HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٥٨٠

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ مُسَاوِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي كِنَانَةُ بْنُ نُعَيْمٍ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ قَالَ: «تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكَ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ قَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، فَمَا سِوَى هَذَا مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص221
  • زبير علي زئي:حسن
ج ٥ ص ٨٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, سنن الدارمي, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٣ ص١٣١
بِحَمَالَةٍ، بَيْنَ قَوْمٍ، فَسَأَلَ فِيهَا، حَتَّى يُؤَدِّيَهَا، ثُمَّ يُمْسِكَ»). قال الجامع عَفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وكلّهم تقدّموا غير اثنين: ١ - (هارون بن رئاب) -بكسر الراء، بعدها تحتانيّة مهموزة ، وآخره باء موحّدة- التميمي، ثم الأُسيديّ، أبو بكر، ويقال: أبو الحسن البصريّ، ثقة عابد [٦]. قال أحمد، وابن معين: ثقة. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: يقال: إنه أجلّ أهل البصرة. قال ابن عُيينة: كان عنده أربعة أحاديث. وقال النسائيّ: ثقة. وقال البخاريّ في «تاريخه»: روى عن أنس. وذكره ابن حبّان في «الثقات»، وقال: لم يسمع من أنس شيئًا ، وكان من العبّاد، ممن يُخفِي الزهد. وقال أبو محمد بن حزم: اليمانُ، وهارون، وعليّ بنو رئاب، كان هارون من أهل السنّة، واليمان من أئمّة الخوارج، وعليّ من أئمة الروافض، وكانوا متعادين كلهم. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف وله في هذا الكتاب حديثان فقط هذا وكرره ثلاثة مرات برقم ٢٥٧٩ و٢٥٨٠ و٢٥٩١ وحديث رقم ٣٢٢٩ «طلقها، قال: لا أصبر عنها …» الحديث، وأعاده برقم ٣٤٦٥. ٢ - (كنانة بن نُعيم) العدويّ، أبو بكر البصريّ، ثقة [٤]. قال ابن سعد: كان معروفًا، ثقة، إن شاء اللَّه. وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في «الثقات». روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده برقم ٢٥٨٠ و٢٥٩١. و«حماد»: هو ابن زيد. و«إسماعيل»: هو ابن علية. و«أيوب»: هو السختيانيّ. وشرح الحديث يأتي في الذي يليه، إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجعِ والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٨٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ مُسَاوِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي كِنَانَةُ بْنُ نُعَيْمٍ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ، قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: «أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ، حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ»، قَالَ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ، إِلاَّ لأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا، مِنْ عَيْشٍ، أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكَ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِى الْحِجَا، مِنْ قَوْمِهِ، قَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ»، أَوْ«سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، فَمَا سِوَى هَذَا، مِنَ الْمَسْأَلَةِ، يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ، يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد تقدموا في السند الماضي غير شيخه«محمد بن النضر بن مساور» وهو المروزيّ، صدوق [١٠] ٧٠/ ٢٣٤٧. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ قَبيصَةَ) -بفتح القاف، وكسر الموحّدة، فمثنّاة تحتيّة، فصاد مهملة- (ابْنِ مُخَارِقٍ) -بضمّ المَيم، وتخفيف المعجمة- ابن عبد اللَّه الهلاليّ الصحابي، نزيل البصرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، تقدّمت ترجمته في ١٦/ ١٤٨٦ أنه (قَالَ: تحَمَّلْتُ حَمَالَةً) بفتح الحاء المهملة، كسَحَابة: ما يتحمّله الإنسان عن غيره، من دية، أو غَرَامة، مثل أن يقع حربٌ بين فريقين، تُسفك فيها الدماء، فيدخل بينهم رجلٌ يتحمّل ديات القتلى؛ ليُصلح ذات البين، والتحمّل أن يحملها عنهم على نفسه -أي يتكفّلها، ويلتزمها في ذمّته-. أفاده في «النهاية» . وقال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: تفسير الْحَمَالة أن يقع بين القوم التشاجر في الدماء والأموال، ويَحدُث بسببهما العداوة، والشحناء، ويُخاف من ذلك الفتق العظيم، فيتوسّط الرجل فيما بينهم، ويسعى في إصلاح ذات البين، ويتضمن مالًا لأصحاب الطوائل، يترضّاهم بذلك حتى تسكن الثائرة، وتعود بينهم الألفة انتهى. وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: ما حاصله: الحمالة -بالفتح- هو المال الذي يتحمّله الإنسان، أي يستدينه، ويدفعه في إصلاح ذات البين، كالإصلاح بين قبيلتين، ونحو ذلك، وإنما تحلّ له المسألة، وُيعطَى من الزكاة بشرط أن يستدينه لغير معصية انتهى . وقال الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قد كانت العرب إذا وقعت بينهم فتنة اقتضت غرامة في دية، أو غيرها، قام أحدهم، فتبرّع بالتزام ذلك، والقيام به حتى ترتفع تلك الفتنة الثائرة، ولا شكّ أن هذا من مكارم الأخلاق، وكانوا إذا علموا أن أحدهم تحمّل حَمَالةً بادروا إلى معونته، وأعطوه ما تبرأ به ذمّته، وإذا سأل لذلك لم يُعَدَّ نقصًا في قدره، بل فخرًا انتهى . (فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، أَسْاَلُهُ فِيهَا) أي في الحمالة، أي لأجلها (فَقَالَ: «أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ) أمر من الإقامة، بمعنى اثبت، واصبر. وقال السنديّ: أي كن في المدينة مقيمًا (حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ) بنصب الفعل بـ»أن«مضمرةً وجوبًا بعد»حتّى«، لكونه مستقبلًا، كما قال في»الخلاصة«: وَبَعْدَ«حَتَّى»حَالًا اوْ مُؤَوَّلًا … بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ الْمُسْتَقْبَلَا والمعنى: حتى يحضر لدينا مال الصدقة (فَنَأْمُرَ لَكَ) وفي«الكبرى»زيادة«بها». والفعل منصوب عطفًا على ما قبله. (قَالَ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -:«يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ الصَّدَقَةَ») وفي الرواية الماضية:«إن المسألة»أي السؤال (لَا تَحِلُّ، إِلاَّ لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ) أي لا تحلّ إلا لصاحب ضرورة مُلجئة إلى السؤال، وهم هؤلاء الثلاثة (رَجُلٍ) بدل من«أحد»، أو من«ثلاثة»، وبالرفع خبر مبتدإ محذوف، أي أحدهم، ويجوز نصبهِ بتقدير فعل، كـ«أعني»، على لغة ربيعة الذين يقفون على المنصوب المنوّن بالسكون (تَحَمَّلَ حَمَالَةَ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ) أي جاز له سؤال الناس (حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ) قال ابن الأثير: أي ما يقوم بحاجته الضروريّة. وقِوام الشيء: عماده الذي يقوم به، يقال: فلان قِوام أهل بيته، وقِوام الأمر ملاكه. انتهى . وقال في«القاموس»: والقَوَام، كسَحَاب: العَدْل، وما يُعاش به. وبالضمّ: داءٌ في قوائم النساء. وبالكسر: نظام الأمر، وعماده، وملاكه. وقال في«المصباح»: القوام -بكسر القاف-: ما يُقيم الإنسان من القوت. والقوام بالفتح: العدل، والاعتدال، قال تعالى: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ أي عَدْلًا، وهو حسن القَوَام: أي الاعتدال انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تبيّن مما ذُكر أن القَوَام هنا يجوز ضبطه بالفتح، والكسر، على ما في«القاموس»، ومعناه: ما يقوم بحاجته الضروريّة. واللَّه تعالى أعلم. (أَوْ) للشكّ من بعض الرواة (سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ) أي ما يكفي حاجته. و«السِّدَاد»- بالكسر-: كلّ شيء سَدَدت به خَلَلًا، وبه سمّي سِدَادُ الثَّغْر، والقارورةِ، والحاجةِ. قاله ابن الأثير . وقال الفيّوميّ: والسِّدَادُ -بالكسر-: ما تُسدّ به القارورة وغيرها، وسِدَاد الثَّغْر - بالكسر- من ذلك، واختلفوا في سِدَادٍ من عيشٍ، وسِدَادِ من عَوَزٍ لما يُرمَق به العيش، وتُسدّ به الْخَلَّة، فقال ابن السِّكِّيت، والفارابيّ، وتبعه الجوهريّ: بالفتح، والكسر، واقتصر الأكثرون على الكسر، منهم ابن قُتيبة، وثعلبٌ، والأزهريّ؛ لأنه مستعارٌ من سِدَاد القارورة، فلا يُغيّر، وزاد جماعةٌ، فقالوا: الفتح لحنٌ. وعن النضر بن شُمَيلٍ: سِدَادٌ من عَوَزٍ، إذا لم يكن تامّا، ولا يجوز فتحه. ونَقَل في«البارع»عن الأصمعيّ سِدَادٌ من عَوَزٍ بالكسر، ولا يقال: بالفتح، ومعناه: إن أعوز الأمر كلُّهُ ففي هذا ما يَسُدُّ بعضَ الأمر انتهى كلام الفيّوميّ . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن الصواب في قوله:«سِدَادًا من عيش» في هذا الحديث بالكسر، وإن جوز بعضهم الفتح فيه أيضًا. وإلى ما تقدّم أشار شيخنا عبد الباسط المناسي -رحمه اللَّه تعالى- بقوله: إنَّ السِّدَادَ كِكِتَاب بُلْغَةُ … وَمَا بِهِ يُسَدُّ شَيْءٌ ثَابتُ أمَّا الَّذي بِالْفَتْحِ كالسَّحَابِ … فَقَصْدُ دِينِ وَسَبِيلُ البَابِ واختصرهما في بيت واحد فقال: سِدَادُك الْمَكْسُورُ سِنَا بُلْغَتُكْ … وَمَا بِمَعْنَى الْقَصْدِ فِيهَا فتْحَتُكْ واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية المصنّف تخالف رواية مسلم، وغيره، فإن فيها أن قوله: «حتى يُصيب قواما من عيش الخ» قيد في القسمين الأخيرين، وأما الأول فقيّده بقوله: «حتى يصيبها»، وهو المناسب، ولفظ مسلم: «يا قبيصة، إن المسألة لا تحل، إلا لأحد ثلاثة: رجلٍ تحمل حَمَالة، فحلت له المسألة، حتى يصيبها، ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة، اجتاحت ماله، فحلت له المسألة، حتى يصيب قواما من عيش»، أو قال: «سدادا من عيش، ورجل أصابته فاقة، حتى يقوم ثلاثة، من ذوي الحجا، من قومه، لقد أصابت فلانا فاقة، فحلت له المسألة، حتى يصيب قواما من عيش»، أو قال: «سدادا من عيش، فما سواهن من المسألة، يا قبيصة، سحتا يأكلها صاحبها سحتا». والضمير المؤنّث في قوله: «يصيبها» للحمالة. (وَرَجُلٍ) يجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة على ما تقدّم في الذي قبله (أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ) هي الآفة التي تُهلك الثمار، والأموال، وتستأصلها، كالغرق، والحرق، والبرد، المفسد للزروع والثمار. قال الفيّوميّ: الجائحة الآفة، يقال: جاحت الآفة المالَ تَجُوحُهُ جَوْحًا، من باب قال: إذا أهلكته، وتَجِيحه جِيَاحةً لغةٌ، فهي جائحةٌ، والجمع الجوائحِ، والمال مَجُوحٌ، ومَجِيحٌ، وأجاحته بالألف لغة ثالثةٌ، فهو مُجَاحٌ، واجتاحتِ المال، مثلُ جاحته. انتهى. (فَاجْتَاحَتْ) أي استأصلت، وأتلفت (مَالَهُ) من ثمار بستانه، أو غيرها من الأموال (فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَهَا) أي حتى يصيب بدل ماله المجتاح، وأنّث ضميره لتأويله بالحاجة. واللَّه تعالى أعلم (ثُمَّ يُمْسِكَ) أي يترك السؤال؛ لأنه إنما حلّ له لأجل ما حلّ به من الجائحة، فلما أصاب حاجته ارتفعت الإباحة، فيجب أن يمسك عنه (وَرَجُلٍ) يجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة، كسابقيه (أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ) اسم من افتاق يفتاق: إذا احتاج. أي رجلٌ كان غنيًّا موسرًا، ثم افتقر، وأصابته حاجة، ولم يُعرَف حاله (حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاَثةٌ مِنْ ذوِي الْحِجَا) -بكسر الحاء المهملة، وفتح الجيم، بعدها ألف مقصورة-: أي العقل والفِطْنة. قال القرطبيّ: واشترط الحجا؛ لأن من عَدِمه لا يحصل بقوله ثقة، ولا يصلح للشهادة، أو لعله عبّر به عما يُشرط في المخبر والشاهد من الأمور التي توجب الثقة بأقوالهم، ويكون الموصوف بها عَدْلًا مرضيًّا انتهى . (مِنْ قَوْمِهِ) إنما قيدهم بقومه؛ لأنهم أعلم بدَخِيلة أمره، واستظهر بالثالث ليُلحق بالمنتشر، ولم يحتج فيمن أصابته الجائحة إلى مثل هذا؛ لظهور أمر الجائحة، وأما أمر الفاقة، فقد تخفى. قاله القرطبيّ . وقال النوويّ: وإنما قال - ﷺ -: «من قومه؛ لأنهم من أهل الخبرة بباطنه، والمال مما يُخفَى في العادة، فلا يعلمه إلا من كان خبيرًا بصاحبه. وإنما اشترط الحجا تنبيهًا على أنه يشترط في الشاهد التيقّظ، فلا تُقبل من مغفّل. وأما اشتراط الثلاثة، فقال بعض أصحابنا: هو شرط في بينة الإعسار، فلا يُقبل إلا من ثلاثة؛ لظاهر هذا الحديث. وقال الجمهور: يقبل من عدلين، كسائر الشهادة، غير الزنا، وحملوا الحديث على الاستحباب. وهذا محمول على من عُرِف له مالٌ، فلا يُقبل قوله في تلفه، والإعسار إلا ببينة، وأما من لم يُعرف له مالٌ، فالقول قوله في عدم المال انتهى كلام النوويّ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يؤيّد هذا قوله في الحديث: «اجتاحت ماله»، فإنه يدلّ على أن الذي يشهد له الثلاثة هو الذي كان له مالٌ، فاجتاحته آفة، فاحتاج للمسألة. واللَّه تعالى أعلم. وقال السنديّ: وهذا كنايةٌ عن كون تلك الفاقة محقّقةً، لا مُخَيلةً، حتى لو استُشهِد عقلاء قومه بتلك الفاقة لشهدوا بها. والفرق بين هذا القسم، والقسم السابق، أن الفاقة في القسم الأول ظاهرة بين غالب الناس، وفي هذا القسم خفيّةٌ عنهم انتهى. (قَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ) أي يشهدوا قائلين: قد أصابت الخ. ولفظ مسلم: «حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا، لقد أصابت فلانًا فاقةٌ». قال النوويّ: هكذا في جميع النسخ -أي نسخ صحيح مسلم«-:»حتى يقوم ثلاثة، وهو صحيح، أي يقومون بهذا الأمر، فيقولون: لقد أصابته فاقة انتهى. ولفظ أبي داود: «حتى يقول» باللام من القول، ولا يحتاج إلى تقدير محذوف. (فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا من عَيشٍ»، أَوْ«سِدَادًا مِنْ عَيشٍ، فَمَا سِوَى هَذَا) أي المذكور من الأمور الثلاثة، فإفراد اسم الإشارة بالتأويل بالمذكور (مِنَ الْمَسْأَلَةِ، يَا قَبيصَةُ سُحْتٌ) -بضم السين، والحاء المهملتين، أو بضمّ السين، وسكون الحاء، تخفيفًا-: هو كلّ مال حرام، لا يحلّ كسبه، ولا أكله، وسمّي بذلك لأنه يَسْحَتُ البركة: أي يُذهبها، ويَمْحَقها (يَأْكُلُهَا) أي يأكل ما يحصل له بالمسألة. قاله الطيبيّ. وقال الصنعانيّ: «يأكلها»: أي الصدقة، أنّث لأنه جعل السحت عبارة عنها، وإلا فالضمير له انتهى. (صَاحِبُهَا) أي صاحب المسألة (سُحْتًا) منصوب على الحال، أو بدل من الضمير المنصوب في «يأكلها». واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث قبيصة بن مُخَارق - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا ٨٠/ ٢٥٧٩ و٢٥٨٠ - و«الكبرى» ٨٢/ ٢٣٦٠ و٢٣٦١. وأخرجه (م) في «الزكاة» ١٠٤٤ (د) ١٦٤٠ (أحمد) في «مسند المكّيين» ١٥٤٨٦ وفي «مسند البصريين» ٢٠٠٧٨ (الدارمي) في «الزكاة» ١٦٧٨. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان أن من تحمّل حَمالة يستحقّ الصدقة، وهو معنى ﴿الغارم﴾ المذكور في آية الصدقة (ومنها): أنه يدلّ على حرمة السؤال لغير من ذكر، ونحوهم، ممن يُباح لهم السؤال للحاجة. (ومنها): ما قاله الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: في هذا الحديث علم كثيرٌ، وفوائد جمّة، ويدخل في أبواب من العلم والحكم، وذلك أنه قد جعل من تحلّ له المسألة من الناس أقسامًا ثلاثة: غنيًّا، وفقيرين، وجعل الفقر على ضربين: فقرًا ظاهرًا، وفقرًا باطنًا، فالغني الذي تحلّ له المسألة هو صاحب الحمالة، وهي الكفالة، والحميل: الضمين، والكفيل، ثم ذكر تفسير الحمالة كما تقدّم، ثم قال: فهذا الرجل صنع معروفًا، وابتغى بما أتاه صلاحًا، فليس من المعروف أن تُوَرَّكَ الغرامة في ماله، ولكن يُعان على أداء ما تحمّله منه، وُيعطى من الصدقة قدر ما يبرأ به ذمّته، ويخرج من عهدة ما تضمّنه منه. وأما النوع الأول من نوعي أهل الحاجة، فهو رجل أصابته جائحةٌ في ماله، فأهلكته، والجائحة في غالب العرف هي ما ظهر من الآفات، كالسيل يُغرق متاعه، والنار تُحرقه، والبرد يُفسد زرعه، وثماره، ونحو ذلك من الأمور، وهذه أشياء لا تخفى آثارها عند كونها، ووقوعها، فإذا أصاب الرجل شيء منها، فذهب ماله، وافتقر، حلّت له المسألة، ووجب على الناس أن يُعطوه الصدقة من غير بينة، يطالبونه بها على ثبوت فقره، واستحقاقه إياها. وأما النوع الآخر، فإنما هو فيمن كان له ملك ثابتٌ، وعُرف له يسار ظاهر، فادعى تَلَفَ ماله من لص طَرَقه، أو خيانة ممن أودعه، أو نحو ذلك من الأمور التي لا يبين لها أثرٌ ظاهر في المشاهدة والعيان، فإذا كان ذلك، ووقعت في أمره الرِّيبة في النفوس لم يعط شيئًا من الصدقة إلا بعد استبراء حاله، والكشف عنه بالمسألة من أهل الاختصاص به، والمعرفة بشأنه، وذلك معنى قوله: «حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: قد أصابت فلانًا الفاقة»، واشتراطه الحجا تأكيد لهذا المعنى، أي لا يكونون من أهل الغباوة والغفلة، ممن يخفى عليهم بواطن الأمور، ومعانيها، وليس هذا من باب الشهادة، ولكن من باب التبيّن والتعرّف، وذلك أنه لا مدخل لعدد الثلاثة في شيء من الشهادات، فإذا قال نفر من قومه، أو جيرانه، أو من ذوي الخبرة بشأنه: إنه صادق فيما يدّعيه، أُعطي الصدقة. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: «ليس من باب الشهادات» فيه نظر لا يخفى. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أنّ فيه من العلم أن من ثبت عليه حقّ عند حاكم، فطلب المحكوم له حبسه، وادعى المحكوم عليه الإفلاس، والفقر، لا تسمع دعواه إلا ببيّنة، إن كان المحكوم عليه به لزمه بدل مال حصل في يده، كثمن مبيع، وقرض لثبوت غناه بحصول المبيع، والقرض في يده، وتُقبل دعواه الإفلاس فيما ليس بدل مال، كبدل الغصب، وضمان المتلفات، ونفقة من يلزمه الإنفاق عليه، فلا يُحبس فيما ذكر إن ادّعى الفقر؛ لأن الأصل في الآدميّ العسر، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ الآية. إلا إذا بَرْهَن خصمه أنّ له مالا، فيحبس حسبما يراه القاضي؛ لقوله - ﷺ -: «مَطْلُ الغنيّ ظلم». متّفق عليه. وقوله - ﷺ -: «لَيُّ الواجد يُحلّ عرضه، وعقوبته» حديث حسن، أخرجه أحمد، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه. وهذا إذا لم يكن له مالٌ ظاهرٌ، وإلا انتزع منه الحقّ، إن كان من جنسه، أو بيع عليه، إن لم يكن من جنسه. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أنه يدلّ على جواز نقل الصدقة من بلدة إلى أخرى، حيث قال: «أقم حتى
مصادر المؤلف (١١)

١. - وضبطه النوويّ في «شرح مسلم» بدون همزة، وعبارته: «هارون بن رياب» -بكسر الراء، وبمثنّاة تحتُ، ثم ألف موحّدة انتهى ج ٧ ص ١٣٤.

٢. - قال الحافظ: تناقض فيه كلام ابن حبّان، فذكره في التابعين، وقال: سمع من أنس، وكنانة بن نعيم، ثم ذكره في طبقة أتباع التابعين، وقال: لم يسمع من أنس شيئا. انتهى «تهذيب التهذيب» ج ٤ ص ٢٥٣.

٣. - «النهاية في غريب الحديث والأثر» ج ١ ص ٤٤٢.

٤. - «شرح النوويّ على صحيح مسلم» ج ٧ ص ١٣٤.

٥. - «نيل الأوطار» ج ٤ ص ١٨١ طبعة دار الكتب العلمية.

٦. -«النهاية»ج ٤ ص ١٢٤.

٧. -«النهاية»ج ٢ ص ٣٥٣.

٨. - «المصباح المنير» في مادة سدد.

٩. - «المفهم» ج ٣ ص ٨٨.

١٠. - «المفهم» ج ٣ ص ٨٨.

١١. قوله: «أن تُوَرَّكَ الغرامةُ» أي تُوجَبَ، قال في «القاموس»: وَرَّكَهُ توريكًا: أوجبه، والذنبَ عليه حمله. انتهى.