أهل العلم فيه. (ومنها): أن من ساق هديًّا لا يحلّ من إحرامه، حتى يبلغ الهدي محلّه، وهو منحره يوم النحر. (ومنها): إنكار الرجل على امرأته إذا رأى منها ما يخالف الشرع، ولو كان لها تأويل، حتى يتبيّن له وجه تأويلها. (ومنها): مشروعيّة الهدي إلى مكة من الأماكن البعيدة. (ومنها): جواز لبس المصبوغ للنساء إذا لم تكن محرمة. (ومنها): جواز الاكتحال لها كذلك. وقد تقدّم أن حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا مشتمل على فوائد جمّة، لا يستقصيها إلا مؤلّف خاصّ به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب».
…
٤٧ - (تَخْمِيرُ الْمُحْرِمِ وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أشار بهذه الترجمة إلى بيان تحريم تغطية وجه المحرم ورأسه، وهو وإن كان مخالفًا لما عليه كثير من الفقهاء، من عدم تحريم تغطية الوجه، إلا أن الدليل ساقه إلى القول به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٧١٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بِشْرٍ، يُحَدِّثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَأَقْعَصَتْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَيُكَفَّنُ فِي ثَوْبَيْنِ، خَارِجًا رَأْسُهُ، وَوَجْهُهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا »).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدّم للمصنّف برقم ٤١/ ١٩٠٤ - وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله هناك، فما بقي إلا بيان بعض ما يستشكل منه، وبيان ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-.
فـ«محمد» شخ ابن بشّار هو ابن جعفر المعروف بغندر. و«أبو بشر»: هو ابن أبي وَحْشيّة جعفر بن إياس.
وقوله: «أن رجلًا» قال الحافظ: لم أقف في شيء من طرق هذا الحديث على تسمية المحرم المذكور. وقد وهم بعض المتأخّرين، فزعم أن اسمه واقد بن عبد اللَّه، وعزاه لابن قتيبة في ترجمة عمر، من كتاب المغازي، وسبب الوهم أن ابن قتيبة لما ذكر ترجمة عمر، ذكر أولاده، ومنهم عبد اللَّه بن عمر، ثم ذكر أولاد عبد اللَّه بن عمر، فذكر فيهم واقد بن عبد اللَّه بن عمر، فقال: وقع عن بعيره، وهو محرم، فهلك، فظنّ هذا المتأخّر أن لواقد بن عبد اللَّه بن عمر صحبة، وأنه صاحب القصّة التي وقعت في زمن النبيّ - ﷺ -، وليس كما ظنّ، فإن واقدًا المذكور لا صحبة له، فإن أمه صفيّة بنت أبي عُبيد، إنما تزوّجها أبوه في خلافة أبيه عمر، واختُلف في صحبتها. وذكره العجليّ، وغيره في التابعين، ووجدت في الصحابة واقد بن عبد اللَّه آخر، لكن لم أر في شيء من الأخبار أنه وقع عن بعيره، فهلك، بل ذكر غير واحد، منهم ابن سعد أنه مات في خلافة عمر، فبطل تفسير المبهم بأنه واقد بن عبد اللَّه من كلّ وجه انتهى كلام الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- .
وقوله: «وقع عن راحلته» كان وقوعه عند الصخرات من عرفة. وفي الحديث إطلاق الواقف على الراكب. كما قاله في «الفتح».
وقوله: «فأقعصته»: أي قتلته الراحلة قتلًا سريعًا، يقال: قعصه، كمنعه: قتله مكانه، كأقعصه. قاله في «القاموس».
وقوله: «اغسلوه بماء وسدر» فيه جواز غسل المحرم بالسدر ونحوه مما لا يُعدّ طيبًا. وحكى المزنيّ عن الشافعيّ أنه استدلّ على جواز قطع سدر الحرم بهذا الحديث، لقوله فيه: «واغسلوه بماء وسدر» واللَّه أعلم. قاله في «الفتح».
وقوله: «خارجًا رأسه، ووجهه» هذا هو محلّ الترجمة، لأنه يدلّ على تحريم تغطية وجه المحرم، وليس الميت خاصًّا بهذا، بل هو عامٌ لكلّ محرم.
قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: قيل: كشف الوجه ليس لمراعاة الإحرام، وإنما هو لصيانة الرأس من التغطية. كذا ذكره النوويّ، وزعم أن هذا التأويل لازم عند الكل.
قال السنديّ: ظاهر الحديث يفيد أن المحرم يجب عليه كشف وجهه أيضًا، وأن الأمر بكشف وجه الميت لمراعاة الإحرام. نعم من لا يقول بمراعاة إحرام الميت يحمل الحديث على الخصوص، ولا يلزم منه أن يؤول الحديث، كما قال النوويّ. واللَّه أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: دعوى الخصوصية مما لا دليل عليها، فالحقّ أنه عام لكلّ ميت، أنه يبعث محرمًا ملبيًا، كما دلّ عليه صريح هذا الحديث. واللَّه تعالى
أعلم.
وقوله: «يبعث يوم القيامة ملبيّا» أي على هيئته التي مات عليها، ومعه علامة لحجه، وهي دلالة لفضيلته، كما يجيىء الشهيد يوم القيامة، وأوداجه تشخب دمًا. قاله النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: واستدلّ بذلك على بقاء إحرامه؛ خلافًا للمالكيّة، والحنفيّة، وقد تمسّكوا من هذا الحديث بلفظة اختُلف في ثبوتها، وهي قوله: «ولا تخمّروا وجهه»، فقالوا: لا يجوز للمحرم تغطية وجهه، مع أنهم لا يقولون بظاهر هذا الحديث فيمن مات محرمًا. وأما الجمهور، فأخذوا بظاهر الحديث، وقالوا: إن في ثبوت ذكر الوجه مقالًا، وتردّد ابن المنذر في صحّته. وقال البيهقيّ: ذكر الوجه غريبٌ، وهو وَهَمٌ من بعض رواته.
وفي كلّ ذلك نظر، فإن الحديث ظاهره الصحّة، ولفظه عند مسلم من طريق إسرائيل، عن منصور، وأبي الزبير، كلاهما عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، فذكر الحديث، قال منصور: «ولا تغطوا وجهه». وقال أبو الزبير: «ولا تكشفوا وجهه». وأخرجه النسائيّ، من طريق عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير بلفظ: «ولا يُمسّ طيبًا خارج رأسه»، قال شعبة: ثم حدثني به بعد ذلك، فقال: «خارج رأسه ووجهه» انتهى. وهذه الرواية تتعلق بالتطيب، لا بالكشف، والتغطية، وشعبة أحفظ من كلّ من روى هذا الحديث، فلعلّ بعض رواته انتقل ذهنه من التطيب إلى التغطية.
وقال أهل الظاهر: يجوز للمحرم الحيّ تغطية وجهه، ولا يجوز للمحرم الذي يموت، عملًا بالظاهر في الموضعين.
وقال آخرون: هي واقعة عين، لا عموم لها؛ لأنه علّل ذلك بقوله: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا»، وهذا الأمر لا يتحقّق وجوده في غيره، فيكون خاصًّا بذلك الرجل، ولو استمر بقاؤه على إحرامه لأَمَرَ بقضاء مناسكه.
وقال أبو الحسن ابن القصّار: لو أريد تعميم هذا الحكم في كلّ محرم لقال: «فإن المحرم»، كما جاء: «أن الشهيد يبعث، وجرحه يثعب دمًا».
وأجيب بأن ظاهر الحديث ظاهر في أن العلّة في الأمر المذكور كونه كان في النسك، وهي عامة في كلّ محرم، والأصل أن كلّ ما ثبت لواحد في زمن النبيّ - ﷺ - ثبت لغيره،
حتى يتّضح التخصيص. انتهى المقصود من كلام الحافظ .
وقد أجاد المحدّث الكبيرالشيخ الألباني -حفظه اللَّه- في كتابه «إرواء الغليل»، حيث حقّق صحّة زيادة ذكر الوجه في هذا الحديث خلاف ما قاله البيهقيّ وغيره من أن ذكره غريب، وحاصل ما قاله الشيخ بعد ما خرّج الحديث:
وفي رواية منصور، عن سعيد بن جبير بلفظ: «ولا تغطوا وجهه»، بدل «ولا تخمّروا رأسه». رواه مسلم، وأبو عوانة، وابن الجارود، والبيهقيّ ٣/ ٢٩٣ - وكذلك رواه جماعة عن عمرو بن دينار، عن ابن جبير. أخرجه الطبرانيّ، والدارقطنيّ. وجمع بينهما سفيان، وهو الثوريّ، عن عمرو بن دينار بلفظ: «ولا تخمّروا رأسه، ولا وجهه».
أخرجه مسلم، وابن ماجه، والبيهقيّ، من طريقين عن وكيع، عن سفيان به. وتابع وكيعًا أبو داود الْحَفَريّ، عن سفيان به. أخرجه النسائيّ بسند صحيح. -يعني الحديث الآتي بعد هذا.
وتابعه أشعث بن سوّار، وهو ضعيف، وأبو مريم، وأظنه عبد الغفّار بن قاسم الأنصاريّ رافضيّ ليس بثقة، كلاهما عن عمرو بن دينار به. أخرجه الطبرانيّ. وفي رواية أبي الزبير، عن سعيد بن جبير بلفظ: «وأن يكشفوا وجهه -حسبته قال: ورأسه». أخرجه مسلم، وأبو عوانة، والبيهقيّ تعليقًا، وقال: وذكر الوجه فيه غريب، ورواية الجماعة الذين لم يشكوا، وساقوا المتن، أحسن سياقة أولى بأن تكون محفوظة.
ويرد عليه ما سبق من الطرق، والمتابعات التي لا شكّ فيها أصلًا، ولهذا تعقّبه ابن التركمانيّ.
قلت: قد صحّ النهي عن تغطيتهما، فجمعهما بعضهم، وأفرد بعضهم الرأس، وبعضهم الوجه، والكلّ صحيح، ولا وهم في شيء منه في متنه، وهذا أولى من تغليط مسلم. يعني في إخراجه للروايةِ التي فيها ذكر الوجه، وهو كما قال، فإنه يبعد جدًّا أن يجتمع أولئك الثقات على ذكر هذه الزيادة في الحديث خطأ منهم جميعًا، فهي زيادة محفوظة، إن شاء اللَّه تعالى.
وقد جاءت من طريق آخر عن سعيد بن جبير، يرويه شعبة، قال: سمعت أبا بشر يحدّث، عن سعيد بن جبير … فذكر الحديث بلفظ: «… وأن يكفّن في ثوبين، ولا يمسّ طيبًا، خارجٌ رأسُهُ، قال شعبة: ثم حدثني به بعد ذلك: خارج رأسه ووجهه». أخرجه مسلم، وأبو نعيم، والبيهقيّ. وأخرجه النسائيّ رقم ٩٨/ ٢٨٥٤ - بلفظ: