًا كاملًا شاملًا. والبخيل كلّما أراد أن يُنفق منعه الشحّ، والحرص، وخوف النقص، فهو بمنعه يطلب أن يزيد ما عنده، وأن تتّسع عليه النعم، فلا تتّسع، ولا تستر منه ما يروم ستره. انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦١/ ٢٥٤٧ و٢٥٤٨ - وفي «الكبرى» ٦٣/ ٢٣٢٧ و٢٣٢٨. وأخرجه (خ) في «الزكاة» ١٢٥٢ وفي «الجهاد والسير» ٢٧٠١ وفي «اللباس» ٥٣٥١ (م) في «الزكاة» ١٦٩٥ و١٦٩٦ (أحمد) في «باقي مسند المكثرين» ٧١٧١ و٨٦٩٦ و١٠٣٥٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان صفة البخيل في الصدقة،
مصادر المؤلف (١٠)

١. - راجع «صحيح البخاري» ج ١١ ص ٤٤١ «كتاب اللباس» بنسخة «الفتح».

٢. - راجع «شرح السنديّ» ج ٥ ص ٧١.

٣. - راجع «شرح مسلم» للنوويّ ج ٧ ص ١٠٧ - ١٠٨. طبعة دار الريّان للتراث.

٤. - راجع «الفتح» ج ٤ ص ٦٠.

٥. - راجع «الفتح» ج ٤ ص ٦٠.

٦. - «المصباح المنير».

٧. - راجع «شرح النوويّ على صحيح مسلم» ج ٧ ص ١٠٩. طبعة دار الريان للتراث.

٨. - راجع «المصباح المنير».

٩. - راجع «القاموس المحيط».

١٠. - راجع «الترغيب والترهيب» ج ٤ ص ٣٩. و«مرعاة المفاتيح» ج ٦ ص ٢٨٧ - ٢٨٨.