HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٦٦٧

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ قَالَ: لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا الْعِمَامَةَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ وَلَا زَعْفَرَانٌ، وَلَا خُفَّيْنِ إِلَّا لِمَنْ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص250
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٥ ص ١٢٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٣ ص٣٨٩
يجوز غير ذلك، وأما المفرد بالحجّ، أو القارن، فميقاتهم مكة؛ عملًا بما صحّ لدينا من الأحاديث في كلّ ذلك، دون أن يكون هناك اختلاف بينها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: اختلفوا هل يتعيّن التنعيم لمن اعتمر من مكة؟، قال الطحاويّ --﵀- تَعَالَى-: ذهب قوم إلى أنه لا ميقات للعمرة لمن بمكة إلا التنعيم، ولا ينبغي مجاوزته، كما لا ينبغي مجاوزة المواقيت التي للحجّ. وخالفهم آخرون، فقالوا: ميقات العمرة الحلّ، وإنما أمر النبيّ - ﷺ - عائشة بالإحرام من التنعيم؛ لأنه كان أقرب الحلّ من مكة. ثم روى من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة في حديثها، قال. «وكان أدنانا من الحرم التنعيم، فاعتمرت منه». فثبت بذلك أن ميقات مكة للعمرة الحلّ، وأن التنعيم وغيره في ذلك سواء. ذكره في «الفتح» . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب». … ٢١ - (مِيقَاتِ أَهْلِ نَجْدٍ) ٢٦٦٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ. عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلُ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ». وَذُكِرَ لِي، وَلَمْ أَسْمَعْ، أَنَّهُ قَالَ: «وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدّم شرحه مستوفًى، وكذا الكلام على مسائله قبل ثلاثة أبواب. ودلالته على الترجمة واضحة، و«سفيان»: هو ابن عيينة -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب». … قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإِتْيُوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، - عفا اللَّه تعالى عنه - وعن والديه ومشايخه آمين: قد انتهيت من كتابة الجزء الثالث والعشرين من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى-، المسمّى «ذخيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى»، أو «غاية المنى في شرح المجتنى». وذلك بحيّ الزهراء، مخطّط الأمير طلال، في مكة المكرمة زادها اللَّه تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأعْظِمْ به تكريمًا. وأخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. «اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». «السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة اللَّه، وبركاته». ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء الرابع والعشرون عشر مفتتحًا بالباب ٢٢ «ميقات أهل العراق» الحديث رقم ٢٦٥٦. «سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك». شرح سنن النسائي المسمَّى ذخيرة العقبى في شرح المجتبى لجامعه الفقير إلى مولاه الغتي القدير محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الأيتوبي الوَلَّوي المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة عفا اللَّه عنه وعن والديه آمين الجزء الثالث والعشرون دار آل بروم للنشر والتوزيع جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٤هـ - ٢٠٠٣م دار آل بروم للنشر والتوزيع المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم ص ب: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوّال ٠٥٥٥٤١٠٢٦) شرح سنن النسائي بسم اللَّه الرحمن الرحيم ٢٢ - (مِيقَاتُ أَهْلِ الْعِرَاقِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: «العراق»: -بكسر العين المهملة، وتخفيف الراء-: إقليم معروف، ويذكّر، ويؤنّث، قيل: هو معرّب، وقيل: سمي عِرَاقًا؛ لأنه سَفَلَ من نجد، ودنا من البحر، أخذًا من عِرَاق الْقِرْبَة، والْمَزَادَة، وغير ذلك، وهو ما ثَنَوْهُ، ثم خَرَزُوه مَثْنِيًا، وينسب إلى العراق على لفظه، فيقال: عراقيّ، والاثنان عراقيّان، وللشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- تصنيف لطيفٌ، نَصَب الخلاف فيه مع أبي حنيفة، ومحمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، واختار ما رَجَحَ عنده دليله، ويسمّى اختلاف العِرَاقِيَّين؛ لأن كلّ واحد منهما منسوب إلى العراق، فهما عراقيّان. قاله الفيّوميّ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٦٥٦ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ الْمَوْصِلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هَاشِمٍ، مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنِ الْمُعَافَى، عَنْ أَفْلَحَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ الْجُحْفَةَ، وَلأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم شرحه، والكلام على مسائله قبل بابين. و«محمد بن عبد اللَّه بن عمّار الموصليّ » الثقة الحافظ [١٠] ٢٠/ ١٢٢٠. من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. و«محمد بن عليّ» الأسديّ، أبو هاشم ابن أبي خِدَاش -بكسر المعجمة، وتخفيف الدال- الموصليّ، ثقة عابد [١٠]. قال العجليّ: ثقة رجلٌ صالحٌ. وقال تمتام: قلت لابن معين: «جامع الثوريّ» عن أبي هاشم، عن المعافى؟، فقال: إن هذا الرجل نظير المعافى، أو أفضل منه. وعن بشر بن الحارث أنه كان يقول: ودِدت أني ألقى اللَّه تعالى بمثل عمل أبي هاشم. وقال أحمد بن دباس الأزديّ: كنا عند المعافى، فأقبل أبو هاشم، فقال المعافى: أُراه من القوم -يعني الأبدال-. وقال العجليّ: كلّ شيء رُوي عن أبي هاشم حديثان. وقال إدريس بن سُليم: كنا عند غسّان بن الربيع، أو يعلي بن مهديّ، فجاء نعي أبي هاشم، وقال قائلٌ: مات شيخ الموصل، فقال: نعم، وشيخ الجزيرة، ومصر، والشام. وقال أبو زكريّا في «تاريخ الموصل»: من أهل الصلاح، والفضل، والجهاد، قُتل في سبيل اللَّه تعالى بشِمْشَاط، مقبلًا، غير مُدبر، سنة (٢٢٢). روى له المصنّف حديث الباب فقط، وابن ماجه، حديثًا واحدًا أيضًا حديث حذيفة - ﵁ -: «لا يقبل اللَّه لصاحب بدعة صومًا، ولا صلاةً». وقوله: «ذات عِرق» -بكسر العين المهملة، وسكون الراء، بعدها قاف -: موضع على نحو مرحلتين من مكة، ويقال: هو من نجد الحجاز. أفاده الفيّوميّ. وقال غيره: سمي الموضع بذلك لأن فيه عِرْقًا، وهو الجبل الصغير، وهي أرض سبخة، تُنبت الطرفاء، وقيل: العرق من الأرض السبخة، تُنبت الطرفاء. ويُسمى الضَّريبة -بفتح الضاد، وكسر الراء، بعدها ياء، ثم باء- وهي الحدّ الفاصل بين تهامة، ونجد، وتبعد عن مكة بالمراحل (٢) وبالفراسيخ (١٦) وبالأميال (٤٨) وبالكيلوات (٨٠) يحرم منه الآن أهل العراق، وإيران، وحجاج الشرق كله. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد استوفيت البحث في هذا الحديث قريبًا، وإنما أتكلم هنا فيما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ميقات أهل العراق، فأقول: (مسألة): اتفق أهل العلم على أن رسول اللَّه - ﷺ - نصّ على المواقيت الأربعة المذكورة في حديث ابن عمر، وابن عبّاس - ﵄ -، وهي ذو الحليفة، والجحفة، وقرن، ويلملم. واختلفوا في ذات عرق، هل صارت ميقاتًا لأهل العراق بتوقيت النبيّ - ﷺ - ونصّه، أم باجتهاد عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنه -. قال الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في «صحيحه»: «باب ذات عرق لأهل العراق». ١٥٣١ - حدثني عليّ بن مسلم، حدثنا عبد اللَّه بن نمير، حدثنا عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ -، قال: لَما فُتِح هذان المصران، أتوا عمر، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول اللَّه - ﷺ - حَدَّ لأهل نجد قرنا، وهو جَوْرٌ عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرنا، شقّ علينا، قال: «فانظروا حَذْوَها من طريقكم، فَحَدَّ لهم ذات عرق». قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وظاهره أن عمر - ﵁ - حدّ لهم ذات عِرْق باجتهاد منه. وقد روى الشافعيّ من طريق أبي الشعثاء، قال: «لم يوقّت رسول اللَّه - ﷺ - لأهل المشرق شيئًا، فاتخذ الناس بحيال قرن ذات عرق». ورَوَى أحمد عن هُشيم، عن يحيى ابن سعيد وغيره، عن نافع، عن ابن عمر، فذكر حديث المواقيت، وزاد فيه: «قال ابن عمر، فآثر الناس ذات عرق على قرن». وله عن سفيان، عن صدقة، عن ابن عمر، فذكر حديث المواقيت، «قال: فقال له قائل: فأين العراق؟ فقال ابن عمر: لم يكن يومئذ عراق». وفي «كتاب الاعتصام» من «صحيح البخاريّ» من طريق عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر، قال: «لم يكن عراق يومئذ». ووقع في «غرائب مالك» للداقطنيّ، من طريق عبد الرزّاق، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: «وقّت رسول اللَّه جمتَ لأهل العراق قرنًا». قال عبد الرزاق: قال لي بعضهم: إن مالكًا محاه من كتابه. قال الدارقطنيّ: تفرّد به عبد الرزاق. قال الحافظ: والإسناد إليه ثقات أثبات. وأخرجه إسحاق بن راهويه في «مسنده» عنه، وهو غريبٌ جدًّا، وحديث الباب يردّه. وروى الشافعيّ من طريق طاوسٍ، قال: «لم يوقّت رسول اللَّه - ﷺ - ذات عرق، ولم يكن حينئذ أهل المشرق». وقال في «الأمّ»: «لم يثبت عن النبيّ - ﷺ - أنه حدّ ذات عرق، وإنما أجمع عليه الناس». وهذا كلّه يدلّ على أن ميقات ذات عرق ليس منصوصًا، وبه قطع الغزالي، والرافعي في «شرح المسند»، والنوويّ في «شرح مسلم»، وكذا وقع في «المدوّنة» لمالك. وصحح الحنفيّة، والحنابلة، وجمهور الشافعيّة، والرافعيّ في «الشرح الصغير»، والنوويّ في «شرح المهذّب» أنه منصوص. وقد وقع ذلك في حديث جابر - ﵁ - عند مسلم، إلا أنه مشكوك في رفعه، أخرجه من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرًا يُسألُ عن الْمُهَلّ، فقال: سمعت أحسبه رفع إلى النبيّ - ﷺ -، فذكر. وأخرجه أبو عوانة في «مستخرجه» بلفظ: «فقال: سمعت أحسبه يريد النبيّ - ﷺ -». وقد أخرجه أحمد من رواية ابن لَهِعة، وابنُ ماجه من رواية إبراهيم بن يزيد كلاهما، عن أبي الزبير، فلم يشكّا في رفعه. ووقع في حديث عائشة، وفي حديث الحارث بن عمرو السهميّ كلاهما عند أحمد، وأبي داود، والنسائيّ. وهذا يدلّ على أن للحديث أصلًا، فلعلّ من قال: إنه غير منصوص لم يبلغه، أو رأى ضعف الحديث باعتبار أن كلّ طريق لا يخلو عن مقال. ولهذا قال ابن خزيمة: رُويت في ذات عرق أخبارٌ لا يثبت شيء منها عند أهل الحديث. وقال ابن المنذر: لم نجد في ذات عرق حديثًا ثابتًا. انتهى. قال الحافظ: لكن الحديث بمجموع الطرق يقوى كما ذكرنا. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الحافظ إنما هو بالنسبة لحديث جابر، وإلا فحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - الذي عند المصنّف صحيح، لا كلام فيه، قال ابن حزم في «المحلّى» -بعد أن أخرج الحديث من طريق المصنّف-: ما نصّه: قال أبو محمد: هشام بن بهرام، ثقة، والمعافى ثقة، كان سفيان يسميه الياقة الحمراء، وباقيهم أشهر من ذلك انتهى . والحاصل أن حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - صحيح لا كلام. واللَّه تعالى أعلم. قال الحافظ: وأما إعلال من أعلّه بأن العراق لم تكن فُتحت يومئذ، فقال ابن عبد البرّ: هي غفلة؛ لأن النبيّ - ﷺ - وقّت المواقيت لأهل النواحي قبل الفتوح، لكنه علم أنها ستفتح، فلا فرق في ذلك بين الشام والعراق انتهى. وبهذا أجاب الماورديّ، وآخرون. قال الحافظ: لكن يظهر لي أن مراد من قال: لم يكن العراق يومئذ، أي لم يكن في تلك الجهة ناسٌ مسلمون، والسبب في قول ابن عمر ذلك، أنه روى الحديث بلفظ: «أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه، من أين تأمرنا أن نُهلّ؟»، فأجابه، وكلّ جهة عيّنها في حديث ابن عمر كان من قبلها ناس مسلمون، بخلاف المشرق، واللَّه أعلم. انتهى. وقال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: روى مسلم في «صحيحه» عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - يُسأل عن الْمُهلّ؟، فقال: سمعت أحسبه رفع الحديث إلى رسول اللَّه - ﷺ -، فذكر الحديث، وفيه: «ومهلّ أهل العراق من ذات عرق». وقال النووي في «شرح مسلم»: هو غير ثابت؛ لعدم جزمه برفعه. وأما قول الدارقطنيّ: إنه حديث ضعيف؛ لأن العراق لم تكن فُتحت في زمن النبيّ - ﷺ -، فكلامه في تضعيفه صحيح، ودليله ما ذكرته، وأما استدلاله لضعفه بعدم فتح العراق، ففاسد؛ لأنه لا يمتنع أن يُخبر به النبيّ - ﷺ - لعلمه بأنه سيفتح، ويكون ذلك من معجزات النبوّة، والإخبارِ بالمغيّبات المستقبلات، كما أنه - ﷺ - وقّت لأهل الشام الجحفة في جميع الأحاديث الصحيحة ومعلوم أن الشام لم يكن فتح يومئذ، وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة عنه - ﷺ - أنه أخبر بفتح الشام، واليمن، والعراق، وأنهم يأتون إليهنّ يبِسّون، والمدينة خيرٌ لهم، لو كانوا يعلمون. وأنه - ﵇ - أخبر بأنه زُويت له مشارق الأرض، ومغاربها، وقال: سيبلغ ملك أمتي ما زُوي لي منها، وأنهم سيفتحون مصر، وهي أرض يُذكر فيها القيراط. وأن عيسى - ﵇ - ينزل على المنارة البيضاء، شرقيَّ دمشق. وكلّ هذه الأحاديث في «الصحيح» انتهى. وقال في «شرح المهذّب»: إسناده صحيح، لكنه لم يجزم برفعه إلى النبيّ - ﷺ -، فلا يثبت رفعه لمجرّد هذا. ورواه ابن ماجه من رواية إبراهيم بن يزيد الْخُوزيّ بإسناده عن جابر، مرفوعًا بغير شكّ، بلفظ «أهل المشرق»، لكن الخوزيّ ضعيف، لا يُحتجّ بروايته. ورواه الإمام أحمد في «مسنده» عن جابر، عن النبيّ - ﷺ - بلا شكّ أيضًا. لكنه من رواية الحجّاج بن أرطأة، وهو ضعيف. قال وليّ الدين: في قول النوويّ: إن حديث جابر غير ثابت؛ لأنه لم يجزم برفعه نظر، فإن قوله: «أخسبه» معناه أظنّه، والظنّ في باب الرواية يتنزّل منزلة اليقين، فليس ذلك قادحًا في رفعه. وأيضًا فلو لم يصرّح برفعه، لا يقينًا، ولا ظنَّا، فهو منزّل منزلة المرفوع؛ لأن هذا لا يقال من قبل الرأي، وإنما يؤخذ توقيفًا من الشارع، لا سيّما وقد ضمّه جابر - ﵁ - إلى المواقيت المنصوص عليها يقينًا باتفاق. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قول وليّ الدين: والظن في باب الروية الخ فيه نظر؛ إذ كثيرًا ما يردّ المحدّثون أحاديث كثيرة لعدم جزم راويها، كما لا يخفى على من تتبّع كتب السنّة. وكذا قوله: لا يقال من قبل الرأي الخ فيه نظر، إذ يشكل عليه تحديد عمر - ﵁ - ذات عرق بالاجتهاد، فليُتأمّل. قال: وروى أبو داود، والنسائيّ بإسناد صحيح، كما قال النوويّ، عن عائشة، فذكر حديث الباب. قال: وذكر ابن عديّ، عن يحيى بن محمد بن صاعد أن الإمام أحمد كان يُنكر على أفلح بن حُميد هذا الحديث، قال ابن عديّ: قد حدّث عنه ثقات الناس، وهو عندي صالح، وأحاديثه أرجو أن تكون مستقيمة كلّها، وهذا الحديث ينفرد به مُعافَى بن عمران عنه، وإنكار أحمد قوله: «ولأهل العراق ذات عرق»، ولم ينكر الباقي من إسناده ومتنه انتهى. وصححه أبو العباس القرطبيّ. وقال الذهبيّ: هو صحيح غريب. وقال العراقيّ: إن إسناده جيّدٌ. وروى أبو داود أيضًا عن الحارث بن عمرو السهميّ حديثًا، وفيه: «ووقّت -يعني رسول اللَّه - ﷺ - ذات عرق لأهل العراق». قال البيهقيّ: في إسناده من هو غير معروف. قال وليّ الدين: زُرارة بن كَرِيم -بفتح الكاف- رَوَى عنه جماعة، وذكره ابن حبّان في «الثقات»، والراوي عنه في سنن أبي داود عتبة بن عبد الملك كذلك، وباقي رجاله لا يحتاج إلى الفحص عنهم، فليس في إسناده من هو غير معروف، فإن كان فيهم من ليس معروفًا عند البيهقيّ، فهو معروف عند غيره. وروى أحمد، والدارقطنيّ من رواية الحجّاج بن أرطاة، عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: «وقّت رسول اللَّه - ﷺ -»، فذكر الحديث، وفيه: «وقال: لأهل العراق ذات عرق». وروى الشافعيّ، والبيهقيّ بإسناد حسن، عن عطاء، عن النبيّ - ﷺ - مرسلًا: «أنه وقّت لأهل المشرق ذات عرق». قال الحافظ وليّ الدين: فهذه الأحاديث التي ذكرتها، وإن كان في كلّ منها ضعف، فمجموعها لا يقصر عن بلوغ درجة الاحتجاج به. وكذا ذكره النوويّ في «شرح المهذّب»، فالأرجح عندي أنه منصوص أيضًا. قال ابن قُدامة: ويجوز أن يكون عمر، ومن سأله لم يعلموا توقيت النبيّ - ﷺ - ذات عرق، فقال ذلك برأيه، فأصاب، ووافق قول النبيّ - ﷺ -، فقد كان كثير الإصابة - ﵁ - اهـ. انتهى كلام وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- . [تنبيه]: قال في «الفتح»: وأما ما أخرجه أبو داود، والترمذيّ، من وجه آخر عن ابن عبّاس «أن النبيّ - ﷺ - وقّت لأهل المشرق العقيق ». فقد تفرّد به يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، وإن كان حفظه فقد جمع بينه وبين حديث جابر وغيره بأجوبة: (منها): أن ذات عرق ميقات الوجوب، والعقيق ميقات الاستحباب؛ لأنه أبعد من ذات عرق. (ومنها): أن العقيق ميقات لبعض العراقيين، وهم أهل المدائن، والآخر ميقات لأهل البصرة، وقع ذلك في حديث لأنس عند الطبرانيّ، وإسناده ضعيف. (ومنها): أن ذات عرق كانت أوّلًا في موضع العقيق الآن، ثم حُوّلت، وقربت إلى مكة، فعلى هذا، فذات عرق، والعقيق شيء واحد. ويتعيّن الإحرام من العقيق، ولم يقل به أحد، وإنما قالوا: يستحبّ احتياطًا. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه التأويلات كلها لا حاجة إليها؛ لأن الحديث ضعيفٌ كما سبق، فلماذا هذه التأويلات المتكلّفة؟، واللَّه المستعان. قال: وحكى ابن المنذر عن الحسن بن صالح أنه كان يُحرم من الرَّبَذَة، وهو قول القاسم بن عبد الرحمن، وخُصيف الجزريّ، قال ابن المنذر: وهو أشبه في النظر، إن كانت ذات عرق غير منصوصة، وذلك أنها تُحاذي ذا الحليفة، وذات عرق بعدها، والحكم فيمن ليس له ميقات أن يحرم من أول ميقات يحاذيه، لكن لما سنّ عمر ذات عرق، وتبعه عليه الصحابة، واستمرّ عليه العمل، كان أولى بالاتباع. انتهى ما في «الفتح» . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه آخر]: قال في «الفتح» أيضًا: ما حاصله: استُدلّ بتحديد عمر - ﵁ - ذات عرق على أن من ليس له ميقات أن عليه أن يحرم إذا حاذى ميقاتًا من هذه المواقيت الخمسة، ولا شكّ أنها محيطة بالحرم، فذو الحليفة شاميّة، ويلملم يمانية، فهي مقابلها، وإن كانت إحداهما أقرب إلى مكة من الأخرى، وقرن شرقيّة، والجحفة غربيّة، فهي مقابلها، وإن كانت إحداهما كذلك، وذات عرق تحاذي قرنًا، فعلى هذا فلا تخلو بقعة من بقاع الأرض من أن تحاذي ميقاتًا من هذه المواقيت، فبطل قول من قال: من ليس له ميقات، ولا يحاذي ميقاتًا، هل يحرم من مقدار أبعد من المواقيت، أو أقربها؟، ثم حكى فيه خلافًا، والفرض أن هذه الصورة لا تتحقّق؛ لما قلته، إلا أن يكون قائله فرضه فيمن لم يَطّلِع على المحاذاة، كمن يجهلها. وقد نقل النوويّ في «شرح المهذّب» أنه يلزمه أن يُحرم على مرحلتين، اعتبارًا بقول عمر هذا في توقيته ذات عرق. وتُعُقّب بأن عمر إنما حدّها لأنها تحاذي قرنًا، وهذه الصورة إنما هي حيث يجهل المحاذاة، فلعلّ القائل بالمرحلتين أخذ بالأقلّ، لأن ما زاد عليه مشكوك فيه. لكن مقتضى الأخذ بالاحتياط أن يعتبر الأكثر الأبعد. ويحتمل أن يفرّق بين من عن يمين الكعبة، وبين من عن شمالها؛ لأن المواقيت التي عن يمينها أقرب من التي عن شمالها، فيقدر لليمين الأقرب، وللشمال الأبعد، واللَّه أعلم. ثم إن مشروعيّة المحاذاة مختصّة بمن ليس له أمامه ميقات معيّنٌ، فأما من له ميقات معيّن، كالمصريّ مثلًا يمرّ ببدر، وهي تحاذي ذا الحليفة، فليس عليه أن يحرم منها، بل له التأخير حتى يأتي الجحفة، واللَّه تعالى أعلم انتهى ما في «الفتح» . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الجمهور من أن من ليس له ميقات معيّن إذا لم يأت على ميقات من المواقيت المذكورة عليه يحرم من حذاء أقرب المواقيت إلى طريقه هو الحقّ؛ لما تقدّم من أثر عمر - ﵁ -، فقد وافقه عليه الصحابة - ﵃ -، فيما وقّت به ذات عرق، حيث أمر أهل العراق بأن ينظروا حذو قرن من طريقهم، فيحرموا منه. وأما قول ابن حزم: إنه يحرم من حيث شاء؛ وادعى أنه يدخل في قوله - ﷺ -: «ومن كان دون ذلك الخ» فبعيد، لأنه ليس دون المواقيت المذكورة، فكيف يتناوله الحديث، بل ما دلّ عليه ما نُقل عن عمر - ﵁ -، ووافقه الصحابة عليه هو الصواب؛ لأننا وإن قلنا بصحة توقيت ذات عرق مرفوعًا، إلا أن عمر - ﵁ - لما لم يسمع النصّ قال: «انظروا حذوها من طريقكم»، ووافقه الصحابة الذين لم يسمعوا التوقيت من النبيّ - ﷺ - على ذلك، فهو أولى بالاتباع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب». … ٢٣ - (مَنْ كَانَ أَهْلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ) ٢٦٥٧ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، قَالَ: «هُنَّ لَهُمْ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ، مِمَّنْ سِوَاهُنَّ ، لِمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، مِنْ حَيْثُ بَدَأَ، حَتَّى يَبْلُغَ ذَلِكَ أَهْلَ مَكَّةَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: «محمد بن جعفر»: هو غندر. و«معمر»: هو ابن راشد. والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى قبل بابين. ودلالته على ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- واضحةٌ، وهي أن من كان أهله داخل هذه المواقيت فميقاته مكان أهله، إن أراد النسك منه، وإلا فمن حيث أراد. وقوله: «لمن أراد الحجّ والعمرة» فيه دلالة لمذهب الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-، أن من أراد دخول مكة لحاجة مّا، لا يلزمه الإحرام من الميقات، وهو الراجح، وسيأتي في محلّه -١٠٧/ ٢٨٦٧ - إن شاء اللَّه تعالى. وقوله: «من حيث بدأ» بالهمز بمعنى أنشأ في الرواية الأخرى، وفي بعض النسخ «بدا» بالألف بدل الهمزة، فيحتمل أن تكون مبدلة من الهمزة تخفيفًا. ويحتمل أن يكون من بدا الشيءُ يبدو، بمعنى ظهر، أي من حيث ظهر له الإنشاء. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: «حتى يبلغ ذلك أهل مكة» الإشارة إلى الحكم المذكور، أي حتى يبلغ الحكم المذكور، وهو إنشاء الإحرام من مكانه أهل مكةَ، فينشؤون منها، وهذا بالنسبة للحجّ، وأما بالنسبة للعمرة، فميقاتهم أدنى الحلّ عند الجمهور، وهو الحقُّ؛ لحديث اعتمار عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من التنعيم، وقد تقدّم تمام البحث في ذلك قبل بابين، وباللَّه تعالى التوفيق. ووقع في «الكبرى»: «ما يبلغ ذلك أهل مكة»، والظاهر أنه غلط. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٦٥٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، وَقَّتَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، فَهُنَّ لَهُمْ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ، مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ، مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ، فَمِنْ أَهْلِهِ، حَتَّى أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متَّفق عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه قريبًا. و«حمّاد»: هو ابن زيد. و«عمرو»: هو ابن دينار. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب». … ٢٤ - (التَّعْرِيسُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ) أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على استحباب التعريس بالموضع المسمّى بـ «ذي الحليفة» اتباعًا لرسول اللَّه - ﷺ - في ذلك. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: «التعريس»: هو نزول المسافر للاستراحة. قال الخطابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: التعريس نزول استراحة لغير إقامة، وأكثر ما يكون آخر الليل، وخصّه بذلك الأصمعيّ، وأطلق أبو زيد انتهى . وقال في «النهاية»: التعريس نزول المسافر آخر الليل، نَزْلَةً للنوم، والاستراحة، يقال منه: عرّس يُعرّس تعريسًا، ويقال فيه: أعرس، والْمُعَرَّسُ: موضع التعريس، وبه سمي مُعَرَّسُ ذي الحليفة، عرّس به النبيّ - ﷺ -، وصلّى فيه الصبح، ثم رحل انتهى . وقال في «المصباح»: ما ملخّصه: عرّس المسافر: إذا نزل ليستريح نَزْلة، ثم يرتحلُ، قال أبو زيد: وقالوا: عرّس القوم في المنزل تعريسًا: إذا نزلوا، أيّ وقت كان، من ليل أو نهار انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٦٥٩ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَثْرُودٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، قَالَ: ابْنُ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ أَبَاهُ، قَالَ: بَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِذِي الْحُلَيْفَةِ، بِبَيْدَاءَ وَصَلَّى فِي مَسْجِدِهَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عيسى بن إبراهيم بن مَثْرُود) الغافقي، أبو موسى المصريّ، ثقة من صغار [١٠] ٣١/ ٨١٩. ٢ - (ابن وهب) عبد اللَّه المصري، ثقة ثبت [٩] ٩/ ٩. ٣ - (يونس) بن يزيد الأيلي، ثقة [٧] ٩/ ٩. ٤ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني الإمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١. ٥ - (عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر) العدوي، أبو بكر المدني، شقيق سالم، ثقة [٣] ٣/ ١٤٥١. ٦ - (أبوه) عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وأن رجاله رجال الصحيح غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود، وأن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وأن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعي، وأن فيه ابن عمر - ﵄ - من العبادلة الأربعة والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - أنه (قَالَ: بَاتَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ - بذِي الْحُلَيفَةِ، بِبَيْدَاءَ) هكذا نسخ «المجتبى» ببيداء«، وليست هذه اللفظة في»الكبرَى«، وهي في»صحيح مسلم«بلفظ»مبدأه«. قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: هو بفتح الميم، وضمّها، والباء ساكنة فيهما، أي ابتداء حجه، ومبدأه منصوب على الظرف، أي في ابتدائه انتهى . وعلى ما في لفظ مسلم شرح السنديّ، ولعله وجد نسخة من«المجتبى»بهذا اللفظ، وإلا فالنسخ التي بين يديّ كلها باللفظ الأول. واللَّه تعالى أعلم. و«البيداء»: -بفتح الموحّدة، والمدّ-: المفازة، والجمع بِيدُ -بالكسر-، مثل بَيضاء، وبيض. (وَصَلَّىَ فِي مَسْجِدِهَا) قال في«الفتح»: يحتمل أن يكون للإحرام. ويحتمل أن يكون للفرض، وسيأتي من حديث أنس - ﵁ -:«أنه - ﷺ - صلى العصر بذي الحليفة ركعتين». انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني هو الأظهر. واللَّه تعالى أعلم. ثم إن الظاهر أن هذا النزول عند الذهاب إلى مكة، وهو ظاهر تصرّف المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. ويحتمل أن يكون في الرجوع، ويؤيّده حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - بلفظ:«وإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي، وبات بها حتى أصبح». ويمكن الجمع بأنه كان يفعل الأمرين ذهابًا وإيابًا. أفاده في«الفتح». واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٤/ ٢٦٥٩ و٢٦٦٠ و٢٦٦١ - وفي«الكبرى»٢٤/ ٣٦٣٩ و٣٦٤٠ و٣٦٤١. وأخرجه (خ) في«الصلاة»٤٨٣ و٤٩٢ و«الحج»١٥١٤ و١٥٣٢ و١٥٣٣ و١٥٣٤ و١٥٤١ و١٥٥٣ و١٥٥٤ و١٥٧٣ و١٥٧٤ و١٧٦٧ و١٧٩٩ و«المزارعة»٢٣٣٦ و«الجهاد والسير»٢٨٦٥ و«اللباس»٥٨٥١ و«الاعتصام بالكتاب والسنة»٧٣٤٥ (م) في«الحج»١١٨٦ و١١٨٧ و١١٨٨ و١٢٥٩ و١٢٥٧ و١٣٤٦ (د) في«المناسك »١٧٧١ و١٧٧٢ و٢٠٤٤ (ت) في«الحجّ»٨١٨ (ق) في«المناسك»٢٩١٦ (أحمد) في«مسند المكثرين»٤٨٠٤ و٤٨٢٢٧ و٥٥٦٩ و٥٦٠٠ و٥٧٨١ و٥٨٥٨ و٥٨٨٦ و٥٩٦٨ و٦٦١٧٠ و٦١٩١ (الموطأ) في«الحجّ»٧٤٠. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان استحباب التعريس في مُعرّس رسول اللَّه - ﷺ -، اقتداءً به، ولكنه ليس من النسك. (ومنها): فضل ذلك المعرَّس، حيث قيل للنبيّ - ﷺ -:«إنك ببطحاء مباركة»، وفي رواية البخاريّ:«صلّ في هذا الوادي المبارك». (ومنها): استحباب نزول الحجّاج في منزل قريب من بلدهم، ومبيتهم به، ليجتمع إليهم من تأخّر عنهم، ممن أراد أن يرافقهم، وليستدرك حاجته من نسيها مثلا، فيرجع إليها من قريب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في التعريس بذي الحليفة: قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: اختُلف في نزوله - ﷺ - ببطحاء ذي الحليفة على أقوال: (أحدها): أن ذلك جرى اتفاقًا، لا عن قصد، فهو كبقيّة منازل الحجّ، وهو ظاهر ما حكاه ابن عبد البرّ عن محمد بن الحسن، أنه قال: إنما هو مثل المنازل التي نزل بها رسول اللَّه - ﷺ - من منازل طريق مكة، وبلغنا أن ابن عمر كان يتّبع آثاره تلك، فينزل بها، فكذلك قيل مثل ذلك بالْمُعرّس. وذكر محمد هذا توجيهًا لقول أبي حنيفة: من مَرّ بالْمُعَرّس من ذي الحليفة، راجعًا من مكة، فإن أحبّ أن يُعرّس به حتى يصلّي فَعَل، وليس ذلك عليه. (ثانيها): أنه قصد النزول به، لكن لا لمعنى فيه. حكى القاضي عياض عن بعضهم أنه - ﷺ - إنما نزل به في رجوعه حتى يُصبح؛ لئلاّ يفجأ الناسُ أهاليهم ليلًا، كما نهى عنه صريحًا في الأحاديث المشهورة. (ثالثها): أنه نزل به قصدًا، لمعنى فيه، وهو التبرّك به، ويدلّ له: «أنه - ﷺ - أُتِي، فقيل له: إنك ببطحاء مباركة». وهو في «الصحيحين»، وغيرهما -وهي الرواية التالية للنسائي- ويدلّ له أيضًا صلاته - ﷺ - به، وما فُهم من لفظ الحديث، من مواظبته على النزول به، لكنه ليس من مناسك الحجّ، بل هو سنّة مستقلّة. وبهذا قال الجمهور، قال مالك في «الموطّإ»: لا ينبغي لأحد أن يُجاوز المعرّس إذا قفل حتى يصلّي فيه، وأنه من مرّ به في غير وقت صلاة، فليُقِم حتى تحَلّ الصلاةُ، ثم يُصلي ما بدا له؛ لأنه بلغني أن رسول اللَّه - ﷺ - عرّس به، وأن عبد اللَّه بن عمر أناخ به. قال ابن عبد البرّ: واستحبّه الشافعيّ، ولم يأمر به. وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي: ليس نزوله - ﷺ - بالمعَرَّس كسائر منازل طريق مكة؛ لأنه كان يُصلّي الفريضة حيث أمكنه، والمعرّس إنما كان يصلّي فيه نافلةً، ولا وجه لتزهيد الناس في الخير، ولو كان المعرّسُ كسائر المنازل ما أنكر ابن عمر على نافع تأخّره عنه. وذكر حديث موسى بن عقبة، عن نافع، أن ابن عمر سبقه إلى المعرّس، فأبطأ عليه، فقال: ما حبسك؟، فذكر عذرًا، فقال: ظننت أنك أخذت الطريق، ولو فعلتَ لأوجعتك ضربًا. (رابعها): أنه من مناسك الحجّ، وهذا شيء اقتضت عبارة ابن عبد البرّ في «التمهيد» حكايته عن ابن عمر، فإنه قال: وليس ذلك من سنن الحجّ، ومناسكه التي يجب على تاركها فدية، أو دم، عند أهل العلم، ولكنّه حسنُ عند جميعهم، إلا ابن عمر، فإنه جعله سنّة انتهى. فإن كانت هذه العبارة ليست صريحة في إيجاب ابن عمر فديةً بتركه، فهي صريحة في أن ابن عمر زاد على غيره من أهل العلم في استحبابه زيادةً لم يقولوا بها، فيُعدّ حينئذ مذهبًا غير ما تقدّم انتهى كلام وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أرجح المذاهب عندي ما هب إليه الجمهور من استحباب التعريس في مُعرّس رسول اللَّه - ﷺ - بذي الحليفة؛ اقتداء به - ﷺ -، حيث أُتي، فقيل له: «صلّ في هذا الوادي المبارك». وفي لفظ: «أُتي فقيل له: إنك ببطحاء مباركة». واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٦٦٠ - (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سُوَيْدٍ، عَنْ زُهَيْرٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: «أَنَّهُ -وَهُوَ فِي الْمُعَرَّسِ، بِذِي الْحُلَيْفَةِ- أُتِيَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد كلهم رجال الصحيح. و«عبدة بن عبد اللَّه»: هو الصفّار الخُزَاعيّ، أبو سهل البصريّ كوفيّ الأصل، ثقة [١١] ١٨/ ٨٠٠. و«سُويد»: هو ابن عمرو الكلبيّ، أبو الوليد الكوفيّ، ثقة عابد، من كبار [١٠] ٦٧/ ١٨٠٩. و«زُهير»: هو ابن معاوية بن حُدَيج الجعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، الثقة الثبت [٧] ٣٨/ ٤٢. وقوله: «وهو في المعرّس الخ» جملة حاليّة معترضة بين اسم «أنّ» وخبرها، وهو جملة «أُتي الخ». و«المُعَرَّسُ» -بضمّ الميم، وفتح العين المهملة، وتشديد الراء المفتوحة، ثم سين مهملة- بصيغة اسم المفعول: موضع نزول المسافر للاستراحة، وهو هنا موضع تعريس رسول اللَّه - ﷺ - بذي الحليفة، قال الحافظ السيوطيّ في «شرحه»: هو على ستة أميال من المدينة«انتهى. والمراد بـ«المعرّس»هو وداي العقيق المذكور فيما أخرجه البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - بوادي العقيق يقول:«أتاني الليلة آتٍ من ربّي، فقال: صلّ في هذا الوادي المبارك، وقيل: عمرةٌ في حجة». قال في«الفتح»: هو بقرب المدينة، بينه وبين المدينة أربعة أميال . روى الزبير بن بكّار في«أخبار المدينة»أن تُبّعًا لَمّا رجع من المدينة انحدر في مكان، فقال: هذا عقيق الأرض، فسمّي العقيق انتهى . وقوله:«أُتي»بالبناء للمفعول، أي أتاه ملك من ربّه، قال في«الفتح»: هو جبريل. و«البطحاء»تأنيث الأبطح، وهو مَسِيلٌ واسعٌ فيه دُقاق الحصى. أفاده في«القاموس». والحديث أخرجه البخاريّ، والمسائل المتعلّقة به تقدّمت في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٦٦١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ:«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ، الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَصَلَّى بِهَا»). قال الجامع -عفا اللَّه تعالى عنه-: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، وهو ثقة. و«ابنُ القاسم»: هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ المصريّ، صاحب مالك إمام دار الهجرة -رحمهم اللَّه تعالى-. وقوله:«أناخ»: أي أبرك راحلته، للاستراحة. والحديث أخرجه البخاري، وقد سبق البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب». … ٢٥ - (الْبَيْدَاءُ) ٢٦٦٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ -وَهُوَ ابْنُ شُمَيْلٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْعَثُ -وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ- عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ:«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، صَلَّى الظُّهْرَ بِالْبَيْدَاءِ، ثُمَّ رَكِبَ، وَصَعِدَ جَبَلَ الْبَيْدَاءِ، فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المروزي، نزيل نيسابور، ثقة ثبت إمام [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (النضر بن شُمَيل) المازني، أبو الحسن النحوي البصري، نزيل مرو، ثقة ثبت من كبار [٩] ٤١/ ٤٥. ٣ - (أشعث بن عبد الملك) الحُمراني، أبو هانئ البصري، ثقة فقيه [٦] ١٢٩/ ١٩١. ٤ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصري الإمام الحجة الثبت، يرسل ويدلس [٣] ٣٢/ ٣٦. ٥ - (أنس بن مالك) الصحابي الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى- وأن رجاله رجال الصحيح، وأنه مسلسل بالبصريين غير شيخه كما سبق آنفًا. وأن فيه أنسًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة مات سنة (٢) أو (٩٣) وقد جاوز مائة سنة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنَسِ بْن مَالِكِ) الأنصاريّ النجّاريّ، خادم رسول اللَّه - ﷺ - رضي اللَّه تعالى - عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، صلَّى الظُّهْرَ بِالْبَيْدَاءِ) قال في «النهاية»: «البيداء»: المفازة، لا شيء بها، وهي هنا اسم موضع، مخصوص بين مكة والمدينة، وأكثر ما تَرِدُ ويُراد بها هذه انتهى . وقال أبو عبيد البكريّ: البيداء هذه فوق عَلَمي ذي الحليفة لمن صَعِدَ من الوادي انتهى . (ثمَّ رَكِبَ) ولأبي داود: «ثم ركب راحلته» (وَصَعِدَ جَبَلَ الْبَيْدَاءِ، فَأَهَلَّ بِالْحَجَّ وَالْعُمْرَةِ) أي رفع صوته بالتلبية بهما معًا (حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ) الظرف متعلّق بـ «أهلّ» يعني أن إهلاله لم يتأخّر عن صلاة الظهر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، إن سلم من عنعنة الحسن، فإنه مدلّس. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٢٥/ ٢٦٦٢ و٥٦/ ٢٧٥٥ و١٤٣/ ٢٩٣١ - وفي «الكبرى» ٢٥/ ٣٦٤٢ و٥٥/ ٣٧٣٦. وأخرجه (د) في «المناسك» ١٧٧٤ (أحمد) في «باقي مسند المكثرين» ١٢٧٤١ (الدارمي) في «المناسك» ١٨٠٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): الصلاة عند البيداء (ومنها): أن الإحرام يكون بعد الصلاة (ومنها): أن الإهلال يكون على جبل البيداء، على ما دلّ عليه حديث أنس - ﵁ - هذا، ويخالفه حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وغيره، وسيأتي الجمع بين الروايات المختلفة في هذا الباب في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): مشروعيّة رفع الصوت بالتلبية. (ومنها): مشروعيّة القرآن بالحجّ، وسيأتي بيان اختلاف العلماء، في أنّ النبيّ - ﷺ - هل كان متمتعًا، أم قارنًا، أم مفردًا؟، في محله إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في مبدإ الإهلال بالحجّ، أو العمرة: ذهب الإمامان: مالك، والشافعيّ، وجمهور العلماء -رحمهم اللَّه تعالى- إلى أن الأفضل أن يُحرم إذا انبعثت به راحلته؛ لاتفاق أغلب الروايات في المعنى، وأصحّها، وأشهرها على أنه - ﷺ - أهلّ عند انبعاث راحلته، وانبعاثُها هو استواؤها قائمة. وذهب الأئمة: أبو حنيفة، وأحمد، وداود -رحمهم اللَّه تعالى- إلى أنه يُحرِم عقب الصلاة، وهو جالس في مصلاّه، قبل ركوب دابّته، وقبل قيامه، قال النوويّ: وهو قول ضعيف للشافعيّ. قال الحافظ: قد اتفق علماء الأمصار على جواز جميع ذلك، وإنما الخلاف في الأفضل انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ومنشأ هذا الخلاف: اختلاف الروايات عن الصحابة - ﵃ - في مبدإ إهلال النبيّ - ﷺ -: (فمنها): ما يدلّ على أنه أهلّ في دبر الصلاة في مسجد ذي الحليفة، كما في رواية ابن عبّاس، عند أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ، والبيهقيّ، وفي رواية أبي داود المازنيّ، عند ابن حزم -٧/ ٩٣ - . (ومنها): ما يدلّ على أنه أهلّ حين استوت به ناقته قائمة، خارج مسجد ذي الحليفة عند الشجرة، كما وقع في روايات ابن عمر، عند أحمد، والشيخين، وغيرهم. وفي حديث أنس عند البخاريّ، وأبي داود، والبيهقيّ، والطحاويّ. وقال الزيلعيّ بعد ذكر حديث أنس: وأخرج أي البخاريّ أيضًا عن عطاء، عن جابر، أن إهلال رسول اللَّه - ﷺ - من ذي الحليفة حين استوت به راحلته انتهى. وقال المجد في «المنتقى» بعد ذكر حديث جابر: رواه البخاريّ، وقال: رواه أنس، وابن عباس انتهى. (ومنها): ما يدلّ على أنه أهلّ حين استوت به على البيداء، أي بعد ما علا على شرف البيداء، كما وقع في روايات ابن عباس أيضًا عند أحمد، والبخاريّ، ومسلم، والنسائيّ، وأبي داود، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، والحاكم، والطحاويّ. وفي حديث جابر عند مسلم، والترمذيّ، والطحاويّ. وفي حديث أنس عند أحمد، والنسائيّ، وأبي داود. وفي حديث سعد بن أبي وقّاص عند أبي داود، والنسائيّ، والبيهقيّ، والحاكم. ووجه الجمع بين هذه الروايات المختلفة أن الناس كانوا يأتون النبيّ - ﷺ - أرسالًا، جماعة بعد أخرى، فرأى قوم شروعه - ﷺ - في الإهلال بعد الفراغ من صلاته بمسجد ذي الحليفة، فنقلوا عنه أنه أهلّ بذلك المكان، ثم أهلّ لَمّا استقلّت به راحلته، فسمعه آخرون، فظنّوا أنه شرع الآن في ذلك الوقت؛ لأنهم لم يسمعوا إهلاله بالمسجد، فقالوا: إنما أهلّ عند ما استقلّت به راحلته، ثم رَوَى كذلك من سمعه يُهلّ على شرف البيداء. وإلى هذا الجمع مال ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-، حيث قال: صلّى رسول اللَّه - ﷺ - الظهر ركعتين، ثم أهلّ بالحجّ والعمرة في مصلّاه، ثم ركب على ناقته، وأهلّ أيضًا، ثمّ أهلّ لَمّا استقلّت به على البيداء انتهى مختصرًا ملخّصًا . ويؤيّد هذا الجمع ما رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم، والبيهقيّ، والطحاويّ، ولفظ أحمد: ٢٣٥٤ - حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثنا خصيف بن عبد الرحمن الجزريّ، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لعبد اللَّه بن عباس: يا أبا العباس، عجبًا لاختلاف أصحاب رسول اللَّه - ﷺ -، في إهلال رسول اللَّه - ﷺ -، حين أوجب، فقال: إني لأعلم الناس بذلك، إنها إنما كانت من رسول اللَّه - ﷺ - حجة واحدة، فمن هنالك اختلفوا. «خرج رسول اللَّه - ﷺ - حاجا، فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه، أوجب في مجلسه، فأهل بالحج، حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام، فحفظوا عنه، ثم ركب، فلما استقلت به ناقته أهلّ، وأدرك ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالا، فسمعوه حين استقلت به ناقته يُهلّ، فقالوا: إنما أهل رسول اللَّه - ﷺ -، حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول اللَّه - ﷺ -، فلما علا على شَرَف البيداء أهلّ، وأدرك ذلك منه أقوام، فقالوا: إنما أهلّ رسول اللَّه - ﷺ -، حين علا على شرف البيداء، وايم اللَّه لقد أوجب في مصلاه، وأهلّ حين استقلت به ناقته، وأهل حين علا على شرف البيداء، فمن أخذ بقول عبد اللَّه بن عباس أهلّ في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه». قال الطحاويّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد روايته حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور: فبيّن عبد اللَّه بن عبّاس الوجه الذي منه جاء اختلافهم، وأن إهلال النبيّ - ﷺ - الذي ابتدأ به الحجّ، ودخل به فيه كان في مصلاّه، فبهذا نأخذ، ينبغي للرجل إذا أراد الإحرام أن يصلي ركعتين، ثم يُحرم في دبرهما، كما فَعَل رسول اللَّه - ﷺ -، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد انتهى. وقال الحافظ في «الفتح»: وقد أزال الإشكال أي إشكال اختلاف الروايات في مكان إهلاله - ﷺ - ما رواه أبو داود، والحاكم من طريق سعيد بن جبير، قلت لابن عبّاس: عَجِبتُ … فذكر الحديث، ثم قال: فعلى هذا، فكان إنكار ابن عمر على من يخصّ الإهلال بالقيام على شرف البيداء انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في حمل إنكار ابن عمر على ما ذُكر نظر لا يخفى؛ إذ إنكاره غير قاصر على ذلك، كما يتّضح من مراجعة رواياته، فتأمّل. واللَّه تعالى أعلم. وقال الشوكانيّ في شرح حديث ابن عباس المذكور: هذا الحديث يزول به الإشكال، ويجمع بين الروايات المختلفة بمافيه، فأوضحه، ثم قال: وهذا يدلّ على أن الأفضل لمن كان ميقاته ذا الحليفة أن يُهلّ في مسجدها بعد فراغه من الصلاة، ويكرّر الإهلال عند أن يركب على راحلته، وعند أن يمرّ بشرف البيداء انتهى. وقال الحافظ في «الدراية»: وقد ورد ما يجمع بين هذه الأحاديث من حديث ابن عبّاس، عند أبي داود، والحاكم، فذكره، ثم قال: وهذا لو ثبت لرجح ابتداء الإهلال عقب الصلاة، إلا أنه من رواية خُصيف، وفيه ضعف انتهى. وقال أبو محمد ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى-: حديث ابن عباس هذا في طريقه خُصيف، وهو ضعيف، وحديث أبي داود الأنصاريّ المازنيّ من طريقة قوم غير مشهورين. والأحاديث الدّالّة على إحرامه - ﷺ - بعد ما استقلّت به راحلته، وإحرامه بعد الاستواء على البيداء كلها صحيحة، متّفق على صحّتها، إلا أن في أحاديث ابن عمر زيادة على حديث جابر، وأنس، وعائشة - ﵃ -، وهو أنه - ﷺ - أهلّ من عند مسجد ذي الحليفة حين أدخل رجله في الغَرْز ، واستقلّت به الراحلة، وهذا صريح في الدلالة على أنه لم يكن عقب الركوب، ولا في مصلاّه، ولو صحّ حديث ابن عبّاس، وأبي داود لوجب تقديم العمل به على حديث ابن عمر؛ لما فيه من الزيادة، لكن لَمّا كان حديث ابن عمر متّفقًا على صحّته، ولم يصحّ حديثهما وجب المصير إليه دونهما. ولَمّا كان في حديث ابن عمر زيادة على حديث من سواه ممن اتّفق على صحّة روايته، وهي كون الإهلال من عند المسجد، فيكون ذلك قبل الاستواء على البيداء، وجب العمل به، ويكون من رواه عند الاستواء على البيداء إنما سمعه حالتئذ يلبّي، فظنّ أن ذلك أوّل إهلاله. ويمكن أن يُقضى بحديث ابن عمر على حديث ابن عبّاس، ويكون قوله: «في مصلاّه» زيادة من الراوي، ليس من قول ابن عبّاس، ويصدق على من أحرم من عند المسجد عند استقلال ناقته به أنه لَمّا فرغ من ركعتيه أهلّ، ولا يلزم من ذلك التعقيب. وهذا الجمع أولى من إسقاط حديث من أصله. واللَّه أعلم انتهى كلام ابن حزم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن حزم حَسنٌ جدًّا. وحاصله أن الإحرام يكون عند الركوب، حين يُدخل رجله في الغَرْز؛ لحديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، إذ فيه زيادة على غيره، كما قال ابن حزم. ولو صحّ حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - لكان هو المقدّم؛ لأن فيه زيادة على حديث ابن عمر؛ لأنه عقب الصلاة، وهو جالس؛ إلا أن في سنده خُصيف بن عبد الرحمن الجزريّ، وهو متكلّم فيه، ولا سيّما فيما خالف فيه الثقات. وأما تصحيح الحاكم له على شرط مسلم، وموافقة الذهبيّ له، وكذا تحسين الترمذي على ما نقله الزيلعيّ عنه، وإن كانت النسخ الموجودة ليس فيها التحسين، وإنما قال: هذا حديثٌ غريبٌ، فكلّ هذا لا يخفى ما فيه من التساهل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٢٦ - (الْغُسْلُ لِلإِهْلَالِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عبارة «الكبرى»: «أبواب الإحرام» - «الغسل للإهلال». قال ابن الأثير -رحمه اللَّه تعالى-: الإهلال: رفع الصوت بالتلبية، يقال: أهلّ المحرمُ بالحجّ يهُلّ إهلالًا: إذا لبّى، ورفع صوته. والْمُهَلّ بضم الميم -وفتح الهاء-: موضع الإهلال، وهو الميقات الذي يُحرمون منه، ويقع على الزمان، والمصدر. انتهى . وقال الفيّومّي -رحمه اللَّه تعالى-: أَهَلّ المولودُ إهلالًا: خرج صارخًا بالبناء للفاعل. واستُهلّ بالبناء للمفعول عند قوم، وللفاعل عند قوم كذلك. وأهَلّ المحرمُ: ركع صوته بالتلبية عند الإحرام، وكلّ من رفع صوته فقد أهلّ إهلالًا، واستَهَلّ استهلالًا بالبناء للفاعل فيهما، وأُهلّ الهلالُ بالبناء للمفعول، وللفاعل أيضًا، ومنهم من يمنعه. واستُهلّ بالبناء للمفعول، ومنهم من يُجيز بناءه للفاعل. وهَلّ من باب ضرب لغةٌ أيضًا: إذا ظهر. وأهللنا الهلالَ، واستهللناه: رفعنا الصوت برؤيته. وأهلّ الرجل: رفع صوته بذكر اللَّه تعالى عند نعمة، أو رؤية شيء يُعجبه. انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٦٦٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، أَنَّهَا وَلَدَتْ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِالْبَيْدَاءِ، فَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «مُرْهَا، فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لْتُهِلَّ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد/بن سلمة) بن أبي فاطمة المراديُّ الجَمَلِيُّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠. ٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد الأموي مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩. ٣ - (ابن القاسم) هو: عبد الرحمن العُتَقيُّ، أبو عبد اللَّه المصري الفقيه، صاحب مالك، ثقة من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠. ٤ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الثقة الفقيه الحجة [٧] ٧/ ٧. ٥ - (عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد التيمي، أبو محمد المدني، ثقة جليل [٦] ١٢٠/ ١٦٦. ٦ - (أبوه) عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي المدني الفقيه، ثقة فاضل، من كبار [٣] ١٢٠/ ١٦٦. ٧ - (أسماء بنت عميس) - ﵂ - تأتي قريبًا. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وأن رجاله رجال الصحيح غير شيخه الحارث، فقد تفرد به هو وأبو داود، وأنه مسلسل بالمدنيين من مالك والباقون مصريون، وأن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه القاسم من الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيسٍ) - بمهملتين مصغّرًا- ابن معد -بوزن سَعْد، أوله ميم- ابن الحارث بن تيم بن كعب بن مالك بن قُحافة بن عامر بن ربيعة بن غانم بن معاوية بن زيد الخعثمية، صحابيّة فاضلة، روت عن النبيّ - ﷺ - وعنها ابنها عبد اللَّه بن جعفر، وحفيدها القاسم بن محمد، وعبد اللَّه بن عباس ابن أختها لبابة بنت الحارث، وابن أختها الأخرى عبد اللَّه بن شدّاد بن الهاد، وغيرهم. كانت أوّلًا تحت جعفر بن أبي طالب، ثم تزوّجها أبو بكر بعد قتل جعفر، فولدت له محمدًا، ثم عليّ بن أبي طالب، قيل: ولدت له ابنه عونًا، وقيل: ولدت له عونًا، ويحيى. وهي أخت ميمونة بن الحارث، أم المؤمنين لأمها، وأخت جماعة من الصحابيّات، لأب، أو أم، أو لأب وأم، ويقال: إن عدّتهنّ تسع. وقيل: عشر لأم، وستّ لأم وأب، هاجرت إلى الحبشة، مع زوجها جعفر، فولدت له هناك أولادًا. وقال ابن سعد، عن الواقديّ، عن محمد بن صالح، عن يزيد بن رُومان: أسلمت أسماء قبل دخول دار الأرقم، وبايعت، ثم هاجرت مع جعفر إلى الحبشة، فولدت له هناك عبد اللَّه، ومحمدًا، وعونًا، ثم تزوجها أبو بكر بعد قتل جعفر. وكان عمر يسألها عن تفسير المنام، ونُقل عنها أشياء من ذلك، ومن غيره. ويقال: إنها لما بلغها قتل ولدها محمد بن أبي بكر بمصر قامت إلى مسجد بيتها، وكظمت غيظها، حتى شَخَبَت ثدياها دمًا. وفي «الصحيح» عن أبي بردة، عن أسماء: أن النبيّ - ﷺ - قال لها: «لكم هجرتان، وللناس هجرة واحدة». وأخرج ابن سعد من مرسل الشعبيّ، قالت أسماء للنبيّ - ﷺ -: يا رسول اللَّه، إن رجالًا يفخرون علينا، ويزعمون أَنّا لسنا من المهاجرين الأولين، فقال: «بل لكم هجرتان». ثم أخرج من عدة أوجه أن أبا بكر الصديق أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عُميس. وأخرج ابن السكن بسند صحيح، عن الشعبيّ، قال: تزوّج عليّ أسماء بنت عُميس، فتفاخر ابناها محمد ابن جعفر، ومحمد بن أبي بكر، فقال كلّ منهما: أنا أكرم منك، وأبي خير من أبيك، فقال لها عليّ: اقض بينهما، فقالت: ما رأيت شابًّا خيرًا من جعفر، ولا كهلًا خيرًا من أبي بكر، فقال عليّ: فما أبقيت لنا؟، ماتت بعد عليّ - رضي اللَّه تعالى عنهم - أجمعين . أخرجِ لها الأربعة. ولها في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. (أَنَّهَا وَلَدَتْ مُحَمَدَ بْنَ أَبِي بَكْبر الصَّدَّيقِ) من صغار الصحابة، وُلد في طريق مكة في حجة الوداع، ونشأ في حجر عليّ - ﵁ -؛ لأنه كان زوج أمه، ورَوَى عن أبيه مرسلًا، وعن أمه، وغيرها قليلًا، ورَوَى عنه ابنه القاسم، وشهد مع عليّ الْجَمَل وصفّين، ثم أرسله إلى مصر أميرًا، فدخلها في شهر رمضان، سنة سبع وثلاثين، فولي إمارتها لعليّ، ثم جهّز معاوية عمرو بن العاص في عسكر إلى مصر، فقاتلهم محمد، وانهزم، ثم قتل في صفر سنة ثمان. حكاه ابن يونس، وقال: إنه اختفى لما انهزم في بيت امرأة، فأُخذ من بيتها، فقتل. وقال ابن عبد البرّ: كان عليّ يُثني عليه، ويفضّله، وكانت له عبادة واجتهاد، ولما بلغ عائشة قتله حزنت عليه جدًّا، وتولّت تربية ولده القاسم، فنشأ في حجرها، فكان من أفضل أهل زمانه . وفي «تهذيب التهذيب»: قال ابن يونس: قَدِم مصر أميرًا عليها من قِبَل عليّ بن أبي طالب، وجُمع له صِلاتها وخَرَاجها، فدخل في رمضان سنة (٣٧) وقيل: في صفر سنة (٣٨) قبل يوم الْمُسَنّاة لَمّا انهزم المصريون، فقيل: إنه اختفى في بيت امرأة من غافق آواه فيه أخوها، وكان الذي يطلبه مُعاويةَ بن حُدَيج، فلقيتهم أخت الرجل الذي كان اَواه، وكانت ناقصة العقل، فظنّت أنهم يطلبون أخاها، فقالت: أدلّكم على محمد بن أبي بكر على أن لا تقتلوا أخي، قالوا: نعم، فدلّتهم عليه، فقال: احفظوني لأبي بكر، فقال معاوية: قتلتُ ثمانين من قومي في دم عثمان، وأتركك، وأنت صاحبه؟، فقتله، حدّثنا بذلك من أمره حسن بن محمد المدينيّ، عن يحيى بن بُكير، عن الليث، عن عبد الكريم بن الحارث بهذا، أو نحوه. وقال ابن حبّان: قيل: إن محمدًا قُتل في المعركة. وقيل: إن عمرو بن العاص قتله بعد أن أسره انتهى . (بالْبَيدَاءِ) متعلّق بـ «ولدت». وفي رواية لمسلم: «بالشجرة»، وفي أخرى: «بذي الحليَفة». قال النووي: هذه المواضع الثلاثة متقاربة، فالشجرة بذي الحليفة، وأما البيداء، فهي بطرف ذي الحليفة. قال القاضي عياض: يحتمل أنها نزلت بطرف البيداء؛ لتبعد عن الناس، وكان منزل النبيّ - ﷺ - بذي الحليفة حقيقةً، وهناك بات، وأحرم، فسمّي منزل الناس كلّهم باسم منزل إمامهم انتهى . (فَذَكَرَ أَبُو بَكْر ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) أي ذكر ولادتها، وسأله ماذا تصنع؟. وفي رواية مسلم: «فأرسلت إلى رسول اللَّه - ﷺ -، كيف أصنع؟». قال الباجي في شرح رواية «الموطّإ»: يحتمل أن أبا بكر سأل أن النفاس الذي يمنع الصلاة، والصوم، يمنع صحة الحجّ، فبيّن - ﷺ - أنه لا ينافي الحجّ. ويحتمل أنه سأل عن اغتسالها للإحرام إن علم أن إحرامها بالحجّ يصحّ، فخاف أن النفاس يمنع الاغتسال الذي يوجب حكم الطهر انتهى. (فَقَالَ) - ﷺ - (مُرْهَا، فَلْتَغْتَسِلْ) فيه غسل النفساء للإحرام، وإن لم تطهر، وفي حكمها الحائض، فهو غسل نظافة، لا غسل طهارة، لأنها لم تخرج عن نفاسها. وقال الخطابيّ في «معالم السنن»: في الحديث استحباب التشبّه من أهل التقصير بأهل الفضل والكمال، والاقتداء بأفعالهم، طمعًا في درك مراتبهم، ورجاءً لمشاركتهم في نيل المثوبة، ومعلوم أن اغتسال الحائض والنفساء قبل أوان الطهر لا يطهّرهما، ولا يخرجهما عن حكم الحدث، وإنما هو لفضيلة المكان والوقت. قال وليّ الدين العراقيّ: هذا يدلّ على أن العلة عنده في اغتسالهما التشبّه بأهل الكمال، وهنّ الطاهرات. والظاهر أنه إنما هو لشمول المعنى الذي شُرع الغسل لأجله، وهو التنظيف، وقطع الرائحة الكريهة؛ لدفع أذاها عن الناس عند اجتماعهم، وبذلك عللَّه الرافعيّ، ولا يَرِد عليه التيمّم عند العجز ؛ لأن التنظيف هو أصل مشروعيته للإحرام، فلا ينافيه قيام التراب مقامه؛ لأنه يقوم مقام الغسل الواجب، فالمسنون أولى، وبعد استقرار الحكم قد لا توجد علته في بعض المحالّ انتهى . (ثُمَّ لِتُهِلَّ) أي لتلبّي بالحجّ. وفي الرواية التالية: «فأمره رسول اللَّه - ﷺ - أن يأمرها أن تغتسل، ثم تُهلّ بالحجّ، وتصنع ما يصنع الناس، إلا أنها لا تطوف بالبيت». وفي حديث جابر بن عبد اللَّه الآتي -٥٧/ ٢٧٦١ -: «فقال: اغتسلي، واستثفري بثوب، ثم أهلّي». وفي ٥٧/ ٢٧٦٢ -: «فأمرها أن تغتسل، وتستثفر بثوبها، وتُهلّ). و«الاتثفار» بالثاء المثلّثة: أن تحتشي المرأة قطنًا، وتشدّ في وسطها شيئًا، وتأخذ خرقة عريضةً تجعلها على محلّ الدم، وتشدّ طرفيها من قدّامها، ومن ورائها في ذلك المشدود في وسطها، وهو شَبيه بثَفَر الدّابّة، بفتح الفاء. والمقصود أن تجعل هناك ما يمنع من سيلان الدم؛ تنزيها أن تظهر النجاسة عليها، إذ لا تقدر على أكثر من ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أسماء بنت أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا منقطع بهذا الإسناد، لكنه متصل من حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - عند مسلم ٢٩٠٠، وأبي داود ١٧٤٣، وابن ماجه ٢٩١١، ومن حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - عند مسلم ٢٩٠١، والمصنف في «الطهارة» ٢١٤ و«الحيض» ٣٩٢ و«الحج» ٢٦٦٠ و٢٧٦١، فهو حديث صحيح. (المسألة الثانية): هذا الحديث مما تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- عن أصحاب الأصول، أخرجه هنا-٢٦/ ٢٦٦٣ - وفي «الكبرى» ٢٦/ ٣٦٤٣. وأخرجه أحمد في «باقي مسند الأنصار» ٢٦٥٤٤. ومالك في (الموطإ) في «الحجّ» ٧٠٩. ورواه مالك أيضًا عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أن أسماء بنت عميس ولدت محمد بن أبي بكر بذي الحليفة، فأمرها أبو بكر أن تغتسل، ثم تُهلّ. قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى- في «الاستذكار»: حديث عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن أسماء مرسل -أي منقطع-؛ لأنه لم يسمع القاسم من أسماء بنت عُميس. وقد رواه سليمان بن بلال، قال: حدثنا يحيى بن سعيد إلى آخر الرواية الآتية للمصنّف بعد هذا، قال: فذكره مسندًا. قال: ورواه إسحاق بن محمد الفَرْويّ أيضًا مسندًا، عن عبد اللَّه بن عمر العمريّ، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة. وعن نافع، عن ابن عمر أن أبابكر خرج مع النبيّ - ﷺ -، ومعه أسماء بنت عميس، حتى إذا كانت بذي الحليفة ولدت أسماء محمد بن أبي بكر، فاستفتى لها النبيّ - ﷺ -، فقال: «مرها، فلتغتسل، ثم تُهلّ». قال: مرسل مالك أقوى، وأثبت من مسانيد هؤلاء؛ لما ترى من اختلافهم في إسناده، والفَرْويّ ضعيف. وسليمان بن بلال أحد ثقات أهل المدينة. وأما حديث مالك عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، فاختلفوا فيه عن سعيد، فرواه ابن وهب، عن الليث، ويونسَ، وعمرِو بنِ الحارث، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيّب، مرفوعًا: «أن رسول اللَّه - ﷺ - أمر أسماء بنت عميس، أم عبد اللَّه ابن جعفر، وكانت عاركًا أن تغتسل، ثم تُهلّ بالحجّ». قال ابن شهاب: فلتفعل المرأة في العمرة ما تفعل في الحجّ. ورواه ابن عيينة، عن عبد الكريم الجزريّ، وعن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب، موقوفًا على أبي بكر، كما رواه مالك. انتهى كلام ابن عبد البرّ ببعض تصرّف . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعيّة الغسل للإهلال. (ومنها): سؤال الشخص ولو بواسطة عما يجهله من الأحكام الشرعيّة. (ومنها): أن النفساء تؤمر بالغسل عند الإحرام للنظافة، لا للطهار، ومثلها الحائض (ومنها): أن النفاس لا يَمْنَعُ عن أفعال الحجّ، بخلاف الصلاة، والصوم (ومنها): أن النفساء وكذا الحائض لا يطوفان بالبيت حتى يطهرا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاغتسال للإحرام: قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: في أمر رسول اللَّه - ﷺ - الحائض، والنفساء بالغسل عند الإهلال دليلٌ على تأكيد الإحرام بالغسل بالحجّ، أو العمرة. إلا أن جمهور العلماء يستحبّونه، ولا يوجبونه، وما أعلم أحدًا من المتقدّمين أوجبه إلا الحسن البصريّ، فإنه قال في الحائض، والنفساء: إذا لم تغتسل عند الإهلال اغتسلت إذا ذكرت، وبه قال أهل الظاهر: الغسل واجب عند الإهلال على كلّ من أراد أن يهلّ، وعلى كلّ من أراد الحجّ طاهرًا كان، أو غير طاهر. وقد روي عن عطاء إيجابه، وروي عنه أن الوضوء يكفي منه. انتهى كلام ابن عبد البرّ . وقال العلاّمة ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: من أراد الإحرام استُحبّ له أن يغتسل قبله في قول أكثر أهل العلم، منهم: طاوس، والنخعيّ، ومالك، والثوريّ، والشافعيّ، وأصحاب الرأي؛ لما روى خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، أنه رأى النبيّ - ﷺ - تجرد لإهلاله، واغتسل. رواه الترمذيّ، وقال: حديث حسن غريب . وثبت أن النبيّ - ﷺ - أمر أسماء بنت عميس، وهي نفساء أن تغتسل عند الإحرام. وأمر عائشة أن تغتسل عند الإهلال بالحجّ، وهي حائض. ولأن هذه العبادة يجتمع لها الناس، فسُنّ لها الاغتسال، كالجمعة. وليس ذلك واجبًا في قول عامة أهل العلم. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الإحرام جائزٌ بغير اغتسال، وأنه غير واجب. وحكي عن الحسن أنه قال: إذا نسي الغسل يغتسل إذا ذكر. وقال الأثرم: سمعت أبا عبد اللَّه، قيل له عن بعض أهل المدينة: من ترك الغسل عند الإحرام، فعليه دم؛ لقول النبيّ - ﷺ - لأسماء، وهي نفساء: «اغتسلي»، فكيف الطاهر؟ فأظهر التعجّب من هذا القول. وكان ابن عمر يغتسل أحيانًا، ويتوضّأ أحيانًا. وأي ذلك فعل أجزأ، ولا يجب الاغتسال، ولا نُقل الأمر به، إلا لحائض، أو نفساء، ولو كان واجبًا لأمر به غيرهما. انتهى كلام ابن قدامة . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما تقدّم عن أبي عمر من نسبة إيجاب الغسل على من أراد الإحرام مطلقًا للظاهرية يحتاج إلى نظر، فإن الذي ذكره ابن حزم، وهو من أئمتهم الاستحاب فقط، إلا على النفساء وحدها، ولفظه: [مسألة]: ونستحبّ الغسل عند الإحرام للرجال والنساء، وليس فرضًا إلا على النفساء وحدها، ثم أورد بسنده حديث الباب . قال الجامع: هذا الذي قاله ابن حزم هو الذي يترجّح عندي. وحاصله: أن الاغتسال مستحبّ، إلا على النفساء، والحائض، فيجب عليهما؛ لورود النصّ بلفظ الأمر، ولم يوجد له صارف، لا من نصّ، ولا من إجماع، فيفيد الوجوب عليهما. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٦٦٤ - (أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ النَّسَائِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى -وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ- قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ: «أَنَّهُ خَرَجَ حَاجًّا، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، حَجَّةَ الْوَدَاعِ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ، أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّةُ، فَلَمَّا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَلَدَتْ أَسْمَاءُ، مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَتَى أَبُو بَكْرٍ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَأَخْبَرَهُ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يَأْمُرَهَا، أَنْ تَغْتَسِلَ، ثُمَّ تُهِلَّ بِالْحَجِّ، وَتَصْنَعَ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ، إِلاَّ أَنَّهَا لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -:«أحمد بن فَضالة -بفتح الفاء- ابن إبراهيم»أبو المنذر النسائيّ، صدوق ربما أخطأ [١١]. روى عن خالد بن مَخْلَد، وعبد الرزّاق، وأبي عاصم، وغيرهم. وعنه المصنّف، وأبو عبد الرحمن هُبيرة بن الحسن الملقّب تُرْكَة. قال النسائيّ: لا بأس به. وقال مسلمة ابن قاسم: لا بأس به، وكان يخطئ. قال ابن عساكر: مات سنة (٥٧٢). انفرد به المصنّف، روى عنه في أربعة مواضع، برقم-٢٦٦٤، وفي ٤١٢٢ و٤٦٢٠ و٥٤٨٠.«محمد بن أبي بكر»الصديق القرشيّ التيميّ، أبو القاسم المدنيّ، له رؤية، ولد عام حجة الوداع، وقُتل سنة (٣٨). وكان عليّ يُثني عليه لعباده واجتهاده. روى له المصنّف وابن ماجه حديث الباب فقط. وتقدّمت ترجمته في شرح الحديث الماضي. و«خالد بن مخلد»: هو الْقَطَوَانيّ الكوفيّ، صدوق يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠] ١٩٢/ ٣٠٧. و«سليمان بن بلال»: هو أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقة [٨] ٣٠/ ٥٥٨. وقوله:«حاجَّا»منصول على الحال من فاعل«خرج». وقوله:«حجة الوداع» بفتح الحاء المهملة، وكسرها، منصوب على أنه مفعول مطلق مبيّن للنوع، وسبب تسميتها بحجة الوداع؛ لكون النبيّ - ﷺ - ودّع الناس فيها، وتمام شرح الحديث تقدم في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى وليّ التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا فيه انقطاع؛ لأن محمد بن أبي بكر لم يسمع من أبيه، لكنه متّصل بأسانيد أُخر صحاح، كما أشرت إليه في الحديث الذي قبله، فهو صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه المصنّف هنا -٢٦/ ٢٦٦٤ - وفي «الكبرى» ٢٦/ ٣٦٤٤. وأخرجه (ق) في «المناسك» ٢٩١٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب». … ٢٧ - (غَسْلُ الْمُحْرِمِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: «الغسل» -بفتح الغين المعجمة -: مصدر غَسَلَ الشيءَ، من باب ضرب، والغُسل بالضم اسم منه، والجمع أَغسال، مثل قُفْل وأقفال، وبعضهم يجعل المضموم والمفتوح بمعنًى، وعزاه إلى سيبويه. وقيل: الغُسل بالضمّ هو الماء الذي يُتطهّر به. أفاده في «المصباح». والمراد به هنا غسل المحرم رأسه، وسائر بدنه. قال في «الفتح»: عند قول البخاريّ: «باب الاغتسال للمحرم»: أي ترَفُّهَا، وتنظّفًا، وتطهّرًا من الجنابة. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن للمحرم أن يغتسل من الجنابة. واختلفوا فيما عدا ذلك. وكأن المصنّف أشار إلى ما رُوي عن مالك أنه كره للمحرم أن يُغطّي رأسه في الماء. وروى في «الموطّإ» عن نافع، عن ابن عمر، كان لا يغسل رأسه، وهو محرم، إلا من احتلام انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٦٦٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ: لَا يَغْسِلُ رَأْسَهُ، فَأَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، أَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، بَيْنَ قَرْنَيِ الْبِئْرِ، وَهُوَ مُسْتَتِرٌ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، أَسْأَلُكَ، كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، يَغْسِلُ رَأْسَهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ، فَطَأْطَأَهُ، حَتَّى بَدَا رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ لإِنْسَانٍ: يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَفْعَلُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة بن سعيد) الثقفيّ، أبو رجال البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس المذكور في الباب الماضي. ٣ - (زيد بن أسلم) العدوي مولاهم المدني، ثقة فقيه [٣] ٦٤/ ٨٠. ٤ - (إبراهيم بن عبد اللَّه بن حنين) الهاشمي مولاهم، أبو إسحاق المدني، ثقة [٣] ٩٧/ ١٠٤١. ٥ - (أبوه) عبد اللَّه بن حنين الهاشمي مولاهم المدني، ثقة [٣] ٩٧/ ١٠٤١. ٦ - (أبو أيوب الأنصاري) خالد بن زيد - ﵁ - يأتي قريبًا. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه فبغلاني، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: زيد عن إبراهيم عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسلَمَ) العدويّ المدنيّ مولى عمر بن الخطاب التابعي (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَينٍ). قال في «الفتح»: قوله: «عن زيد بن أسلم، عن إبراهيم» كذا في جميع «الموطّآت»، وأغرب يحيى بن يحيى الأندلسيّ، فأدخل بين زيد وإبراهيم نافعًا، قال ابن عبد البرّ: وذلك معدود من خطئه انتهى. وقال أيضًا: قوله: «عَنْ إِبْرَاهِيمَ» في رواية ابن عيينة، عن زيد: أخبرني إبراهيم. أخرجه أحمد، وإسحاق، والحميديّ في «مسانيدهم»، عنه. وفي رواية ابن جريج عند أحمد: عن زيد بن أسلم: أن إبراهيم بن عبد اللَّه بن حنين مولى ابن عبّاس أخبره. كذا قال: «مولى ابن عباس». وقد اختلف في ذلك، والمشهور أن حنينًا كان مولى للعبّاس، وهبه له النبيّ - ﷺ -، فأولاده موال له. قاله في «الفتح» (عَنْ أَبِيهِ) عبد اللَّه بن حنين (عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَبَّاسٍ) الحبر البحر المشهور - رضي اللَّه تعالى عنهما - (وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةً) ابن نوفل بن أُهيب بن عبد مناف بن زُهرة الزهريّ، أبي عبد الرحمن، له، ولأبيه صحبة - رضي اللَّه تعالى عنهما -، مات سنة (٦٤ هـ). والمراد أنه أخبر عن قصّتهما، فالكلام على حذف مضاف، فليس المراد أن عبد اللَّه ابن حنين أخبر بهذا الخبر راويًا عنهما. وقوله (أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا) في تأويل المصدر بدل عن المجرور قبله، أي عن اختلافهما. وفي رواية البخاريّ من رواية عبد اللَّه بن يوسف، عن مالك: «أن عبد اللَّه بن عباس، والمسور بن مَخْرَمة اختلفا الخ». وفي رواية ابن جريج عند أبي عوانة: كنت مع ابن عباس، والمسور. (بِالْأَبْوَاءِ) بفتح الهمزة، وسكون الموحّدة وزان أَفّعال: موضع بين مكة والمدينة، ويقال له: وَدّان . قاله في «المصباح». أي وهما نازلان بها. وفي رواية ابن عيينة: «بالعَرْج»، وهو بفتح أوّله، وإسكان ثانيه: قرية جامعة قريبة من الأبواء. (فَقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (لَا يَغْسِلُ رَأْسَهُ) الظاهر أنه قال ذلك اجتهادًا منه؛ لأنه ربما يتسبّب في انتتاف شعره، فخشيةً لذلك قال: لا يغسل (فَأرْسَلَني ابْنُ عَبّاسٍ، إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الأنصَارِيِّ) واسمه خالد بن زيد بن كُليب، من كبار الصحابة - ﵃ -، شهد بدرًا، ونزل النبيّ - ﷺ - عليه حين قَدِمَ المدينة، مات غازيًا بالروم سنة (٥٠هـ) وقيل: بعدها، تقدّمت ترجمته في ٢٠/ ٢٠. زاد ابن جريج، فقال: «قل له: يقرأ عليك السلامَ ابنُ أخيك عبدُ اللَّه بن عباس، ويسألك». (أَسْألُهُ عَنْ ذَلِكَ) أي عن حكم غسل المحرم رأسه (فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، بَيْنَ قَرْنَيِ الْبِئْرِ) بفتح القاف: تثنية قَرْن، وهما الخشبتان القائمتان على رأس البئر، وشبههما من البناء، وتُمدّ بينهما خشبة يُجرّ عليها الحبل المستقَى به، وتُعلّق عليها البكرة. قاله النوويّ . (وَهُوَ مُسْتَتِرٌ بِثَوْب) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل. ولفظ «الكبرى»: وهو يُستَرُ بثوب«(فَسَّلَّمْتُ عَلَيْهِ) فيه أنه يُشرع السلام على من يغتسل، ولذا لم ينكر عليه أبو أيوب، وقد ثبت في»الصحيحين«، وغيرهما في قصّة أم هانئ - رضي اللَّه تعالى عنها - أنها قالت: ذهبت إلى رسول اللَّه - ﷺ -، عام الفتح، فوجدته يغتسل - وفاطمة ابنته تستره- قالت: فسلمت عليه، فقال:»من هذه؟ … «الحديث. زاد في رواية مسلم:«فقال: »من هذا؟ فقلت: أنا عبد اللَّه بن حُنين، أرسلني إليك عبد اللَّه بن عباس …« الحديث. (وَقُلْتُ: أَرْسَلَنِي إِلَيكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ، أَسْأَلُكَ، كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -، يَغْسِلُ رَأْسَهُ) قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: الظاهر أن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - كان عنده نصّ عن النبيّ - ﷺ - أخذه عن أبي أيوب، أو غيره، ولهذا قال عبد اللَّه بن حُنين لأبي أيوب: أسألك كيف كان يغسل رأسه؟، ولم يقل: هل كان يغسل رأسه، أوْلا؟، على حسب ما وقع فيه اختلاف بين المسور، وابن عباس. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ويحتمل أن يكون عبد اللَّه بن حُنين تصرّف في السؤال لفطنته، كأنه لَمّا قال له: سله، هل يغتسل المحرم، أوْلَا؟، فجاء، فوجده يغتسل، فهم من ذلك أنه يغتسل، فأحبّ أن لا يرجع إلا بفائدة، فسأله عن كيفيّة الغسل، وكأنه خصّ الرأس بالسؤال؛ لأنها موضع الإشكال في هذه المسألة؛ لأنها محلّ الشعر الذي يُخشى انتتافه، بخلاف بقية البدن غالبا انتهى كلام الحافظ . (وَهُوَ مُحْرِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ) الأنصاريّ - ﵁ - (يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ) أي الذي جعله ساترًا بينه وبين الناس (فَطَأْطَأَهُ) أي أزاله عن رأسه. وفي رواية ابن عيينة، عن زيد: «جمع ثيابه إلى صدره حتى نظرت إليه» (حَتَّى بَدَا رَأْسُهُ) أي ظهر لي رأسه، فرأيته. وفي رواية ابن جريج: «حتى رأيت رأسه، ووجهه». (ثمَّ قَالَ: لإِنْسَانٍ«قال الحافظ: لم أقف على اسمه (يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ»إنسان«. ومقول القول في رواية المصنّف محذوف، تقديره:»اصبُبْ«. ولفظ البخاريّ:»ثم قال لإنسان يصبّ عليه: اصبب، فصبّ على رأسه … «(ثمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأقْبَلَ بِهمَا وَأَدْبَرَ) أي ذهب بيديه إلى جهة قُدَّامه، ثم ردّهما إلى ورائه، مبالغة في وصول الماء إلى البشرة. وفي رواية ابن جريج:«فأمرّ أبو أيوب بيديه على رأسه جميعًا، على جميع رأسه، فأقبل بهما، وأدبر». (وَقَالَ) أي أبو أيوب - ﵁ - (هكذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ) وفي«الكبرى»:«النبيّ»(- ﷺ - يَفْعَلُ) زاد في رواية ابن عيينة، عن زيد:«فرجعت إليهما، فأخبرتهما، فقال المسور لابن عبّاس: لا أُماريك أبدًا». أي لا أجادلك. وأصل المراء استخراج ما عند الإنسان، يقال: أمرى فلانٌ فلانًا: إذا استخرج ما عنده. قاله ابن الأنباريّ. وأطلق ذلك في المجادلة؛ لأن كلاّ من المتجادلين يَستخرج ما عند الآخر من الحجة. قاله في«الفتح». واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي أيوب الأنصاريّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٧/ ٢٦٦٥ وفي«الكبرى»٢٧/ ٣٦٤٥. وأخرجه (خ) في«الحجّ»١٨٤٠ (م) في«الحجّ»١٢٥٥ (د) في«المناسك»١٨٤٠ (ق) في«المناسك»٢٩٣٤ (أحمد) في«باقي مسند الأنصار»٢٣٠١٨ و٢٣٠٣٦ و٢٣٠٦٦ (الموطأ) في«الحجّ»٧١٢ (الدارمي) في«المناسك»١٧٩٣. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعيّة الاغتسال للمحرم. (ومنها): غسل المحرم رأسه، وتشريبه شعره بالماء، ودلكه بيده إذا أمن تناثره. واستدلّ به القرطبيّ على وجوب الدلك في الغسل، قال: لأن الغسل لو كان يتمّ بدونه لكان المحرم أحقّ بأن يجوز له تركه. قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه . (ومنها): أنه استُدلّ به على أن تخليل شعر اللحية في الوضوء باق على استحبابه، خلافًا لمن قال: يكره، كالمتولّي من الشافعيّة، خشية انتتاف الشعر؛ لأن في الحديث:«ثم حرّك رأسه بيده». ولا فرق بين شعر الرأس واللحية، إلا أن يقال: إن شعر الرأس أصلب. والتحقيق أنه خلاف الأولى في حقّ بعض دون بعض. قاله السبكيّ الكبير. قاله في«الفتح» . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: بل الإطلاق هو التحقيق؛ لأن الشارع الحكيم ما استثنى الحاجّ حين شرع تخليل اللحية. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): الرجوع إلى النصّ عند الاختلاف، وترك الاجتهاد، والقياس عند وجود النصّ. قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: في هذا الحديث من الفقه أن الصحابة - ﵃ - إذا اختلفوا لم تكن في قول واحد منهم حجة على غيره، إلا بدّليل يجب التسليم له، من الكتاب، أو السنّة، ألا ترى أن ابن عباس والمسور - ﵃ - لما اختلفا لم يكن لواحد منهما حجة على صاحبه حتى أدلى ابن عبّاس بالحجة بالسنة، ففلج -أي فاز، وغلب خصمه بحجته-. وهذا يبيّن لك أن قوله - ﵇ -: «أصحابي كالنجوم » هو على ما فسّره المزنيّ وغيره، وأن ذلك في النقل؛ لأن جميعهم ثقات عدول، فواجب قبول من نقل كلّ واحد منهم، ولو كانوا كالنجوم في آرائهم، واجتهادهم إذا اختلفوا لقال ابن عباس للمسور: أنت نجم، وأنا نجمٌ، فلا عليك، وبأيّنا اقتدى المقتدي فقد اهتدى، ولَمَا احتاج لطلب البيّنة، والبرهان من السنّة على صحّة قوله. وكذا سائر الصحابة - ﵃ - إذا اختلفوا حكمهم كحكم ابن عبّاس والمسور، وهم أوّل من تلا: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [النساء: ٥٩]. قال العلماء: إلى كتاب اللَّه، وإلى سنة نبيّه - ﷺ - ما كان حيًّا، فإن قُبض فإلى سنّته. ألا ترى أن ابن مسعود قيل له: أنَّ أبا موسى الأشعريّ قال في أخت، وابنة ابن: إن للابنة النصفَ، وللأخت السدسَ، ولا شيء لبنت الابن. وأنه قال للسائل: ائت ابن مسعود، فإنه سيتابعنا، فقال ابن مسعود: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦] أقضي فيها بقضاء رسول اللَّه - ﷺ -: «للبنت النصفُ، ولابنة الابن السدسُ تكملة للثلثين، وما بقي فللأخت». وبعضهم لم يرفع هذا الحديث، وجعله موقوفًا على ابن مسعود، وكلّهم رووا فيه: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا﴾ الآية. وفي «الموطإ» أن أبا موسى الأشعريّ أفتى بجواز رضاع الكبير، وردّ ذلك عليه ابن مسعود، فقال أبو موسى: لا تسألوني ما دام هذا الحبر بين أظهركم. وروى مالك عن ابن مسعود: أنه رجع عن قوله في الربيبة إلى قول أصحابه في المدينة . وهذا الباب طويل إذا كان الصحابة خير أُمّة أُخرجت للناس، وهم أهل العلم والفضل، لا يكون أحدهم حجة على صاحبه، إلا الحجة من كتاب اللَّه، أو سنّة نبيّه - ﷺ -، فمن دونهم أولى أن يَعضِدَ قولَه بما يجب التسليم له. قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ الآية [السبأ: ٦] قال: أصحاب محمد - ﷺ -. قال مالك: الحكم حكمان: حكم جاء به كتاب اللَّه، وحكم أحكمته السنّةُ. قال: ومجتهدُ رأيه، فلعلّه يُوفّق، ومتكلّف، فطُعن عليه. قال: وذكر ابن وضاح، عن ابن وهب، قال: قال لي مالك: الحكمة، والعلم نورٌ يهدي به اللَّه من يشاء، ويؤتي الحكمة من أحبّ من عباده، وليس بكثرة المسائل. قال أبو عمر: وقد استوفينا هذا المعنى في «كتاب العلم» . انتهى كلام أبي عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- . وهو بحث نفيس جدًّا إلا ما يأتي من الكلام على الحديث الذي احتج به. (ومنها): استتار الشخص عند الاغتسال بالثوب عند الاغتسال، وأن الذي كان يستره بالثوب، لا يطّلع منه على ما يتستّر به من مثله، فالسترة واجبة عن القريب والبعيد. (ومنها): قبول خبر الواحد، وأن قبوله كان مشهورًا عند الصحابة - ﵃ - (ومنها): السلام على المتطهّر في وضوء، أو غسل، بخلاف الجالس على الحدث. (ومنها): جواز الاستعانة في الطهارة، ولكن الأولى تركها إلا لحاجة. قاله النوويّ . (ومنها): أن فيه الاعتراف للفاضل بفضله، وإنصاف الصحابة بعضهم بعضًا، - رضي اللَّه تعالى عنهم - أجمعين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): حيث ذكر الحافظ أبو عمر في كلامه السابق حديث: «أصحابي كالنجوم» موهمًا أنه حديث ثابت، مع أنه لا يثبت، وقد تَكَلّم فيه هو في غير هذا الكتاب، فلا بدّ من بيان ما قاله العلماء فيه ، حتى يتبيّن الحقّ، وكذلك ما اشتهر على الألسنة: «اختلاف أمتي رحمة». أما الأول، فقد رُوي من حديث جابر، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث عمر بن الخطاب، وابنه عبد اللَّه: (أما حديث جابر - ﵁ -): فهو: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم». رواه ابن عبد البرّ في «جامع العلم» ٢/ ٩١، وابن حزم في «الأحكام» ٦/ ٨٢ من طريق سلام بن سليم، قال: حدثنا الحارث بن غُضَين، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، مرفوعًا به. وقال ابن عبد البرّ: هذا إسناد لا تقوم به حجة؛ لأن الحارث بن غضين مجهول. وقال ابن حزم: هذه رواية ساقطة، أبو سفيان ضعيف، والحارث بن غُضَين هذا هو أبو وهب الثقفي، وسلام بن سليمان يروي الأحاديث الموضوعة، وهذا منها بلا شك. قال الشيخ الألباني: الحمل في هذا الحديث على سلام بن سليم- ويقال: ابن سليمان، وهو الطويل- أولى ، فإنه مجمع على ضعفه، بل قال ابن خراش: كذّاب. وقال ابن حبان: روى أحاديث موضوعة. وأما أبو سفيان فليس ضعيفًا، كما قال ابن حزم، بل هو صدوق، كما قال الحافظ في«التقريب»، وأخرج له مسلم في«صحيحه». انتهى . (وأما حديث ابن عباس): فهو:«مهما أوتيتم من كتاب اللَّه، فالعمل به، لا عذر لأحدكم في تركه، فإن لم يكن في كتاب اللَّه، فسنة مني ماضية، فإن لم يكن سنة مني ماضية، فما قال أصحابي، إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فأيها أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة». أخرجه الخطيب في«الكفاية»ص ٤٨، وابن عساكر، وغيرهما من طريق سليمان بن أبي كريمة، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، مرفوعًا به. وهذا الإسناد ضعيف جدًّا، سليمان بن أبي كريمة قال ابن أبي حاتم: ضعيف الحديث. وجويبر هو ابن سعيد الأزديّ متروك. والضحّاك لم يلق ابن عباس. (وأما حديث عمر - ﵁ -): فهو:«سألت ربي فيما اختلف فيه أصحابي من بعدي، فأوحى اللَّه إليّ يا محمد إن أصحابك عندي بمنزلة النجوم في السماء، بعضها أضوأ من بعض، فمن أخذ بشيء مما هم عليه من اختلافهم، فهو عندي على هدى». رواه ابن بطّة في«الإبانة»٤/ ١١، والخطيب، وابن عساكر، وغيرهم من طريق نعيم ابن حماد، ثنا عبد الرحيم بن زيد العمّيّ، عن أبيه، عن سعيد بن المسيّب، عن عمر بن الخطاب - ﵁ - مرفوعًا به. قال ابن الجوزيّ في«العلل»: هذا لا يصحّ، نعيم مجروح، وعبد الرحيم قال ابن معين: كذّاب. وفي«الميزان»: هذا الحديث باطل. (وأما حديث ابن عمر): فهو:«إنما أصحابي مثل النجوم، فأيهم أخذتم بقوله اهتديتم». ذكره ابن عبد البرّ معلقًا، من طريق أبي شهاب الحفاظ، عن حمزة الجزريّ، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعًا به. ووصله عبد بن حميد في«المنتخب من المسند»، قال: أخبرني أحمد بن يونس، حدثنا أبو شهاب به. وروا ابن بطة في«الإبانة». وفي سنده حمزة بن أبي حمزة قال الدارقطنيّ: متروك. وقال ابن عديّ: عامة مروياته موضوعة. وقال ابن حبّان: ينفرد عن الثقات بالموضوعات، حتى كأنه المتعمد لها، ولا تحل الرواية عنه. وقد ساق له الذهبي في«الميزان»أحاديث من موضاعاته، هذا منها. وقال أبو محمد ابن حزم: ٦/ ٨٣ -: فقد ظهر أن هذه الرواية لا تثبت أصلًا، بل لا شكّ أنها مكذوبة؛ لأن اللَّه تعالى يقول في صفة نبيّه - ﷺ -: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣و٤] فإذا كان كلامه - ﷺ - في الشريعة حقًّا، وواجبًا، فهو من اللَّه تعالى بلا شكّ، وما كان من اللَّه تعالى، فلا يُختَلَف فيه، لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وقد نهى اللَّه تعالى عن التفرّق والاختلاف بقوله: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] فمن المحال أن يأمر رسول اللَّه - ﷺ - باتباع كلّ قائل من الصحابة - ﵃ -، وفيهم من يحلّل الشيء، وغيره يحرّمه، ولو كان ذلك لكان بيع الخمر حلالًا، اقتداءً بسمرة بن جندب، ولكان أكل البَرَد للصائم حلالًا، اقتداءً بأبي طلحة، وحرامًا اقتداءً بغيره منهم، ولكان ترك الغسل من الإكسال واجبًا، اقتداء بعليّ، وعثمان، وطلحة، وأبي أيوب، وأبيّ بن كعب، وحرامًا اقتداء بعائشة، وابن عمر، وكلّ هذا مرويّ عندنا بالأسانيد الصحيحة. ثم أطال في بيان بعض الآراء التي صدرت من الصحابة، وأخطأوا فيها السنّة، وذلك في حياته - ﷺ -، وبعد مماته، ثم قال (٨٦): فكيف يجوز تقليد قوم يُخطئون، ويصيبون؟. وقال قبل ذلك ٥/ ٦٤ - تحت باب «ذمّ الاختلاف»: وإنما الفرض علينا اتباع ما جاء به القرآن عن اللَّه تعالى الذي شرع لنا دين الإسلام، وما صحّ عن رسول اللَّه - ﷺ - الذي أمره اللَّه تعالى ببيان الدين … فصحّ أن الاختلاف لا يجب أن يراعى أصلًا، وقد غلط قومٌ، فقالوا: الاختلاف رحمة، واحتجّوا بما رُوي عن النبيّ - ﷺ -: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم». قال: وهذا الحديث باطل مكذوب من توليد أهل الفسق؛ لوجوه ضروريّة: (أحدها): أنه لم يصحّ من طريق النقل. (والثاني): أنه - ﷺ - لم يَجُز أن يأمر بما نهى عنه، وهو - ﵇ - قد أخبر أن أبا بكر قد أخطأ في تفسير فسّره، وكَذَب عمر في تأويل تأوله في الهجرة، وخطأ أبا السنابل في فتيا أفتى بها في العدّة. فمن المحال الممتنع الذي لا يجوز البتة أن يكون - ﵇ - يأمر باتباع ما قد أخبر أنه خطأ، فيكون حينئذ أمر بالخطأ، تعالى اللَّه عن ذلك، وحاشا له - ﷺ - من هذه الصفة، وهو - ﷺ - قد أخبر أنهم يُخطئون، فلا يجوز أن يأمر باتباع من يُخطىء، إلا أن يكون - ﵇ - أراد نقلهم لما رووا عنه، فهذا صحيح؛ لأنهم - ﵃ - كلهم ثقات، فمن أيهم نقل فقد اهتدى الناقل. (والثالث): أن النبيّ - ﷺ - لا يقول الباطل، بل قوله الحقّ، وتشبيه المشبه للمصيبين بالنجوم تشبيه فاسد، وكذب ظاهر؛ لأنه من أراد مطلع الجدي، فأمّ جهة مطلع السرطان لم يهتد، بل قد ضلّ ضلالًا بعيدًا، وأخطأ خطأ فاحشًا، وليس كلّ النجوم يُهتدى بها في كلّ طريق، فبطل التشبيه المذكور، ووضح كذب ذلك الحديث، وسقوطه وضوحًا ضروريًّا انتهى. ونقل خلاصته ابن الملقّن في «الخلاصة» ١٧٥/ ٢ وأقرّه، وبه ختم على الحديث، وقال: وقال ابن حزم: خبر مكذوب، موضوع، باطل، لم يصحّ قط. وروي هذا الحديث بلفظ آخر، وهو: «أهل بيتي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم». وهو في نسخة أحمد بن نبيط الكذّاب. وقد قال الذهبيّ في هذه النسخة: فيها بلايا، وأحمد بن إسحاق لا يحلّ الاحتجاج به، فإنه كذاب. وأقرّه الحافظ في «اللسان». (وأما حديث: «اختلاف أمتي رحمة»): فلا أصل له، قال السبكي -رحمه اللَّه تعالى-: ليس بمعروف عند المحدّثين، ولم أقف له على سند صحيح، ولا ضعيف، ولا موضوع. وأما قول السيوطيّ في «الجامع الصغير»: ولعله خُرّج في بعض كتب الحفّاظ التي لم تصل إلينا. فمن أعجب ما يُسمع ويرى من أمثال السيوطيّ الجامع بين النقل والعقل، فهل نقول لكل حديث موضوع: فلعل له سندًا صحيحًا لم يصل إلينا، إن لهو العجب العجاب!. وقال أبو محمد ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- في «الأحكام في أصول الأحكام» ٥/ ٦٥ بعد أن أشار إلى أنه ليس بحديث: وهذا من أفسد قول يكون، لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطًا، وهذا ما لا يقوله مسلم، لأنه ليس إلا اتفاق، أو اختلاف، وليس إلا رحمة، أو سخط. [فإن قيل]: إن الصحابة - ﵃ - قد اختلفوا، وهم أفاضل الناس، أفيلحقهم الذمّ المذكور؟. [قلت]: أجاب عنه الإمام ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى-، فقال في كتابه المذكور ٥/ ٦٧ - ٦٨ -: كَلاّ ما يلحق أولئك شيء من هذا؛ لأن كلّ امرئ منهم تحرّى سبيل اللَّه، ووجهة الحقّ، فالمخطىء منهم مأجور أجرًا واحدًا؛ لنيته الجميلة في إرادة الخير، وقد رُفع عنهم الإثم في خطئهم؛ لأنهم لم يتعمّدوه، ولا قصدوه، ولا استهانوا بطلبهم، والمصيب منهم مأجور أجرين، وهكذا كلّ مسلم إلى يوم القيامة فيما خفي عليه من الدين، ولم يبلغه، وإنما الذمّ المذكور، والوعيد المنصوص لمن ترك التعلّق بحبل اللَّه تعالى، وهو القرآن، وكلام النبيّ - ﷺ - بعد بلوغ النصّ إليه، وقيام الحجّة به عليه، وتعلّق بفلان وفلان، مقلّدًا عامدًا للاختلاف، داعيًا إلى عصبيّة، وحميّة الجاهليّة، قاصدًا للفرقة، متحريًا في دعواه بردّ القرآن والسنة إليها، فإن وافقها النصّ أخذ به، وإن خالفها تعلّق بجاهليّته، وترك القرآن، وكلام النبيّ - ﷺ -، فهولاء هو المختلفون المذمومون، وطبقة أخرى، وهم قوم بلغت بهم رقّة الدين، وقلّة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كلّ قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة في قول كلّ عالم، مقلّدين له غير طالبين ما أوجبه النصّ عن اللَّه، وعن رسوله - ﷺ -. انتهى كلام ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى-، وهو تحقيقٌ نفيس جدًّا لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب». … ٢٨ - (النهْيُ عَنِ الثِّيَاب الْمَصْبُوغَةِ بِالْوَرْسِ، وَالزَّعْفَرَانِ فِي الإِحْرَامِ) ٢٦٦٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ، ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانٍ، أَوْ بِوَرْسٍ»). رجال هذا الإسناد تقدّم الكلام عليهم قريبًا والحديث يأتي شرحه في الذي بعده والسند تقدّم قبل باب، غير عبد اللَّه بن دينار العدويّ مولاهم المدنيّ، ثقة [٤] ١٦٧/ ٢٦٠. والصحابي يأتي في السند التالي،. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٦٦٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟، قَالَ: «لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا الْعِمَامَةَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ، وَلَا زَعْفَرَانٌ، وَلَا خُفَّيْنِ، إِلاَّ لِمَنْ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، فَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن منصور) الجّواز المكي، ثقة [١٠] ٢٠/ ٢١. ٢ - (سفيان) بن عيينة، أبو محمد المكي، ثقة ثبت [٨] ١/ ١. ٣ - (الزهري) محمد بن مسلم أبو بكر المدني الإمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١. ٤ - (سالم) بن عبد اللَّه بن عمر العدوي المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٢٣/ ٤٩٠. ٥ - (أبوه) عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -﵀-، وأن رجاله رجال الصحيح غير شيخه فإنه من أفراده، وأنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ والباقيان مكيان، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعيّ، وفيه سالم أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه ابن عمر - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وأن هذا الإسناد أحد الأسانيد التي قيل فيها: إنها أصح الأسانيد. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَالِمِ) بن عبد اللَّه (عَنْ أَبِيهِ) عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) وفي رواية نافع: «أن رجلًا سأل رسول اللَّه - ﷺ -». قال الحافظ: لم أقف على اسمه في شيء من الطرق. وفي رواية الليث، عن نافع بلفظ: «قام رجل، فقال: يا رسول اللَّه ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام؟». وفي رواية عمر بن نافع، عن أبيه: «أن رجلًا سأل رسول اللَّه - ﷺ -، ما نلبس من الثياب إذا أحرمنا». وفي رواية أيوب، عن نافع: «نادى النبيّ - ﷺ - رجل، فقال: ما نلبس إذا أحرمنا». وهذا مشعر بأن السؤال عن ذلك كان قبل الإحرام. وقد حكى الدارقطنيّ، عن أبي بكر النيسابوريّ أن في رواية ابن جريج، والليث، عن نافع أن ذلك كان في المسجد. قال الحافظ: ولم أر ذلك في شيء من الطرق عنهما. نعم أخرج البيهقيّ ٥/ ٤٩ - من طريق عبد اللَّه بن عون، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قام رجل من هذا الباب -يعني بعض أبواب مسجد المدينة-، فقال: يا رسول اللَّه ما يلبس المحرم؟. و٥/ ٤٩ من طريق حمّاد بن زيد، عن أيوب، ومن طريق عبد الوهّاب بن عطاء، عن عبد اللَّه بن عون، كلاهما عن نافع، عن ابن عمر: نادى رجل رسول اللَّه - ﷺ -،. هو يخطب بذلك المكان «-وأشار نافع إلى مقدّم المسجد- فذكر الحديث. فظهر أن ذلك كان بالمدينة. ووقع في حديث ابن عباس عند الشيخين: خطبنا رسول اللَّه - ﷺ - بعرفات، فقال: من لم يجد الإزار …» الحديث، فيحمل على التعدّد، ويؤيّده أن حديث ابن عمر أجاب به السائل، وحديث ابن عبّاس ابتدأ به في الخطبة انتهى . (مَا يَلْبَسُ) «ما» استفهاميّة، أو موصولة، أو موصوفة في محلّ نصب مفعول ثان لـ«سأل». و«يلبس» بفتح المثنّاة، والموحّدة، من اللبس بضم اللام، يقال: لبس الثوب يلبسه، من باب علم يعلم. وأما اللبس بفتح اللام، فهو مصدر لَبَستُ عليه الأمرَ ألبِسه، من باب ضرب: إذا خلطت عليه، ومنه اشتباهه، ولا يناسِبُ هنا. (الْمُحْرِمُ) المراد به الرجل، لا المرأة؛ لأنها لا تمنع من لبس هذه الأنواع. قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: أجمعوا على أن للمرأة لبس جميع ما ذُكر، وإنما تشترك مع الرجل في منع الثوب الذي مسّه الزعفران، أو الورس، وسيأتي الكلام على ذلك، إن شاء اللَّه تعالى (مِنَ الثَّيَابِ؟) أي من أنواع الثياب، وهو بيان لـ«ما»، أو للمسؤول عنه. [تنبيه]: قوله: «ما يلَبس المحرم من الثياب الخ» هذا هو المشهور في الرواية عن نافع، عن ابن عمر، وقد رواه أبو عوانة من طريق ابن جريج، عن نافع، بلفظ: «ما يترك المحرم؟». قال الحافظ: وهي شاذّة، والاختلاف فيها على ابن جريج، لا على نافع. وأخرجه أحمد ٢/ ٨ عن سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر، فقال مرّةً: «ما يترك؟»، ومرّةً: «ما يلبس». وأخرجه أبو داود، عن ابن عيينة بلفظ: «ما يترك؟» من غير شكّ. ورواه سالم، عن ابن عمر بلفظ: «أن رجلًا قال: ما يجتنب المحرم؟». أخرجه أحمد ٢/ ٣٤، وابن خزيمة، وأبو عوانة في «صحيحيهما» من طريق عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهريّ، عنه. وأخرجه البخاريّ في أواخر الحجّ من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهريّ بلفظ نافع، فالاختلاف فيه على الزهريّ يُشعر بأن بعضهم رواه بالمعنى، فاستقامت رواية نافع؛ لعدم الاختلاف فيها. (قَالَ: «لا يَلْبَسُ») بالرفع على الخبر على الأشهر، وهو في معنى النهي. وروي بالجزم على أنه نهي. وفي رواية نافع الآتية: ٣٠/ ٢٦٦٩: «لا تلبسوا» بضمير الجمع. وهذا الجواب مطابق للسؤال على إحدى الروايتين، وهي قول السائل: «ما يترك المحرم؟»، أو «ما يجتنب المحرم؟»، وأما على الرواية المشهورة، أي قول السائل: «ما يلبس المحرم»، فإن المسؤول عنه ما يلبسه المحرم، فأجيب بذكر ما لا يلبسه، والحكمة فيه أن ما يجتنبه المحرم، ويمتنع عليه لبسه محصور، فذِكْرُه أولى، ويبقى ما عداه على الإباحة، بخلاف ما يُباح لبسه، فإنه كثير، غير محصور، فذكره تطويل، وفيه تنبيه على أن السائل لم يُحسن السؤال، وأنه كان الأليق السؤال عما يتركه، فعدل عن مطابقته إلى ما هو أولى، وبعض علماء المعاني يسمّي هذا بـ «أسلوب حكيم»، وقريب منه قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ الآية [البقرة: ٢١٥]، فالسؤال عن جنس المنفق، فعدل عنه في الجواب إلى جنس المنفق عليه؛ لأنه أهمّ، وكان اعتناء السائل بالسؤال عنه أولى. ومثله قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ الآية. قال النوويّ في «شرح مسلم»: قال العلماء: هذا من بديع الكلام، وجَزْله، فإنه - ﷺ - سُئل عما يلبسه المحرم، فقال: لا تلبسوا كذا وكذا، فحصل في الجواب أنه لا يلبس المذكورات، ويلبس ما عداها، فكان التصريح بما لا يُلبس أولى؛ لأنه منحصر، فأما الملبوس الجائز للمحرم، فغير منحصر، فضبط الجميع بقوله: «لا يلبس كذا وكذا» يعني، وبلبس ما سواه انتهى. وقال البيضاويّ: سئل عما يلبس، فأجاب بما لا يُلبس ليدلّ بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز، وإنما عدل عن الجواب؛ لأنه أخصر، وأحصر. وفيه إشارة إلى أن حقّ السؤال عما لا يبلس. وقال الشيخ ابن دقيق العيد في «شرح العمدة»: فيه دليل على أن المعتبر في الجواب ما يحصل به المقصود، كيف كان؟ ولو بتغيير، أو زيادة، ولا يشترط المطابقة انتهى. (الْقَمِيصَ) بالإفراد، وفي الرواية الآتية «القُمُص» بضمّتين، وهو جمع قميص، وهو نوع من الثياب معروف، وهو الدرع. وذكر ابن الهمام في أبواب النفقة من «فتح القدير» أنهما سواء، إلا أن القميص يكون مجيبًا من قبل الكتف، والدرع من قبل الصدر انتهى. ونبّه به وبالسراويل على جميع ما في معناهما، وهو ما كان محيطًا، أو مخيطًا معمولًا على قدر البدن، أو قدر عضو منه، وذلك مثل الجبّة، والقميص، والقباء، والتُّبّان، والقفّاز. (وَلَا الْبُرْنُسَ) بضمتين، جمعه برانيس بفتح الموحّدة، وكسر النون، قال الأزهريّ، وصاحب «المحكم»، وغيرهما: البرنس كلّ ثوب رأسه ملتزق به، درّاعة كانت، أو جبّة، أو مِمْطَرًا ، من البِرْس بكسر الباء، وهو القطن، والنون زائدة. قال النوويّ: نبّه بالعمائم، والبرانس على كلّ ساتر للرأس، مخيطًا كان، أو غيره حتى العصابة، فإنها حرام، فإن احتاج إليها لشجّة، أو صُداع، أو غيرهما شدّها، ولزمته الفدية انتهى. وقال الخطّابيّ: ذكر العمامة، والبرنس معًا ليدلّ على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا بالمعتاد، ولا بالنادر. قال: ومن النادر الْمِكْتَل يحمله على رأسه. قال الحافظ: إن أراد أنه يجعله على رأسه كلابس القبع صحّ ما قال، وإلا فمجرّد وضعه على رأسه على هيئات الحامل لحاجته لا يضرّ. ومما لا يضرّ أيضًا الانغماس في الماء، فإنه لا يسمى لا بسًا، وكذا ستر الرأس باليد انتهى. وقال الحافظ وليّ الدين: والمشهور من مذهب الشافعيّ أنه لا تحريم في حمل المكتل، ولا فدية فيه، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وقال المالكيّة: لا بأس أن يحمل على رأسه ما لا بدّ له منه، كخَرْجِه، وجرابه، ولا يحمل ذلك لغيره تطوّعًا، ولا بإجارة، فإن فعل افتدى، ولا يحمل لنفسه تجارة، قال أشهب: إلا أن يكون عيشه بذلك انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تفرقة المالكية بين ما يحمله لنفسه، ولغيره يحتاج إلى دليل. واللَّه تعالى أعلم. (وَلَا السَّرَاوِيلَ) هو واحد جاء بلفظ الجمع. وقيل: جمع سِرْوالة، وهو ثوب خاصّ بالنصف الأسفل من البدن. قال في «القاموس»: السراويل فارسيّة معرّبة، جمعها سراويلات، أو هي جمع سِرْوال، وسِرْوالة انتهى. وقال صاحب «المحكم»: السراويل فارسيّ معرّب، يذكّر، ويؤنّث، ولم يعرف الأصمعيّ فيها إلا التأنيث، والجمع سراويلات، والسراوين -بالنون-: السراويل. زعم يعقوب أن النون فيها بدلٌ من اللام. وقال أبو حاتم السجستانيّ: وسمعت من الأعراب من يقول: الشراويل -بالشين المعجمة- انتهى. (وَلا الْعِمَامَةَ) -بكسر العين -: هي ما يُلفّ على الرأس. سميت بذلك لأنها تعمّ جميع الرأس. ونبّه به على كلّ ساتر للرأس مخيطًا، أو غير مخيط، حتى العصابة، فإنها حرام. (وَلَا ثَوْبَا مَسَّهُ وَرْسٌ) -بفتح الواو، وسكون الراء، بعدها سين مهملة- قال في «القاموس»: نبات كالسمسم، ليس إلا باليمن يُزرع، فيبقى عشرين سنة، نافع للكلف طلاء، والبَهَق شُربًا. وقال الجوهريّ: الورس نبت أصفر يكون باليمن. وقال الحافظ: الورس نبت أصفر طيّب الريح، يُصبغ به. قال ابن العربيّ: الورس ليس بطيب، ولكنه نبّه به على اجتناب الطيب، وما يشبهه في ملاءمة الشمّ، فيؤخذ منه تحريم أنواع الطيب على المحرم، وهو مجمع عليه فيما يُقصد به التطيّب. (وَلَا زَعْفَرَانٌ) بالتنكير والتنوين؛ لأنه ليس فيه إلا الألف والنون فقط، وهو لا يمنع الصرف، وهو بفتح الزاي، وسكون العين المهملة، وفتح الفاء، والراء-: اسم عربيّ. وقيل: اسم عجميّ تصرّفت فيه العرب، فقالوا: ثوب مزعفرٌ، وقد زعفر ثوبه يزعفره زعفرةً، ويجمع على زعافر. واستُدلّ بقوله: «مسّه» على تحريم ما صُبغ كلّه، أو بعضه، ولو خفيت رائحته. قال مالك في «الموطّإ»: إنما يكره لبس المصبّغات؛ لأنها تنفض. وقال الشافعيّة: إذا صار الثوب بحيث لو أصابه الماء لم تفح له رائحة لم يُمنع. والحجة فيه حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، عند البخاريّ، وفيه: «ولم ينه عن شيء من الثياب، إلا المزعفرة التي تَرْدعُ الجلدَ …» الحديث. وأما المغسول، فقال الجمهور: إذا ذهبت الرائحة جاز، خلافًا لمالك، ففي، «الموطإ»: سئل مالك عن ثوب مسّه طيّب، ثم ذهب ريح الطيب منه، هل يُحرِم فيه؟، قال: نعم، ما لم يكن فيه صباغ زعفران، أو ورس انتهى. واستُدلّ للجمهور بما رواه أبو معاوية عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع في هذا الحديث: «إلا أن يكون غسيلًا». أخرجه يحيى بن عبد الحميد الحِمّانيّ في «مسنده» عنه. ورَوَى الطحاويّ عن أحمد ابن أبي عمران أن يحيى بن معين أنكره على الحمانيّ، فقال له عبد الرحمن بن صالح الأزديّ: قد كتبته عن أبي معاوية، وقام في الحال، فأخرج له أصله، فكتبه عنه يحيى بن معين انتهى. وهي زيادة شاذّة؛ لأن أبا معاوية، وإن كان متقنًا، لكن في حديثه عن غير الأعمش مقال. قال أحمد: أبو معاوية مضطرب الحديث في عبيد اللَّه، ولم يجىء بهذه الزيادة غيره. قال الحافظ: والحمّانيّ ضعيف، وعبد الرحمن الذي تابعه فيه مقال. ورد العينيّ إعلال هذا الحديث بما ذُكر، وصحح الحديث، وقال: وقد روى أحمد في «مسنده» من حديث ابن عبّاس حديثًا يدلّ على جواز لبس المزعفر للمحرم، إذا لم يكن فيه نفضٌ، ولا ردع . حدثنا يزيد، أخبرنا الحجاج، عن الحسين بن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - مثله. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فيما قال العينيّ نظر لا يخفى، فإن أبا معاوية زيادةً على ما ذكر من اضطرابه في حديث غير الأعمش كما قال أحمد، فإنه مدلّس، كما صرّح به يعقوب بن شيبة، وابن سعد، وقد عنعنه هنا، فكيف يصحّ؟. وأما الحديث الذي ذكره عن «المسند» ففي سنده حجاج بن أرطاة كثير التدليس عن الضعفاء وفيه أيضًا حسين بن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه، وهو ضعيف، كما قاله الحافظ الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٣/ ٢١٩. فالحقّ ما قاله الإمام مالك -رحمه اللَّه تعالى-، من عدم جواز لبس المصبوغ بزعفران، أوورس، وإن كان مغسولًا؛ لإطلاق حديث الباب، وعدم صحّة ما احتجّ به الجمهور، كما عرفته آنفًا. واللَّه تعالى أعلم. واستدلّ به المهلّب على منع استدامة الطيب. وفيه نظر. واستنبط من منع لبس الثوب المزعفر منع أكل الطعام الذي فيه الزعفران. وهذا قول الشافعيّة. وعن المالكيّة خلاف. وقال الحنفيّة: لا يحرم؛ لأن المراد اللبس، والتطيّب، والآكل لا يُعدّ متطيّبًا. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الحنفيّة عندي أقوى. واللَّه تعالى أعلم. (وَلَا خُفَّيْنِ) تثنية خُفّ بضم، فتشديد، وفي رواية نافع الآتية: «ولا الخفاف»، وهو بالكسر جمع خفّ (إلاَّ لِمَنْ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ) وفي رواية نافع الآتية: «إلا أحد لا يجد نعلين». قال القاري: «أحد» بالرفع على البدلية من واو الضمير -يعني في رواية «لا تلبسوا». وقال في «شرح الموطإ» بالنصب عربيّ جيّد. وروي بالرفع، وهو المختار في الاستثناء المتّصل بعد النفي وشبهه. وقال الزين ابن المنيّر: يستفاد منه جواز استعمال «أحد» في الإثبات، خلافًا لمن خصّه بضرورة الشعر، كقوله: وَقَدْ ظَهَرْتَ فلَا تخَفَى عَلَى أَحَدٍ … إلاَّ عَلَى أَحَدٍ لَا يَعْرِفُ الْقَمَرَا قال: والذي يظهر لي بالاستقراء أنه لا يستعمل في الإثبات إلا إن كان يعقبه نفيٌ، وكان الإثبات حينئذ في سياق النفي. (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ) قال الحافظ: المراد بعدم الوجدان أن لا يقدر على تحصيله إما لفقده، أو عدم بذل المالك له، أو عجزه عن الثمن، إن وجد من يبيعه، أو الأجرة، ولو بيع بغبن لم يلزمه شراؤه، أو وهب له لم يجب قبوله إلا إن أعير له انتهى. واستُدلّ به على أن من وجد النعلين لا يلبس الخفّين المقطوعين، وهو قول الجمهور، وأجازه الحنفيّة، وبعض الشافعيّة. وقال ابن العربيّ: إن صارا كالنعلين جاز، وإلا متى سترا من ظاهر الرجل شيئًا لم يجز إلا للفاقد. وقال الزرقانيّ: فإن لبسهما مع وجود النعلين افتدى عند مالك، والليث، وعن الشافعيّ قولان انتهى. (فَلْيَقْطَعْهُمَا) وفي رواية نافع: «فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين». قال الحافظ: ظاهر الأمر للوجوب، لكنه لما شُرع للتسهيل لم يناسب التثقيل، وإنما هو للرخصة انتهى. (حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ) يعني أن فاقد النعلين إذا أراد أن يلبس الخفين يقطعهما بحيث يصير الكعبان، وما فوقهما من الساق مكشوفًا، لا قطع موضع الكعبين فقط. قال في «الفتح»: والمراد كشف الكعبين في الإحرام، وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم. ويؤيّده ما روى ابن أبي شيبة، عن جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: إذا اضطرّ المحرم إلى الخفّين خرق ظهورهما، وترك فيهما قدر ما يستمسك رجلاه. وقال محمد بن الحسن، ومن تبعه من الحنفيّة: الكتب هنا هو العظم الذي في وسط القدم عند معقد الشراك. وقيل: إن ذلك لا يُعرف عند أهل اللغة. وقيل: إنه لا يثبت عن محمد، وإن السبب في نقله عنه أن هشام بن عبيد اللَّه الرازيّ سمعه يقول في مسألة المحرم إذا لم يجد النعلين حيث يقطع خفيه، فأشار محمد بيده إلى موضع القطع، ونقله هشام إلى غسل الرجلين في الطهارة، وبهذا يتعقّب على من نقل عن أبي حنيفة كأبن بطّال أنه قال: إن الكتب هو الشاخص في ظهر القدم، فإنه لا يلزم من نقل ذلك عن محمد بن الحسن -على تقدير صحّته عنه- أن يكون قول أبي حنيفة. ونقل عن الأصمعيّ، وهو قول الإماميّة أن الكتب عظم مستدير تحت عظم الساق حيث مفصل الساق والقدم. وجمهور أهل اللغة على أن في كلّ قدم كعبين. وظاهر الحديث أنه لا فدية على من لبسهما، إذا لم يجد النعلين. وعن الحنفيّة تجب. وتُعُقِّب بأنها لو وجبت لبيّنها النبيّ - ﷺ - لأنه وقت الحاجة. واستدلّ به على اشتراط القطع، خلافًا للمشهور عن أحمد، فإنه أجاز لبس الخفّين من غير قطع؛ لإطلاق حديث ابن عبّاس عند البخاريّ في أواخر الحجّ بلفظ: «ومن لم يجد نعلين، فليلبس خفّين». وتُعُقّب بأنه موافق على قاعدة حمل المطلق على المقيّد، فينبغي أن يقول بها هنا. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: سيأتي للمصنف -٣٨/ ٢٦٨٠ - من طريق أيوب، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - بلفظ: «وإذا لم يجد النعلين، فليليبس الخفّين، وليقطعهما أسفل من الكعبين»، فلو صحّت هذه الزيادة، فلا حاجة إلى القول بالتقييد بحديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -؛ لكنها لا تثبت في حديث ابن عباس، كما سيأتي بيانه هناك، إن شاء اللَّه تعالى. قال: وأجاب الحنابلة بأشياء: منها: دعوى النسخ في حديث ابن عمر، فقد روى الدارقطنيّ، من طريق عمرو بن دينار أنه روى عن ابن عمر حديثه، وعن جابر بن زيد عن ابن عبّاس حديثه، وقال: انظروا أيّ الحديثين قبلُ؟، ثم حكى الدارقطنيّ، عن أبي بكر النيسابوريّ أنه قال: حديث ابن عمر قبلُ، لأنه كان بالمدينة قبل الإحرام، وحديث ابن عباس بعرفات. وأجاب الشافعيّ عن هذا في «الأمّ»، فقال: كلاهما صادق حافظ، وزيادة ابن عمر لا تخالف ابن عباس؛ لاحتمال أن تكون عزبت عنه، أو شكّ، أو قالها، فلم يقلها عنه بعض رواته انتهى. قال: وسلك بعضهم الترجيح بين الحديثين، قال ابن الجوزيّ: حديث ابن عمر اختلف في وقفه ورفعه، وحديث ابن عباس لم يُختلف في رفعه انتهى. قال الحافظ: وهو تعليل مردود، بل لم يُختلف على ابن عمر في رفع الأمر بالقطع إلا في رواية شاذّة، على أنه اختُلف في حديث ابن عبّاس أيضًا، فرواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس موقوفًا. ولا يرتاب أحد من المحدّثين أن حديث ابن عمر أصحّ من حديث ابن عبّاس؛ لأن حديث ابن عمر جاء بإسناد وُصف بكونه أصحّ الأسانيد، واتفق عليه عن ابن عمر غير واحد من الحفّاظ، منهم نافع، وسالم، بخلاف حديث ابن عبّاس، فلم يأت مرفوعًا إلا من رواية جابر بن زيد عنه، حتى قال الأصيليّ: إنه شيخٌ بصريّ، لا يُعرف، كذا قال. وهو معروف، موصوفٌ بالفقه عند الأئمة. واستدلّ بعضهم بالقياس على السراويل، كما سيأتي البحث عنه فيه في حديث ابن عبّاس، إن شاء اللَّه تعالى. وأجيب بأن القياس مع وجود النصّ فاسد الاعتبار. واحتجّ بعضهم بقول عطاء: إن القطع فساد، واللَّه لا يحبّ الفساد. وأجيب بأن الفساد إنما يكون فيما نَهَى الشرع عنه، لا فيما أذن فيه. وقال ابن الجوزيّ: يُحمل القطع على الإباحة، لا على الاشتراط؛ عملًا بالحديثين. ولا يخفى تكلّفه انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تبيّن بهذا أن ما ذهب إليه الجمهور من وجوب قطع الخفين، حتى يكونا أسفل من الكعبين، هو الحقّ، حملًا لحديث ابن عباس على حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهم -، وبه يحصل العمل بالحديثين، من غير إلغاء أحدهما. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: زاد الثوريّ في روايته لهذا الحديث عن أيوب، عن نافع: «ولا القباء». أخرجه عبد الرزّاق عنه. قال الحافظ العراقيّ: وهو صحيح محفوظ من حديث سفيان الثوريّ، عن أيوب. ورواه الطبرانيّ من وجه آخر عن الثوري. وأخرجه الدارقطنيّ، والبيهقيّ من طريق حفص بن غياث، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع أيضًا بلفظ: «والأقبية». قال العراقيّ إسناده صحيح. و«القباء» بالقاف والموحدة: معروف، ويطلق على كلّ ثوب مفرج. ومنع لبسه متّفق عليه، إلا أن أبا حنيفة قال: يشترط أن يدخل يديه في كميه، لا إذا ألقاه على كتفيه، ووافقه أبو ثور، والخرقيّ من الحنابلة. وحكى الماورديّ نظيره إن كان كمه ضيّقًا، فإن كان واسعًا فلا. قاله في «الفتح» . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الجمهور من أنه لا يجوز لبس القباء مطلقًا، سواء أدخل يديه في كميه أم لا هو الحقّ؛ لإطلاق النصّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٨/ ٢٦٦٦ و٢٦٦٧ و٣٠/ ٢٦٦٩ و٣١/ ٢٦٧٠ و٣٣/ ٢٦٧٣ و٣٤/ ٢٦٧٤ و٢٦٧٥ و٣٥/ ٢٦٧٦ و٢٦٧٧ و٣٦/ ٢٦٧٨ و٣٨/ ٢٦٨٠ و٣٩/ ٢٦٨١ - وفي «الكبرى» ٢٨/ ٣٦٤٦ و٣٦٤٧ و٣٠/ ٣٦٤٩ و٣١/ ٣٦٥٠ و٣٣/ ٣٦٥٣ و٣٤/ ٣٦٥٤ و٣٦٥٥ و٣٥/ ٣٦٥٦ و٣٦٥٧ و٣٦/ ٣٦٥٨ و٣٨/ ٣٦٦٠ و٣٩/ ٣٦٦١. وأخرجه (خ) في، «العلم» ١٣٤ و«الصلاة» ٣٦٦ و«الحج» ١٥٤٢ و١٨٣٨ و١٨٤٢ و«اللباس» ٥٧٩٤ و٥٨٠٣ و٥٨٠٥ و٥٨٠٦ و٥٨٤٧ و٥٨٥٢ و(م) في «الحج» ١١٧٧ (د) في «المناسك» ١٨٢٣ (ت) في «الحج» ٨٣٣ (ق) في «المناسك» ٢٩٢٩ و٢٩٣٠ و٢٩٣٢ (أحمد) في «مسند المكثرين» ٤٤٤٠ و٤٤٦٨ و٤٥٢٤ و٤٧٢٦ و٤٨٢٠ و٤٨٤١ و٤٨٥٣ و٤٨٨١ و٥٠٥٥ و٥٠٨٧ و٥١١٠ و٥١٤٤ و٥١٧١ و٥٢٨٦ و٥٣٠٣ و٥٣١٤ و٥٤٠٤ و٥٤٠٨ و٥٤٤٩ و٥٥٠٣ و٥٧٨١ و٦٢٠٨ (الموطأ) في «الحج» ٧١٦ و٧١٧ (الدارمي) في «المناسك» ١٧٩٨ و١٨٠٠. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان النهي عن لبس الثياب المصبوغة بالورس والزعفران. (ومنها): أن فيه تحريم لبس هذه الأمور المذكورة، وما في معناها على المحرم، وهو مجمع عليه، فنبه بالقميص على كلّ مخيط معمول على قدر البدن، وبالسراويل على ما هو معمول على قدر عضو منه، وبالعمامة على الساتر للرأس، وإن لم يكن مخيطًا، وبالبرنس على الساتر له، وإن كان لبسه نادرًا، ومن ذلك يفهم تحريم ستر الرأس مطلقًا، وكذا يحرم ستر بعضه إذا كان قدرًا يقصد ستره لغرض، بخلاف الخيط ونحوه، ولا يضرّ الانغماس في الماء، والستر بكفه. وبالخفّ على كلّ ساتر للرجل من مداس، وجمجم، وجورب، وغيرها. قال الحافظ وليّ الدين: ويقدح في دعوى الإجماع ما رواه سعيد بن منصور في «سننه» عن عطاء بن أبي رباح أنه رخّص للمحرم في لبس الخفّ في الدلجة. قال الحافظ العراقيّ في «شرح الترمذيّ»: ولا يعرف ذلك لغير عطاء، إلا أن الطحاويّ روى في «بيان المشكل» أن عمر - ﵁ - رأى على عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - خفّين، وهو محرم، فقال: وخفّين أيضًا، وأنت محرم؟ فقال: فعلته مع من هو خير منك. قال العراقيّ: فلعلّ هذا مستند عطاء، ويحتمل عدم وجدان عبد الرحمن للنعلين انتهى . (ومنها): أنه لا يجوز لبس الخفين المقطوعين إلا عند فقد النعلين، وهو الراجح من أقوال أهل العلم. (ومنها): ما قال العلماء: الحكمة في تحريم اللباس المذكورة على المحرم، ولباسه الإزار والرداء أن يبعد عن الترفّه، ويتّصف بصفة الخاشع الذليل، وليتذكّر أنه محرم في كلّ وقت، فيكون أقرب إلى كثرة ادكاره، وأبلغ في مراقبته، وصيانته لعبادته، وامتناعه من ارتكاب المحظورات، وليتذكّر به الموت، ولباس الأكفان، وليتذكّر البعث يوم القيامة، حفاة، عُراة، مهطعين إلى الداعي. ذكره وليّ الدين . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب». …
مصادر المؤلف (٦١)

١. - «فتح» ٤/ ٤٤٣.

٢. - راجع «المصباح المنير» في مادة عرق.

٣. -بفتح الميم، وسكون الواو، وكسر الصاد المهملة، بوزن مجلس: نسبة إلى موصل بلد بين العراق والجزيرة. قاله في «القاموس».

٤. - راجع «المحلّى» ج ٧ص ٧١.

٥. - راجع «طرح التثريب» ٥/ ١٢ - ١٤.

٦. - العقيق المذكور هنا واد يتدفّق ماؤه في غور تهامة، وهو غير العقيق المذكور في حديث عمر الذي أخرجه البخاريّ في «صحيحه»، عن عكرمة، أنه سمع ابن عباس - ﵄ - يقول: إنه سمع عمر - ﵁ - يقول: سمعت النبي - ﷺ - بوادي العقيق يقول: «أتاني الليلة آت من ربي، فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة». أفاده في «الفتح» ج ٤ص ١٦٩.

٧. -«فتح»٤/ ١٦٨.

٨. - راجع«الفتح»ج ٤ص ١٦٦ - ١٦٩.

٩. - وفي نسخة: «هي لهم».

١٠. - وفي نسخة: «ممن سواهم».

١١. - راجع «الفتح» ج ٢ص ١٤٧ «كتاب الصلاة».

١٢. - راجع «النهاية في غريب الحديث» ج ٣ص ٢٠٦.

١٣. - راجع«شرح مسلم»للنوويّ ج ٨ص ٣٣٦.

١٤. - رجع «طرح التثريب» ج ٥ص ١٨١ - ١٨٢.

١٥. - تقدّم عن السيوطيّ أنه ستة أميال. فليحرّر. واللَّه تعالى أعلم.

١٦. -«فتح»ج ٤ص ١٧١.

١٧. - راجع «النهاية» ١/ ١٧١.

١٨. - راجع «زهر الربى» ٥/ ١٢٨.

١٩. -هو ما أخرجه ابن حزم بسنده، عن محمد بن جرير الطبريّ، حدثني محمد بن عبد اللَّه بن سعيد الواسطي، نا يعقوب بن محمد، نا محمد بن موسى، نا إسحاق بن سعيد بن جبير، عن جعفر بن حمزة بن أبي داود المازنيّ، عن أبيه عن جدّه، أبي داود -وهو بدريّ- قال: «خرجنا مع رسول اللَّه - ﷺ - في الحجّ، فلما كان بذي الحليفة، صلّى في المسجد أربع ركعات، ثم لبّى دبر الصلاة، ثم خرج إلى باب المسجد، فإذا راحلته قائمة، فلما انبعثت به أهلّ، فلما علا البيداء أهلّ». انتهى «المحلّى» ٧/ ٩٣.

٢٠. - راجع«زاد المعاد»٢/ ١٥٨ تحقيق الأرنؤط.

٢١. - قوله:«فمن أخذ بقول ابن عبّاس الخ من قول سعيد بن جبير، كما بينه أبو داود، في »سننه«،والحاكم في »مستدركه«، ١/ ٤٥١.

٢٢. - الغَرْز، بوزن الفلس: ركاب الإبل.

٢٣. - راجع «النهاية» ٥/ ٢٧١.

٢٤. - راجع «المصباح المنير» في مادة هلل.

٢٥. - راجع «الإصابة» ١٢/ ١١٦/ ١١٧. و«تهذيب التهذيب» ٤/ ٦٦٣/ ٦٦٤.

٢٦. - راجع «الإصابة» ٩ص ٣٠٨ - ٣٠٩.

٢٧. - راجع «تهذيب التهذيب» ٣/ ٥٢٣ - ٥٢٤.

٢٨. - راجع «شرح مسلم» للنوويّ ٨/ ٣٧٢.

٢٩. -أي عند من يراه كالشافعيّة، وإلا فبعض العلماء لا يراه.

٣٠. -راجع «المرعاة» ٩/ ٤.

٣١. - العارك: هي الحائض، أو النفساء، وهو المراد هنا.

٣٢. - راجع «الاستذكار» ١١/ ٧ - ١٠.

٣٣. - راجع «الاستذكار» ١١/ ١١.

٣٤. - في سنده عبد الرحمن بن أبي الزناد، متكلّم فيه، إلا أن لحديثه شواهد، فلا ينزل عن درجة الحسن. راجع «مرعاة المفاتيح» ٨/ ٤٦٩ - ٤٧٠.

٣٥. - راجع «المغني» ٥/ ٧٥ - ٧٦.

٣٦. - راجع«المحلّى»٧/ ٨٢.

٣٧. - وفي نسخة:«أخبرنا».

٣٨. - وفي نسخة:«حدثنا».

٣٩. - «فتح» ٤/ ٥٣٢ - ٥٣٣.

٤٠. - وفي«القاموس»: موضع ترب وَدّان.

٤١. -شرح مسلم ٨/ ٣٦٤.

٤٢. -تقدّم للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- برقم -٢٢٥. في «الطهارة».

٤٣. -راجع «الفتح» ٤/ ٥٣٣ - ٥٣٤.

٤٤. -«فتح»٤/ ٥٣٤.

٤٥. - «فتح» ٤/ ٥٣٤.

٤٦. - «فتح» ٤/ ٥٣٤.

٤٧. -حديث واه سيأتي الكلام عليه.

٤٨. - رواه مالك في «الموطإ» في «كتاب النكاح» - «باب ما لا يجوز من نكاح الرجل أم امرأته»، ولفظه: وحدثني عن مالك، عن غير واحد، أن عبد اللَّه بن مسعود، استفتي وهو بالكوفة، عن نكاح الأم بعد الابنة، إذا لم تكن الابنة مُسّت، فأرخص في ذلك، ثم إن ابن مسعود، قدم المدينة، فسأل عن ذلك، فأخبر أنه ليس كما قال، وإنما الشرط في الربائب، فرجع ابن مسعود إلى الكوفة، فلم يصل إلى منزله، حتى أتى الرجل الذي أفتاه بذلك، فأمره أن يفارق امرأته، قال مالك، في الرجل تكون تحته المرأة، ثم ينكح أمها، فيصيبها: إنها تحرم عليه امرأته، ويفارقهما جميعًا، ويحرمان عليه أبدا، إذا كان قد أصاب الأم، فإن لم يصب الأم، لم تحرم عليه امرأته، وفارق الأم، وقال مالك، في الرجل يتزوج المرأة، ثم ينكح أمها، فيصيبها: إنه لا تحل له أمها أبدا، ولا تحل لأبيه، ولا لابنه، ولا تحل له ابنتها، وتحرم عليه امرأته، قال مالك: فأما الزنا، فإنه لا يحرم شيئًا من ذلك، لأن اللَّه ﵎ قال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، فإنما حرم ما كان تزويجا، ولم يذكر تحريم الزنا، فكل تزويج كان على وجه الحلال، يصيب صاحبه امرأته، فهو بمنزلة التزويج الحلال، فهذا الذي سمعت، والذي عليه أمر الناس عندنا.

٤٩. -أي «كتاب جامع بيان العلم» ٢/ ٢٦ - ٣٠.

٥٠. - راجع «الاستذكار» ١١/ ١٥ - ١٨.

٥١. - شرح النوويّ ٨/ ٣٦٤ - ٣٦٥.

٥٢. -لقد أجاد البحث في هذه الأحاديث المحدث الكبير الشيخ الألباني جزاه تعالى خيرًا على ما أفاد في كتابه «السلسلة الضعيفة» ١/ ٧٦ - ٨٥ - من رقم ٥٧ إلى رقم ٦٢ - فاستفد منه.

٥٣. قوله: «أولى» خبر قوله: «الحملُ» وقوله: «ويقال إلى قوله:»الطويل«جملة معترضة.

٥٤. - راجع«الضعيفة» ١/ ٧٨ - ٧٩.

٥٥. - «الفتح» ٤/ ١٨٢.

٥٦. - «الممطر» بكسر الميم الأولى، وفتح الطاء: ما يُلبس في المطر، يُتوقّى به. ذكره في «المرعاة» ٩/ ٣٣٣.

٥٧. -أي تلطخ، يقال: ردع: إذا التطخ، والردع أثر الطيب. قاله في «الفتح» ٤/ ١٨٨.

٥٨. -٣٣٠٣ - حدثنا يزيد، أخبرنا الحجاج، عن عطاء، أنه كان لا يرى بأسا، أن يحرم الرجل، في ثوب مصبوغ بزعفران، قد غسل، ليس فيه نفض، ولا ردع.

٥٩. - «فتح» ٤/ ١٨٦.

٦٠. - «طرح التثريب» ٥/ ٤٥ - ٤٦.

٦١. -المصدر المذكور ٥/ ٥٥.