HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٧٤٧

أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: إِنَّ سَالِمًا أَخْبَرَنِي أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُهِلُّ، يَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ». وَإِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَرْكَعُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ ..
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص272
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٥ ص ١٥٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٤ ص٢١٦
وألبّ: إذا أقام فيه، ولزمه. قال ابن الأنباريّ: وبهذا قال الخليل، والأحمر، وقال إبراهيم الحربيّ: معنى «لبيك» قربًا منك، وطاعة، والإلباب: القرب. وقال أبو نصر: معناه: أنا مُلبّ بين يديك، أي خاضع. حكى هذه الأقوال القاضي عياض، وغيره. قال الزمخشريّ في «الفائق»: وهو منصوب على المصدر، للتكثير، ولا يكون عامله إلا مضمرًا، كأنه قال: أُلِبُّ إلبابًا بعد إلباب. قال ابن عبد البرّ: ومعنى «التلبية»: إجابة اللَّه فيما فرض عليهم من حجّ بيته، والإقامة على طاعته، فالمحرم بتلبيته مستجيب لدعاء اللَّه إياه في إيجاب الحجّ عليه، ومن أجل الاستجابة -واللَّه أعلم- لبّى؛ لأن من دُعي، فقال: لبيك، فقد استجاب. ثم قال: وقال جماعة، من أهل العلم: إن معنى التلبية إجابة إبراهيم - ﵇ - حين أذّن في الناس بالحجّ. وقال القاضي عياض: قيل: وهذه الإجابة لقوله تعالى لإبراهيم - ﵇ -: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ انتهى. قال الحافظ: وهذا أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم بأسانيدهم في «تفاسيرهم» عن ابن عبّاس، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وقتادة، وغير واحد، والأسانيد إليهم قويّة، وأقوى ما فيه عن ابن عباس ما أخرجه أحمد بن منيع في «مسنده»، وابن أبي حاتم من طريق قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عنه، قال: «لما فرغ إبراهيم - ﵇ - من بناء البيت، قيل له: أذّن في الناس بالحجّ، قال: ربّ، وما يبلغ صوتي؟، قال: أذّن، وعلي البلاغ، قال: فنادى إبراهيم: يا أيها الناس كتب عليكم الحجّ إلى البيت العتيق، فسمعه من بين السماء والأرض، أفلا ترون أن الناس يجيئون من أقصى الأرض، يُلبّون». ومن طريق ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس، وفيه: «فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، وأول من أجاب أهل اليمن، فليس حاجّ يحجّ من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذ». قال ابن المنيّر في «الحاشية»: وفي مشروعيّة التلبية تنبيه على إكرام اللَّه تعالى لعباده بأن وفودهم على بيته إنما كان باستدعاء منه ﷾ انتهى ما في «الفتح» بزيادة من «طرح التثريب» . واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٧٤٧ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: إِنَّ سَالِمًا أَخْبَرَنِي، أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يُهِلُّ، يَقُولُ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ، لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ، وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ»، وَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، يَرْكَعُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً، عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ، أَهَلَّ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عيسى بن إبراهيم) ابن عيسى بن مَثْرود، أبو موسى المصري، ثقة من صغار [١٠] ٣١/ ٨١٩. ٢ - (ابن وهب) عبد اللَّه، أبو محمد المصري ثقة ثبت [٩] ٩/ ٩. ٣ - (يونس) بن يزيد الأيلي، ثقة [٧] ٩/ ٩. ٤ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني الحجة الثبت [٤] ١/ ١. ٥ - (سالم) بن عبد اللَّه بن عمر المدني الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٢٣/ ٤٩٠. ٦ - (أبوه) عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -﵀-، وأن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده وأبي داود، والترمذي، وأن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعي عن تابعي، والابن عن أبيه، وفيه سالم أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه ابن عمر - ﵄ - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أنه (قَالَ: إِنَّ سَالِمًا أَخْبَرَنِي، أَنَّ أَبَاهُ) عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يُهِلُّ) بضمّ أوله، من الإهلال، أي يرفع صوته (يَقُولُ) بدل من «يُهلّ»، أو في محلّ نصب حال من الفاعل (لَبَّيْكَ) تقد الكلام في اشتقاقها، ومعناها قريبًا (اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ) أي يا اللَّه أنا مقيم ببابك إقامة بعد إقامة، ومجيب نداءك إجابة بعد إجابة، فتثنية «لبيك» تفيد التكرار والتأكيد، كما قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ الآية [الملك: ٤] أي كرات كثيرة، وتكرار «لبيك» لزيادة التأكيد، كما أن دخول جملة «اللَّهم» بين المؤكَّد والمؤكَّد لذلك أيضًا (لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، لَبَّيْكَ) قيل: إنه استئناف، فيستحسن الوقف على «لبيك» الثانية، كما يستحسن على الرابعة. قال القاري: التلبية الأولى المؤكدة بالثانية لإثبات الألوهيّة، وهذه بطرفيها لنفي الشركة النديّة، والمثليّة في الذات والصفات انتهى (إِنَّ الْحَمْدَ) روي بكسر الهمزة على الاستئناف، وفتحها على التعليل، وجهان مشهوران لأهل الحديث واللغة. قال الجمهور: والكسر أجود. وحكاه الزمخشريّ عن أبي حنيفة، وابن قُدامة عن أحمد بن حنبل. وحكاه ابن عبد البرّ عن اختيار أهل العربيّة. وقال الخطابيّ: الفتح رواية العامّة. وحكاه الزمخشريّ عن الشافعيّ. وقال ثعلب: الاختيار الكسر، وهو أجود في المعنى من الفتح؛ لأن من كسر جعل معناه: إن الحمد، والنعمة لك على كلّ حال، ومن فتح قال: معناه: لبيك لهذا السبب. وكذا رجّح الكسر ابن دقيق العيد، والنوويّ، قال ابن دقيق العيد: لأنه يقتضي أن تكون الإجابة مطلقة غير معلّلة، وأن الحمد، والنعمة للَّه على كلّ حال، والفتح يدلّ على التعليل، فكأنه يقول: أجبتك لهذا السبب، والأول أعمّ، وأكثر فائدة. وقال ابن الهمام: الكسر أوجه، ويجوز الفتح، أما الكسر فهو على استئناف الثناء، وتكون التلبية للذات، والفتح على أنه تعليل للتلبية، أي لبيك؛ لأن الحمد والنعمة لك. ومال الباجيّ إلى أنه لا مزيّة لأحد الوجهين على الآخر. وقال ابن عبد البرّ: المعنى عندي واحد، لأنه يحتمل أن يكون من فتح الهمزة أراد لبيك لأن الحمد على كلّ حال، والملك لك، والنعمة وحدك، دون غيرك، حقيقة، لا شريك لك. وتعقّب بأن التقييد ليس في الحمد، وإنما هو في التلبية، فمعنى الفتح تلبيته بسبب أن له الحمد، ومعنى الكسر تلبيته مطلقًا، غير معلّل، ولا مقيّد، فهو أبلغ في الاستجابة للَّه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن هذا التعقّب فيه نظر؛ لأن التقييد والإطلاق هنا سواء في المعنى؛ لأن ما قُيّد بما لا حصر له، ولا نهاية، مثل الإطلاق، ولا فرق، فثبوت الحمد للَّه تعالى لا نهاية، ولا حصر له، فالتلبية المقيدة به، كالتلبية المطلقة في المعنى، فما قاله ابن عبد البرّ لا غبار عليه. والحاصل أنه لا فرق في الحقيقة هنا بين الكسر، والفتح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (وَالنَّعْمَةَ لَكَ) المشهور فيه النصب. قال عياضك ويجوز الرفع على الابتداء، ويكون الخبر محذوفًا والتقدير: إن الحمد لك، والنعمةُ مستقرّة لك. قال ابن الأنباريّ: إن شئت جعلت خبر «إنّ» محذوفًا، والموجود خبر المبتدإ تقديره: إن الحمد لك، والنعمة مستقرّة لك (وَالْمُلْكَ) بالنصب أيضًا على المشهور، ويجوز الرفع، وتقديره: والملك كذلك. قاله الحافظ. وقال الحافظ وليّ الدين: فيه وجهان أيضًا، أشهرهما النصب عطفًا على اسم «إنّ»، والثاني الرفع على الابتداء، والخبر محذوف؛ لدلالة الخبر المتقدم عليه. ويحتمل أن تقديره: والملك كذلك. وقال القاري: بالنصب عطف على «الحمد»، ولذا يستحبّ الوقف عند قوله: «والملك». قال ابن المنيّر: قرن الحمد والنعمة، وأفرد «الملك»؛ لأن الحمد متعلَّق النعمة، ولهذا يقال: الحمد للَّه على نعمه، فيجمع بينهما، كأنه قال: لا حمد إلا لك؛ لأنه لا نعمة إلا لك، وأما الملك فهو معنى مستقلّ بنفسه، ذُكر لتحقيق أن النعمة كلها للَّه؛ لأنه صاحب الملك. قال القاري: ولا مانع من أن يكون «الملك» مرفوعًا، وخبره قول (لَا شَرِيكَ لَكَ) أي فيه. (وَأَنَّ) بفتح همزة «أنّ» لكونه معطوفًا على «أنّ أباه»، أي وأخبرني أن (عَبْدَ اللَّه بْنَ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (كَانَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللُّهِ - ﷺ -، يَرْكَعُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ) أي يصلي ركعتين، والظاهر أنهما صلاة الظهر. قال العلامة اين القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: لم يُنقل عنه - ﷺ - أنه صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر. وقال: المحفوظ أنه إنما أهلّ بعد صلاة الظهر، وقال أيضًا: قد قال ابن عمر: «ما أهلّ رسول اللَّه - ﷺ - إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره. وقد قال أنس: إنه صلى الظهر، ثم ركب. والحديثان في»الصحيح«، فإذا جمعت أحدهما إلى الآخر تبيّن أنه إنما أهلّ بعد صلاة الظهر انتهى مخلصًا. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه تعالى- في»مناسكه«: يستحبّ أن يُحرم عقب صلاة، إما فرض، وإما تطوّع، إن كان وقت تطوّع، في أحد القولين، وفي الآخر: إن كان يصلّي فرضًا أحرم عقبه، وإلا فليس للإحرام صلاة تخصّه، وهذا أرجح انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما رجّحه شيخ الإسلام -رحمه اللَّه تعالى- هو الذي يظهر لي. واللَّه تعالى أعلم. (ثمَّ، إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقةُ قَائِمَةً) أي اعتدلت قائمة من بروكها (عِنْدَ مَسْجدِ ذِي الخلَيْفَةِ، أَهَلَّ) أي رفع صوته (بِهؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ) أي بكلمات التلبية السابقة. واللهَ تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٤/ ٢٧٤٧ و٢٧٤٨ و٢٧٤٩ و٢٧٥٠ - وفي «الكبرى» ٥٤/ ٣٧٢٨ و٣٧٢٩ و٣٧٣٥ و٣٧٣١. وأخرجه (خ) في «الحجّ» ١٥٤٩ و«اللباس» ٥٩١٥ (م) ١١٨٤ في «الحجّ» (د) في «المناسك» ١٨١٢ (ت) في «الحج» ٨٢٥ (ق) في «المناسك» ٢٩١٨ (أحمد) في «مسند المكثرين» ٤٤٤٣ و٤٨٠٦ و٤٨٧٧ و٤٩٧٧ و٤٩٩٩ و٥٠٥١ و٥٠٦٧ و٥١٣٢ و٥٤٨٤ و٥٩٨٥ و٦١١١ (الموطأ) في «الحج» ٧٣٨ (الدارمي) في «المناسك» ١٨٠٨. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان كيفية التلبية. (ومنها): أن فيه دلالة على أن مشروعيّة الحجّ لإظهار الفاقة، والتضرع إلى اللَّه تعالى، والابتهال، والثناء، والتوحيد، والتمجيد. (ومنها): استحباب الإحرام بعد أداء ركعتين؛ لأنه - ﷺ - أحرم بعدهما. (ومنها): أن وقت الإهلال حينما يركب دابته، أو سيارته، أو نحو ذلك. (ومنها): أن الإحرام يكون عند الميقات المحدّد، لا قبله، ولا بعده؛ إذ لم ينقل عنه - ﷺ - التقديم عليه، ولا التأخير عنه، فما قاله بعض أهل العلم من استحباب الإهلال من دُويرة أهله مخالف للسنة قولًا، وفعلًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف العلماء في حكم الزيادة على التلبية المذكورة: قال الإمام أبو جعفر الطحاويّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن أخرج أحاديث التلبية من حديث ابن عمر، وابن مسعود، وعائشة، وجابر، وعمرو بن معديكرب: أجمع المسلمون على هذه التلبية، غير أن قومًا قالوا: لا بأس أن يزيد فيها من الذكر للَّه ما أحبّ، وهو قول محمد، والثوريّ، والأوزاعيّ، واحتجّوا بحديث أبي هريرة - يعني الذي أخرجه النسائيّ، وابن ماجه، وصححه ابن حبّان، والحاكم- قال: «كان من تلبية رسول اللَّه - ﷺ - لبيك إله الحقّ لبيك» وبزيادة ابن عمر الآتي برقم - ٢٧٥٠ - . وخالفهم آخرون، فقالوا: لا ينبغي ان يزاد على ما علمه رسول اللَّه - ﷺ - الناس، كما في حديث عمرو بن معديكرب، ثم فعله هو، ولم يقل: لبّوا بما شئتم مما هو من جنس هذا، بل علّمهم كما علّمهم التكبير في الصلاة، فكذا لا ينبغي أن يتعدّى في ذلك شيئًا مما علّمه. ثم أخرج حديث عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه، أنه سمع رجلًا يقول: «لبيك ذا المعارج»، فقال: إنه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبّي على عهد رسول اللَّه - ﷺ -. قال: فهذا سعد قد كره الزيادة في التلبية، وبه نأخذ انتهى. قال الحافظ: ويدلّ على الجواز ما وقع عند النسائيّ من طريق عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود - ﵁ - قال: «كان من تلبية النبيّ - ﷺ - …»، فذكره. ففيه دلالة على أنه قد كان يلبّي بغير ذلك، وما رواه مسلم عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: «كان عمر يُهلّ بهذا -يعني تلبية النبيّ - ﷺ - المذكور في الباب- ويزيد: لبيك اللَّهم لبيك، وسعديك، والخير كله في يديك، والرغباء إليك، والعمل». وروى سعيد بن منصور، من طريق الأسود بن يزيد، أنه كان يقول: «لبيك غفار الذنوب». وفي حديث جابر الطويل في صفة حجة النبيّ - ﷺ -: «حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهلّ بالتوحيد، لبيك اللَّهم لبيك الخ»، قال: «وأهلّ الناس بهذا الذي يهُلّون به، فلم يردّ عليهم شيئًا منه، ولزم تلبيته». وأخرجه أبو داود من الوجه الذي أخرجه مسلم، قال: «والناس يزيدون: ذا المعاج، ونحوه من الكلام، والشعبي - ﷺ - يسمع، فلا يقول لهم شيئًا». وفي رواية البيهقيّ: «ذا المعارج، وذا الفواضل». وهذا يدلّ على أن الاقتصار على التلبية المرفوعة أفضل لمداومته هو - ﷺ - عليها، وأنه لا بأس بالزيادة؛ لكونه لم يردّها عليهم، وأقرّهم عليها. وهو قول الجمهور، وبه صرّح أشهب. وحكى ابن عبد البرّ عن مالك الكراهة، قال: وهو أحد قولي الشافعيّ. وقال الشيخ أبو حامد: حكى أهل العراق عن الشافعيّ -يعني في القديم- أنه كره الزيادة على المرفوع، وغلطوا، بل لا يكره، ولا يستحبّ. وحكى الترمذيّ عن الشافعيّ، قال: فإن زاد في التلبية شيئًا من تعظيم اللَّه فلا بأس، وأحبُّ إليّ أن يقتصر على تلبية رسول اللَّه - ﷺ -، وذلك أن ابن عمر حفظ التلبية عنه، ثم زاد من قبله زيادة. ونصب البيهقيّ الخلاف بين أبي حنيفة، والشافعيّ، فقال: الاقتصار على المرفوع أحبّ، ولا ضيق على أحد أن يزيد عليها. قال: وقال أبو حنيفة: إن زاد فحسن. وحكى في «المعرفة» عن الشافعيّ قال: ولا ضيق على أحد في قول ما جاء عن ابن عمر، وغيره، من تعظيم اللَّه، ودعائه، غير أن الاختيار عندي أن يفرد ما روي عن النبيّ - ﷺ - في ذلك انتهى. وهذا أعدل الوجوه، فيفرد ما جاء مرفوعًا، وإذا اختار قول ما جاء موقوفًا، أو أنشأه هو من قبل نفسه، مما يليق قاله على انفراده حتى لا يختلط بالمرفوع، وهو شبيه بحال الدعاء في التشهد، فإنه قال فيه: «ثم ليتخير من المسألة، والثناء ما شاء»، أي بعد أن يفرغ من المرفوع، كما تقدّم ذلك في موضعه انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الحافظ تبعًا للإمام الشافعيّ -رحمهما اللَّه تعالى- تحقيق نفيسٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حقيقة الإحرام في الحجّ والعمرة، وحكمه: (اعلم): أن الإحرام لغة هو الدخول في التحريم، يقال: أحرم الشخص: نوى الدخول في شيء حرُم عليه به ما كان حلالًا له، وهذا كما يقال: أنجد: إذا أتى نجدًا، وأتهم: إذا أتى تهامة. قاله الفيّوميّ. وشرعًا: نية الدخول في النسك مع التلبية، أو سوق الهدي، لا نية أن يحجّ، أو يعتمر، فإن ذلك لا يسمى إحرامًا، وكذا التجرّد، وترك سائر المحظورات لكونه محرما بدونها. قال شيخ الإسلام ابن تيميّة -رحمه اللَّه تعالى-: لا يكون الرجل محرمًا بمجرّد ما في قلبه من قصد الحجّ ونيته، فإن القصد ما زال في القلب منذ خرج من بلده، بل لا بدّ من قول، أو عمل يصير به محرمًا، هذا هو الصحيح من القولين انتهى . وقال العلامة ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-: الإحرام: الدخول في أحد النسكين، والتشاغل بأعمالهما، وقد كان شيخنا العلامة أبو محمد بن عبد السلام يستشكل معرفة حقيقة الإحرام جدًّا، ويبحث فيه كثيرًا، وإذا قيل: إنه النيّة اعترض عليه بأن النية شرط في الحجّ الذي الإحرام ركنه، وشرط الشيء غيره، ويعترض على أنه التلبية بأنها ليست بركن، والإحرام ركن، هذا أو قريب منه، وكان يحرم على تعيين فعل تتعلق به النية في الابتداء انتهى. وقال العلامة الشوكاني -رحمه اللَّه تعالى- عند قول صاحب «حدائق الأزهار»: وإنما ينعقد -أي الإحرام- بالنية مقارنة لتلبيد، أو تقليد: ما نصّه: أقول: الإحرام هو مصير الشخص من الحالة التي كان يحلّ له فيها ما يحرم عليه بعدها إلى الحالة التي يحرم عليه فيها ما كان يحلّ له فيها، ولو لم يكن إلا مجرّد الكفّ عن محظورات الإحرام لكان ذلك معنى معقولًا لكلّ عاقل، كالصوم فإنه ليس إلا الكفّ عن تناول المفطرات، فمن قال: إنه لا يعقل معنى الإحرام، وإنه ليس هناك إلا مجرّد النية، وإن النية لا تُنوى، وإلا لزم التسلسل، فقد أخطأ خطأ بيّنًا، ومعلوم أن الشريعة المطهرة بعضها أوامر، وبعضها نواهٍ، والتعبّد في النواهي ليس إلا بالكفّ، فيلزمه أن يطرد هذا التشكيك الركيك في شطر الشريعة. وأما إيجاب النيّة فقد عرّفناك غير مرّة أن كلّ عمل يحتاج إلى النيّة، والعمل يشمل الفعل، والترك، والقول، والفعل، وعرّفناك أن ظاهر الأدلة يقتضي أن النية شرط في جميع ما تقدّم من العبادات؛ لدلالة أدلّتها على أن عدمها يؤثّر في العدم، وهذا هو معنى الشرط عند أهل الأصول. وأما كون النية تقارن التلبية، فقد ثبت عن رسول اللَّه - ﷺ - في دواوين الإسلام من غير وجه أنه أهلّ ملبيًّا، وقد قدّمنا لك أن أفعاله، وأقواله في الحجّ محمولة على الوجوب لأنها بيان لمجمل القرآن، وامتثال لأمره - ﷺ - لأمته أن يأخذوا عنه مناسكهم، فمن ادعى في شيء منها أنه غير واجب، فلا يقبل منه ذلك إلا بدّليل. وأما كونها تقارن التلبيد، فلما ثبت عنه - ﷺ - في عام الحديبية «أنه لما كان بذي الحليفة قلّد الهدي، وأشعره، وأحرم بالعمرة» انتهى . وقال العلامة ابن رشد -رحمه اللَّه تعالى-: اتفقوا على أن الإحرام لا يكون إلا بنية، واختلفوا هل تجزئ النية فيه من غير تلبية؟ فقال مالك، والشافعيُّ: تجزئ النية من غير تلبية. وقال أبو حنيفة: التلبية في الحجّ كالتكبيرة في الإحرام بالصلاة، إلا أنه يجزئ عنده كلّ لفظ يقوم مقام التلبية، كما في افتتاح الصلاة عنده انتهى. وقال العلامة ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: يستحبّ للإنسان النطق بما أحرم به؛ ليزول الالتباس، فإن لم ينطق بشيء، واقتصر على مجرّد النية كفاه في قول إمامنا، ومالك، والشافعيّ. وقال أبو حنيفة: لا ينعقد بمجرد النية حتى ينضاف إليها التلبية، أو سوق الهدي؛ لحديث خلاّد بن السائب الأنصاري، عن أبيه، عن رسول اللَّه - ﷺ -، قال: «أتاني جبريل، فقال: يا محمد مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية». رواه المصنّف في الباب التالي وقال الترمذيّ: حديث حسن صحيح. انتهى . وقال صاحب «المرعاة»: قد تواترت الروايات المصرّحة بأنه - ﷺ - أحرم من ذي الحليفة، وسمى، وعيّن ما أحرم به، من إفراد، أو قران، أو تمتّع، واتفقت على تعيين النسك في التلبية الأولى التي تكون عند عقد الإحرام، وإن اختلفت في نوعه، وصرّحت أيضًا بأنه - ﷺ - لبّى عند ذلك، كما ورد في الروايات، وقال: «خذوا عني مناسككم»، فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا الإحرام، والتلبية، والتسمية، وهذا القدر هو الذي قام عليه الدليل، أما كون الإحرام شرطًا، أو ركنًا، وكون التلبية مسنونة، أو مستحبّة،، أو واجبة يصحّ الحجّ بدونها، وتجبر بدم، وكذا كون الذكر الدالّ على تعظيم اللَّه سوى التلبية مجزئًا، والتلقظ بالنيّة، بأن يقول: نويت العمرة، أو نويت الحجّ، أو نويت العمرة، والحجّ، أو اللَّهم إنى أريد العمرة، أو الحجّ، أو اللَّهم إني أهلّ، أو أحرم بكذا، فكلّ ذلك لم يرد فيه دليلٌ خاصّ، والخير كله في اتباعه - ﷺ -، فعلى كل من وصل إلى ميقاته، ممن يريد الحج، أو العمرة أن يُحرم، وينوي بقلبه الدخول في النسك الذي يريده، ويعزم عليه بقلبه؛ لقول النبيّ - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكلّ امرئ ما نوى»، وُيشرع التلفظ بما نوى كما نقل، فإن كانت نية العمرة، قال: لبيك عمرة، أو اللَّهم لبيك عمرة، وإن كانت نية الحج قال: لبيك حجًا، أو اللَّهم لبيك حجًا؛ لأن النبيّ - ﷺ - فعل ذلك، ولا يشرع التلفظ بما نوى إلا في الإحرام خاصّة؛ لوروده عن النبيّ - ﷺ - وأما الصلاة، والطواف، والصيام، وغير ذلك من العبادات، فلا ينبغي له أن يتلفّظ بشيء منها بالنية؛ لأن ذلك لم يثبت، ولو كان التلفظ بالنية مشروعًا لبينه الرسول - ﷺ -، وأوضحه للأمة بفعله، أو قوله، ولَسَبَق إليه السلف الصالح. هذا انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله صاحب «المرعاة» -رحمه اللَّه تعالى- تحقيق نفيسٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم التلبية: قال في «الفتح»: وفيها مذاهب أربعة، يمكن توصيلها إلى عشرة: (الأول): أنها سنة من السنن، لا يجب بتركها شيء. وهو قول الشافعيّ، وأحمد. (ثانيها): واجبة، ويجب بتركها دم. حكاه الماورديّ، عن ابن أبي هريرة، من الشافعيّة، وقال: إنه وجد للشافعيّ نصًّا يدلّ عليه. وحكاه ابن قدامة عن بعض المالكيّة، والخطابيّ عن مالك، وأبي حنيفة. وأغرب النوويّ، فحكى عن مالك أنها سنة، ويجب بتركها دم، ولا يُعرف ذلك عندهم، إلا أن ابن الجلّاب قال: التلبية في الحجّ مسنونة، غير مفروضة. وقال ابن التين: يريد أنها ليست من أركان الحجّ، وإلا فهي واجبة، ولذلك يجب بتركها الدم، ولو لم تكن واجبة لم يجب. وحكى ابن العربيّ أنه يجب عندهم بترك تكرارها دم، وهذا قدر زائد على أصل الوجوب. (ثالثها): واجبة، لكن يقوم مقامها فعل يتعلّق بالحجّ، كالتوجّه على الطريق، وبهذا صدّر ابن شاس، من المالكيّة كلامه في «الجواهر» له. وحكى صاحب «الهداية» من الحنفيّة مثله، لكن زاد القول الذي يقوم مقام التلبية من الذكر، كما في مذهبهم من أنه لا يجب لفظ معيّن. وقال ابن المنذر: قال أصحاب الرأي: إن كبّر، أو هلّل، أو سبّح،
مصادر المؤلف (٦)

١. -«فتح» ٤/ ١٩١ - ١٩٢. «طرح التثريب» ٥/ ٨٩ - ٩٠.

٢. - راجع «المرعات» ٨/ ٤٤٣.

٣. - هو الآتي للمصنف برقم -٢٧٥٢.

٤. - انظر «مجموع الفتاوى» ٢٦/ ١٠٨.

٥. - راجع «السيل الجرار» ٢/ ١٧١.

٦. - راجع «المغني» ٥/ ٩١ - ٩٢.