لمحو الذنوب جميعًا (ومنها): جواز تشبيه الشيء الغائب المعقول بالشاهد المحسوس؛ زيادة في البيان والتوضيح (ومنها): بيان فضل الحجّ المبرور، وهو دخول الجنّة، وهو الفوز العظيم، ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ اللهم اجعلنا ممن يفوز بدخول الجنّة برحمتك يا أرحم الراحمين آمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب».
…
٧ - باب الْحَجِّ عَنِ الْمَيِّتِ الَّذِي نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ
٢٦٣٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ امْرَأَةً نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَمَاتَتْ، فَأَتَى أَخُوهَا النَّبِيَّ - ﷺ -، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ؟، فَقَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أُخْتِكَ دَيْنٌ، أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاقْضُوا اللَّهَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن بشار) بُنْدَار، أبو بكر العبدي البصري، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧.
٢ - (محمد) بن جعفر غُنْدَر، أبو عبد اللَّه البصري، ثقة صحيح الكتاب [٩] ٢١/ ٢٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (أبو بشر) جعفر بن أبي وحشية إياس البصري، ثم الواسطي، ثقة من أثبت الناس في سعيد بن جبير [٥] ١٣/ ٥٢٠.
٥ - (سعيد بن جبير) الأسديّ مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٨/ ٤٣٦.
٦ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر الحبر - ﵄ - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، وأن فيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه ابن عباس - ﵄ - من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ امْرَأَة نَذَرَتْ أَنْ تحُجَّ) ولفظ البخاريّ في «الأيمان والنذور» من رواية آدم بن أبي إياس، عن شعبة: «أتى رجلٌ النبيّ - ﷺ -، فقال: إن أختي تذرت أن تحجّ، وإنها ماتت …». هكذا رواية شعبة، عن أبي بشر أن السائل رجل، وأن التي نذرت أخته، وخالفه في ذلك أبو عوانة، عن أبي بشر، فجعل السائلة امرأة من جهينة، والتي نذرت أمها، ولفظه عند البخاريّ في «الحجّ»: «أن امرأة من جهينة، جاءت إلى النبيّ - ﷺ -، فقالت: إن أمي نذرت أن تحجّ، فلم تحجّ حتى ماتت، أفاحجّ عنها؟ …».
قال في «الفتح»: كذا رواه أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، من رواية أبي عوانة، عنه، وسيأتي في «النذور» من طريق شعبة، عن أبي بشر، بلفظ: «أتى رجل النبيّ - ﷺ -، فقال له: إن أختي نذرت أن تحجّ، وأنها ماتت»، فإن كان محفوظًا احتمل أن يكون كلٌّ منهما سأل، الأخ سأل عن أخته، والبنت سألت عن أمها، وثبت في «الصيام» من طريق أخرى عن سعيد بن جبير، بلفظ: «قالت امرأة: إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر …». قال: وزعم بعض المخالفين أنه اضطرابٌ، يُعَلّ به الحديث، وليس كما قال، فإنه محمولٌ على أن المرأة سألت عن كلّ من الصوم، والحجّ،، ويدلّ عليه ما رواه مسلم عن بُريدة: أن امرأة قالت: يا رسول اللَّه إني تصدّقت على أمي بجارية، وإنها ماتت؟، قال: «وجب أجرك، وردّها عليك الميراث»، قالت: إنه كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟، قال: «صومي عنها»، قالت: إنها لم تحجّ، أفأحجّ عنها؟، قال: «حجي عنها».
وللسؤال عن قلّة الحجّ من حديث ابن عبّاس أصلٌ آخر، أخرجه النسائيّ، من طريق سليمان بن يسار، عنه. -يعني الحديث الثاني في الباب التالي-. وله شاهد من حديث أنس، عند البزّار، والطبرانيّ، والدارقطنيّ انتهى ما في «الفتح» ببعض تصرّف .
[تنبيه]: قال في «الفتح» عند قوله: «أن امرأة من جهينة»: ما نصّه: لم أقف على اسمها، ولا على اسم أبيها، لكن روى ابن وهب، عن عثمان بن عطاء الخراسانيّ، عن أبيه: أن غايثة، أو غاثية، أتت النبيّ - ﷺ -، فقالت: إن أمي ماتت، وعليها نذر أن تمشي إلى الكعبة، فقال: «اقض عنها». أخرجه ابن منده في حرف الغين المعجمة من الصحابيّات، وتردّد هل هي بتقديم المثناة التحتانيّة على المثلّثة، أو بالعكس. وجزم ابن
طاهر في «المبهمات» بأنه اسم الجهنيّة المذكورة في حديث الباب.
وقد روى النسائيّ، وابن خزيمة، وأحمد من طريق موسى بن سلمة الْهُذليّ، عن ابن عباس، قال: «أمرت امرأة سنان بن عبد اللَّه الجهنيّ أن يسال رسول اللَّه - ﷺ - عن أمها توفيت، ولم تحُجّ …» الحديث، لفظ أحمد. ووقع عند النسائيّ «سنان بن سلمة»، والأول أصحّ. وهذا لا يفسّر به المبهم في حديث الباب أن المرأة سألت بنفسها، وفي هذا أن زوجها سأل لها. ويمكن الجمع بأن يكون نسبة السؤال إليها مجازيّة، وإنما الذي تولّى لها السؤال زوجها، وغايته أنه في هذه الرواية لم يصرّح بأن الحجة المسؤول عنها كانت نذرًا.
وأما ما روى ابن ماجه من طريق محمد بن كريب، عن أبيه، عن ابن عبّاس، عن سنان بن عبد اللَّه الجهنيّ أن عمّته حدّثته أنها أتت النبيّ - ﷺ -، فقالت: إن أمي توفّيت، وعليها مشي إلى الكعبة نذرًا … «الحديث. فإن كان محفوظًا حُمل على واقعتين بأن تكون امرأته سألت على لسانه عن حجة أمها المفروضة، وباْن تكون عمته سألت بنفسها عن حجة أمها المنذورة، ويفسّر من في حديث الباب بأنها عمة سنان، واسمها غايثة، كما تقدّم، ولم تسمّ المرأة، ولا العمّة، ولا أمّ واحدة منهما انتهى ما في»الفتح«.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر تصرف المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أنه يرى تعدد القصّتين، حيث ترجم بقوله:«الحجّ عن الميت الذي نذر أن يحجّ»، وأورد حديث ابن عناس في قصّة المرأة التي نذرت، ثم ترجم بقوله:«الحجّ عن الذي لم يحجّ»، فأورد حديثه في التي ماتت، ولم تحُجّ«، فجعل الباب الأول للحجّ عمن مات بعد النذر، والباب الثاني عمن مات، ولم ينذر، وصنيعه هو الظاهر. والحاصل أن القصّتين مختلفتان، ولا مانع من ذلك. واللَّه تعالى أعلم.
(فَمَاتَتْ، فَاتى أخُوهَا النَّبِيَّ - ﷺ -، فَسَألَهُ) أشار الحافظ إلى ترجيح كون السائل امرأة، في «كتاب الأيمان والنذور» من «الفتح»، فراجعه في ١٣/ ٤٤٥. واللَّه تعالى أعلم.
(عَنْ ذلِكَ؟) أي عن قضاء ما نذرت به، وماتت قبل الوفاء بنذهار (فَقَالَ) - ﷺ - (أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أُخْتِكَ دَيْنٌ) فيه مشروعية القياس، وضرب المثل؛ ليكون أوضح، وأوقع في نفس السامع، وأقرب إلى سرعة فهمه (أكُنْتَ قَاضِيَهُ؟) أي الدين (قَالَ) الرجل (نَعَمْ)
أي أقضيه (قَالَ) - ﷺ - (فَاقْضُوا اللَّه) أي أدّوا إليه ما وجب علكيم من حقّه (فَهُوَ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ) الفاء تعليليّة؛ لأنه أحقّ بالوفاء من غيره.
قال الطيبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: في الحديث إشعارٌ بأن المسؤول عنه خلف مالًا، فأخبره النبيّ - ﷺأن حقّ اللَّه مقدّم على حقّ العباد، وأوجب عليه الحجّ عنه، والجامع علّة المالية.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ولم يتحتّم في الجواب المذكور أن يكون خلف مالًا كما زعم؛ لأن قوله: «أكنت قاضيه» أعمّ من أن يكون المراد مما خلفه، أو تبرّعًا
انتهى . وهو تعقُّبٌ جيّد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٧/ ٢٦٣٢ و٨/ ٢٦٣٣ - وفي «الكبرى» ٧/ ٣٦١٢ و٨/ ٣٦١٣. وأخرجه (خ) في «الحجّ» ١٨٥٢ و«الأيمان والنذور» ٦٦٩٩ و«الاعتصام بالكتاب والسنّة» ٧٣١٥ (أحمد) في «مسند بني هاشم» ٢١٤١ و٢٥١٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز الحجّ عن الميت الذي نذر أن يحجّ، ثم مات قبل الوفاء بنذره، وفيه اختلاف بين أهل العلم، فروى سعيد بن منصور وغيره، عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - بإسناد صحيح: لا يحجّ أحد عن أحد، ونحوه عن مالك، والليث، وعن مالك أيضًا إن أوصى بذلك، فليحجّ عنه، وإلا فلا، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى.
(ومنها): صحّة نذر الحجّ ممن لم يحجّ، فإذا حجّ أجزأه عن حجة الإسلام عند الجمهور، وعليه الحجّ عن النذر. وقيل: يجزئ عن النذر، ويحجّ حجة الإسلام. وقيل: يُجزىء عنهما .
(ومنها): إثبات القياس (ومنها): تشبيه ما اختُلف فيه، وأشكل بما اتُّفِقَ عليه
(ومنها): أنه يستحبّ للمفتي التنبيه على وجه الدليل، إذا ترتّب على ذلك مصلحة، وهو أطيب لنفس المستفتي، وأدعى لإذعانه (ومنها): أن وفاء الدين الماليّ كان معلومًا عندهم، مقرّرًا، ولهذا حَسُن الإلحاق به (ومنها): أن من مات، وعليه حجّ وجب على وليّه أن يجهّز من يحُجّ عنه من رأس ماله، كما أن عليه قضاء ديونه، فقد أجمعوا على أن دين الآدميّ من رأس المال، فكذلك ما شُبّه به في القضاء. ويلتحق بالحجّ كلّ حقّ ثبت في ذمّته، من كفّارة، أو نذر، أو زكاة، أو غير ذلك (ومنها): أن في قوله: «فاللَّه أحقّ بالوفاء» دليلٌ على أنه مقدّم على دين الآدميّ، وهو أحد أقوال الشافعيّ. وقيل: بالعكس. وقيل: هما سواء.
(ومنها): أن الحديث دليلٌ لقول الجمهور بأن من ترك الصلاة عامدًا يجب عليه قضاؤها، ووجه ذلك أن ذلك التارك عليه دين للَّه تعالى، يطالبه به، ويعاقبه عليه، فإذا كان دينًا وجب الوفاء به، كسائر الديون التي تلزمه للآدمين، كما إذا أتلف مالًا، أو غصب، أو أودعه شخصٌ، فأفرط فيه، ونحو ذلك، بل هذا ألزم بالوفاء، لصريح قوله - ﷺ -: «فاللَّه أحقّ بالوفاء»، وفي رواية أخرى: «فدين اللَّه أحقّ بالوفاء».
والحاصل أن وجوب قضاء الصلاة على من تركها عامدًا هو الأرجح، وقد تقدّم تمام البحث فيه في «كتاب الصلاة» في باب «فيمن نسي صلاة» -٥٢/ ٦١٣ - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الحجّ عن الميت:
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في «شرح المهذب»: مذهب الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- المشهور أنه إذا مات، وعليه حجّ الإسلام، أو قضاء، أو نذر، وجب قضاؤها من تركته، أوصى بها، أم لم يوص. قال ابن المنذر: وبه قال عطاء، وابن سيرين، وروي عن أبي هريرة، وابن عبّاس، وهو قول أبي حنيفة، وأبي ثور، وابن المنذر.
وقال النخعيّ، وابن أبي ذئب: لا يحُجّ أحدٌ عن أحد. وقال مالك: إذا لم يوص به يتطوّع عنه بغير الحجّ، ويُهدى عنه، أو يتصدّق، أو يُعتق عنه انتهى كلام النوويّ .
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المذهب الأول هو الأرحج؛ لقوّة دليله، كحديث الباب، وغيره. وقد تكلّم ابن حزم في هذه المسألة، ورجّح القول بالوجوب، وفنّد