HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٣٣٢٨

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي الْفَيْضِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُرَّةَ الزُّرَقِيَّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الزُّرَقِيِّ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْعَزْلِ فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي تُرْضِعُ، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ مَا قَدْ قُدِّرَ فِي الرَّحِمِ سَيَكُونُ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص445
  • زبير علي زئي:إسناده حسن
ج ٦ ص ١٠٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٧ ص٣٤٦
٥٥ - (بَابُ الْعَزْلِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: «العزل» -بفتح العين المهملة، وسكون الزاي-: مصدر عزل، من باب ضرب، يقال عزَلتُ الشيء عن غيره عَزْلًا: إذا نحّيته عنه، ومنه عزَلتُ النائب، كالوكيل: إذا أخرجته عما كان له من الحكم. وعزَلَ المجامعُ: إذا قارب الإنزال، فنزع، وأمنى خارج الفرج. [فائدة]: المجامع إذا أمنى في الفرج الذي ابتدأ الجماع فيه، قيل: أَمَاهَ: أي ألقَى ماءه، وإن لم يُنزل، فإن كان لإعياء وفُتُور، قيل: أَكْسَلَ، وأقحَطَ، وفَهَّرَ تفهيرًا، وإن نزع، وأمنى خارج الفرج، قيل: عزل، لهان أولج في فرجٍ آخر، وأمنى فيه، قيل: فَهَرَ فَهرًا، من باب نفع، ونُهي عن ذلك، وإن أمنى قبل أن يُجامع، فهو الزُّمَّلِقُ -بضمّ الزاي، وفتح الميم، مشدّدة، وكسر اللام- ذكره الفيّوميّ. . واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٣٢٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَحُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَرَدَّ الْحَدِيثَ، حَتَّى رَدَّهُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: ذُكِرَ ذَلِكَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: «وَمَا ذَاكُمْ؟»، قُلْنَا: الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الْمَرْأَةُ، فَيُصِيبُهَا، وَيَكْرَهُ الْحَمْلَ، وَتَكُونُ لَهُ الأَمَةُ، فَيُصِيبُ مِنْهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ مِنْهُ، قَالَ: «لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا، فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحدريّ البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧. ٢ - (حميد بن مسعدة) بن المبارك الساميّ الباهليّ البصريّ، صدوق [١٠] ٥/ ٥. ٣ - (يزيد بن زُريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥. ٤ - (ابن عون) عبد اللَّه، أبو عون البصريّ، ثقة ثبت فاضل [٥ ] ٢٩/ ٣٣. ٥ - (محمد بن سيرين) الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٣] ٤٦/ ٥٧. ٦ - (عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرِ بْنِ مَسْعُودٍ) الأنصاريّ الأزرق، أبو بشر المدنيّ، مقبول [٣] ٥٠/ ١٢٨٦. ٧ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابي ابن الصحابي - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٦٩/ ٢٦٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه إسماعيل، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى ابن سيرين، والباقيان مدنيّان. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن بشر، وفيه أبو سعد - ﵁ - من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرِ بْنِ مَسْعُودٍ) الأنصاريّ الأزرق (وَرَدَّ الْحَدِيثَ) أي ردّ عبد الرحمن هذا الحديث (حًتَّى رَدَّهُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (قَالَ: ذُكرَ ذَلِكَ) أي العزل، وفي رواية مسلم من طريق معاذ بن معاذ، عن ابن عون: «ذُكر العزل عند النبيّ - ﷺ - …» (عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) يعني أنهم سألوه عن حكم العزل. وقال القرطبيّ: والذي حرّكهم للسؤال عنه أنهم خافوا أنه يكون محرّمًا؛ لأنه قطعٌ للنسل، ولذلك أُطلق عليه: «الوأد الخفيّ» . (قَالَ) - ﷺ - (وَمَا ذَاكُمْ؟) أي أيُّ شيء ذاك الأمر الذي تذكرونه؟ قُلْنَا: الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الْمَرْأَةُ،) أي الزوجة (فَيُصِيبُهَا) أي يُجامعها. وفي رواية مسلم المذكورة: «فيُصيب منها» (وَيكْرَهُ الْحَمْلَ) بفتح حرف المضارعة، مبنيًّا للفاعل، وفاعله ضمير «الرجل»، و«الحمل» مفعوله (وَتكُونُ لَهُ الأَمَةُ، فَيُصِيبُ مِنهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ مِنْهُ) لئلا يكون ولده رقيقًا، أولئلا يمتنع عليه بيعها؛ لكونها أمّ ولده. وقال في «الفتح»: ففي هذه الرواية إشارة إلى أن سبب العزل شيئان: أحدهما كراهة مجيء الولد من الأمة، وهو إما أنفَةٌ من ذلك، وإما لئلا يتعذّر بيع الأمة إذا صارت أم ولد، وإما لغير ذلك. والثاني: كراهة أن تحمل الموطوءة، وهي ترضع، فيضرّ ذلك بالولد المرضع انتهى . (قَالَ) - ﷺ - (لَا عَلَيْكُم أَنَّ لَا تَفْعَلُوا) أي ليس عليكم ضرر في الترك، ففيه إشارةٌ أن ترك العزل أحسن من فعله. أو المعنى على النهي: أي لا تفعلوا العزل. وفي رواية البخاريّ: «أو إنكم لتفعلون؟»فَإنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ) أي إنما المؤثر في وجود الولد وعدمه القدرُ، لا العزل، فأيّ حاجة إليه. قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: اختُلف في معنى قوله - ﷺ -: «ما عليكم ألا تفعلوا الخ»: فقيل: ما عليكم في العزل، ولا في امتناعكم منه شيء، فاعزلوا، أو لا تعزلوا، فقد فُرغ من الخلق، وإعدادهم، وما قضي، وسَبَقَ في علم اللَّه، فلا بدّ أن يكون لا محالة. قال اللَّه -﷿-: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ [النبأ: ٢٩]، وقال -﷿-: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: ٥٢، ٥٣] وقيل: بل معنى قوله - ﷺ -: «أن لا تفعلوا»: أي لا تفعلوا العزل، كأنه نَهى عنه. انتهى كلام ابن عبد البرّ . وقال العلاّمة أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: اختُلف في قوله: «لا عليكم ألا تفعلوا»، ففهمتْ طائفةٌ منه النهي والزجر عن العزل، كما حكي عن الحسن، ومحمد ابن المثنى، وكان هؤلاء فهموا من «لا» النهي عما سُئل عنه، وحُذف بعد قوله: «لا»، فكأنه قال: لا تعزلوا، وعليكم ألاّ تفعلوا، تأكيدًا لذلك النهي. وفهمت طائفةٌ أخرى منها الإباحة، وكأنها جعلت جواب السؤال قوله: «لا عليكم ألا تفعلوا»: أي ليس عليكم جناحٌ في أن لا تفعلوا. وهذا التأويل أولى بدليل قوله: «ما من نسمة كائنة إلا ستكون»، وبقوله: «لا عليكم ألا تفعلوا، فإنما هو القدر»، وبقوله: «إذا أراد اللَّه خلقَ الشيء لم يمنعه شيء»، وهذه الألفاظ كلّها مصرّحة بأن العزل لا يردّ القدر، ولا يضرّه، فكأنه قال: لا بأس به. وبهذا تمسّك من رأى إباحة العزل مطلقًا عن الزوجة والسُّرِّيّة، وبه قال كثيرٌ من الصحابة، والتابعين، والفقهاء. وقد كرهه آخرون من الصحابة، وغيرهم، متمسّكين بالطريقة المتقدّمة، وبقوله - ﷺ -: «ذلك الوأد الخفيّ» . ووقع في رواية مسلم لهذا الحديث من طريق أيوب، عن ابن سيرين: ما نصّه: «قال محمد : وقوله: لا عليكم» أقرب إلى النهي. ومن طريق معاذ بن معاذ، عن ابن عون، عن ابن سيرين: ما نصّه: قال ابن عون: فحدّثتُ به الحسنَ، فقال: واللَّه لكأنّ هذا زجر. قال في «الفتح»: قال القرطبيّ: كان هؤلاء فهموا من «لا» النهي عما سألوه عنه، فكأن عندهم بعد «لا» حذفًا، تقديره: لا تعزلوا، وعليكم أن لا تفعلوا، ويكون قوله: «وعليكم الخ» تأكيدًا للنهي. وتُعُقّب بأن الأصل عدم هذا التقدير، وإنما معناه: ليس عليكم أن تتركوا، وهو يساوي أن لا تفعلوا. وقال غيره: قوله: وإلا عليكم أن لا تفعلوا«أي لا حرج عليكم أن لا تفعلوا، ففيه نفي الحرج عن عدم الفعل، فأفهم ثبوت الحرج في فعل العزل، ولو كان المراد نفي الحرج عن الفعل لقال: لا عليكم أن تفعلوا، إلا أن يُدّعَى أنّ»لا«زائدةٌ، فيقال: الأصل عدم ذلك. ووقع في رواية مسلم من طريق مجاهد، عن قَزَعَةَ، عن أبي سعيد الخدريّ، قال؛ ذُكر العزل عند رسول اللَّه - ﷺ -، فقال:«ولِمَ يَفعَلُ ذلك أحدكم؟ »، ولم يقل: لا يفعل ذلك، فأشار إلى أنه لم يصرّح لهم بالنهي، وإنما أشار أن الأولى ترك ذلك؛ لأن العزل إنما كان خشية حصول الولد، فلا فائدة في ذلك؛ لأن اللَّه إن كان قدّر خلق الولد لم يمنع العزل ذلك، فقد يسبق الماء، ولا يشعر العازل، فيحصل العلوق، ويلحقه الولد، ولا رادّ لما قضى اللَّه، والفرار من حصول الولد يكون لأسباب: (منها): خشية علوق الزوجة الأمةِ؛ لئلاّ يصير الولد رقيقا، أو خشية دخول الضرر على الولد المرضع إذا كانت الموطوءة تُرضعه، أو فرارًا من كثرة العيال، إذا كان الرجل مُقِلًّا، فيرغب عن قلّة الولد، لئلا يتضرّر بتحصيل الكسب، وكلُّ ذلك لا يُغني شيئًا. وقد أخرج أحمد، والبزّار، وصحّحه ابن حبّان من حديث أنس - ﵁ -: أن رجلًا سأل عن العزل؟ فقال النبيّ - ﷺ -: «لو أن الماء الذي يكون منه الولد أهرقته على صخرة لأخرج اللَّه منها ولدًا». وله شاهدان في «الكبير» للطبراني عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وفي «الأوسط» له عن ابن مسعود - ﵁ -. قال الحافظ: وليس في جميع الصور التي يقع العزل بسببها ما يكون العزل فيه راجحًا، سوى الصورة المتقدّمة من عند مسلم في طريق عبد الرحمن بن بشر، عن أبي سعيد -يعني حديث الباب- وهي خشية أن يضرّ الحمل بالولد المرضع؛ لأنه مما جُرّب، فضرّ غالبًا، لكن وقع في بقية الحديث عند مسلم أن العزل بسبب ذلك لا يفيد؛ لاحتمال أن يقع الحمل بغير الاختيار. ووقع عند مسلم في حديث أُسامة بن زيد: جاء رجلٌ إلى رسول اللَّه - ﷺ -، فقال: إني أعزل عن امرأتي شفقةً على ولدها، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «إلا، إن كان كذلك، فلا، ما ضار ذلك فارس ولا الروم». وفي العزل أيضًا إدخال ضرر على المرأة لما فيه من تفويت لذّتها انتهى . وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٥/ ٣٣٢٨ - وفي «الكبرى» ٥٤/ ٥٤٨٦. وأخرجه (خ) في «البيوع» ٢٢٢٩ و«العتق» ٢٥٤٢ و«المغازي» ٤١٣٨ و«النكاح» ٥٢١٠ و«القدر» ٦٦٠٣ و«التوحيد» ٧٤٠٩ (م) في «النكاح» ١٤٣٨ (د) في «النكاح» ٢١٧٠ و٢١٧٢ (ق) في «النكاح» ١٩٢٦ (أحمد) في «مسند المكثرين» ١٠٦٩٤ و١٠٧٨٨ و١٠٨٢٠ و١١٠٦٦ و١١١١٠ و١١١٥١ و١١١٧٢ و١١٢٠٨ و١١٢٢٥١ و١١٣٣٥ و١١٤٦٨ (الموطأ) في «الطلاق» ١٢٦٢ (الدارمي) في «النكاح» ٢٢٢٣ و٢٢٢٤. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم العزل، وهو مختلف فيه، سيأتي بيانه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): جواز كراهة الإنسان حمل زوجته؛ لسبب من الأسباب. (ومنها): أن قوله - ﷺ - «أو إنكم لتفعلون» يُشعر بأنه - ﷺ - ما كان يطّلع على فعلهم ذلك، ففيه تعقّبٌ على من قال: إن قول الصحابيّ: كنّا نفعل كذا في عهد رسول اللَّه - ﷺ - مرفوعٌ؛ معتلًّا بأن الظاهر اطلاع النبيّ - ﷺ -، ففي هذا الخبر أنهم فعلوا العزل، ولم يعلم به حتى سألوه عنه. ويُجاب عن هذا بأن دواعيهم كانت متوفّرة على سؤاله - ﷺ - عن أمور الدين، فإذا فعلوا الشيء، وعلموا أنه لم يطّلع عليه بادروا إلى سؤاله عن الحكم فيه، فيكون الظهور من هذه الحيثيّة. أفاده في «الفتح». وأيضًا على تقدير أنه - ﷺ - لا يطّلع عليه أن الوحي لا يسكت عنه، كما أفصح بذلك جابر - ﵁ - حيث قال: «كنّا نَعزل، والقرآن يَنزل» رواه مسلم، فقد استدلّ الصحابيّ - ﵁ - على جواز العزل بعدم نزول القرآن بتحريمه، وهو استدلالٌ واضح. وأخرج الدارقطنيّ، وغيره عن أبي ثعلبة الْخُشَنيّ - ﵁ -، مرفوعًا: «إن اللَّه تعالى فرض فرائض، فلا تضيّعوها، وحدّ حُدُودًا، فلا تعتدوها، وحرّم أشياء، فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمةً لكم، غير نسيان، فلا تبحثوا عنها» . (ومنها): ما قاله الحافظ ابن عبد البّر: في هذا الحديث إثبات قِدَم العلم، وأن الخلق يُجزَون في علم قد سبق، وجفّ به القلم في كتاب مسطور. على هذا أهل السنَّة، وهم أهل الحديث، والفقه. وجمدة القول في الْقَدَر أنه علم اللَّه، وسرّه، لا يُدرك بجدل، ولا تُشْفِي منه خُصُومةٌ، ولا احتجاج، وحسبُ المؤمن بالقدر أنه لا يقوم بشيء، دون إرادة اللَّه -﷿-، وأن الخلق كلهم خلقُهُ، وملكه، ولا يكون في ملكه إلا ما شاء، وما نشاء إلا أن يشاء اللَّه، ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، وله الخلق، والأمرُ، له ما في السموات، وما في الأرض، وما بينهما، وما تحت الثرى، ولا يكون في شيء من ذلك إلا ما يشاء، يغفر لمن يشاء، ويُعذّب من يشاء، ومن عذّبه فبذنبه، ويعفو عمن يشاء من عباده، ومن لم يوفّقه، فليس بظالم له، لا يظلم مثقال ذرّة، وإن تك حسنةً يُضاعفها، وما ربّك بظلاّم للعبيد انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم العزل: اختلف السلف في حكم العزل، قال ابن عبد البرّ: لا خلاف بين العلماء أنه لا يعزل عن الزوجة الحرّة إلا بإذنها؛ لأن الجماع من حقّها، ولها المطالبة به، وليس الجماع المعروف إلا ما لا يلحقه عزل. ووافقه في نقل الإجماع ابن هُبيرة. قال في «الفتح»: وتُعُقّب بأن المعروف عند الشافعيّة أن المرأة لا حقّ لها في الجماع أصلًا ، ثم في خصوص هذه المسألة عند الشافعيّة خلافٌ مشهور في جواز العزل عن الحرّة بغير إذنها. قال الغزاليّ وغيره: يجوز، وهو المصحّح عند المتأخّرين. واحتجّ الجمهور لذلك بحديث عن عمر، أخرجه أحمد، وابن ماجه بلفظ: «نُهي عن العزل عن الحرّة إلا لإذنها». وفي إسناده ابن لهيعة. والوجه الآخر للشافعيّة الجزم بالمنع إذا امتنعت، وفيما إذا رضيت وجهان، أصحّهما الجواز. وهذا كلّه في الحرّة، وأما الأمة، فإن كانت زوجة، فهي مُرَتّبة على الحرّة، إن جاز فيها ففي الأمة أولى، وإن امتنع فوجهان، أصحّهما الجواز؛ تحرّزًا من إرقاق الولد، وإن كانت سُرّيّةً جاز بلا خلاف عندهم إلا في وجه حكاه الرويانيّ في المنع مطلقًا، كمذهب ابن حزم، وإن كانت السرّية مستولدةً، فالراجح الجواز فيه مطلقًا؛ لأنها راسخةٌ في الفراش. وقيل؛ حكمها حكم الأمة المزوّجة. هذا: واتفقت المذاهب الثلاثة على أن الحرّة لا يعزل عنها إلا بإذنها، وأن الأمة يعزل عنها بَغير إذنها، واختلفوا في المزوّجة، فعند المالكيّة يحتاج إلى إذن سيّدها، وهو قول أبي حنيفة، والراجح عن محمد، وقال أبو يوسف، وأحمد: الإذن لها، وهي رواية عن أحمد، وعنه بإذنها، وعنه يباح العزل مطلقًا، وعنه المنع مطلقًا. والذي احتجّ به من جنح إلى التفصيل لا يصحّ إلا عند عبد الرزاق عنه بسند صحيح، عن ابن عبّاس، قال: «تُستأمر الحرّة في العزل، ولا تُستأمر الأمة السرّيّة، فإن كانت أمة تحت حرّ، فعليه أن يستأمرها». وهذا نصّ في المسألة، فلو كان مرفوعًا لم يجُز العدول عنه. وقد استنكر ابن العربيّ القول بمنع العزل عمن يقول بأن المرأة لا حقّ لها في الوطء، ونقل عن مالك أن لها حقّ المطالبة به إذا قصد بتركه إضرارها . وعن الشافعيّ، وأبي حنيفة لا حقّ لها فيه إلا في وطأة واحدة يستقرّ بها المهر، قال: فإذا كان الأمر كذلك، فكيف يكون لها حقّ في العزل، فإن خصّوه بالوطئة الأولى، فيمكن، وإلا فلا يسوغ فيما بعد ذلك إلا على مذهب مالك بالشرط المذكور انتهى. وما نقله عن الشافعيّ غريبٌ، والمعروف عند أصحابه أنه لا حقّ لها أصلًا. نعم جزم ابن حزم بوجوب الوطء، وبتحريم العزل، واستند إلى حديث جدامة بنت وهبٍ: «أن النبيّ - ﷺ - سُئل عن العزل، فقال:«ذلك الوأد الخفيّ». أخرجه مسلم. وهذا معارض بحديثين: أحدهما أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، وصححه من طريق معمر عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر، قال:«كانت لنا جواري، وكنّا نعزل، فقالت اليهود: إن تلك الموءودة الصغرى، فسُئل رسول اللَّه - ﷺ - عن ذلك؟ فقال: كذبت اليهود، لو أراد اللَّه خلقه لم تستطع ردّه». والحاصل أن مذهب مالك -رحمه اللَّه تعالى- هو الأرجح في المسألة. واللَّه تعالى أعلم. وأخرجه النسائيّ من طريق هشام، وعليّ بن المبارك، وغيرهما عن يحيى، عن محمد ابن عبد الرحمن، عن أبي مُطيع بن رفاعة، عن أبي سعيد نحوه. ومن طريق أبي عامر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ - نحوه. ومن طريق سليمان الأحول أنه سمع عمرو بن دينار يسأل أبا سلمة بن عبد الرحمن عن العزل؟ فقال: زعم أبو سعيد، فذكر نحوه، قال: فسألت أبا سلمة، أسمعته من أبي سعيد؟ قال: لا، ولكن أخبرني رجلٌ عنه. والحديث الثاني: في النسائيّ من وجه آخر عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وهذه طرُقٌ يتقوّى بعضها ببعضٍ. وجُمعَ بينها وبين حديث جدامة يحمل حديث جدامة على التنزيه، وهذه طريقة البيهقيّ. ومنهم من ضعّف حديث جدامة بأنه معارضٌ بما هو أكثر طرُقًا منه، وكيف يصرح بتكذيب اليهود في ذلك، ثم يُثبته؟. وهذا دفعٌ للأحاديث الصحيحة بالتوهّم، والحديث صحيحٌ لا ريب فيه، والجمع ممكنٌ. ومنهم من ادّعى أنه منسوخٌ. ورُدّ بعدم معرفة التاريخ. وقال الطحاويّ: يحتمل أن يكون حديث جدامة على وفق ما كان عليه الأمر أوّلًا من موافقة أهل الكتاب، وكان - ﷺ - يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يُنْزَل عليه، ثم أعلمه اللَّه بالحكم، فكذب اليهود فيما كانوا يقولونه. وتعقّبه ابن رُشد، ثم ابن العربيّ بأنه لا يَجزِم بشيء تبعًا لليهود، ثم يُصرّح بتكذيبهم فيه. ومنهم: من رجّح حديث جدامة بثبوته في الصحيح، وضعف مقابله بأنه حديث واحد، اختُلف في إسناده، فاضطَرَبَ. وردّ بأن الاختلاف إنما يَقدح حيث لا يقوَى بعض الوجوه، فمتى قويَ بعضها عُمل به، وهو هنا كذلك، والجمع ممكن. ورجّح ابن حزم العمل بحديث جدامة بأن أحاديث غيرها توافق أصل الإباحة، وحديثها يدلّ على المنع، قال: فمن ادّعى أنه أُبيح بعد أن مُنع، فعليه البيان. وتُعُقّب بأن حديثها ليس صريحًا في المنع، إذ لا يلزم من تسميته وأدًا خفيًّا على طريقة التشبيه أن يكون حرامًا. وخصّه بعضهم بالعزل عن الحامل؛ لزوال المعنى الذي كان يحذره الذي يَعزل من حصول الحمل. لكن فيه تضييعُ الحمل؛ لأن المنيّ يغذوه، فقد يؤدّي العزل إلى موته، أو إلى ضعفه المفضي إلى موته، فيكون وَأْدًا خفيًّا. وجمعوا أيض بيّن تكذيب اليهود في قولهم: الموؤودة الصغرى، وبين إثبات كونه وأدًا خفيًّا في حديث جدامة بأن قولهم: الموؤودة الصغرى يقتضي أنه وأدٌ ظاهر، لكنه صغير بالنسبة إلى دفن المولود بعد وضعه حيًّا، فلا يعارض قوله: إن العزل وأدٌ خفيّ، فإنه يدلّ على أنه ليس في حكم الظاهر، فلا يترتّب عليه حكم، وإنما جعله وأدًا من جهة اشتراكهما في قطع الولادة. وقال بعضهم: قوله: «الوأد الخفيّ» وَرَدَ على طريقة التشبيه؛ لأنه قطع طريق الولادة قبل مجيئه، فأشبه قتل الولد بعد مجيئه. قال ابن القيّم: الذي كُذِّبَت فيه اليهودُ زعمهم أن العزل لا يُتصوّر معه الحمل أصلًا، وجعلوه بمنزلة قطع النسل بالوأد، فأكذبهم، وأخبر أنه لا يمنع الحمل إذا شاء اللَّه خلقه، وإذا لم يرد خلقه لم يكن وأدًا حقيقيةً، وإنما سمّاه وأدًا خفيًّا في حديث جدامة؛ لأن الرجل إنما يعزل هربًا من الحمل، فأجرى قصده لذلك مجرى الوأد، لكن الفرق بينهما أن الوأد ظاهر بالمباشرة، اجتمع فيه القصد والفعل، والعزل يتعلّق بالقصد صِرْفًا، فلذلك وصفه بكونه خفيًّا. قال الحافظ: فهذه عدّة أجوبة يقف معها الاستدلال بحديث جدامة على المنع. قال: وقد جنح إلى المنع من الشافعيّة ابن حبّان ، فقال في «صحيحه»: [ذكرُ الخبر الدّالّ على أن هذا الفعل مزجورٌ عنه، لا يُباح استعماله]، ثم ساق حديث أبي ذرّ رفعه: «ضعه في حلاله، وجنّبه حرامه، وأقرره، فإن شاء اللَّه أحياه، وإن شاء أماته، ولك أجر» انتهى. ولا دلالة فيما ساقه على ما ادّعاه من التحريم، بل هو أمر إرشاد لما دلّت عليه بقية الأخبار. واللَّه أعلم. وعند عبد الرزّاق وجهٌ آخر عن ابن عباس أنه أنكر أن يكون العزل وأدًا، وقال: المني يكون نطفةً، ثم علقةً، ثم مضغةً، ثم عظمًا، ثم يُكسى لحمًا، قال: والعزل قبل ذلك كله». وأخرج الطحاويّ من طريق عبد اللَّه بن عديّ بن الخيار عن عليّ نحوه في قصّة حرب عند عمر، وسنده جيّد. انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن مما ذُكر أن الأرجح قول من قال بجواز العزل للحاجة، وأن الأولى عدم فعله، وبهذا تجتمع الأدلة في هذا الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: اختلف القائلون بالنهي عن العزل في علّة النهي، فقيل: لتفويت حقّ المرأة. وقيل: لمعاندة القَدَر، وهذا الثاني هو الذي يقتضيه معظم الأخبار الواردة في ذلك، والأول مبنيّ على صحّة الخبر المفرّق بيّن الحرّة والأمة. وقال إمام الحرمين: موضع المنع أنه ينزع بقصد الإنزال خارج الفرج خشية العلوق، ومتى فُقِد ذلك لم يُمنع، وكأنه راعى سبب المنع، فإذا فُقد بقي أصل الإباحة، فله أن ينزع متى شاء حتى لو نزع، فأنزل خارج الفرج اتفاقًا، لم يتعلّق به النهي. قاله في «الفتح» . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في حكم معالجة إسقاط النطفة، واستعمال الأدوية لذلك، أو لمنع الحمل، وحكم تحديد النسل: قال في «الفتح» بعد ذكر ما تقدّم في المسألة الماضية: ما نصّه: وُينتزع من حكم العزل حكم معالجة المرأة إسقاط النطفة قبل نفخ الروح، فمن قال بالمنع هناك، ففي هذه أولى، ومن قال بالجواز يمكن أن يلتحق به هذا، ويمكن أن يُفرّق بأنه أشدّ؛ لأن العزل لم يقع فيه تعاطي السبب، ومعالجة السقط تقع بعد تعاطي السبب. ويلتحق بهذه المسألة تعاطي المرأة ما يقطع الْحَبَل من أصله، وقد أفتى بعض متأخّري الشافعيّة بالمنع، وهو مشكلٌ على قولهم بإباحة العزل مطلقًا. انتهى . وقد صدرت قرارات من هيئة كبار العلماء في هذا الموضوع، أحببت إيرادها هنا تتميمًا للفائدة، وهذا نصّها: وهذا قرار رقم ٤٢ بتاريخ ١٣/ ٤/ ١٣٩٦هـ الحمد للَّه، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، وعلى آله وصحبه، وبعد: ففي الدورة الثامنة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة في النصف الأول من شهر ربيع الآخر عام ١٣٩٦ هـ بَحَثَ المجلسُ موضوع منع الحمل، وتحديد النسل، وتنظيمه، بناءً على ما تقرّر في الدورة السابعة للمجلس المنعقدة في النصف الأول من شهر شعبان ١٣٩٥هـ من إدراج موضوعها في جداول أعمال الدورة الثامنة. وقد اطّلع المجلس على البحث المعدّ في ذلك، من قِبَل اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء، وبعد تداول الرأي، والمناقشة بيّن الأعضاء، والاستماع إلى وجهات النظر، قرّر المجلس ما يلي: نظرًا إلى أن الشريعة الإِسلامية تَرغب في انتشار النسل، وتكثيره، وتعتبر النسل نعمةً كبرى، ومنّةً عظيمةً، مَنَّ اللَّهُ بها على عباده، فقد تضافرت بذلك النصوص الشرعيّة، من كتاب اللَّه، وسنّة رسوله - ﷺ -، مما أوردته اللجنة الدائمة للبحوث العلميّة، والإفتاء في بحثها المعدّ للهيئة، والمقدّم لها، ونظرًا إلى أن القول بتحديد النسل، أو منع الحمل مصادم للفطرة الإنسانيّة التي فطر اللَّه الخلق عليها، وللشريعة الإِسلاميّة التي ارتضاها الربّ لعباده، ونظرًا إلى أن دعاة القول بتحديد النسل، أو منع الحمل فئة تهدف بدعوتها إلى الكيد للمسلمين بصفة عامة، وللأمة العربيّة المسلمة بصفة خاصّة، حتى تكون لديهم القدرة على استعمار البلاد، واستعمار أهلها، وحيث إن في الأخذ بذلك ضربًا من أعمال الجاهليّة، وسوء ظن باللَّه تعالى، وإضعافًا للكيان الإِسلاميّ المتكوّن من كثرة اللبنات البشريّة، وترابطها؛ لذلك كلّه، فإن المجلس يقرّر بأنه لا يجوز تحديد النسل مطلقًا، ولا يجوز منع الحمل إذا كان القصد منه خشية الإملاق؛ لأن اللَّه تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، وأما إذا كان منع الحمل لضرورة محقّقة، ككون المرأة لا تلد ولادة عاديّةٌ، وتضطرّ معها إلى إجراء عمليّة جراحية لإخراج الولد، أو كان تأخيره لفترة ما؛ لمصلحة يراها الزوجان، فإنه لا مانع حينئذ من منع الحمل، أو تأخيره، عملًا بما جاء في الأحاديث الصحيحة وما روي عن جمع من الصحابة - ﵃ - من جواز العزل، وتمشيًا مع ما صرّح به بعض الفقهاء من جواز شرب الدواء لإلقاء النطفة قبل الأربعين، بل قد يتعيّن منع الحمل في حالة ثبوت الضرورة المحقّقة، وقد توقف فضيلة الشيخ عبد اللَّه بن غديان في حكم الاستثناء. وصلى اللَّه على محمد. «هيئة كبار العلماء». وهذا نصّ قرار مجمع الفقه الإِسلامي رقم (١) د ٥/ ٠٩/ ٨٨ بشأن تنظيم النسل: إن مجلس مجمع الفقه الإِسلاميّ المنعقد في دورة المؤتمر الخامس بالكويت من (١) إلى (٦) جمادى الأولى ١٤٠٩ هـ ١٠/ - إلى ١٥ - كانون الأول (ديسمبر) ١٩٨٨ م بعد اطلاعه على البحوث المقدّمة من الأعضاء، والخبراء في موضوع تنظيم النسل، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله، وبناءً على أن من مقاصد الزواج في الشريعة الإِسلاميّة الإنجاب، والحفاظ على النوع الإنسانيّ، وأنه لا يجوز إهدار هذا المقصد؛ لأن إهداره يتنافى مع نصوص الشريعة، وتوجيهاتها الداعية إلى تكثير النسل، والحفاظ عليه، والعناية به باعتبار حفظ النسل أحد الكليّات الخمس التي جاءت الشرائع برعايتها، قرّر ما يلي: ١ -: لا يجوز إصدار قانون عامّ يحد من حرّية الزوجين في الإنجاب. ٢ -: يحرم استئصال القدرة على الإنجاب في الرجل، أو المرأة، وهو ما يُعرف بـ «الإعقام»، أو «التعقيم» ما لم تدع إلى ذلك الضرورة بمعاييرها الشرعيّة. ٣ -: يجوز التحكّم المؤقّت في الإنجاب بقصد المباعدة بين فترات الحمل، أو إيقافه لمدّة معينة من الزمان، إذا دعت حاجة معتبرةٌ شرعًا بحسب تقدير الزوجين عن تشاور بينهما، وتراضٍ، بشرط أن لا يترتّب على ذلك ضررٌ، وأن تكون الوسيلة مشروعةٌ، وأن لا يكون فيها عدوانٌ على حمل قائم. واللَّه أعلم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قرّره هيئة كبار العلماء، ومجمع الفقه الإِسلامي بالكويت، ونحوهما ما قرره مجلس المجمع الفقه الإسلاميّ بمكة المكرمة، تقرير حسنٌ جدًّا، ينبغي التمسّك به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: ومما له صلةٌ بالمسألة ما قرّره مجلس المجمع الفقه الإسلاميّ لرابطة العالم الإِسلاميّ بشأن تحويل الذكر إلى الأنثى، وبالعكس، فقد قرّر في دورته الحادية عشرة المنعقدة بمكة المكرّمة في الفترة من يوم الأحد ١٣ رجب ١٤٠٩هـ الموافق ١٩ فبراير ١٩٨٩ م إلى يوم الأحد ٢٠ رجب ١٤٠٩ هـ الموافق ٢٦ فبراير ١٩٨٩ م قد نظر في موضوع تحويل الذكر إلى الأنثى، وبالعكس، وبعد البحث والمناقشة بين أعضائه قرّر ما يلي: ١ -: الذكر الذي كملت أعضاء ذكورته، والأنثى التي كملت أعضاء أنوثتها، لا يحلّ تحويل أحدهما إلى النوع الآخر، ومحاولة التحويل جريمة يستحقّ فاعلها العقوبة؛ لأنه تغيير لخلق اللَّه، وقد حرّم اللَّه ﷾ هذا التغيير بقوله تعالى، مخبرًا عن قول الشيطان: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، فقد جاء في «صحيح مسلم» عن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال: «لعن اللَّه الواشمات، والمستوشمات، والنامصات، والمتنمصات، والمتفلّجات للحسن، المغيّرات خلق اللَّه ﷾»، ثم قال: ألا ألعن من لعن رسول اللَّه - ﷺ -، وهو في كتاب اللَّه ﷾يعني قوله تعالى:
مصادر المؤلف (١٨)

١. راجع «المصباح المنير» في مادّة «عزل» ص ٤٠٧ - ٤٠٨.

٢. جعله في «التقريب» من السادسة، والحقّ أنه من الخامسة، مثل أيوب السختياني؛ لأنه رأى أنسًا - ﵁ -، فتأمّل. واللَّه تعالى أعلم.

٣. «المفهم» ٤/ ١٦٦.

٤. «فتح» ١٠/ ٣٨٤.

٥. «الاستذكار» ١٨/ ٢٠٤ - ٢٠٥.

٦. رواه أحمد ٦/ ٣٦١ رقم ٤٣٤، ومسلم ١٤٤٢، وابن ماجه ٢٠١١.

٧. أي ابن سيرين.

٨. هكذا في «الفتح»، والظاهر أنه بـ«في» بدل «عن». واللَّه أعلم.

٩. «فتح» ١٠/ ٣٨٤ - ٣٨٥.

١٠. حسّنه النوويّ في «الأربعين»، وأعلّه ابن رجب بالانقطاع بين مكحول، وأبي ثعلبة - ﵁ -.

١١. «الاستذكار» ١٨/ ٢٠٩ - ٢١٠.

١٢. قلت: قد تقدّم لنا البحث في هذا، وأن الحقّ وجوب الجماع للمرأة إذا احتاجت، فلا تغفل.

١٣. هذا هو الصواب الذي تدلّ عليه النصوص، فقد أوجب اللَّه تعالى لهنّ مثل ما عليهنّ، في قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية، فكما أن عليها التمكين من جماعها، كذلك عليه أن يجامعها إذا طلبت منه، وليس هناك مانع، من مرض، أو نحوه، لظاهر الآية.

١٤. قلت: جعلُ ابْنِ حبّان من مقلّدي الشافعيّ فيه نظر لا يخفى، فمن تتبع مذهبه في«صحيحه» يعلم أنه لا يقلّده، ولا يقلّد غيره، بل هو كسائر أهل الحديث مجتهد، يتبع الدليل، ولا ينظر إلى قول أحد، كما هو حال الشيخين، وأصحاب السنن، وقد قدّمنا تمام البحث في هذا الموضوع في مقدّمة هذا الشرح بما فيه الكفاية، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى وليّ التوفيق.

١٥. «فتح» ١٠/ ٣٨٥ - ٣٨٧.

١٦. «فتح» ١٠/ ٣٨٧.

١٧. «فتح» ١٠/ ٣٨٧ - ٣٨٨.

١٨. هكذا عزوه إلى «صحيح مسلم» فقط، والصواب أنه متّفق عليه، فقد أخرجه البخاريّ في «التفسير»، و«اللباس» من «صحيحه»، فليُتنبّه.