والمعنى اركب البدنة إلى أن تجد راحلة ليست هديًا، فتركبَها بدلًا عن ركوب هديك. واللَّه تعالى أعلم.
قال السنديّ: وهل بعد أن ركب اضطرارًا له المداومة على الركوب، أو لا بدّ من النزول إذا رأى قوّة على المشي، قولان. وقد يؤخذ من قوله: «حتى تجد ظهرًا» ترجيح القول الأول، وقد يُمنَعُ ذلك بأنها ليست غاية لمداومة البركوب عليها، بل هي غاية لجواز الركوب كلما أُلجىء إليه، أي له أن يركب كلما ألجىء إلى أن يجد ظهرًا، فليتأمّل انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٧٦/ ٢٨٠٢ - وفي «الكبرى» ٧٥/ ٣٧٨٤. وأخرجه (م) في «الحجّ» ١٣٢٤ (د) في «المناسك» ١٧٦١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب».
…
٧٧ - (إِبَاحَةُ فَسْخِ الْحَجِّ بِعُمْرَةٍ لِمَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: معنى فسخ الحجّ هو أن من أحرم بالحجّ مفردًا، أو قارنا، ولم يسق الهدي، وطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة قبل الوقوف بعرفة يفسخ نيته بالحج، وينوي عمرة مفردة، فيقصّر، ويحلّ من إحرامه، ثم يحجّ؛ ليصير متمتعًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٨٠٣ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ
الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَلَا نُرَى إِلاَّ الْحَجَّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ، طُفْنَا بِالْبَيْتِ، أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ، أَنْ يَحِلَّ، فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ، وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ، فَأَحْلَلْنَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحِضْتُ، فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ، قَالَ: «أَوَمَا كُنْتِ طُفْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مَكَّةَ؟»، قُلْتُ: لَا، قَالَ: «فَاذْهَبِي مَعَ أَخِيكِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ مَوْعِدُكِ مَكَانُ كَذَا وَكَذَا»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن قُدامة) بن أعين الهاشميّ مولاهم المصّيصيّ، ثقة [١٠] ١٣٧/ ٢١٤.
٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبّيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان يَهِم من حفظه [٨] ٢/ ٢.
٣ - (منصور) بن المعتمر السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقة ثبت [٦] ٢/ ٢.
٤ - (إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقة فقيه، يرسل كثيرًا [٥] ٢٩/ ٣٣.
٥ - (الأسود) بن يزيد النخعيّ، أبو عمرو الكوفيّ، مخضرم ثقة مكثر فقيه [٢] ٢٩/ ٣٣.
٦ - (عائشة) بنت الصدّيق - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمصّيصيّ، وعائشة - ﵂ - فمدنية. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه رواية الراوي عن خاله، فالأسود خال لإبراهيم، فإن أمه مليكة بنت يزيد، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: خَرَجْنَا) أي من المدينة (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) وتقدم في -١٦/ ٢٦٥٠ - أنها قالت: خرجنا مع رسول اللَّه - ﷺ - لخمس بقين من ذي القعدة … «(وَلَا نُرَى إِلاَّ الْحَجَّ) بضم النون، ألا نظنّ، وبفتحها، وهو أقرب، أي لا نعزم، ولا ننوي (فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ، طُفْنَا بالْبَيْتِ) المراد طواف الصحابة غيرها، وإلا فهي حائض، لم تطف، كما يأتي قريبًا. وجمَلة»طفنا«جواب»لمّا«(أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ
- ﷺ -) هكذا نسخ«المجتبى»بدون عاطف، والجملة مستأنفة جوابًا لسؤال مقدر، كأن سائلًا قال: فبماذا أمر رسول اللَّه - ﷺ -، فأجابت بقولها:«أمر رسول اللَّه - ﷺ - الخ». وفي«الكبرى»:«فأمر رسول اللَّه - ﷺ - » بالفاء العاطفة، وهو واضح.
(مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ، أَنْ يَحِلَّ) بضم أوله، من الإحلال، أو من الحلّ، ويؤيّد الثاني قوله (فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ) أي تحلّل الذين لم يسوقوا الهدي بعمل العمرة، وهذا محلّ الترجمة، ففيه إباحة فسخ الحجّ بعمل العمرة لمن لم يسق الهدي، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة الآتية، إن شاء اللَّه تعالى (وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ) أي الهدي (فَأحْلَلْنَ) أي بعمل العمرة، وعائشة منهن، لكنها لم تحلل من أجل حيضها، كما أوضحه قولها: «فلم أطف بالبيت» (قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحِضْتُ) أي بسرف، كما تقدم (فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ) أي لنهي النبيّ - ﷺ - لها عن ذلك حتى تطهر (فَلَمَّا كَانَتْ لَيلَةُ الْحَصْبَةِ) بفتح الحاء، وسكون الصاد المهملتين: هي الليلة التي بعد أيام التشريق، وسميت بذلك لأنهم نفروا من منى، فنزلوا في المحصّب، وباتوا به. قاله النوويّ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَرْجِعُ النَّاسُ بعُمْرَة وَحَجَّةٍ) أي بعمرة مفردة، وحجة مفردة (وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ) هي الحجة التي أدخلتهَا على عمرتها قبل أن تحلل لأجل حيضها، فصارت قارنة، ودخلت أفعال العمرة في الحجة، فأرادت أن تعتمر عمرة مفردة كسائر أمهات المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنهنّ - (قَالَ) - ﷺ - (أَوَ مَا كُنْتِ طُفْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنا مَكَّةَ؟) لعله - ﷺ - نسي كونها حائضًا، وإلا فقد أخبرته في أول حيضتها، فأمر أن تبقى على إحرامها غير أن لا تطوف بالبيت (قُلْتُ: لَا) أي لم أطف لأجل الحيض (قَالَ) - ﷺ - (فَاذْهَبِي مَعَ أَخِيكِ) عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق، شقيقها - رضي اللَّه تعالى عنهم - (إِلَى التَّنْعِيمِ) بفتح المثناة، وسكون النون، وكسر المهملة: موضع معروف خارج مكة، وهو على أربعة أميال من مكة إلى جهة المدينة، كما نقله الفاكهيّ. وقال المحبّ الطبريّ: التنعيم أبعد من أدنى الحلّ إلى مكة بقليل، وليس بطرف الحلّ، بل بينهما نحو من ميل، ومن أطلق عليه أدنى الحلّ، فقد تجوّز. قال الحافظ: أو أراد بالنسبة إلى بقية الجهات. وروى الفاكهيّ من طريق عبيد بن عمير، قال: إنما سمي التنعيم لأن الجبل الذي عن يمين الداخل يقال له: ناعم، والذي عن اليسار يقال له: منعم، والوادي نعمان. وروى الأزرقي من طريق ابن جريج، قال: رأيت عطاء يصف الموضع الذي اعتمرت منه عائشة، قال: فأشار إلى الموضع الذي ابتنى فيه محمد بن عليّ بن شافع المسجد الذي
وراء الأكمة، وهو المسجد الخرب. ونقل الفاكهيّ عن ابن جريج وغيره أن ثَمَّ مسجدين يزعم أهل مكة أن الخرب الأدنى من الحرم هو الذي اعتمرت منه عائشة.
وقيل: هو المسجد الأبعد على الأكمة الحمراء. ورجحه المحبّ الطبريّ. وقال الفاكهيّ: لا أعلم إلا أني سمعت ابن أبي عمر يذكر عن أشياخه أن الأول هو الصحيح عندهم. قاله في «الفتح» (فَأهِلَّي بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ مَوْعِدُكِ) أي محلّ الوعد للقاء (مَكَانُ كَذَا وَكَذَا) هو المحصّب الذي تقدّم ذكره، ففي رواية البخاريّ من طريق القاسم، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: «فنزلنا المحصّب، فدعا عبد الرحمن، فقال:»اخرج بأختك الحرم، فلتهلّ بعمرة، ثم افرغا من طوافكما، أنتظركما ههنا … « الحديث. فدلّ على أن الموعد هو المحصّب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدّم في -١٦/ ٢٦٥٠ - وتقدم بيان مسائله هناك، وقد بقي هنا الكلام فيما ترجم له المصنّف -﵀ تَعَالَي-، فأقول:
[مسألة]: في بيان اختلاف أهل العلم في حكم فسخ الحج بعمل العمرة لمن لم يسق الهدي:
اختلفوا في هذا الفسخ، هل هو خاصّ بالصحابة تلك السنة، أم عامّ لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة؟.
فذهب أحمد، والظاهريّة، وعامّة أهل الحديث إلى أنه ليس خاصًّا، بل هو باق إلى يوم القيامة، فيجوز لكلّ من أحرم بحجّ مفردًا، أو قارنًا، وليس معه هديٌ أن يقلب إحرامه عمرة، ويتحلّل بأعمالها.
وذهب مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وجماهير العلماء، من السلف والخلف إلى أنه مختصّ بهم في تلك السنة، لا يجوز بعدها، وإنما أمروا به تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهليّة، من تحريم العمرة في أشهر الحجّ.
واستدلّ للجمهور بحديث أبي ذرّ - ﵁ - عند مسلم: «قال: كانت المتعة في الحجّ لأصحاب محمد - ﷺ - خاصّة»، وفي رواية: «قال: كانت لنا رخصة» يعني المتعة في الحجّ، ومراد أبي ذرّ - ﵁ - بالمتعة المذكورة المتعة التي أمر النبيّ - ﷺ - بها أصحابه، وهي فسخ الحج إلى العمرة، واستدلوا على أن الفسخ المذكور هو مراد أبي ذرّ - ﵁ -
بما رواه أبو داود بسنده أن أبا ذرّ - ﵁ - كان يقول فيمن حجّ، ثم فسخها بعمرة: لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول اللَّه - ﷺ -، قالوا: فهذه الرواية فيها التصريح من أبي ذرّ بفسخ الحجّ بالعمرة، وهي تفسير مراده بالمتعة في رواية مسلم.
وردّ عليهم بأن هذه الرواية ضعيفة؛ لأن في سندها محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وقد رواه بالعنعنة.
واستدلوا أيضًا بما رواه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ ، وابن ماجه، والدارميّ من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن الحارث بن بلال بن الحارث، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول اللَّه، فسخ الحجّ لنا خاصّة، أم للناس عامة؟، قال: «بل لكم خاصّة».
وردّ عليهم بأنه ضعيف أيضًا لجهالة الحارث بن بلال. وقال أحمد -رحمه اللَّه تعالى-: حديث بلال بن الحارث عندي ليس يثبت، ولا أقول به، ولا يُعرف هذا الرجل -يعني الحارث بن بلال- قال: وقد روى فسخ الحجّ إلى العمرة أحد عشر صحابيًّا، أين يقع الحارث بن بلال منهم؟.
وأيضا حديث أبي ذرّ - ﵁ - موقوف عليه، وليس بمرفوع، وللاجتهاد فيه مجال، فلا يصلح لمعارضة الأحاديث المرفوعة الصحيحة الصريحة في ذلك.
والحاصل أن أدلّة القائلين بمشروعية الفسخ قويّة صريحة لا تحتمل التأويل، فوجب القول بها، فالحقّ أنه مشروع إلى يوم القيامة. واللَّه تعالى أعلم.
ثم اختلف القائلون بالفسخ في حكمه، هل هو واجب، أم مستحبّ؟:
فذهب الإمام أحمد إلى أنه مستحبّ، ومال فريق إلى أنه واجب، وبه قال ابن حزم، وابن القيّم، قال ابن حزم: وهو قول ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وإسحاق.
واستدلّوا بما رواه أحمد، وابن ماجه، وأبو يعلى، واللفظ لأحمد -١٨٠٥٢ - من حديث البراء بن عازب - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: خرج رسول اللَّه - ﷺ - وأصحابه، قال: فأحرمنا بالحج، فلما قدمنا مكة، قال: «اجعلوا حجكم عمرة»، قال: فقال الناس: يا رسول اللَّه، قد أحرمنا بالحج، فكيف نجعلها عمرة؟، قال: «انظروا ما آمركم به، فافعلوا»، فردوا عليه القول، فغضب، ثم انطلق، حتى دخل على عائشة غضبان، فرأت الغضب في وجهه، فقالت: من أغضبك؟، أغضبه اللَّه، قال: «وما لي لا أغضب، وأنا آمر بالأمر، فلا أتبع».
قال ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: ونحن نشهد اللَّه علينا، أنا لو أحرمنا بحجّ لرأينا