HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٦١٩

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمُخَرِّمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ - وَاسْمُهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ - قَالَ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ ﷿ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ. فَقَالَ رَجُلٌ: فِي كُلِّ عَامٍ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ حَتَّى أَعَادَهُ ثَلَاثًا، فَقَالَ: لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ مَا قُمْتُمْ بِهَا، ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالشَّيْءِ فَخُذُوا بِهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص237
  • زبير علي زئي:صحيح مسلم
ج ٥ ص ١١٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, صحيح مسلم وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٣ ص٢٧٦
١ - (بَابُ وُجُوبِ الْحَجِّ) قال العلاّمة ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: الحجّ أحد الأركان الخمسة التي بني عليها الإسلام، والأصل في وجوبه الكتاب، والسنّة، والإجماع، أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. رُوي عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: ومن كفر باعتقاده أنه غير واجب. وقال اللَّه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]. وأما السنّة فقول النبيّ - ﷺ -: «بُنِي الإسلام على خمس …» وذكر منها الحجّ. ثم أورد حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى - عنه المذكور في الباب. انتهى . وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في «المفهم»: وأجمع المسلمون على وجوب الحجّ في الجملة، وأنه مرّة في العمر، ولوجوبه شروطٌ، وهي العقل، والبلوغ، والاستطاعة، على ما يأتي تفصيلها، وهذه الشروط هي المتّفق عليها، فأما الإسلام، فقد اختلف العلماء فيه، هل هو من شروط الوجوب، أو من شروط الأداء، وأما الحرّية، فالجمهور على اشتراطها في الوجوب، وفيها خلاف انتهى . وقال في «الفتح»: وجوب الحجّ معلوم من الدين بالضرورة، وأجمعوا على أنه لا يتكرّر، إلا لعارض، كالنذر انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٦١٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمُخَرِّمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ - وَاسْمُهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ- قَالَ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - النَّاسَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ -﷿-، قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ»، فَقَالَ رَجُلٌ: فِي كُلِّ عَامٍ؟، فَسَكَتَ عَنْهُ، حَتَّى أَعَادَهُ ثَلَاثًا، فَقَالَ: «لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ، مَا قُمْتُمْ بِهَا، ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالشَّيْءِ، فَخُذُوا بِهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ، فَاجْتَنِبُوهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن عبد اللَّه بن المبارك الْمُخَرِّمِيُّ) أبو جعفر البغدادي، ثقة حافظ [١١] ٤٣/ ٥٠. ٢ - (المغيرة بن سلمة أبو هشام) المخزومي البصري، ثقة ثبت، من صغار [٩] ٢٨/ ٨١٥. ٣ - (الربيع بن مسلم) الْجُمَحيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة [٧]. قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: شيخ ثقة. وقال أبو داود: هو أروى الناس عن محمد ابن زياد. وقال العجليّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في «الثقات». ذكره ابن أبي عاصم فيمن مات سنة (١٦٧). روى له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والباقون، سوى ابن ماجه وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٤ - (محمد بن زياد) الجمحيّ مولاهم، أبو الحارث المدنيّ، نزيل البصرة، ثقة ثبت، ربما أرسل [٣] ٨٩/ ١١٠. ٥ - (أبو هريرة) - ﵁ - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بثقات البصريين غير شيخه فبغدادي والصحابي فمدني. ومنها: أن فيه أبا هريرة - ﵁ - رأس المكثرين من الرواية، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - النَّاسَ) وفي رواية مسلم: «خطبنا رسول اللَّه - ﷺ -». أي خطب لنا عام فُرِضَ الحجُّ، أو ذكر لنا أثناء خطبة من خطبه. ثمّ إنه يمتنع أن تكون هذه الخطبة في الحجّ؛ لأنه - ﷺ - إنما حجّ في العاشر، وفرض الحجّ كان سابقًا، قيل: سنة خمس. وقيل: ست. وقيل: تسع، إلا أن يكون قاله أيضًا في حجة الوداع. أفاده الأبيّ . (فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ -﷿-، قَدْ فَرَضَ عَلَيكُمُ الْحَجَّ») ولفظ مسلم: «يا أيها الناس، قد فُرض عليكم الحجّ، فحُجُّوا» (فَقَالَ: رَجُلٌ) هو الأقرع بن حابس التميميّ، كما بينه حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - التالي (فِي كُلِّ عَامٍ؟) أي هو مفروض في كلّ عام، فالجارّ والمجرور خبر لمحذوف، كما قدرناه. ولفظ مسلم: «أكلَّ عام يا رسول اللَّه؟» بالنصب على أنه مفعول لفعل مقدّر، أي نحُجّ كلّ عام، أو نحو ذلك. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: واختلف الأصوليّون في أنّ الأمر هل يقتضي التكرار؟، والصحيح عند أصحابنا لا يقتضيه، والثاني يقتضيه، والثالث يتوقّف فيما زاد على مرّة على البيان، فلا يُحكم باقتضائه، ولا بمنعه، وهذا الحديث قد يَستدلّ به من يقول بالتوقّف؛ لأنه سأل، فقال: «أكلّ عام؟»، ولو كان مطلقه يقتضي التكرار، أو عدمه لم يسأل، ولقال له النبيّ - ﷺ -: لا حاجة إلى السؤال، بل مطلقه محمول على كذا. وقد يُجيب الآخرون بأنه سأل استظهارًا واحتياطًا. وقوله: «ذروني ما تركتكم» ظاهر في أنه لا يقتضي التكرار. وقال الماورديّ: ويحتمل أنه إنما احتمل التكرار عنده من وجه آخر؛ لأن الحجّ في اللغة قصد فيه تكررٌ، فاحتمل عنده التكرار من جهة الاشتقاق، لا من مطلق الأمر. قال: وقد تعلّق بما ذكرناه عن أهل اللغة ها هنا من قال بإيجاب العمرة، وقال: لَمّا كان قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الآية [آل عمران: ٩٧] يقتضي تكرار قصد البيت بحكم اللغة، والاشتقاق، وقد أجمعوا على أن الحجّ لا يجب إلا مرّة، كانت العودة الأخرى إلى البيت تقتضي كونها عمرة؛ لأنه لا يجب قصده لغير حجّ وعمرة بأصل الشرع انتهى . وقال القاري: والأظهر أن مبنى السؤال قياسه على سائر الأعمال، كالصلاة، والصوم، والزكاة، ولم يدر أن تكراره كلّ عام بالنسبة إلى جميع المكلّفين من المحال، كما لا يخفى انتهى . (فَسَكَتَ) - ﷺ - (عَنْهُ) أي عن ردّ الجواب عن سؤاله (حَتَّى أَعَادَهُ ثَلَاثًا) أي حتى أعاد الرجل السائل الكلمة التي قالها ثلاث مرّات. قال التوربشتيّ: إنما سكت النبيّ - ﷺ - زجرًا له عن السؤال الذي كان السكوت عنه أولى؛ لأن الرسول - ﷺ - إنما بُعث لبيان الشريعة، فلم يكن ليسكت عن بيان أمر عَلِم أن بالأمة حاجةً إلى الكشف عنه، فالسؤال عن مثله تقدُّمٌ بين يدي رسول اللَّه - ﷺ -، وقد نُهُوا عنه، بقوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، والإقدام عليه ضرب من الجهل، وشرٌّ، فيه احتمال أن يعاقبوا بزيادة التكليف، وإليه أشار - ﷺ - بقوله: «لو قلت: نعم لوجبت». ثم لَمّا رآه - ﷺ - لا ينزجر، ولا يقنع إلا بالجواب الصريح صرّح به (فَقَالَ: «لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ) أي فرضًا وتقديرًا، ولا يبعد أن يكون سكوته - ﷺ - انتظارًا للوحي. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه دليلٌ للمذهب الصحيح أنه - ﷺ - كان له أن يجتهد في الأحكام، ولا يشترط في حكمه أن يكون بوحي. وقيل: يشترط. وهذا القائل يُجيب عن هذا الحديث بأنه لعله أوحي إليه ذلك. واللَّه أعلم انتهى . وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: استُدِلَّ به على أنّ النبيّ - ﷺكان له أن يجتهد في الأحكام؛ لقوله:«لو قلت: نعم لوجبت»، ولا يشترط في حكمه أن يكون بوحي. وأجاب من منع باحتمال أن يكون أوحي إليه ذلك في الحال انتهى . وقال السنديّ: قيل: وهذا بظاهره يقتضي أن أمر افتراض الحجّ كلّ عام كان مفوّضًا إليه، حتى لو قال: نعم لحصل، وليس بمستبعد، إذ يجوز أن يأمر اللَّه تعالى بالإطلاق، ويفوّض أمر التقييد إلى الذي فوّض إليه البيان، فهو إن أراد أن يبقيه على الإطلاق يبقيه عليه، وإن أراد أن يقيّده بكلّ عام يقيّده به. ثم فيه إشارة إلى كراهة السؤ الذي النصوص المطلقة، والتفتيش عن قيودها، بل ينبغي العمل بها على إطلاقها، حتى يظهر فيها قيد، وقد جاء القرآن موافقًا لهذه الكراهة -يعني قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ الآية-. انتهى. (لَوَجَبَتْ) أي هذه العبادة، أو فريضة الحجّ المدلول عليها بقوله: «قد فَرَضَ»، أو الحجة كلّ عام، أو حجج كثيرة على كلّ أحد (وَلَوْ وَجَبَتْ، مَا قُمْتُمْ بِهَا) أي ما قدرتم كلّكم على القيام بأدائها في كلّ عام، فتقعون بذلك في حرج عظيم (ذَرُونِي) وفي رواية البخاريّ: «دعوني» أي اتركوني من السؤال عن القيود في المطلقات. قال في «القاموس»: ذَرْه: أي دَعْه، يَذَرُه تركًا، ولا تقل: وَذْرًا، وأصله وَذِرَهُ يَذَرُهُ، كوَسِعَه يَسَعُهُ، لكن ما نطقوا بما ضيه، ولا بمصدره، ولا باسم الفاعل. أو قيل: وَذِرْتُهُ شاذًّا انتهى. قال في «الفتح» بعد أن ذكر أن مسلما أخرجه مطوّلًا -يعني كرواية المصنّف-: ما نصّه: وأخرجه الدارقطنيّ مختصرًا، وزاد فيه: «فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾، وله شاهد عن ابن عبّاس، عند الطبريّ في»التفسير«، وفيه:»لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم، فاتركوني ما تركتكم … «الحديث، وفيه فأنزل اللَّه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ﴾ الآية انتهى . (مَا تَرَكتُكُمْ) أي لأني مبعوث لبيان الشرائع، وتبليغ الأحكام، فما كان مشروعًا أبيّنه لكم لا مَحَالَةَ، ولا حاجة إلى السؤال. وقال السنديّ:«ما»مصدرية ظرفيّة، أي مدّة تركي إياكم عن التكليف بالقيود فيها، وليس المراد لا تطلبوا مني العلم ما دام لا أبينُ لكم بنفسي. انتهى . وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله:«ما تركتكم»أي مدّة تركي إياكم بغير أمر بشيء، ولا نهي عن شيء. وإنما غاير بين اللفظين؛ لأنهم أماتوا الماضي، واسمَ الفاعل منهما، واسمَ مفعولهما، وأثبتوا الفعل المضارع، وهو«يَذَرُ»، وفعل الأمر، وهو«ذَرّ»، ومثله«دَعْ»، و«يَدَعُ»، ولكن سمع«وَدَعَ»، كما قُرىء به في الشاذّ في قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣]، قرأ بذلك إبراهيم بن أبي عَبْلَة، وطائفة، وقال الشاعر [من الطويل]: وَنَحْنُ وَدَعْنَا آلَ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ … فَرَائِسَ أَطْرَافِ الْمُثَقَّفَةِ السُّمْرِ ويحتمل أن يكون ذكر ذلك على سبيل التفنّن في العبارة، وإلا لقال: اتركوني. والمراد بهذا الأمر ترك السؤال عن شيء لم يقع، خشية أن ينزل به وجوبه، أو تحريمه، وعن كثرة السؤال؛ لما فيه غالبًا من التعنّت، وخشية أن تقع الإجابة بأمر يُستثقَلُ، فقد يؤدّي لترك الامتثال، فتقع المخالفة. وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: «ذروني ما تركتكم»: يعني لا تكثروا من الاستفصال عن المواضع التي تكون مقيّدَةً بوجهٍ مّا ظاهرٍ، وإن كانت صالحة لغيره، وبيانُ ذلك: أن قوله: «فحُجّوا»، وإن كان صالحًا للتكرار، فينبغي أن يُكتَفَى بما يصدُق عليه اللفظ، وهو المرّة الواحدة، فإنها مدلولةُ اللفظ قطعًا، وما زاد عليها يتغافل عنه، ولا يُكثَر السؤال فيه؛ لإمكان أن يكثر الجواب المترتّب عليه، فيضاهي ذلك قصّة بقرة بني إسرائيل، التي قيل لهم فيها: اذبحوا بقرة، فلو اقتصروا على ما يصدق عليه اللفظ، وبادروا إلى ذبح بقرة، أيّ بقرة كانت لكانوا ممتثلين، لكن لما أكثروا السؤال كثُر عليهم الجواب، فشدّدوا، فشُدّد عليهم، فذُمّوا على ذلك، فخاف النبيّ - ﷺ - منه مثل هذا على أمته، ولذلك قال: «فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم»، وعلى هذا يُحمل قوله: «فإذا أمرتكم بشيء، فائتوا منه ما استطعتم»، يعني بشيء مطلق، كما إذا قال: صم، أو صلّ، أو تصدّق. فيكفي من ذلك أقلّ ما ينطلق عليه الاسم، فيصوم يومًا، ويصلّي ركعتين، ويتصدّق بشيء يُتصدّق بمثله، فإن قيّد شيئًا من ذلك بقيود، ووصفه بأوصاف لم يكن بدّ من امتثال أمره على ما فصَّلَ، وقَيَّدَ، وإن كان فيه أشدّ المشقّات، وأشدّ التكاليف، وهذا مما لا يُختَلَف فيه إن شاء اللَّه تعالى أنه المراد بالحديث انتهى كلام القرطبيّ . وقد أخرج البزّار، وابن أبي حاتم في «تفسيره» من طريق أبي رافع، عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، مرفوعًا: «لو اعترض بنوا إسرائيل أدنى بقرة، فذبحوها، لكفتهم، ولكن شَدَّدُوا، فشدّد اللَّه عليهم». وفي السند عبّاد بن منصور، وحديثه من قبيل الحسن. وأورده الطبريّ، عن ابن عبّاس، موقوفًا. وعن أبي العالية، مقطوعًا. ذكره في «الفتح» . (فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) أي من اليهود والنصارى (بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ) كسؤال الرؤية، والكلام، وقضيّة البقرة. ولفظ البخاريّ من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: «فإنما أهلك من كان قبلكم سُؤَالُهُمْ». قال في «الفتح»: قوله: «فإنما أهلك» بفتحات ، وقال بعد ذلك: «سؤالهم» بالرفع على أنه فاعل «أهلك». وفي رواية غير الكشميهنيّ: «أُهلك» بضمّ أوله، وكسر اللام، وقال بعد ذلك: «بسؤالهم» أي بسبب سؤالهم. وقوله: «واختلافهم» بالرفع، وبالجرّ على الوجهين. ووقع في غير رواية همام عند أحمد بلفظ: «فإنما أُهْلِكَ»، وفيه «بسؤالهم»، ويتعيّن الجرّ في «واختلافهم». وفي رواية الزهريّ: «فإنما هَلَكَ»، وفيه «سؤالُهم»، ويتعيّن الرفع في «واختلافهم». وأما قول النوويّ في «أربعينه»: و«اختلافهم» برفع الفاء، لا بكسرها، فإنه باعتبار الرواية التي ذكرها، وهي التي من طريق الزهريّ انتهى . (وَاختِلَافِهِمْ) عطف على «كثرة السؤال»، لا على «السؤال»، إذ الاختلاف، وإن قلّ يؤدّي إلى الهلاك. ويحتمل أنه عطف على «سؤالهم»، فهو إِخْبَارًا عمن تقدّم بأنه كَثُرَ اختلافهم في الواقع، فأدّاهم إلى الهلاك، وهو لا ينافي أن القليل من الاختلاف مؤدّ إلى الفساد. قاله السنديّ . (عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ) يعني أنهم إذا أمرهم الأنبياء بعد السؤال، أو قبله اختلفوا عليهم، فهلكوا، واستحقّوا الإهلاك. قال الأبّيّ: قوله: «واختلافهم على أنبيائهم» هو زيادة على ما وقع، فإن الذي وقع إنما هو الإلحاح في السؤال، لا الاختلاف انتهى . (فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالشَّيْءِ) وفي نسخة: «بشيء»، ولمسلم: «بأمر». وفي رواية: «وما أمرتكم به» (فَخُذُوا بهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أي خذوا من ذلك الأمر قدر استطاعتكم. وفي رواية: «فأتوا منه مَا استطعتم»، وفي رواية: «وإذا أمرتكم بالأمر، فأتمروا ما استطعتم». قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا من قواعد الإسلام المهمة، ومن جوامع الكلم التي أعطيها - ﷺ -، ويدخل فيه ما لا يُحصَى من الأحكام، كالصلاة بأنواعها، فإذا عجز عن بعض أركانها، أو بعض شروطها أتى بالباقي، وإذا عجز عن بعض أعضاء الوضوء، أو الغسل غسل الممكن، وإذا وجد بعض ما يكفيه من الماء لطهارته، أو لغسل النجاسة، فعل الممكن، وإذا وجبت إزالة منكرات، أو فطرة جماعة من تلزمه نفقتهم، أو نحو ذلك، وأمكنه البعض فعل الممكن، وإذا وجد ما يستر بعض عورته، أو حَفِظَ بعض الفاتحة أتى بالممكن، وأشباه هذا غير منحصرة، وهي مشهورة في كتب الفقه، والمقصود التنبيه على أصل ذلك انتهى كلام النوويّ . وقال غيره: فيه أن من عجز عن بعض الأمور لا يسقط عنه المقدور، وعبّر عنه بعض الفقهاء بأنّ الميسور لا يسقط بالمعسور، كما لا يسقط ما قدر عليه من أركان الصلاة بالعجز عن غيره، وتصحّ توبة الأعمى عن النظر المحرّم، والمجبوب عن الزنا؛ لأن الأعمى، والمجبوب قادران على الندم، فلا يسقط عنهما بعجزهما عن العزم على عدم العود؛ إذ لا يُتصوّر منهما العود عادة، فلا معنى للعزم على عدمه انتهى . وقال النوويّ: وهذا الحديث موافق يقول اللَّه تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وأما قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ففيها مذهبان: أحدهما: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. والثاني: -وهو الصحيح، أو الصواب، وبه جزم المحققون أنها ليس منسوخةً، بل قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ مفسّرة لها، ومبيّنة للمراد بها. قالوا: وحقّ تقاته، هو امتثال أمره، واجتناب نهيه، ولم يأمر اللَّه سبحانه، وتعالى إلا بالمستطاع، قال اللَّه تعالى: ﴿لَا ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحجّ: ٧٨]. واللَّه تعالى أعلم انتهى . وقال في «الفتح»: وزعم بعضهم أن قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ نَسَخَ قولَهُ تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، والصحيح أن لا نسخ، بل المراد بـ «حقّ تقاته» امتثال أمره، واجتناب نهيه مع القدرة، لا مع العجز انتهى . (وَاِذَا نَهْيتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ) أي من المحرمات (فَاجْتَنِبُوهُ») أي اتركوه كلّه. قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: يعني أن النهي على نقيض الأمر، وذلك أنه لا يكون ممتَثَلًا بمقتضى النهي حتى لا يفعل واحدًا من آحاد ما يتناوله النهي، ومن فعل واحدًا فقد خالف، وعصى، فليس في النهي إلا ترك ما نهي عنه مطلقًا دائمًا، وحينئذ يكون ممتثلًا لترك ما أمر بتركه، بخلاف الأمر على ما تقدّم. وهذا الأصل إذا فُهِم هو ومسألة مطلق الأمر؛ هل يُحمل على الفور، أو التراخي، أو على المرّة الواحدة، أو على التكرار؟ وفي هذا الحديث أبوابٌ من الفقه لا تخفى. انتهى كلام القرطبيّ . وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وأما قوله: «وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» فهو على إطلاقه، فإن وُجد عذرٌ يبيحه، كأكل الميتة عند الضرورة، وشرب الخمر عند الإكراه، أو التلفّظ بكلمة الكفر إذا أُكره، ونحو ذلك، فهذا ليس منهيًّا عنه في هذا الحال. واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ . وقال في «الفتح»: ثم إن هذا النهي عامّ في جميع المناهي، ويُستثنى من ذلك ما يكره المكلف على فعله، كشرب الخمر، وهذا على رأي الجمهور. وخالف قوم، فتمسّكوا بالعموم، فقالوا: الإكراه على ارتكاب المعصية لا يُبيحها. والصحيح عدم المؤاخذة إذا وُجد صورة الإكراه المعتبرة. واستثنى بعض الشافعيّة من ذلك الزنا، فقال: لا يُتصوّر الإكراه عليه، وكأنه أراد التمادي فيه، وإلا فلا مانع أن يَنْعَظَ الرجل بغير سبب، فيكره على الإيلاج حينئذ، فيولج في الأجنبيّة، فإن مثل ذلك ليس بمحال، ولو فعله مختارًا لكان زانيًا، فتصوّر الإكراه على الزنا. وقال في موضع آخر: وقال ابن فرج في «شرح الأربعين»: قوله: «فاجتنبوه» هو على إطلاقه حتى يوجد ما يُبيحه، كأكل الميتة عند الضرورة، وشرب الخمر عند الإكراه، والأصل في ذلك جواز التلفّظ بكلمة الكفر إذا كان القلب مطمئنًّا بالإيمان، كما نطق به القرآن انتهى. والتحقيق أن المكلّف في ذلك كلّه ليس منهيًّا عنه في تلك الحال. وأجاب الماورديّ بأن الكفّ عن المعاصي ترك، وهو سهلٌ، وعمل الطاعة فعلٌ، وهو يشقّ، فلذلك لم يُبَح ارتكاب المعصية، ولو مع العذر؛ لأنه ترك، والترك لا يعجز المعذور عنه، وأباح ترك العمل بالعذر؛ لأن العمل قد يعجز المعذور عنه. وادّعى بعضهم أن قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ يتناول امتثال المأمور، واجتناب المنهيّ عنه، وقد قيد بالاستطاعة، واستويا، فحينئذ يكون الحكمة في تقييد الحديث بالاستطاعة في جانب الأمر دون النهي أن العجز يكثر تصوّره في الأمر، بخلاف النهي، فإن تصوّر العجز فيه محصور في الاضطرار. انتهى ما في «الفتح» وهو بحث نفيس جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١/ ٢٦١٩ - وفي «الكبرى» ١/ ٣٥٩٨. وأخرجه (خ) في «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة» ٧٢٨٨ (م) في «الحجّ» ١٣٣٧ (ت) في «العلم» ٢٦٧٩ (ق) في «المقدّمة» ١ و٢ (أحمد) في «باقي مسند المكثرين» ٧٣٢٠ و٧٤٤٩ و٢٧٣٦١ و٨٤٥٠ و٩٢٣٩ و٩٤٨٨ و٩٥٧٧ و٢٧٢٥٨ و٩٨٩٠ و٢٧٣١٢ و١٠٢٢٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان وجوب الحجّ (ومنها): أن الحجّ لا يتكرّر وجوبه، بل هو مرّة في العمر. قال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: لا خلاف في أن الحجّ لا يتكرّر وجوبه، إلا أن هذا الإجماع إنما حصل بدليل، أما نفس اللفظ فقد يوهم التكرار، ولذا سأل السائل، فإن الحجّ في اللغة قصدٌ فيه تكرار انتهى . (ومنها): أنه يدلّ على أن المسلم إذا حج مرّة، ثم ارتدّ عن الإسلام -والعياذ باللَّه- ثم أسلم أنه لا يلزمه إعادة الحجّ. وهذا مذهب الشافعي -رحمه اللَّه تعالى-، وذهب أبو حنيفة، وأصحابه، ومالك -رحمهم اللَّه تعالى- إلى أن المرتدّ لو عاد إلى الإسلام لا تعود إليه حسنات أعماله، ولكن لا يلزمه إعادة ما أدّاه منها قبل الرّدّة، إلا الحجّ، فيلزمه إعادته؛ لأن وقته العمر، فلما أحبط حجه بالردّة، ثم أدرك وقته مسلمًا لزمه، وكذا يلزمه إعادة فرض أدّاه، فارتد، ثم أسلم في الوقت . (ومنها): أن جميع الأشياء على الإباحة حتى يثبت دليل المنع من قبل الشارع (ومنها): أنه استدلّ به من قال: إن النبيّ - ﷺ - كان يجتهد في الأحكام؛ لقوله: «ولو قلت: نعم، لوجبت». وأجاب من منع ذلك باحتمال أن يكون أوحي إليه ذلك في الحال، والقول بالمنع أرجح؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أن من أُمر بشيء، فعجز عن بعضه، ففعل المقدور أنه يسقط عنه ما عجز عنه. وبذلك استدلّ المزنيّ -رحمه اللَّه تعالى- على أنّ ما وجب أداؤه لا يجب قضاؤه، ومن ثمّ كان الصحيح أن القضاء بأمر جديد (ومنها): أن اعتناء الشارع بالمنهيّات فوق اعتنائه بالمأمورات؛ لأنه أطلق الاجتناب في المنهيّات، ولو مع المشقّة في الترك، وقيّد في المأمورات بقدر الطاقة. وهذا منقول عن الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى-. [فإن قيل]: إن الاستطاعة معتبرة في النهي أيضًا؛ إذ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. [أجيب]: بأن الاستطاعة تطلق باعتبارين. قال الحافظ: كذا قيل، والذي يظهر أن التقييد في الأمر بالاستطاعة لا يدلّ على المدّعَى من الاعتناء به، بل هو من جهة الكفّ، إذ كلّ أحد قادر على الكفّ، لولا داعية الشهوة مثلًا، فلا يُتصوّر عدم الاستطاعة عن الكفّ، بل كلّ مكلّف قادرٌ على الترك، بخلاف الفعل، فإن العجز عن تعاطيه محسوس، فمن ثمّ قُيّد في الأمر بحسب الاستطاعة، دون النهي. وعبّر الطوفي في هذا الموضع بأن ترك المنهيّ عنه عبارة عن استصحاب حال عدمه، أو الاستمرار على عدمه، وفعل المأمور به عبارة عن إخراجه من العدم إلى الوجود. وقد نوزع بأن القدرة على استصحاب عدم المنهيّ عنه قد تتخلّف. واستدلّ له بجواز أكل المضطرّ الميتة. وأجيب بأن النهي في هذا عارضه الإذن بالتناول في تلك الحالة. (ومنها): أنه استُدلّ به على أن المكروه يجب اجتنابه؛ لعموم الأمر باجتناب المنهيّ عنه، فشمل الواجب والمندوب. وأجيب بأن قوله: «فاجتنبوه» يُعمل به في الإيجاب والندب بالاعتبارين، ويجيء مثل هذا السؤال وجوابه في الجانب الآخر، وهو الأمر. وقال الفاكهانيّ: النهي يكون تارة مع المانع من النقيض، وهو المحرّم، وتارة لا معه، وهو المكروه، وظاهر الحديث يتناولهما. (ومنها): أنه استدلّ به على أن المباح ليس مأمورًا به؛ لأن التأكيد في الفعل إنما يناسب الواجب والمندوب، وكذا عكسه. وأجيب بأن من قال: المباح مأمور به، لم يُرد الأمر بمعنى الطلب، وإنما أراد بالمعنى الأعمّ، وهو الإذن. (ومنها): أنه استدلّ به على أن الأمر لا يقتضي التكرار، ولا عدمه. وقيل: يقتضيه. وقيل: بل يُتوقّف فيما زاد على مرّة. وحديث الباب يتمسّك به لذلك؛ لما في سببه أن السائل قال في الحجّ: «أكلّ عام؟»، فلو كان مطلقه يقتضي التكرار، أو عدمه لم يحسُن السؤال، ولا العناية بالجواب. وقد يقال: إنما سأل استظهارًا واحتياطًا. وقال المازريّ: يحتمل أن يقال: إن التكرار إنما احتمل من جهة أن الحجّ في اللغة قصد فيه تكرارٌ، فاحتمل عند السائل التكرار من جهة اللغة، لا من صيغة الأمر. وقد تمسّك به من قال بإيجاب العمرة؛ لأن الأمر بالحجّ إذا كان معناه تكرار قصد البيت بحكم اللغة والاشتقاق، وقد ثبت في الإجماع أن الحجّ لا يجب إلا مرّة، فيكون العود إليه مرّة أخرى دالًّا على وجوب العمرة. وسيأتي الكلام على هذا في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أنه استُدلّ به على النهي عن كثرة المسائل، والتعمّق في ذلك. قال البغويّ -رحمه اللَّه تعالى- في «شرح السنّة»: المسائل على وجهين: «أحدهما»: ما كان على وجه التعليم لما يُحتاج إليه من أمر الدين، فهو جائز، بل مأمور به؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ الآية [النحل: ٤٣]، وعلى ذلك تتنزّل أسئلة الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم - عن الأنفال، والكلالة، وغيرهما. «ثانيهما»: ما كان على وجه التعنّت والتكلّف، وهو المراد في هذا الحديث. واللَّه أعلم. ويؤيّده ورود الزجر في الحديث عن ذلك، وذمّ السلف، فعند أحمد من حديث معاوية: «أن النبيّ - ﷺ - نهى عن الأغلوطات». قال الأوزاعيّ: هي شداد المسائل، وقال الأوزاعيّ أيضًا: إن اللَّه إذا أراد أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه المغاليط، فلقد رأيتهم أقلّ الناس علما. وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: المراء في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل. وقال ابن العربيّ: كان النهي عن السؤال في العهد النبويّ خشية أن ينزل ما يشقّ عليهم، فأما بعده فقد أُمِن ذلك، لكن أكثر النقل عن السلف بكراهة الكلام في المسائل التي لم تقع. قال: وإنه لمكروه إن لم يكن حرامًا إلا للعلماء، فإنهم فرّعوا، ومهّدوا، فنفع اللَّه من بعدهم بذلك، ولا سيّما مع ذهاب العلماء، ودروس العلم انتهى ملخّصا. قال الحافظ: وينبغي أن يكون محلّ الكراهة للعالم، إذا شغله ذلك عمّا هو أهمّ منه. وكان ينبغي تلخيص ما يكثر وقوعه مجرّدًا عما يندر، ولا سيّما في المختصرات؛ ليسهل تناوله. واللَّه المستعان انتهى. (ومنها): أن فيه إشارةً إلى الاشتغال بالأهمّ المحتاج إليه عاجلًا عما لا يحتاج إليه في الحال، فكأنه قال: عليكم بفعل الأوامر، واجتناب النواهي، فاجعلوا اشتغالكم بها عوضًا عن الاشتغال بالسؤال عما لم يقع. فينبغي للمسلم أن يبحث عما جاء عن اللَّه تعالى ورسوله - ﷺ -، ثم يجتهد في تفهّم ذلك، والوقوف على المراد به، ثم يتشاغل بالعمل به، فإن كان من العلميّات يتشاغل بتصديقه، واعتقاد أحقيّته، وإن كان من العمليّات بذَلَ وُسْعه في القيام به، فعلًا وتركًا، فإن وجد وقتًا زائدًا على ذلك فلا بأس بأن يصرفه في الاشتغال بتعرّف حكم ما سيقع على قصد العمل به أن لو وقع، فأما إن كانت الهمّة مصروفةٌ عند سماع الأمر والنهي إلى فرض أمور قد تقع، وقد لا تقع مع الإعراض عن القيام بمقتضى ما سمع، فإن هذا مما يدخل في النهي، فالتفقّه في الدين إنما يُحمد إذا كان للعمل، لا للمراء والجدل . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): عقد الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في «صحيحه» في «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة» بابًا مهمًّا جدًّا، له شدّة ارتباط بحديث الباب، وكتب الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في شرحه كلامًا نفيسًا أحببت إيراده تتميمًا للفائدة، ونشرًا للعائدة، قال -رحمه اللَّه تعالى-: «باب ما يكره من كثرة السؤال، وتكلّف ما لا يعنيه، وقول اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾» [المائدة: ١٠١]. ثم ساق بسنده عن سعد بن أبي وقّاص - رضي اللَّه تعالى عنه -، أن النبيّ - ﷺ - قال: «إن أعظم المسلمين جُرْمًا من سأل عن شيء، لم يُحرِّم، فحرّم من أجل مسألته»، ثم أورد بعده ثمانية أحاديث. قال الشارح -رحمه اللَّه تعالى-: كأنه يريد أن يستدلّ بالآية على المدّعَى من الكراهة، وهو مصير منه إلى ترجيح بعض ما جاء في تفسيرها، وقد ذكرتُ الاختلاف في سبب نزولها في «تفسير سورة المائدة»، وترجيح ابن المنيّر أنه في كثرة المسائل عما كان، وعمّا لم يكن، وصنيع البخاريّ يقتضيه، والأحاديث التي ساقها في الباب تؤيّده. وقد اشتدّ إنكار جماعة من الفقهاء ذلك، منهم: القاضي أبو بكر بن العربيّ، فقال: اعتقد قوم من الغافلين منع السؤال عن النوازل إلى أن تقع تعلّقًا بهذه الآية، وليس كذلك؛ لأنها مصرّحة بأن المنهيّ عنه ما تقع المسألة في جوابه، ومسائل النوازل ليست كذلك انتهى. قال الحافظ: وهو كما قال؛ لأن ظاهرها اختصاص ذلك بزمان نزول الوحي، ويؤيّده حديث سعد الذي صدّر به المصنّف الباب: «من سأل عن شيء، لم يحرّم، فحرّم من أجل مسألته»، فإن مثل ذلك قد أُمن وقوعه، ويدخل في معنى حديث سعد ما أخرجه البزار، وقال: سنده صالح، وصححه الحاكم، من حديث أبي الدرداء - رضي اللَّه تعالى عنه -، رفعه: «ما أحلّ اللَّه في كتابه، فهو حلال، وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه، فهو عفو، فاقبلوا من اللَّه عافيته، فإن اللَّه لم يكن ينسى شيئًا، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾». وأخرج الدارقطنيّ من حديث أبي ثعلبة - رضي اللَّه تعالى - عنه، رفعه: «إن اللَّه فرض فرائض، فلا تضيّعوها، وحدّ حدودًا، فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم، غيرَ نسيان، فلا تبحثوا عنها». وله شاهد من حديث سلمان - رضي اللَّه تعالى عنه -، أخرجه الترمذيّ. وآخر من حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى - عنهما، أخرجه أبو داود. وقد أخرج مسلم، وأصله في البخاريّ، من طريق ثابت، عن أنس - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: «كنّا نُهينا أن نسأل رسول اللَّه - ﷺ - عن شيء، وكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية، فيسأله، ونحن نسمع …» فذكر الحديث. وللبخاريّ في قصّة اللعان من حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: «فكره رسول اللَّه - ﷺ - المسائل، وعابها». ولمسلم عن النوّاس بن سمعان - ﵁ -، قال: «أقمت مع رسول اللَّه - ﷺ - سنة بالمدينة ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة، كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل النبيّ - ﷺ -». ومراده أنه قدم وافدًا، فاستمرّ بتلك الصورة لِيُحَصِّلَ المسائل، خشية أن يخرج من صفة الوفد إلى استمرار الإقامة، فيصير مهاجرًا، فيمتنع عليه السؤال. وفيه إشارة إلى أن المخاطب بالنهي عن السؤال غير الأعراب، وفودًا كانوا، أو غيرهم. وأخرج أحمد عن أبي أُمامة - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: لَمّا نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ الآية. كنّا قد اتقينا أن نسأله - ﷺ -، فأتينا أعرابيًّا، فرشوناه بُردًا، وقلنا: سل النبيّ - ﷺ -. ولأبي يعلى عن البراء: «إن كان ليأتي عليّ السَّنَةُ أريد أن أسأل رسول اللَّه - ﷺ - عن الشيء، فأتهيّب، وإن كنّا لنتمنّى الأعراب -أي قدومهم؛ ليسألوا، فيسمعوا هم أجوبة سؤالات الأعراب، فيستفيدوها-. وأما ما ثبت في الأحاديث من أسئلة الصحابة، فيحتمل أن يكون قبل نزول الآية. ويحتمل أن النهي في الآية لا يتناول ما يحتاج إليه مما تقرّر حكمه، أو مالهم بمعرفته حاجةٌ راهنةٌ، كالسؤال عن الذبح بالقصب، والسؤال عن وجوب طاعة الأمراء، إذا أَمروا بغير الطاعة، والسؤال عن أحوال يوم القيامة، وما قبلها من الملاحم والفتن، والأسئلة التي في القرآن، كسؤالهم عن الكلالة، والخمر، والميسر، والقتال في الشهر الحرام، واليتامى، والمحيض، والنساء، والصيد، وغير ذلك، لكن الذين تعلّقوا بالآية في كراهية كثرة المسائل عما لم يقع أخذوه بطريق الإلحاق من جهة أن كثرة السؤال لما كانت سببًا للتكليف بما يشقّ، فحقّها أن تُجتنب. وقد عقد الإمام الدارميّ -رحمه اللَّه تعالى- في أوائل «مسنده» لذلك بابًا، وأورد فيه عن جماعة من الصحابة والتابعين آثارًا كثيرةً في ذلك، منها: عن ابن عمر: «لا تسألوا عما لم يكن، فإني سمعت عمر يلعن السائل عما لم يكن». وعن عمر: «أحرّج عليكم أن تسألوا عما لم يكن، فإن لنا فيما كان شغلًا». وعن زيد بن ثابت أنه كان إذا سئل عن الشيء يقول: كان هذا، فإن قيل: لا، قال: دعوه حتى يكون. وعن أُبي بن كعب، وعن عمّار كذلك. وأخرج أبو داود في «المراسيل» من رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، مرفوعًا. ومن طريق طاوس، عن معاذ، رفعه: «لا تعجلوا بالبليّة قبل نزولها، فإنكم إن تفعلوا لم يزل في المسلمين من إذا قال سُدّد، أو وفّق، وإن عجلتم تشتّت بكم السبل». وهما مرسلان، يقوّي بعضٌ بعضًا. ومن وجه ثالث عن أشياخ الزبير بن سعيد، مرفوعًا: «لا يزال في أمتي من إذا سُئل سُدّد، وأُرشد، حتى يتساءلوا عما لم ينزل» … الحديث نحوه. قال بعض الأئمة: والتحقيق في ذلك أن البحث عما لا يوجد فيه نصّ على قسمين: (أحدهما): أن يُبحث عن دخوله في دلالة النصّ على اختلاف وجوهها، فهذا مطلوب، لا مكروه، بل ربّما كان فرضًا على من تعيّن عليه من المجتهدين. (ثانيهما): أن يدقّق النظر في وجوه الفروق، فيفرّق بين متماثلين بفرق ليس له أثرٌ في الشرع مع وجود وصف الجمع، أو بالعكس، بأن يجمع بين مترّقين بوصف طرديّ مثلًا، فهذا الذي ذمّه السلف، وعليه ينطبق حديث ابن مسعود، رفعه: «هلك المتنطّعون». أخرجه مسلم، فرأوا أن فيه تضييع الزمان بما لا طائل تحته، ومثله الإكثار من التفريع على مسألة لا أصل لها في الكتاب، ولا في السنّة، ولا الإجماع، وهي نادرة الوقوع جدًّا، فيصرف فيها زمانًا كان صرفه في غيرها أولى، ولا سيّما إن لزم من ذلك إغفال التوسّع في بيان ما يكثر وقوعه، وأشدّ من ذلك في كثرة السؤال، البحثُ عن أمور مغيبة ورد الشرع بالإيمان بها، مع ترك كيفيتها، ومنها ما لا يكون له شاهد في عالم الحسّ، كالسؤال عن وقت الساعة، وعن الروح، وعن مدّة هذه الأمّة، إلى أمثال ذلك مما لا يُعرف إلا بالنقل الصِّرْف، والكثير منه لم يثبت فيه شيء، فيجب الإيمان به من غير بحث، وأشدّ من ذلك ما يوقع كثرة البحث عنه في الشكّ والحيرة. وقال بعض الشرّاح مثال التنطع في السؤال حتى يفضي بالمسؤول إلى الجواب بالمنع بعد أن يفتي بالإذن أن يسأل عن السِّلَعِ التي توجد في الأسواق، هل يكره شراؤها ممن هي في يده من قبل البحث عن مصيرها إليه، أو لا؟، فيجيبه بالجواز، فإن عاد، فقال: أخشى أن يكون من نهب، أو غصب، ويكون ذلك الوقت قد وقع شيء من ذلك في الجملة، فيحتاج أن يجيبه بالمنع، ويقيّد ذلك، إن ثبت شيء من ذلك حرم، وإن تردّد كره، أو كان خلاف الأولى، ولو سكت السائل عن هذا التنطّع لم يزد المفتي على جوابه بالجواز. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في التمثيل للتنطّع في السؤال بهذا المثال نظر لا يخفى لمن تأمّل. واللَّه تعالى أعلم. قال: وإذا تقرّر ذلك، فمن يسدّ باب المسائل حتى فاته معرفة كثير من الأحكام التي يكثر وقوعها، فإنه يقلّ فَهْمُهُ وعلمه، ومن توسّع في تفريع المسائل، وتوليدها، ولا سيّما فيما يقلّ وقوعه، أو يندر، ولا سيّما إن كان الحامل على ذلك المباهاة والمغالبة، فإنه يذمّ فعله، وهو عين الذي كرهه السلف. ومن أمعن في البحث عن معاني كتاب اللَّه، محافظًا على ما جاء في تفسيره عن رسول اللَّه - ﷺ -، وعن أصحابه الذين شاهدوا التنزيل، وحصل من الأحكام ما يستفاد من منطوقه، ومفهومه، وعن معاني السنّة، وما دلّت عليه كذلك، مقتصرًا على ما يصلح للحجّيّة منها، فإنه الذي يُحمَد، ويُتنفع به، وعلى ذلك يُحمل عمل فقهاء الأمصار، من التابعين، فمن
مصادر المؤلف (٢٩)

١. - «المغني» ج ٥ ص ٥.

٢. - «المفهم» ج ٣ ص ٢٥٦.

٣. - «الفتح» ج ٤ ص ١٥٢.

٤. - انظر «شرح الأبيّ لصحيح مسلم» ج ٣ ص ٤٣٤.

٥. - شرح صحيح مسلم للنوويّ ج ٩ ص ١٠٥.

٦. -«المرقاة شرح المشكاة»ج ٥ ص ٣٧٩.

٧. - راجع«المرعاة»ج ٨ ص ٢٩٦ و«المرقاة»ج ٥ ص ٣٨٠.

٨. -«شرح مسلم»ج ٩ ص ١٠٦.

٩. -«الفتح»ج ١٥ ص ١٩١.

١٠. -«شرح السنديّ»ج ٥ ص ١١٠.

١١. -«فتح»ج ١٥ ص ١٨٨.

١٢. - «شرح السندي» ج ٥ ص ١١٠.

١٣. - راجع «المفهم» ج ٣ ص ٤٤٧ - ٤٤٨.

١٤. - «فتح» ج ١٥ ص ١٨٨.

١٥. - في هذا الضبط نظر، فليحرّر.

١٦. - «فتح» ج ١٥ ص ١٨٩.

١٧. - «شرح السنديّ» ج ٥ ص ١١٠ - ١١١.

١٨. - «شرح الأبيّ على صحيح مسلم» ج ٣ ص ٤٣٥.

١٩. - «شرح صحيح مسلم» ج ٩ ص ١٠٦.

٢٠. - «فتح» ج ١٥ ص ١٩٠.

٢١. - «شرح صحيح مسلم» ج ٩ ص ١٠٦.

٢٢. - «فتح» ج ١٥ ص ١٩١.

٢٣. - «المفهم» ج ٣ ص ٤٤٨.

٢٤. - «شرح صحيح مسلم» ج ٩ ص ١٠٦.

٢٥. - يقال: نَعَظَ ذكره نَعْظًا، ويُحرّك، ونُعُوظًا: قام. انتهى «القاموس».

٢٦. - «الفتح» ج ١٥ ص ١٨٩ - ١٩١.

٢٧. - «معالم السنن» ج ٢ ص ٢٧٥.

٢٨. - راجع «المنهل العذب المورود» ج ١٠ ص ٢٥٧ - ٢٥٨.

٢٩. - راجع لهذه الفوائد «فتح الباري» في «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة» ج ١٥ ص ١٨٨ - ١٩٢ طبعة دار الفكر.