HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٥٥٤

أَخْبَرَنَا أَزْهَرُ بْنُ جَمِيلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: وَذَكَرَ عَوْنَ بْنَ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُنْذِرَ بْنَ جَرِيرٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي صَدْرِ النَّهَارِ، فَجَاءَ قَوْمٌ عُرَاةً حُفَاةً مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، وَ﴿اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ. حَتَّى قَالَ: وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ، حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص212
  • زبير علي زئي:صحيح مسلم
ج ٥ ص ٧٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٣ ص٣٨
والحارض الذي قد قارب الهلاك. انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٥٤ - (أَخْبَرَنَا أَزْهَرُ بْنُ جَمِيلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: وَذَكَرَ عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمُنْذِرَ بْنَ جَرِيرٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي صَدْرِ النَّهَارِ، فَجَاءَ قَوْمٌ عُرَاةً، حُفَاةً مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -؛ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا، فَأَذَّنَ، فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] وَ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]، تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ»، حَتَّى قَالَ: -«وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ، كَادَتْ كَفُّهُ تُعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ، حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ، مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَتَهَلَّلُ، كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا»). رجال هذا الإسناد: ستة. ١ - (أزهر بن جَمِيل) بن جَنَاح الهاشميّ مولاهم، أبو محمد البصريّ الشَّطِّيّ -بفتح الشين المعجمة، وتشديد الطاء المهملة-، صدوقٌ يُغرِبُ [١٠]. قال النسائيّ: لا بأس به. وقال في موضع آخر: ثقة. وذكره ابن حبّان في «الثقات». وقال الكلاباذيّ: مات سنة (٢٥١). روى عنه البخاريّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب (٥) أحاديث فقط برقم ٢٥٥٤ و٣٤٦٣ و٤٠٠٠ و٤٨٦٤ و٥٤٩٨. ٢ - (عون بن أبي جحيفة) وهب بن عبد اللَّه السُّوَائيّ الكوفيّ، ثقة [٤] ١٠٣/ ١٣٧. ٣ - (المنذر بن جرير) بن عبد اللَّه البجليّ الكوفيّ، مقبول [٣]. روى عن أبيه. وعنه عبد الملك بن عُمير، وعون بن أبي جُحَيفة، وأبو إسحاق السبيعي، والضحّاك بن المنذر، وأبو حيان التيميّ، على خلاف فيه. ذكره ابن حبّان في «الثقات». روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنف خمسة أحاديث برقم ٢٥٥٤ و٣٤٦٣ و٤٠٠٢ و٤٨٦٦ و٥٥٠٠. ٤ - (جرير) بن عبد اللَّه بن جابر البجليّ الصحابيّ المشهور - رضي اللَّه تعالى عنه -، المتوقى سنة (٥١ هـ) وقيل: بعدها، تقدمت ترجمته في ٤٣/ ٥١. والباقيان تقدما في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول بصريون، والثاني كوفيون. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن عون بن أبي جُحَيفة أنه (قال: سَمِعتُ الْمُنْذِرَ بْنَ جَرِير، يُحَدِّثُ عَنْ أَبيهِ) جرير ابن عبد اللَّه - ﵁ - (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي صَدْرِ النَّهَارِ) أي في أوّله (فَجَاءَ قَوْمٌ) وفي رواية لمسلم من طريق عبد الرحمن بن هلال العبسيّ، عن جرير: «جاء ناسٌ من الأعراب إلى رسول اللَّه - ﷺ -، عليهم الصوف …». (عُرَاة) جمع عارٍ، بالرفع صفة لـ «قوم»، والمراد أنهم لم يلبسوا الثيابَ المعتادَ لبسُهَا، وإنما أولناه بهذا؛ لأنّ في رواية مسلم المذكورة أنّ عليهم الصوفَ، فهم لابسو الصوفِ (حُفَاة) جمع حافٍ، اسم فاعل، مني حَفِي الرجلُ يَحْفَى، من باب تَعِبَ حَفَاءً، مثل سَلَام: إذا مشى بغير نَعْلٍ، ولا خُفٍّ، وهو بالرفع أيضًا صفة بعد صفه لـ «قوم». وزاد في رواية مسلم، من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة: «مُجتابي النِّمَار، أو العباء». و«مجتابي»: اسم فاعل من اجتابَ الشيءَ: إذا خَرَقه، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر: ٩]. أي خَرَقوا النمار، وقَوَّرُوا وسطها. و«النمار» -بكسر النون- جمع نَمِرَة -بفتح النون: وهي ثياب من صوف، فيها تنمير. و«العباء» بفتح العين، والمد، جمع عباءة، وعَبَاية، لغتان. وهي أكسيةٌ غِلَاظٌ مُخَطَّطة . (مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ) بالإضافة: أي معلّقي السيوف على أعناقهم. وفي نسخة: «متقلدين السيوفَ»، بلا إضافة، وعليه فـ «السيوفَ» منصوبٌ على المفعوليّة (عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ) أي غالبهم من قبيلة مضر (بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ) هذا إضرابٌ إلى التحقيق، فقوله: «عافتهم» كان عن عدم تحقيق، واحتمال أن يكون بعضهم من غير مضر، أوَّلَ الوَهْلَة، ثمّ تبيّن له أن كلهم من مضر، فأخبر به، فـ «بل» للإضراب الانتقاليّ، تجعل ما قبلها كالمسكوت عنه، وتنقل الحكم إلى ما بعدها، كما هو مقرّرٌ في محلّه من كتب النحاة (فَتَغَيَّرَ) وفي رواية مسلم: «فتمعّر»، وهو بالعين المهملة، بمعنى تغيّر (وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، لِمَا رَأَى بهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ) أي الفقر والحاجة (فَدَخَلَ) أي دخل - ﷺ - بيته، ولعله لاحتمال أن يجد ما يدفع به فاقتهم (ثُمَّ خَرَجَ) لعله لم يجد في البيت شيئًا (فَأَمَرَ بِلَالًا) - رضي اللَّه تعالى عنه - أن يؤذّن (فَأَذنَ، فَأَقَامَ الصَّلَاةَ) أي ثم أمره بالإقامة، فأقام. وفي نسخة «وأقام» بالواو (فَصَلَّى) أي صلّى النبيّ - ﷺ - إماما للناس (ثُمَّ خَطَبَ) فقرأ - ﷺ - في خطبته أول سورة النساء؛ تذكيرًا لهم أنهم كلهم من أصل واحد، فينبغي لهم أن يَعطِف بعضُهم على بعض (فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أمر اللَّه تعالى خلقَهُ بتقواه، وهي عبادته وحده، لا شريك له، ونبّههمَ على قدرته التي خلقهم بها (مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) وهي آدم - ﵇ - (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) وهي حوّاء - ﵍ -، خُلقت من ضِلْعه الأيسر من خلفه، وهو نائمٌ، فاستيقظ، فرآها، فأعجبته، فأنس إليها، وأنست إليه. وفي الحديث الصحيح: «إن المرأة خُلقت من ضِلَع، وإن أعوج شيء في الصلاة أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها، وفيها عوج» (وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) أي وذَرَأَ من آدم وحوّاء رجالًا كثيرًا ونساءً، ونشرهم في أقطار العالم على اختلاف أصنافهم، وصفاتهم، وألوأنهم، ولغاتهم (وَاتَّقُوا اللَّهَ) أي اتقوه بطاعتكم إياه (الذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ) حيث تقولون: أسألك باللَّه (وَالْأَرْحَامَ) بالنصب أي واتقوا الأرحام أن تقطعوها، بل بِرّوها، وصِلُوها. وقرأ بعضهم: ﴿بالأرحام﴾ بالجرّ عطفًا على الضمير في «به»، أي تساءلون باللَّه، وبالأرحام ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]) أي مراقب لجميع أحوالكم، وأعمالكم، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦] وفي الحديث الصحيح: اعبد اللَّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك«، وهذا إرشاد، وأمر بمراقبة الرقيب، وإنما ذكر اللَّه أنّ أصل الخلق من أب واحد، وأمّ واحدة؛ لِيُعَطِّفَ بعضَهُم على بعض، ويحثّهم على ضعفائهم . وهذا هو سبب قراءة النبيّ - ﷺ - لهذه الآية في هذه المناسبة، حيث إنها أبلغ في تثبيت الأخوّة بين المؤمنين، وقوّة ترابطهم جنسًا، وعقيدةً، المقتضي لعطف بعضهم على بعض. واللَّه تعالى أعلم. (وَ) قرأ أيضًا الآية التي في سورة الحشر، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أمرٌ من اللَّه تعالى للمؤمنين بتقواه، وهو يشمل فعل ما به أمر، وترك ما عنه زجر ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨] أي حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وانظروا ماذا ادّخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم، وعَرْضكم على ربّكم. وسبب قراءته - ﷺ - هذه الآية أنها أبلغ في الحثّ على الصدقة، كما أن الآية المتقدّمة أبلغ في الترابط بين أجناس بني آدم. واللَّه تعالى أعلم. (تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ) قال أبو البقاء الْعُكبَريّ -رحمه اللَّه تعالى- في «إعراب الحديث»: يحتمل أحد وجهين: [أحدهما]: أن يكون أراد الشرط، أي إن تصدّق رجلٌ، ولو بشيء حقير من ماله أُثيب، وحُذف حرف الشرط وجوابه للعلم به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٨، ١١٩] تقديره: إن أقمتَ على الطاعة. [والوجه الثاني]: أن يكون الكلام محمولًا على الدعاء، فكأنّه قال: رَحِم اللَّه امرأً تصدّق، كما قالوا: امرءًا اتقى اللَّه، أي رحم اللَّه، وجعل الفاعل، وهو قوله: «رجلٌ» مفسرًا للمنصوب المحذوف. ويحتمل وجهًا ثالثًا: وهو أن يكون على الخبر، أي تصدّق رجلٌ من غيركم بكذا وكذا، فأُثيب، والغرض منه حثّهم على الصدقة، وأنّ غيرهم تصدّق بمثل ذلك، فأُثيب، فحكمهم كحكمه انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الأوجه الثلاثة التي ذكرها العكبريّ فيها بعدٌ، وتكلّفٌ لا يخفى. وقيل: هو مجزومٌ بلام أمر مقدّرة، أصله ليتصدّق، وهذا الحذف مما جوّزه بعض النحاة. وفيه أنّ حقّه حينئد أن يكون يتصدّق -بياء تحتيّة، بعدها تاء فوقيّةٌ- ولا وجه لحذفها. فالصواب عندي أن صيغته صيغة خبرٍ ومعناه الأمر، ولا يقال: إن كونه خبرًا لا يساعده قوله: «ولو بشقّ تمرة»؛ لأنّنا نقول: إنما يتوجه ذلك لو كان خبرًا معنًى أيضًا، وأما إذ كان أمرًا معنًى فلا يتوجّه هذا الاستشكال. والحاصل أنّ هذا خبر بمعنى الأمر، أي ليتصدّق، وإنما عبّر بصيغة الخبر؛ حثًّا للمخاطبين على امتثاله، وترغيبًا لهم في حصوله منهم، وكونه بصيغة الماضي أبلغ في ذلك. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: ذكر ابن مالك -رحمه اللَّه تعالى- نحو هذا الإعراب في كتابه «شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح» في أثر عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنه -: «إذا وسّع اللَّه، فأوسعوا، صلى رجلٌ في إزارٍ ورداء، في إزارٍ وقميصٍ، في إزارٍ وقباء». قال: تضمّن هذا الحديث فائدتين: [إحداهما]: ورود الفعل الماضي بمعنى الأمر، وهو «صلّى رجلٌ»، والمعنى: ليصلّ رجلٌ، ومثله في كلام العرب: اتّقى اللَّه امرؤٌ فعل خيرًا يُثبْ عليه. والمعنى: ليتّق، وليفعل. ولكونه بمعنى الأمر جيء بعده بجواب مجزوم، كما يُجاء بعد الأمر الصريح. وأكثر مجيء الماضي بمعنى الطلب في الدعاء، نحو نصر اللَّه من والاك، وخَذَل من عاداك. [والفائدة الثانية]: حذف حرف العطف، فإن الأصل: صلى رجلٌ في إزار ورداء، أو في إزار وقميص، أو في إزار وقباء، فحذف حرف العطف مرَّتين؛ لصحّة المعنى بحذفه. ونظير هذا الحديث في تضمّن الفائدتين قول النبيّ - ﷺ -: «تصدّق امرؤٌ من ديناره، من درهمه، من صاع برّه، من صاع تمره» انتهى كلام ابن مالك -رحمه اللَّه تعالى- وهو توجيه نفيس. واللَّه تعالى أعلم. (مِنْ دِرْهَمِهِ) معطوفٌ بحرف عطف مقدر، كما بينه ابن مالك في كلامه المذكور آنفًا، وكذا ما بعده (مِنْ ثَوْبِهِ، من صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ، حَتَّى قَالَ) النبيّ - ﷺ - (وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) أي ليتصدّق، ولو كانت صدقته قليلة، كشِقّ تمرة، أي نصفها (فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنصَارِ بِصُرَّةٍ) بضمّ الصاد المهملة، وتشديد الراء: وعاء الدراهم، والدنانير، جمعها صُرَرٌ، مثلُ غُرْفَة وغُرَفِ (كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجزُ عَنْهَا) بكسر الجيم، من باب ضَرَب، وعَجِزَ -بكسر الجيم- يَعْجَز -بفتحها- عَجَزًا -بفتحتين، من باب تَعِبَ، لغةٌ لبعض قَيسِ عَيْلَانَ، ذكرها أبو زيدٍ. وهذه اللغة غير معروفة عندهم، وقد روى ابن فارس بسنده إلى ابن الأعرابيّ أنه لا يُقال: عَجِزَ الإنسان -بالكسر- إلا إذا عَظُمت عَجِيزَته. ذكره في «المصباح» (بَلْ قَدْ عَجَزَتْ) «بل» في مثل هذا للإضراب الإبطاليّ، أخبر أوّلًا بأنّ كفّ الرجل قاربت العجز، ثم تبين له أنها عجزت حقيقة، فأخبر به، والمراد أن الرجل تصدق بمال كثير. (ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ) أي تبع بعضهم بعضًا في المجيء بالصدقة (حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ) بفتح الكاف، وضمّها. قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: ضبطه بعضهم بالفتح، وبعضهم بالضمّ. قال ابن سراج: هو بالضمّ اسمٌ لما كُوِّمَ، وبالفتح المرّة الواحدة، قال: والكُومة -بالضمّ-: الصُّبْرة، والكُوم العظيم من كلّ شيء، والكوم المكان المرتفع، كالرابية. قال القاضي: فالفتح هنا أولى؛ لأنّ مقصوده الكثرة، والتشبيه بالرابية انتهى (مِنْ طَعَام وَثِيَابٍ) بيان للكوم (حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَتَهَلَّلُ) أي يَستنير فرَحًا وسُرورًا (كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ) وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: ضبطوه بوجهين: [أحدهما]: وهو المشهور، وبه جزم القاضي، والجمهور «مُذْهَبةٌ» بذال معجمة، وفتح الهاء، وبعدها باءٌ موحّدة. [والثاني]: -ولم يذكر الحُمَيديّ في «الجمع بين الصحيحين» غيره- «مُدْهُنَة» -بدال مهملة، وضم الهاء، وبعدها نون- وشرحه الحميديّ في كتابه «غريب الجمع بين الصحيحين»، فقال: هو وغيره ممن فسّر هذه الرواية، إن صحّت: الْمُدهُن: الإناء الذي يُدهَن فيه، وهو أيضًا اسمٌ للنقرة في الجبل التي يُستَنْقَع فيها ماءُ المطر، فشبّه صفاء وجهه الكريم - ﷺ - بإشراق السرور بصفاء هذا الماء الْمُستَنقع في الحجر، أو بصفاء الدُّهْن والْمُدْهُن. وقال القاضي عياض في «المشارق» وغيره من الأئمة: هذا تصحيفٌ، وهو بالذال المعجمة، والباء الموحّدة، وهو المعروف في الروايات، وعلى هذا ذكر القاضي وجهين في تفسيره: [أحدهما]: معناه فضّة مُذهبة، كما قال الشاعر: كَأَنَّهَا فِضَّةٌ قَدْ مَسَّهَا ذَهَبُ ويعني به تشبيه إشراق وجهه وتنويره، فهو أبلغ في ذلك. [والثاني]: شبهه في حسنه، ونوره بالمذهبة من الجلود، والسُّرُوج، والأقداح، وغير ذلك، وجمعها مذاهب، وهي شيءٌ كانت العرب تصنعه من جلود، وتَجعَل فيها خطوطًا مُذْهَبَة، يُرَى بعضها إثرَ بعض. وأما سبب سروره - ﷺ -، فهو الفرح بمبادرة المسلمين إلى طاعة اللَّه تعالى، وبذلِ أموالهم للَّه، وامتثال أمر رسول اللَّه - ﷺ -، ولدفع حاجة هؤلاء المحتاجين، وشفقة المسلمين بعضهم على بعض، وتعاونهم على البرّ والتقوى، فينبغي للإنسان إذا رأى شيئًا من هذا القبيل أن يفرح، وُيظهر سروره، ويكون فرحه لما ذكرناه انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في «شرحه»، بزيادة من «المفهم» . (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَن سَنَّ فِي الإسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً) أي من أتى بطريقة مرضيّة، يُقتَدَى به فيها، كما فعل الأنصاريّ الذي أتى بصُرّة، يقال: سنّ الطريقةَ: إذا سار فيها، كاستسنّها، قاله في القاموس. والسنّة الحسنة هي: الطريقة المحمودة، التي يدلّ عليها الكتاب والسنّة (فَلَهُ أَجْرُهَا) أي أجر عملها (وَأَجْرُ مَن عَمِلَ بَهِا) ظاهره أنّه يحصل له الأجر، ولو لم ينو المبتدىء أن يُتّبع فيها، ففيه ثبوت الأجر مع عدم نيّة الفاعل، فيكون مخصّصًا لحديث «إنما الأعمال بالنيّة»، واللَّه تعالى أعلم (مِنْ غَيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا) «نقص» يتعدّى، ويلزم، يقال: نَقَصَ المالُ نَقْصًا، وانتقص: إذا ذهب منه شيء بعد تمامه، ونقصته يتعدّى، ولا يتعدّى، هذه اللغة الفصيحة، وبها جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١] الآية، وقوله: ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩]، وفي لغة ضعيفة يتعدّى بالهمزة والتضعيف، ولم يأت في كلام فصيح، وبتعدّى أيضًا بنفسه إلى مفعولين، فيقال: نقصت زيدا حقّه، وانتقصته مثله. أفاده الفيّوميّ. وما هنا من المتعدّي بنفسه، ولهذا نَصَبَ قوله: «شيئًا» (وَمَنْ سَنَّ فِي الْإسلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً) أي من فعل فعلًا قبيحًا، فاقتُدِي به فيه. والسنّة السيّئة هي الطريقة المذمومة، وهي التي تُبتدَع بعد تمام الدين على أنها منه، وهي الْمَعْنِيّة بقوله - ﷺ -: «كلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار» (فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا) - بكسر، فسكون-: الإثم، والثِّقَل، يقال: وَزَرَ يَزِرُ، من باب وَعَدَ: إذا حمل الإثمَ، وفي التنزيل: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ الآية [الأنعام: ١٦٤]. والجمع أوزارٌ، مثلُ حِمْلٍ وأحمالٍ. أي عليه إثم فعلها (وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بَها) أي ومثل وزر من عمل بها، وهذا لا يعارض قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾؛ لأنّ هذا فعله، لا فعل غيره، وذلك لأنه ابتدأ هذه السنّة السيّئة، وتبعه عليها غيره، فصار سببًا في الشرِّ، فالإثم جاءه من تسبّبه. واللَّه تعالى أعلم. («مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيئًا») يعني أنهم يتحمْلون أوزار عملهم السيّء كاملة، وهو يتحمّل وزر تسبّبه في ذلك. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وسبب هذا الكلام في هذا الحديث، أنه قال في أوّله: «فجاء رجلٌ بِصُرَّة، كادت كفّه تَعْجِزُ عنها»، ثمّ تتابع الناس«، وكان الفضل العظيم للبادىء بهذا الخير، والفاتحِ لباب هذا الإحسان. وفي هذا الحديث تخصيص قوله - ﷺ -:«كلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة»، وأن المراد به المحدثات الباطلة، والبدع المذمومة، قال: والبدع خمسة أقسام: واجبة، ومندوبة، ومحرّمة، ومكروهة، ومباحة. انتهى كلامه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كلام النوويّ هذا فيه نظرٌ من وجهين: [الأول]: دعواه التخصيص المذكور، فإنه غير صحيح، بل عموم حديث كلّ محدثة بدعة الخ» باق على ظاهره، فإن المراد بالبدعة هي البدعة الشرعيّة، وهي التي ابتُدعت بعد إكمال اللَّه تعالى الدينَ بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ الآية، فلا يشهد لها كتابٌ، ولا سنّة، كما بيّن ذلك النبيّ - ﷺ - فيما أخرجه الشيخان، بقوله: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه» الحديث، فقد بيّن أن إحداث ما دلّ عليه الكتاب والسنّة ليس من البدعة شرعًا، وإن كان يسمّى بها لغة. والحاصل أن البدعة اللغويّة أعمّ من البدعة الشرعيّة، حيث إنها تطلق على ما يدلّ عليه النصّ، وما لا يدلّ عليه، بخلاف الشرعيّة، فإنها لا تطلق إلا على ما لا يدلّ عليه دليل، فكلّ بدعة شرعيّة بدعة لغويّة، ولا عكس، فقوله: «كلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة» لا يُخص منه شيء، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف. [والثاني]: أن تقسيمه لمطلق البدعة إلى خمسة أقسام غير صحيح، فإن هذا التقسيم للبدعة اللغويّة، لا للشرعيّة، فإنها قسم واحد مذموم. والحاصل أن الذي يقبل التقسيم المذكور هو اللغويّ، ومنه قول عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه -: «نعمت البدعة» للتراويح، فإنه محمول على المعنى اللغويّ، وكذلك ما نُقل عن الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-، وغيره من تقسيمهم البدعة إلى محمودة ومذمومة، أو بدعة حسنة، وبدعة غير حسنة محمول على هذا المعنى، فتبصّر، ولا تتحيّر. وقد بسطت الكلام على هذا في غير هذا المحلّ من هذا الشرح . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جرير بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٤/ ٢٥٥٤ - وفي «الكبرى» ٦٦/ ٢٣٣٥. وأخرجه (م) في «الزكاة» ١٠١٧ (ت) في «العلم» ٢٦٧٥ (ق) في «المقدمة» ٢٠٣ (أحمد) في مسند الكوفيين«١٨٦٧٥ و١٨٦٩٣ و١٨٧٠١ (الدارميّ) ٥١٢. واللَّه تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (١٠)

١. - راجع «لسان العرب» في مادّة حرض.

٢. - وفي بعض النسخ: «متقلدين».

٣. - وفي نسخة: «وأقام».

٤. - راجع «شرح النوويّ على صحيح مسلم» ج ٧ ص ١٠٤. و«المفهم» للقرطبيّ ج ٣ ص٦٢.

٥. - راجع«تفسير ابن كثير»-رحمه اللَّه تعالى- أول«سورة النساء» بتغيير يسير.

٦. - راجع «إعراب الحديث النبويّ» للعكبريّ ص ١٥٨ - ١٥٩.

٧. - راجع «شواهد التوضيح، والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح» ص ٦٢ - ٦٣.

٨. - راجع «شرح مسلم» للنوويّ ج ٧ ص ١٠٥.

٩. -«شرح مسلم للنوويّ»ج ٧ ص ١٠٥. و«المفهم»للقرطبيّ ج ٣ ص ٦٢ - ٦٣.

١٠. - راجع شرح«كتاب صلاة العيدين» برقم ٢٢/ ١٥٧٨.