٢٩ - (الْجُبّةُ فِي الإِحْرَامِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: «الجبّة» -بضمّ الجيم، وتشديد الموحّدة -: ثوب معروف، جمعه جُبَبٌ، وجِبَاب. قاله في «القاموس». واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٦٦٨ - (أَخْبَرَنَا نُوحُ بْنُ حَبِيبٍ الْقُومَسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: لَيْتَنِي أَرَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، وَهُوَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، فَبَيْنَا نَحْنُ بِالْجِعِرَّانَةِ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - فِي قُبَّةٍ، فَأَتَاهُ الْوَحْيُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ عُمَرُ، أَنْ تَعَالَ، فَأَدْخَلْتُ رَأْسِي الْقُبَّةَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، قَدْ أَحْرَمَ فِي جُبَّةٍ بِعُمْرَةٍ، مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَدْ أَحْرَمَ فِي جُبَّةٍ؟، إِذْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ -، يَغِطُّ لِذَلِكَ، فَسُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: «أَيْنَ الرَّجُلُ الَّذِي سَأَلَنِي آنِفًا؟»، فَأُتِيَ بِالرَّجُلِ، فَقَالَ: «أَمَّا الْجُبَّةُ فَاخْلَعْهَا، وَأَمَّا الطِّيبُ فَاغْسِلْهُ، ثُمَّ أَحْدِثْ إِحْرَامًا»، قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: «ثُمَّ أَحْدِثْ إِحْرَامًا»، مَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ، غَيْرَ نُوحِ بْنِ حَبِيبٍ، وَلَا أَحْسِبُهُ مَحْفُوظًا، وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (نوح بن حبيب القُومَسِيّ) بضم القاف، وسكون الواو، أبو محمد، ثقة سني [١٠] ٧٩/ ١٠١٠.
٢ - (يحيى بن سعيد) القطّان البصري، ثقة ثبت إمام [٩] ٤/ ٤.
٣ - (ابن جريج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي الفقيه، ثقة فاضل يرسل ويدلس [٦] ٢٨/ ٣٢.
٤ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم المكي، ثقة فقيه فاضل [٣] ١١٢/ ١٥٤.
٥ - (صفوان بن يعلى) يأتي قريبًا.
٦ - (أبوه) يعلي بن أمية يأتي قريبًا أيضًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -﵀-، وأن رجاله رجال الصحيح غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود، وأنه مسلسل بالمكيين من ابن جريج، وأن فيه رواية تابعي عن تابعي، والابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ) التميميّ المكيّ الثقة [٣] تقدمت ترجمته في -٧/ ٤٠٧ (عَنْ أَبيهِ) يعلي بن أُمية بن أبي عبيدة بن همّام التميميّ، حليف قُريش، وهو يعلى بن مُنية -بضمّ الميم، وسكون النون، بعدها تحتانية مفتوحة- وهي أمه، وقيل: جدّته، صحابيّ مشهور، مات - ﵁ - سنة بضع وأربعين، تقدّمت ترجمته في -٧/ ٤٠٧ (أَنَّهُ قَالَ: لَيتَنِي) أي أتمنّى (أَرَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -) وفي رواية مسلم: «أن يعلى كان يقول لعمر بن الخطاب - ﵁ -: ليتني أرى نبيّ اللَّه - ﷺ - …» (وَهُوَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ) ببناء الفعل للمفعول، والجملة في محلّ نصب على الحال من المفعول (فَبَينَا نَحْنُ بِالْجِعِرَّانَةِ) قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيها لغتان مشهورتان: إحداهما إسكان العين، وتخفيف الراء. والثانية: كسر العين، وتشديد الراء، والأولى أفصح، وبهما قال الشافعيّ، وأكثر أهل اللغة، وهكذا اللغتان في تخفيف الحديبية، وتشديدها، والأفصح التخفيف، وبه قال الشافعيّ، وموافقوه. انتهى .
وهو اسم موضع بين مكة والطائف، وهو إلى مكة أقرب.
(وَالنَّبِيُّ - ﷺ - فِي قُبَّةٍ) جملة في محلّ نصب على الحال. والقُبّة -بضمّ القاف، وتشديد الموحّدة -: خيمة صغيرة، أعلاها مستديرة، جمعها قِبَاب، وقُبَبٌ. وفي رواية لمسلم: «وعلى النبيّ - ﷺ - ثوبٌ قد أُظلّ به عليه»، ولا تخالف بين الروايتين، لأن الثوب شيء خُصّ به - ﷺ - داخل القبّة، للتظليل عليه به (فَأتاهُ الْوَحْيُ) أي نزل عليه الملك بالوحي من السماء. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: لم أقف في شيء من الروايات على بيان المنزّل حينئذ من القرآن. وقد استدلّ به جماعة من العلماء على أن من الوحي ما لا يُتلى.
لكن وقع عند الطبرانيّ في «الأوسط» من طريق أخرى أن المنزل حينئذ قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. ووجه الدلالة منه على المطلوب عموم الأمر بالإتمام، فإنه يتناول الهيئات، والصفات، واللَّه أعلم انتهى . وقال في موضع آخر: ويستفاد منه أن المأمور به، وهو الإتمام يستدعي وجوب اجتناب ما يقع في العمرة انتهى .
(فَأشَارَ إِليَّ عُمَرُ) بن خطاب - ﵁ -، لأنه طلب منه أن يريه النبيّ - ﷺ -، في حال نزول الوحي عليه، ففي رواية لمسلم: «وكان عمر يستره إذا نزل عليه الوحي، يُظلّه، فقلت لعمر - ﵁ -: إني أحبّ إذا نزل عليه الوحي أن أدخل رأسي معه في الثوب، فلما أُنزل
عليه، خمّره عمر - ﵁ - بالثوب، فجئته، فأدخلت رأسي معه في الثوب …» (أَنْ تَعَالَ) «أن» تفسيريّة، وكأن عمر - ﵁ - علم أن ذلك لا يشقّ على النبيّ - ﷺ - (فَأدْخَلْتُ رَأْسِي الْقُبَّةَ) أي ليراه - ﷺ - في حال نزول الوحي عليه (فَأَتَاهُ رَجُلٌ) الفاء هنا ليست للترتيب؛ لأن مجيء الرجل، واستفتاءه هو السبب في نزول ذلك الوحي، كما تفيده الروايات الأخرى، ففي رواية مسلم: «فلما كان النبيّ - ﷺ - بالجعرانة، وعلى النبيّ - ﷺ - ثوبٌ قد أُظلّ به عليه، معه ناسٌ من أصحابه، فيهم عمر، إذ جاءه رجلٌ عليه جبّة صوف، متضمّخٌ بطيب، فقال: يا رسول اللَّه، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة، في جبّة بعد ما نضمّخٌ بطيب؟، فنظر إليه النبيّ - ﷺ - ساعةً، ثم سكت، فجاءه الوحي …» الحديث. وفي رواية للبخاريّ: «جاء أعرابيّ».
قال الحافظ: لم أقف على اسمه، لكن ذكر ابن فتحون في «الذيل» عن «تفسير الطرطوشيّ» أن اسمه عطاء ابن منية، قال ابن فتحون: إن ثبت ذلك، فهو أخو يعلى ابن منية رواي الخبر، ويجوز أن يكون خطأ من اسم الراوي، فإنه من رواية عطاء، عن صفوان بن يعلى ابن منية، عن أبيه. ومنهم من لم يذكر بين عطاء ويعلى أحدًا.
قال: ووقع في شرح شيخنا سراج الدين ابن الملقّن: ما نصّه: هذا الرجل يجوز أن يكون عمرو بن سواد، إذ في «كتاب الشفا» للقاضي عياض عنه، قال: «أتيت النبيّ - ﷺ - وأنا متخلّقٌ، فقال:»ورس ورس حط حط، وغشيني بقضيب بيده في بطني، فأوجعني«الحديث. فقال شيخنا: لكن عمرو هذا لا يُدرك ذا، فإنه صاحب ابن وهب انتهى كلامه.
وهو معترض من وجهين:
أما أوّلًا: فليست هذه القصّة شبيهة بهذه القصّة، حتى يُفسّر صاحبها بها.
وأما ثانيًا: ففي الاستدراك غفلة عظيمة؛ لأن من يقول: أتيت النبيّ - ﷺ - لا يُتخيّل فيه أنه صاحب ابن وهب، صاحب مالك، بل إن ثبت فهو آخر، وافق اسمه اسمه، واسم أبيه اسم أبيه، والفرض أنه لم يثبت؛ لأنه انقلب على شيخنا، وإنما الذي في«الشفاء»سواد بن عمرو، وقيل: سوادة بن عمرو، أخرج حديثه المذكور عبد الرزاق في«مصنّفه»، والبغويّ في«معجم الصحابة».
وروى الطحاويّ من طريق أبي حفص بن عمرو، عن يعلى أنه مرّ على النبيّ - ﷺ -، وهو متخلّق، فقال:«ألك امرأة؟ »، قال: لا، قال:«اذهب فاغسله». فقد يَتَوهّم من لا خبرة له أن يعلي بن أميّة هو صاحب القصّة، وليس كذلك، فإن رواي هذا الحديث يعلي بن مرّة الثقفيّ، وهي قصّة أخرى، غير قصّة صاحب الإحرام.
نعم روى الطحاويّ في موضع آخر أن يعلي بن أميّة صاحبُ القصّة، قال: حدثنا سليمان بن شعيب، حدثنا عبد الرحمن هو ابن زياد الوضّاحيّ، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن عطاء بن أبي رباح، أن رجلًا يقال له: يعلي بن أمية أحرم، وعليه جبّة، فأمره النبيّ - ﷺ - أن ينزعها». قال قتادة: قلت لعطاء: إنما كنّا نرى أن نشقّها، فقال عطاء: إن اللَّه لا يُحبّ الفساد. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- .
(قَدْ أَحرَمَ فِي جُبَّةِ) يعني أنه لابسها، وفي رواية للبخاريّ: «وعليه جبّة». وفي الرواية الآتية ٤٤/ ٢٧٠٩ - من طريق عمرو، عن عطاء: «وعليه مقطّعات»، قال النووي: بفتح الطاء المشدّدة، وهي الثياب المخيطة. وقال في «النهاية»: أي ثياب قصارٌ؛ لأنها قطعت عن بلوغ التمام. وقيل: المقطّع من الثياب: كلّ ما يفصل، ويُخاط من قميص، وغيره، وما لا يقطّع منها كالأزُر، والأردية انتهى.
(بِعُمْرَةٍ، مُتَضَمِّخٌ بطِيبٍ) بالضاد، والخاء المعجمتين: أي متلوّثٌ به، مكثرٌ منه، يقال: تضمّخ بالطيب: إَذا تلطّخ، وتلوّث به. وفي رواية عمرو: «وهو متضمّخٌ بخلوق». وفي الرواية الآتية من طريق قيس بن سعد، عن عطاء: «وهو مصفّرٌ لحيته، ورأسه». أي وهو بتشديد الفاء المكسورة، أي مستعملٌ للصفرة في لحيته، وتلك الصفرة هي الْخَلُوق (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَدْ أَحْرَمَ فِي جُبَّةٍ؟) زاد في رواية لمسلم: «بعد ما تضمّخ بطيب»، وفي رواية له: «عليه جبّة، وعليها خَلُوقٌ». وهو بفتح الخاء المعجمة: نوع من الطيب، يُعمل فيه زعفران (إِذْ أُنْزِلَ) وفي نسخة: «إذ نزل»، وفي أخرى: «يُنزل» (عَلَيْهِ الْوَحْيُ) أي حامله، وهو جبريل - ﵇ - (فَجَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ -، يَغِطُّ) بفتح أوله، كسر الغين المعجمة، وتشديد الطاء المهملة: أي ينفخ. يقال: غطّ النائم يَغِطّ، من باب ضرب: إذا تردّد نَفَسه صاعدًا إلى حَلْقه، حتّى يسمعه مَنْ حولَه. أفاده في «المصباح». وفي رواية الشيخين: «فنظرت إليه، له غطيطٌ، قال: وأحسبه قال: كغطيط الْبَكْر». الغطيط: هو صوت النائم، أو المغمى عليه الذي يُردّده مع نفسه. و«البكر» -بفتح، فسكون-: هو الفَتِيّ من الإبل.
(لِذلِكَ) أي لنزول الوحي، وسببه هو شدّة الوحي، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]. وثبت في «صحيح البخاريّ عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها قالت:»ولقد رأيته - ﷺ - ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيُفصَم عنه، وإن جبينه ليتفصّد عرقًا«
(فَسُرِّيَ عَنْهُ) -بضمّ السين، وتشديد الراء، مبنيًّا للمفعول، أي أُزيل ما به، وكشف عنه شيئًا بعد شيء (فَقَالَ) - ﷺ - («أَيْنَ الرَّجُلُ الَّذِي سَألَنِي آنِفًا؟ ») بالمدّ، والقصر، ككتف، وقرىء بهما قوله تعالى ﴿قَالَ: آنِفًا﴾ [سورة محمد - ﷺ -: ١٦] أي مذ ساعة، أي في أوّل وقت يقرُبُ منّا. قاله في«القاموس»(فَأُتيَ بِالرَّجُلِ، فَقَالَ) - ﷺ - (أمَّا الْجُبَّةُ فَاخْلَعْهَا) وفي رواية:«فانزعها»، أي اقلعها فورًا، وأخرجها (وَأَمَّا الطَّيبُ فَاغْسِلْهُ) وفي رواية الشيخين:«فاغسله ثلاث مرّات». قال القاضي عياض وغيره: يحتمل أنه من لفظ النبيّ - ﷺ -، فيكون نصًّا في تكرار الغسل. ويحتمل أنه من كلام الصحابيّ، وأنه - ﷺ - أعاد لفظ«اغسله»ثلاث مرّات على عادته أنه إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاث مرَّات لتُفهم انتهى.
وفي رواية للبخاريّ: قلت لعطاء: أراد الإنقاء حين أمره أن يغسل ثلاث مرّات؟،
فقال: نعم. قال الحافظ: القائل هو ابن جريج، وهو دالّ على أنه فهم من السياق أن قوله:«ثلاث مرَّات»من لفظ النبيّ - ﷺ -، لكن يحتمل أن يكون من كلام الصحابيّ، وأنه - ﷺ - أعاد لفظة«اغسله»مرّة، ثم مرّة على عادته أنه كان إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاثًا؛ لتُفهم عنه. نبّه عليه عياضٌ انتهى.
وفي رواية أبي داود، والبيهقيّ:«أمره أن ينزعها نزعًا، ويغتسل مرَّتين، أو ثلاثًا».
قال النوويّ: إنما أمره بالثلاث مبالغة في إزالة لونه، وريحه، والواجب الإزالة، فإن حصلت بمرّة كفت، ولم تجب الزيادة، ولعلّ الطيب الذي كان على هذا الرجل كثير، ويؤيّده قوله:«متضمّخٌ».
قال القاضي: ويحتمل أنه قال له ثلاث مرَّات:«اغسله»، فكرّر القول ثلاثًا. والصواب ما سبق. واللْه أعلم. انتهى كلام النوويّ .
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: صوّب النوويّ كون«ثلاث مرات»من لفظ النبيّ - ﷺ -، وهو الحقّ، فعلى هذا ففي قوله:«فإن حصلت بمرة كفت، ولم تجب الزيادة»نظر لا يخفى، بل الظاهر لزوم الثلاث، عملًا بظاهر الأمر، فتأمّل. واللَّه تعالى أعلم.
وفي رواية عمرو المذكورة:«ما كنت صائغًا في حجّك؟ »، قال: كنت أتّقي هذا، وأغسله، فقال:«ما كنت صائغًا في حجك، فاصنعه في عمرتك».
وهذا يدلّ على أن ذلك الرجل كان يعرف أعمال الحجّ قبل ذلك. قال ابن العربيّ: كأنهم كانوا في الجاهليّة يخلعون الثياب، ويجتنبون الطيب في الإحرام إذا حجّوا، وكانوا يتساهلون في ذلك في العمرة، فأخبره النبيّ - ﷺ - أن مجراهما واحد.
وقال ابن المنيّر في«الحاشية»: قوله:«اصنع»: معناه اترك؛ لأن المراد بيان ما يجتنبه المحرم، فيؤخذ منه فائدة حسنة، وهي أن الترك فعل. قال: وأما قول ابن بطّال: أراد الأدعية، وغيرها مما يشترك فيه الحجّ والعمرة، ففيه نظر؛ لأن التروك مشتركة، بخلاف الأعمال، فإن في الحجّ أشياء زائدة على العمرة، كالوقوف، وما بعده.
وقال النوويّ كما قال ابن بطّال، وزاد: ويستثنى من الأعمال ما يختصّ به الحجّ.
وقال الباجيّ: المأمور به غير نزع الثوب، وغسل الخلوق؛ لأنه صرّح له بهما، فلم يبق إلا الفدية. قال الحافظ: كذا قال، ولا وجه لهذا الحصر، بل الذي تبيّن من طريق أخرى أن المأمور به الغسل والنزع، وذلك أن عند مسلم، والنسائيّ من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، في هذا الحديث: فقال: «ما كنت صانعًا في حجك؟»، قال: أنزع هذه الثياب، وأغسل عنّي هذا الخلوق، فقال: «ما كنت صانعًا في حجك، فاصنعه في عمرتك» انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي دلّت عليه هذه الرواية هو التفسير الصحيح لقوله - ﷺ -: «واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك»؛ لأن هذه الرواية بينت الاختصار الواقع في الحديث، فما قاله كلّ من ابن المنيّر، وابن بطّال، والنوويّ، والباجيّ، من التفسير مبنيَّ على عدم انتباههم إلى هذه الرواية الموضحة للمراد من الحديث.
والحاصل أنه - ﷺ - سأله عما كان يصنع في حجه بالنسبة للجبة، والخلوق، فكأنه قال له: ماذا تصنع إذا أحرمت بالحجّ، وعليك جبة، وخلوق؟، فقال أُبعدهما عنّي بالنزع، والغسل، فقال: «ما كنت صانعًا في حجك، فاصنعه في عمرتك»؛ أي لأنه لا فرق بينهما في هذا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(ثُمَّ أَحْدِثْ إِحْرَامًا») أمرٌ له بتجديد إحرامه بالعمرة، أي جدّد إحرامك بالعمرة، بعد أن تخلع الجبّة، وتغسل الطيب.
(قَالَ: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- («ثُمَّ أَحْدِثْ إِحْرَامًا»، مَا) وفي نسخة:«لا»(أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ، غيرَ نُوحِ بنِ حَبِيبٍ) يعني أن هذه الجملة مما تفرّد بها نوح ابن حبيب على غيره ممن روى الحديث عن يحيى بن سعيد.
فقوله:«ثم أحدِث إحرامًا»مبتدأ محكيّ لقصد لفظه، وجملة«ما أعلم الخ»خبره. و«غير»بالنصب بدلٌ من«أحدًا» (وَلَا أَحْسِبُهُ مَحْفُوظًا) أي لا أظنّ هذا الكلام محفوظًا عن النبيّ - ﷺ -.
غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا الكلام إعلال الزيادة المذكورة بتفرّد نوح بن حبيب بها، فإن سائر الحافّاظ ما ذكروها. (وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ)، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث يعلي بن أميّة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٩/ ٢٦٦٨ و٤٤/ ٢٧٠٩ و٢٧١٠ - وفي «الكبرى» ٢٩/ ٣٦٤٨ و٤٤/ ٣٦٨٩ و٣٦٩٠. وأخرجه (خ) في «الحج» ١٧٨٩ و١٨٤٨ و«المغازي» ٤٣٢٩ و«فضائل القرآن» ٤٩٨٥ (م) في «الحجّ» ١١٨٠ وفي «القسامة» ١٦٧٤ (د) في «المناسك» ١٨١٩ (ت) في «الحجّ» ٨٣٥ (ق) في «الديات» ٢٦٥٦ (أحمد) في «مسند الشاميين» ١٧٤٨٨ و١٧٥٠٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم لبس الجبّة في حالة الإحرام، وهو ما بيّنه في الحديث، وذلك وجوب نزعه في الحال. (ومنها): أن بعض الأحكام ثبت بالوحي، وإن لم يكن مما يتلى، لكن وقع في «الأسط» للطبرانيّ أن الذي نزل على النبيّ - ﷺ - قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ الآية. (ومنها): أن النبيّ - ﷺ - لم يكن يحكم بالاجتهاد، إلا إذا لم يحضره الوحي. (ومنها): أن المفتي، والحاكم إذا لم يعرفا الحكم أمسكا عنه حتى يتبيّن لهما. (ومنها): أنه استدلّ به من منع استدامة الطيب بعد الإحرام؛ للأمر بغسل أثره من الثوب والبدن، وهو قول مالك، ومحمد بن الحسن. وأجاب الجمهور بأن قصّة يعلى كانت بالجعرانة، كما ثبت في هذا الحديث، وهي سنة ثمان بلا خلاف، وقد ثبت عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - أنها طيّبت رسول اللَّه - ﷺ - بيديها عند إحرامه، كما سيأتي -٤١/ ٢٦٨٤ - وكان ذلك في حجة الوداع، سنة عشر بلا خلاف، وإنما يؤخذ بالآخر، فالآخر من الأمر.
وبأن المأمور بغسله في قصّة يعلى إنما هو الخلوق، لا مطلق الطيب، فلعلّ علّة الأمر فيه ما خالطه من الزعفران، وقد ثبت النهي عن تزعفر الرجل مطلقًا، محرمًا، وغير محرم.
وفي حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: «ولا يلبس -أي المحرم- من الثياب شيئًا مسّه زعفران». وفي حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: «ولم يُنْهَ إلا عن الثياب المزعفرة»، والأصح ما ذهب إليه الجمهور، وسيأتي مزيد بسط في المسألة في الباب المذكور، إن شاء اللَّه تعالى.
(ومنها): أن من أصابه طيّب في إحرامه، ناسيًا، أو جاهلًا، ثم علم، فبادر إلى إزالته، فلا كفّارة عليه، وهو المذهب الراجح. وسيأتي أيضًا بيان الخلاف في ذلك في المسألة الخامسة، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أن من أحرم وهو لابس مخيطًا، كالجبة، والقميص، جهلًا، أو نسيانًا لزمه نزعه، وليس عليه تمزيقه، ولا شقّه، وأنه إذا نزعه من رأسه لا يلزمه دم، وعليه الجمهور، وهو الحقّ، وسيأتي بيان الخلاف في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف العلماء فيمن أحرم، وعليه جبّة، أو قيمص، هل ينزعه، أو يشقّه؟:
ذهب الجمهور من فقهاء الأمصار إلى أنه ينزعه، ولا يشقّه.
وهو قول عطاء، وطاوس، وبه قال مالك، وأصحابه، والشافعيّ، وأصحابه، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، والثوريّ، وسائر فقهاء الأمصار، أصحاب الرأي والآثار.
وذهبت طائفة إلى أنه لا ينبغي أن ينزعه كما ينزع الحلال، بل يشقّه؛ لأنه إذا فعل ذلك غطّى رأسه، وذلك لا يجوز.
وممن قال بذلك الحسن، والشعبيّ، والنخعيّ، وأبو قلابة، وسعيد بن جبير، على اختلاف عنه. وروي عن عليّ نحوه.
قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى- : وحجّتهم ما رواه عبد الرزّاق، عن داود بن قيس، عن عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لَبيبة، أنه سمع ابني جابر بن عبد اللَّه، يحدّثان عن أبيهما - ﵁ -، قال: بينما النبيّ - ﷺ - جالسٌ مع أصحابه شقّ قميصه، حتى خرج منه، فقيل له؟، فقال: «واعدتهم يقلّدون هديي اليوم، فنسيت».
ورواه أسد بن موسى، عن حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن عطاء بن عبد الملك، عن جابر بن عبد اللَّه، عن النبي - ﷺ -، وزاد: «فلبست قميصي، ونسيت، فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي». وكان بعث ببُدّنه، وأقام بالمدينة.
واحتجّ الجمهور بحديث يعلي بن أميّة - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور في الباب. قال أبو عمر: ولا خلاف بين أهل الحديث أنه حديث صحيح، وحديث جابر الذي يرويه عبد الرحمن بن عطاء ضعيفٌ لا يُحتجّ به. وهو مردود أيضًا بحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها قالت: «كنت أفتل قلائد هدي رسول اللَّه - ﷺ -، ثم يقلّده، ويبعث به،