HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٣٢٨٩

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ ، عَنْ يُونُسَ ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : أَخْبَرَنِي قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ : أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَالْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص434
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٦ ص ٩٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٧ ص٢٧٨
٤٦ - (تَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ) ٣٢٨٨ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ،، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ لَكَ فِي أُخْتِي؟ قَالَ: «فَأَصْنَعُ مَاذَا؟»، قَالَتْ: تَزَوَّجُهَا، قَالَ: «فَإِنَّ ذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيْكِ؟»، قَالَتْ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ يَشْرَكُنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي، قَالَ: «إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي»، قَالَتْ: فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَخْطُبُ دُرَّةَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَ: «بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ؟»، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «وَاللَّهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي، مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ، وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و«عبدة»: هو ابن سليمان الكلابيّ. و«هشام»: هو ابن عروة. وقوله: «فأصنع ماذا؟» قال في «الفتح»: فيه شاهدٌ على جواز تقديم الفعل على «ما» الاستفهامية؛ خلافًا لمن أنكره من النحاة. والحديث متّفق عليه، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله قبل باب، ودلالته على الترجمة واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٤٧ - (الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا) ٣٢٨٩ - (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هارون بن عبد اللَّه) الحمال، أبو موسى البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٥٠/ ٦٥. ٢ - (معن) بن عيسى الأشجعيّ مولاهم، أبو يحيى المدنيّ القزّاز، ثقة ثبت، من كبار [١٠] ٥٠/ ٦٢. ٣ - (مالك) بن أنس الإمام المدنيّ الثقة الثبت الحجة [٧] ٧/ ٧. ٤ - (أبو الزناد) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة فقيه [٥] ٧/ ٧. ٥ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت فقيه [٣] ٧/ ٧. ٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغداديّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة - ﵁ - أكثر الصحابة حديثًا، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ -. هكذا في رواية الأعرج، عن أبي هريرة، وكذا رواية قبيصة ابن ذُؤيب، واختُلف في رواية الشعبيّ، ففي رواية عنه، عن أبي هريرة، وفي رواية عنه، عن جابر، كما سيأتي في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى، والحديث صحيح من الطريقين. وقد أخرج البخاريّ روايته عن جابر، ثم قال: وقال داود، وابن عون، عن الشعبيّ، عن أبي هريرة. قال في «الفتح»: أما رواية داود -وهو ابن أبي هند- فوصلها أبو داود، والترمذيّ، والدارميّ من طريقه، قال: «حدثنا عامر -هو الشعبيّ- أنبأنا أبو هريرة، أن رسول اللَّه - ﷺ - نهى أن تُنكح المرأة على عمّتها، أو المرأة على خالتها، أو العمّة على بنت أخيها، أو الخالة عليّ بنت أختها، لا الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى». لفظ الدارميّ، والترمذيّ نحوه. ولفظ أبي داود: «لا تُنكَح المرأة على عمّتها، ولا على خالتها». وأخرجه مسلم من وجه آخر، عن داود بن أبي هند، فقال: «عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة»، فكان لداود فيه شيخان، وهو محفوظٌ لابن سيرين عن أبي هريرة من غير هذا الوجه. وأما رواية ابن عون -وهو عبد اللَّه- فوصلها النسائيّ في «الكبرى» ٣/ ٢٩٤ رقم - ٥٤٣١ - من طريق خالد بن الحارث، عنه، بلفظ: «لا تزوّج المرأة على عمّتها، ولا على خالتها». قال: ووقع لنا في «فوائد أبى محمد بن أبي شريح» من وجه آخر، عن ابن عون، بلفظ: «نهى أن تُنكح المرأة على ابنة أخيها، أو ابنة أختها». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي عزاه إلى «فوائد أبي محمد» موجود عند النسائيّ بالسند السابق، ولعله لم يقع في نسخة الحافظ، ولفظه بعد ما تقدّم: «قال: ولا تزوّج المرأة على ابنة أخيها، ولا ابنة أختها». فتنبّه. قال الحافظ: والذي يظهر أن الطريقين محفوظان. وقد رواه حمّاد بن سلمة، عن عاصم، عن الشعبيّ، عن جابر، أو أبي هريرة، لكن نقل البيهقيّ عن الشافعيّ أن هذا الحديث لم يروه من وجه يثبته أهل الحديث إلا عن أبي هريرة، وروي من وجوه لا يُثبتها أهل العلم بالحديث. قال البيهقيّ: هو كما قال، قد جاء من حديث عليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عبّاس، وعبد اللَّه بن عمرو، وأنس، وأبي سعيد، وعائشة، وليس فيها شيء على شرط الصحيح، وإنما اتفقا على إثبات حديث أبي هريرة. وأخرج البخاريّ رواية عاصم، عن الشعبيّ، عن جابر، وبيّن الاختلاف على الشعبيّ فيه، قال: والحفّاظ يرون رواية عاصم خطأ، والصواب رواية ابن عون، وداود بن أبي هند انتهى. قال الحافظ: وهذا الاختلاف لم يقدح عند البخاريّ؛ لأن الشعبيّ أشهر بجابر منه بأبي هريرة. وللحديث طرق أخرى عن جابر بشرط الصحيح، أخرجها النسائيّ -٤٨/ ٣٢٣٠٠ - من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر. والحديث محفوظ أيضًا من أوجه عن جابر. والحديث محفوظ أيضًا من أوجه عن أبي هريرة، فلكلّ من الطريقين ما يعضده، وقول من نقل البيهقيّ عنهم تضعيف حديث جابر معارَضٌ بتصحيح الترمذيّ، وابن حبّان، وغيرهما له، وكفى بتخريج البخاريّ له موصولًا قوَّةً. قال ابن عبد البرّ: بعض أهل الحديث يزعم أنه لم يرو هذا الحديث غير أبي هريرة - يعني من وجه يصحّ- وكأنه لم يُصحّح حديث الشعبيّ، عن جابر، وصحّحه عن أبي هريرة، والحديثان جميعًا صحيحان. وأما من نقل البيهقيّ أنهم رووه من الصحابة غير هذين، فقد ذكر مثل ذلك الترمذيّ بقوله: «وفي الباب»، لكن لم يذكر ابن مسعود، ولا ابن عبّاس، ولا أنسًا، وزاد بدلهم أبا موسى، وأبا أُمامة، وسمرة. قال الحافظ: ووقع لي أيضًا من حديث أبي الدرداء، ومن حديث عتّاب بن أَسِيد، ومن حديث سعد بن أبي وقّاص، ومن حديث زينب امرأة ابن مسعود، فصار عدّة من رواه غير الأولين ثلاثة عشر نفسًا، وأحاديثهم موجودةٌ عند ابن أبي شيبة، وأحمد، وأبي داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وأبي يعلى، والبزّار، والطبرانيّ، وابن حبّان، وغيرهم، ولولا خشية التطويل لأوردتها مفصّلةً، لكن في لفظ ابن عبّاس عند أبي داود «أنه كره أن يُجمع بين العمة والخالة، وبين العمّتين، والخالتين»، وفي روايته عند ابن حبّان: «نهى أن تُزوّج المرأة على العمّة والخالة، وقال: إنكنّ إذا فعلتنّ ذلك، قطعتنّ أرحامكنّ» انتهى . (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لًا يُجْمَعُ) قال القرطبيّ: برفع العين هي الرواية على الخبر عن المشروعية، فيتضمّن النهي عن ذلك انتهى. وقال السنديّ: قوله:«لا يجمع»عليّ بناء المفعول: نهيٌ، أو نفيٌ بمعناه. ويحتمل بناء الفاعل على الوجهين، على أن الضمير لـ«أحد»، أو«ناكح»، والمراد أنه لا يجمع في النكاح بعقد، أو عقدين، أو في الجماع بملك اليمين انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حاصل ما أشار إليه السنديّ أن«لا»هنا يحتمل أن تكون ناهية، فيكون الفعل مجزومًا، ويحتمل أن تكون نافيةً، فيكون الفعل مرفوعًا، والمراد به النهي. قلت: لكن إن صحّت الرواية على الرفع فقط، كما صرّح به القرطبيّ، فإنها متعيّنة، ويكون الكلام نفيًا، بمعنى النهي، ولا يجوز الجزم؛ لأن الرواية مقدّمة. وكذلك كونه بالبناء للفاعل، ويكون الفاعل ضميرًا يعود على«أحد»، أو«ناكح»، يعتمد على صحّة الرواية« فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. (بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمّتِهَا، وَلًا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا) سواء كان بنكاح، أووطأً بملك يمين، وسواء تزوّج إحداهما على الآخر، أو عقد عليهما معًا، فإن جمع بينهما بعقد بطلا، أو مرتّبًا بطل الثاني. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٧/ ٣٢٨٩ و٣٢٩٠ و٣٢٩١ و٣٢٩٢ و٣٢٩٣ و٣٢٩٤ و٣٢٩٥ و٣٢٩٦ و٣٢٩٧ - وفي «الكبرى» ٤٤/ ٥٤١٩ و٥٤٢٠ و٥٤٢٢ و٥٤٢٣ و٥٤٢٤ و٥٤٢٥ و٥٤٢٦. وأخرجه (خ) في «النكاح» ٥١٠٩ و٥١١١ (م) في «النكاح» ١٤٠٨ (د) في «النكاح» ٢٠٦٥ و٢٠٦٦ (ت) في «النكاح» ١١٢٦ (ق) في «النكاح» ١٩٢٩ (أحمد) في «باقي مسند المكثرين» ٧٠٩٣ و٧٤١٣ و٨٨٧٦ و٨٩٥٠ و٩١٨٤ و٩٢١٦ و٩٣٠٣ و٩٥٢٤ و٩٩٧٥ و١٠٢٢٧ و١٠٢١١ و١٠٣٣٤ و١٠٣٣٤ و١٠٥٠٥ (الموطأ) في «النكاح» ١١٢٩ (الدارمي) في «النكاح» ٢١٧٨ و٢١٧٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في الجمع بين من ذُكر في هذا الحديث، ونحوه: قال الإمام الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-: تحريم الجمع بين من ذُكر هو قول من لقيته من المفتين، لا اختلاف بينهم في ذلك. وقال الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد تخريجه: العمل على هذا عند عامّة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافًا أنه لا يحلّ للرجل أن يجمع بين المرأة وعمّتها، أو خالتها، ولا أن تُنكح المرأة على عمّتها، أو خالتها. وقال ابن المنذر: لست أعلم في منع ذلك اختلافًا اليوم، وإنما قال بالجواز فرقة من الخوارج، وإذا ثبت الحكم بالسنّة، واتفق أهل العلم على القول به، لم يضرّه خلاف من خالفه. وكذا نقل الإجماع ابن عبد البرّ، وابن حزم، والقرطبيّ، والنوويّ. لكن استثنى ابن حزم عثمان الْبَتِّيّ، وهو أحد الفقهاء القدماء من أهل البصرة -وهو بفتح الموحّدة، وتشديد المثناة- واستثنى النوويّ طائفةً من الخوارج والشيعة. واستثنى القرطبيّ الخوارج، ولفظه: وهذا الحديث مجمع على العمل به في تحريم الجمع بين من ذُكر فيه بالنكاح، وكذلك أجمع المسلمون على تحريم الجمع بين الأختين بالنكاح؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] وأما بملك اليمين، فروي عن بعض السلف جوازه، وهو خلافٌ شاذّ استقرّ الإجماع بعدُ على خلافه. وأجاز الخوارج الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها وخالتها، ولا يُعتدّ بخلافهم؛ لأنهم مرقوا من الدين، وخرجوا منه، ولأنهم مخالفون للسنة الثابتة انتهى. وتعقّبه في «الفتح»، فقال: وفي نقله عنهم جواز الجمع بين الأختين غلط بيّنٌ، فإن عمدتهم التمسّك بأدلّة القرآن، لا يُخالفونها البتّةَ، وإنما يردّون الأحاديثَ؛ لاعتقادهم عدم الثقة بنقلتها، وتحريم الجمع بين الأختين بنصوص القرآن. ونقل ابن دقيق العيد تحريم الجمع بين المرأة وعمتها عن جمهور العلماء، ولم يُعيّن المخالف انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن جمهور أهل السنّة على العمل بما في حديث الباب، ونحوه، من تحريم الجمع بين المرأة وعمّتها، وبين المرأة وخالتها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): زاد في رواية الشيخين بعد رواية حديث الباب عن ابن شهاب -رحمه اللَّه تعالى-: ما نصّه: «فنرى خالة أبيها، وعمّة أبيها بتلك المنزلة». لفظ مسلم. قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: إنما صار ابن شهاب إلى ذلك؛ لأنه حمل الخالة، والعمّة على العموم، وتمّ له ذلك؛ لأن العفة اسم لكلّ امرأة شاركت أباك في أصليه، أو في أحدهما، والخالة اسم لكلّ أنثى شاركت أمك في أصليها، أو في أحدهما. وقد عقد علماؤنا -يعني المالكيّة- فيمن يحرم الجمع بينهما عقدًا حسنًا، فقالوا: كلّ امرأتين بينهما نسبٌ، بحيث لو كانت إحداهما ذكرًا لحرمت عليه الأخرى، فلا يُجمع بينهما. وإن شئت أسقطت «بينهما نسبٌ» وقلت بعد ذلك: كانت إحداهما ذكرًا، لحرمت عليه الأخرى من الطرفين. وفائدة هذا الاحتراز مسألة نكاح المرأة وربيبتها ،فإن الجمع بينهما جائز، ولو قدّرت امرأة الأب رجلًا، لحلّت له الأخرى، وهذا التحرّي هو على مذهب الجمهور المجيزين للجمع بين المرأة وربيبتها، وقد منعه الحسن، وابن أبي ليلى، وعكرمة. وعلّل الجمهور منع الجمع بين من ذكرناه؛ لما يُفضي إليه الجمع من قطع الأرحام القريبة بما يقع بين الضرائر، من الشنآن والشرور بسبب الغيرة، وقد شهد لصحّة هذا التعليل ما ذكره أبو محمد الأصيليّ في «فوائده»، وأبو عمر بن عبد البّر عن ابن عباس، قال: نهى رسول اللَّه - ﷺ - أن يتزوّج الرجل المرأة على العمة، أو على الخالة، وقال: «إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم». ومن مراسيل أبي داود عن حسين، قال: نهى رسول اللَّه - ﷺ - أن تنكح المرأة على قرابتها، مخافة القطيعة. وقد طرد بعض السلف هذه العلّة، فمنع الجمع بين بنتي العمّتين، والخالتين، وبنتي الخالين، والعمّين. وجمهور السلف، وأئمة الفتوى على خلافه، وقصر التحريم على ما ينطلق عليه لفظ العمّات، والخالات. وقد روى الترمذيّ حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا، وقال فيه: إن رسول اللَّه - ﷺ - نهى أن تنكح المرأة على عمّتها، أو العمّة على ابنة أخيها، والمرأة على خالتها، أو الخالة على ابنة أختها، ولا تُنكح الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى. وقال: حديث حسنٌ صحيح . وهو مساقٌ حسنٌ بيّنٌ، غير أن فيه واوًا اقتضت إشكالًا، وهي التي في قوله: «ولا»، وذلك أنه قد ذكر العمّة، وهي الكبرى، وابنة أخيها، وهي الصغرى، والخالة، وهي الكبرى، وابنة أختها، وهي الصغرى، ثم أتى بالنهي عن إدخال إحداهما على الأخرى، طردًا وعكسًا. ويرتفع الإشكال بأن تقدّر الواو زائدة، ويكون الكلام الذي بعدها مؤكدًّا لما قبلها، ومؤيّدًا له. وفي كتاب أبي داود من حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، مرفوعًا: «نَهَى أن يُجمع بين العمّة والخالة، وبين العمتين، والخالتين». قال ابن النّحّاس: الواجب على لفظ هذا الحديث ألا يُجمعَ بين امرأتين، إحداهما عمة الأخرى، والأخرى خالة الأخرى، وهذا يخرّج على وجه صحيح، وهو أن يكون رجلٌ، وابنه تزوّجا امرأة وابنتها، تزوّج الأب البنت، والابن الأمّ، فولدت كلّ واحدة منهما بنتًا، فابنة الأب عمّة ابنة الابن، وابنة الابن خالة ابنة الأب. وأما الخالتان: فأن يتزوّج رجلٌ ابنة رجل، ويتزوّج الثاني ابنة الأول، فيولد لكلّ منهما ابنةٌ، فابنة كلّ واحد منهما خالة الأخرى. وأما العمتان: فأن يتزوّج رجلٌ أمّ رجل، ويتزوّج الآخر أمّ الآخر، ثم يولد لكلّ واحد منهما ابنةٌ، فبنت كلّ واحد منهما عمّة الأخرى. انتهى كلام القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- . وقال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: قد اختلف العلماء في المعنى المراد بقوله - ﷺ -: لا تُنكح المرأة على عمّتها، ولا على خالتها»: فقالت طائفة: معناه كراهية القطيعة، فلا يجوز لأحد أن يجمع بين امرأتين بينهما قرابة رحمٍ محرّمة، أو غير محرّمة، فلم يجيزوا الجمع بين ابنتي عمّ، أو عمّة، ولا بين ابنتي خال، أو خالة. روي ذلك عن إسحاق بن طلحة بن عبيد اللَّه، والحسن بن أبي الحسن، وجابر بن زيد، وعكرمة، وقتادة، وعطاء، على اختلاف عنه. وروى ابن عيينة عن ابن أبي نَجيح، عن عطاء أنه كره أن يُجمع بين ابنتي العمّ. وعن ابن عيينة، وابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد بن عليّ أنه أخبره أن حسن بن حسن بن عليّ نكح ابنة محمد بن عليّ، وابنة عمر بن عليّ، جمع بين ابنتي عمّ، فأصبح نساؤهم لا يدرين إلى أيّتهما يذهبن. قال ابن جريج: فقلت لعطاء: الجمع بين المرأة
مصادر المؤلف (٧)

١. «فتح»٢٠١ - ٢٠٢.

٢. «المفهم» ٤/ ١٠١ - ١٠٢.

٣. «فتح» ١٠/ ٢٠٢.

٤. هكذا نسخة «المفهم»، والظاهر أنه سقطت منه لفظة «عن»، والأصل: «عن مسألة نكاح المرأة الخ»، فقوله: «فائدة هذا» مبتدأ، خبره «الاحتراز»، و«عن مسألة الخ» متعلق بالاحتراز. واللَّه تعالى أعلم.

٥. هكذا في النسخة، ولعل الصواب: وهذا التحرّز، فليُحرّر.

٦. الترمذيّ رقم (١١٢٦) وهو حديث صحيح، كما قال.

٧. «المفهم» ٧٤/ ١٠٢ - ١٠٤.