منها شيئًا، إلا وهو مستقلّ، فلا تنافي بين الاختيال المذكور هنا، والاختيال الآتي في الحديث التالي.
(ومنها): أن الغيرة على المحارم محمودة إذا ظهر للشخص أمارات منهنّ مما يوقع في الريبة (ومنها): أن الغيرة عليهنّ مذمومة، وذلك إذا لم تقم قرينة على الريبة، بل لمجرّد الشكّ فقط (ومنها): أن الاختيال في الحرب محمود؛ لما فيه من إرهاب أعداء الدين، وتنشيطٍ للمسلمين المجاهدين (ومنها): أن الاختيال في الباطل حرام. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٥٩ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «كُلُوا، وَتَصَدَّقُوا، وَالْبَسُوا، فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ، وَلَا مَخِيلَةٍ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أحمد بن سليمان) بن عبد الملك، أبو الحسين الرُّهاويّ، ثقة حافظ [١١] ٣٨/ ٤٢ من أفراد المصنّف.
٢ - (يزيد) بن هارون السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقة متقن عابد [٩] ١٥٣/ ٢٤٤.
٣ - (همّام) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ البصريّ، ثقة ربما وهم [٧] ٥/ ٤٦٥.
٤ - (قتادة) بن دعامة البصري الثقة الثبت الحجة، لكنه يدلس [٤] ٣٠/ ٣٤.
٥ - (عمرو بن شعيب) بن محمد المدني، أوالطائفي، صدوق [٥] ١٠٥/ ١٤٠.
٦ - (أبوه) شعيب بن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، صدوق، ثبت سماعه من جدّه عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما -[٣] تقدم في ١٠٥/ ١٤٠.
٧ - (جدّه) عبد اللَّه بن عمرو بن العاص الصحابي ابن الصحابي - رضي اللَّه تعالى عنهما -، تقدم ٨٩/ ١١١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات.
(ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه، عن جدّه، وتابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شعيب بن محمد بن عبد اللَّه (عَنْ جدِّهِ) عبد اللَّه بن
عمرو بن العاص، فالضمير لشعيب، لا لعمرو، فتنبّه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «كُلُوا) أي جميع أنواع الطيّبات، فحذف المفعول لإرادة التعميم، فهو كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٧٢]، والأمر للإباحة (وَتَصَدَّقُوا) أي على المحتاجين، من الفقراء والمساكين، فحذف المفعول أيضًا؛ لما ذُكر (وَالْبَسُوا) أي الحلال، من أنواع الملابس (فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ) قيد في الثلاثة، وكذا ما بعده، فإباحة الأكل، واللبس، والصدقة مشروطة بالخلوّ من الإسراف، والخيلاء.
والإسراف: هو إنفاق المال الكثير في الغرض الخسيس. وقيل: صرف شيء فيما ينبغي زيادةً على ما ينبغي، بخلاف التبذير، فإنه صرف الشيء فيما لا ينبغي. كذا قاله الجرجانيّ. وقال أبو البقاء الكفويّ: الإسرافُ: تجاوز في الكميّة، فهو جهلٌ بمقادير الحقوق. والتبذير: تجاوز في موضع الحقّ، فهو جهل بمواقعها، يرشد إلى هذا قوله تعالى في تعليل الإسراف: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] وفي تعليل التبذير: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ الآية [الإسراء: ٢٧] انتهى .
(«وَلَا مَخِيلَةٍ») بفتح الميم، وكسر الخاء المعجمة: بمعنى الْخُيَلاء، أي من غير تكبر، وفخر، وتطاول على الناس.
وحاصل المعنى أنه أباح الأكل، واللبس، والتصدق، إذا لم يُتَجَاوَز بها الحدُّ المشروع، وهو معنى الإسراف، وخلا ذلك عن الخيلاء، وإلا حرم الجميع. واللَّه تعالى أعلم.
[فإن قلت]: هذا الحديث يعارض الحديث الذي قبله، فإن هذا يدلّ على تحريم الخيلاء في الصدقة، وذاك يدلّ على مدحه فيها، فكيف التوفيق بينهما؟.
[قلت]: لا تعارض بينهما؛ لأن المراد بالاختيال هناك أن يكون طيّب النفس، منشرح الصدر، منبسط القلب، لا يستكثر، ولا يمنّ، بخلافه هنا، فإنه التكبّر على الفقراء، ورفع نفسه عنهم، والتطاول بلسانه عليهم، والمنّ بما أعطاه لهم، والإعجاب بنفسه، وحبّ المحمدة على فعله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه صحيح.