٢٧٣٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، وَالضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ، عَامَ حَجَّ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَهُمَا يَذْكُرَانِ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَقَالَ: الضَّحَّاكُ: لَا يَصْنَعُ ذَلِكَ، إِلاَّ مَنْ جَهِلَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى،
فَقَالَ سَعْدٌ: بِئْسَمَا قُلْتَ، يَا ابْنَ أَخِي، قَالَ الضَّحَّاكُ: فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ نَهَى عَنْ ذَلِكَ، قَالَ سَعْدٌ: «قَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الفقيه [٧] ٧/ ٧.
٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ المدنيّ الإمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١.
٤ - (محمد بن عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب) الهاشميّ النوفليّ المدنيّ، مقبول [٣].
روى عن سعد بن أبي وقّاص، وأسامة بن زيد، ومعاوية، والضحّاك بن سفيان، وغيرهم. وعنه عمر بن عبد العزيز، والزهريّ. ذكره ابن حبّان في «الثقات». وجزم ابن عبد البرّ بأن الزهريّ تفرّد بالرواية عنه، قال: ولا يُعرف إلا برواية الزهريّ عنه. روى له الترمذيّ، والمصنّف، وله عندهما هذا الحديث فقط.
٥ - (سعد بن أبي وقّاص) مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأول من رَمَى بسهم في سبيل اللَّه، ومناقبه كثيرة، مات - ﵁ - بالعقيق سنة (٥٥) على المشهور، تقدّم في ١٠٠/ ٢٠٣٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنّف -﵀-، وأن رجاله رجال الصحيح غير محمد بن عبد اللَّه كما مر آنفًا، وانه مسلسل بالمدنيين غير قتيبة فبغلاني، وأن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وأن صحابيه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأول من رمى بسهم في سبيل اللَّه، وآخر من مات من العشرة - ﵃ -. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) الهاشميّ النوفليّ (أنَّهُ حَدَّثهُ) الضمير، اسم «أنّ» الأول لمحمد بن عبد اللَّه، والضمير المفعول
لابن شهاب (أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ) -﵀- (وَالضحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ) بن خالد بن وهب الفهريّ، أبا أنيس الأمير المشهور، «صحابيّ صغير، قُتل - رضي اللَّه تعالى عنه - في وقعة مرج راهط سنة (٦٤) تقدّمت ترجمته في ١٠٠/ ٢٠٣٢ (عَامَ حَجَّ مُعَاوِيَةُ بنُ أَبِي سُفْيَانَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وذكر أبو جعفر الطحاويّ -رحمه اللَّه تعالى- أن أول حجة حجها معاوية بعد أن استُخلف كانت في سنة أربع وأربعين، وآخر حجة حجها سنة سبع وخمسين. قاله في»الفتح« (وَهُمَا) أي سعد، والضحاك (يَذْكُرَانِ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجَّ) أي يذكران حكمه، وجملة»وهما يذكران الخ«في محلّ نصب على الحال من فاعل»سمع«(فَقَالَ: الضَّحَّاكُ) بن قيس - ﵁ - (لَا يَصْنَعُ ذَلِكَ) أي التمتع المذكور (إِلاَّ مَنْ جَهِلَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى) أي حكمه، وشرعه؛ لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، فأمره بالإتمام يقتضي استمرار الإحرام، إلى فراغ الحجّ، ومنع التحلّل، والتمتّعُ فيه تحلّل. ويحتمل أنه قال ذلك اعتمادًا على نهي عمر - ﵁ -، حيث إنه لا ينهى إلا عن غير المشروع، ويؤيد هذ قوله:»فإن عمر قد نهى عن ذلك« (فَقَالَ: سَعْدٌ) بن أبي قّاص - ﵁ - (بِئْسَمَا قُلْتَ، يَا ابْنَ أَخِي) ناداه به تلطّفًا، وترقّقًا (قَالَ الضَّحَّاكُ) - ﵁ - ذاكرًا حجته على ما قال (فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (نَهَى عَنْ ذَلِكَ) أي ونهيه لا يكون إلا عن خلاف السنّة، وخلاف حكم الشرع.
قال الباجيّ: إنما نهى عنه لأنه رأى الإفراد أفضل منها، ولم ينه عنه تحريمًا. وقال عياض: إنه نهى عن الفسخ، ولهذا كان يضرب الناس عليها، كما في «مسلم»، بناء على معتقده أن الفسخ خاصّ بتلك السنة. وقال النوويّ: والمختار أن عمر، وعثمان، وغيرهما إنما نهوا عن المتعة المعروفة التي هي الاعتمار في أشهر الحجّ، ثم الحجّ في عامه، وهو على التنزيه للترغيب، ثم انعقد الإجماع على جواز التمتع من غير كراهة، وبقي الخلاف في الأفضل انتهى.
(قَالَ: سَعْدٌ) - ﵁ - (قَدْ صَنَعَهَا) أي المتعة، فتأنيث الضمير مع أنه يعود إلى «التمتع» بتأويله بالمتعة (رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) أراد بذلك التمتّع الذي هو القرآن؛ إذ التمتّع يطلق على القران، كما سبق، وقد صحّ أنه - ﷺ - كان قارنًا، لا متمتعًا (وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ) أي تمتعنا مع رسول اللَّه - ﷺ -، والتمتّع الذي كان للصحابة فهو التمتع الحقيقيّ، لمن لم يسق الهدي، وأما من ساق الهدي، فالتمتع في حقّه هو التمتع بمعنى القران، كما سبق. وأراد سعد - رضي اللَّه تعالى عنه - بذلك أن التمتع مما ثبت عن رسول اللَّه - ﷺ - قولًا، وفعلًا، فلا
يُلتفت إلى نهي من الناس عمر، أوغيره؛ حيث إن السنة هي الحجة، لا غيرها من آراء الناس كائنًا من كان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سعد بن أبي وقّاص - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
[فإن قلت]: في سنده محمد بن عبد اللَّه بن الحارث قال عنه في «التقريب»: مقبول، أي يحتاج إلى من يُتابعه، فكيف يكون صحيحًا؟.
[قلت]: حديث سعد بن أبي وقّاص - ﵁ - في المتعة أخرجه مسلم، في «صحيحه» دون ذكر قصّة الضحاك، -١٢٢٥ - من طريق سليمان التيمي، عن غنيم بن قيس، قال: سألت سعد بن أبي وقاص - ﵁ -، عن المتعة؟،- وفي رواية عن المتعة في الحجّ؟ - فقال: فعلناها، وهذا يومئذ كافر بالعُرُش -يعني بيوت مكة-. وقال في روايته: يعني معاوية.
وأيضًا فإن محمد بن عبد اللَّه بن الحارث قد رَوَى عنه الزهريّ، وعمر بن عبد العزيز، كما تقدّم، فارتفعت عنه جهالة العين، وأما ما تقدم من جزم ابن عبد البرّ بأنه لم يرو عنه غير الزهريّ فغير مقبول، فقد ذكر البخاريّ في «التاريخ الكبير» أنه روى عنه عمر بن عبد العزيز، راجع «التاريخ» - ١/ ١٢٥ - ١٢٦ - . وقد وثقه ابن حبّان.
ولأن لحديثه أيضًا شواهدَ من حديث عمران ابن حصين، وأبي موسى الأشعريّ، وابن عمر، وغيرهم - رضي اللَّه تعالى عنهم -.
والحاصل أن حديثه هذا صحيح. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٠/ ٢٧٣٤ - وفي «الكبرى» ٥٠/ ٣٧١٤. وأخرجه (ت) في «الحجّ» ٨٢٣ (أحمد) في «مسند العشرة» ١٥٠٦ (الموطأ) في «الحجّ» ٧٧١ (الدارميّ) في «المناسك» ١٨١٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعية المتعة.
(ومنها): ما كان عليه السلف من المناقشة العلميّة، وإبداء كلّ دليله الذي يستند إليه.
(ومنها): أن السنة هي الحجة بنفسها، ولا يضرّها مخالفة من خالفها بتأويل، وأن من خالفها يُعتذر عنه بأنه ما خالفها إلا لاجتهاد أداه إلى ذلك، ولذا لم يعنّف سعد، ولم