HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٣٣٥٢

أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ : «رَآنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعَلَيَّ بَشَاشَةُ الْعُرْسِ، فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: كَمْ أَصْدَقْتَهَا؟ قَالَ: زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص453
  • زبير علي زئي:صحيح مسلم
ج ٦ ص ١٢٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٨ ص٥٥
جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وقوله -﷿-: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، فصلى اللَّه وسلم، وبارك عليه وعلى آله، وصحبه أجمعين. (ومنها): بيان منقبة النجاشيّ، وفضيلته، حيث طلب منه النبيّ - ﷺ - أن يزوّجه أم حبيبة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فقام في ذلك أحسن قيام، وبالغ في إكرامها تعظيمًا له - ﷺ - أيَّ إكرام، ف- رضي اللَّه تعالى - عنه، وأرضاه، وجعل جنّة الفردوس مثواه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٦٧ - (التَّزْوِيجُ عَلَى نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: «النّوَى» -بفتح النون، والواو، مقصورًا-: اختُلف في المراد به على أقوال: فقيل: المراد واحدة نوى التمر، كما يوزن بنوى الخَرُّوب، وأن القيمة عنها يومئذ كانت خمسة دراهم. وقيل: كان قدرها يومئذ ربع دينار. ورُدّ بأن نوى التمر يَختلف في الوزن، فكيف يُجعل معيارًا لما يوزن به؟. وقيل: لفظ النواة من ذهب عبارة عما قيمته خمسة دراهم من الورق، وجزم به الخطّابيّ، واختاره الأزهريّ، ونقله عياضٌ عن أكثر العلماء. ويؤيّده أن في رواية للبيهقيّ من طريق سعيد بن بشر، عن قتادة: «وزن نواة من ذهب، قُوّمت خمسةَ دراهمَ». وقيل: وزنها من الذهب خمسة دراهم. حكاه ابن قتيبة، وجزم به ابن فارس، وجعله البيضاويّ الظاهر. واستُبعِدَ لأنه يستلزم أن يكون ثلاثة مثاقيل ونصفًا. ووقع في رواية حجّاج بن أرطأة، عن قتادة، عند البيهقيّ: «قُوّمت ثلاثة دراهم وثلثًا». وإسناده ضعيف، ولكن جزم به أحمد. وقيل: ثلاثة ونصفٌ. وقيل: ثلاثة وربع. وعن بعض المالكيّة النواة عند أهل المدينة ربع دينار. ويؤيّد هذا ما وقع عند الطبرانيّ في «الأوسط» في آخر الحديث قال أنس: «جاء وزنها ربع دينار». وقد قال الشافعيّ: النواة ربع النّشّ نصف أوقيّة، والأوقيّة أربعون درهمًا، فيكون خمسة دراهم، وكذا قال أبو عبيد: إن عبد الرحمن بن عوف دفع خمسة دراهم، وهي تسمى نواة كما تسمّى الأربعون أوقيّة، وبه جزم أبو عوانة، وآخرون. قاله في «الفتح» . واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٣٥٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لِمُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَبِهِ أَثَرُ الصُّفْرَةِ، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؟، فَأَخْبَرَهُ، أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا؟»، قَالَ: زِنَةَ نَوَاةٍ، مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَوْلِمْ، وَلَوْ بِشَاةٍ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن سلمة) المرادي الجملي، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠. ٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد بن يوسف الأموي مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩. ٣ - (ابن القاسم) عبد الرحمن الْعُتقي، أبو عبد اللَّه المصري الفقيه، صاحب مالك، ثقة، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠. ٤ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين [٧] ٧/ ٧. ٥ - (حميد الطويل) ابن أبي حميد، أبو عبيدة البصري، ثقة، يدلس [٥] ٨٧/ ١٠٨. ٦ - (أنس بن مالك) خادم رسول اللَّه - ﷺ - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أن فيه أنسًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة - ﵃ - بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ) بن عبد عوف ابن عبد الحارث بن زهرة القرشيّ الزهريّ، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، أسلم قديمًا، ومناقبه شهيرة، ومات - رضي اللَّه تعالى عنه - سنة (٣٢) وقيل: غير ذلك، تقدّمت ترجمته في -٤٠/ ٢٢٠٨ - (جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَبِهِ أَثَرُ الصُّفْرَةِ) أي أثر طيب. وفي رواية: «فلقيه النبيّ - ﷺ - في سكة من سِكك المدينة، وعليه وَضَر من صفرة». وفي رواية: «وعليه وضرٌ من خَلُوق». وفي رواية: «وعليه رَدْعُ زعفران». و«الوضر» بفتح الواو، والضاد المعجمة، وآخره راءٌ: هو في الأصل الأثر. و«الرَّدْعُ» بمهملات مفتوح الأول، ساكن الثاني-: هو أثر الزعفران. والمراد بالصفرة صفرةُ الْخَلُوق، والْخَلُوق: طيب من زعفران وغيره. قاله في «الفتح» . وفي الحديث قصّة، ساقه البخاريّ، ولفظه: حدثنا عليّ، حدثنا سفيان، قال: حدثني حميد، أنه سمع أنسا - ﵁ -، قال: سأل النبي - ﷺ -، عبد الرحمن بن عوف -وتزوج امرأة من الأنصار-: «كم أصدقتها؟، قال: وَزْنَ نواة من ذهب، وعن حميد، سمعت أنسا، قال: لما قدموا المدينة، نزل المهاجرون على الأنصار، فنزل عبد الرحمن بن عوف، على سعد بن الربيع، فقال: أقاسمك مالي، وأَنزِل لك عن إحدى امرأتيّ، قال: بارك اللَّه لك في أهلك ومالك، فخرج إلى السوق، فباع، واشترى، فأصاب شيئا من أقط، وسمن، فتزوج، فقال النبي - ﷺ -:»أولم، ولو بشاة«. (فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -؟) وفي الرواية الآتية في -٧٥/ ٣٣٧٤ -:«فقال رسول اللَّه - ﷺ -: مَهْيم». أي ما شأنك، أو ما هذا (فَأَخْبَرَهُ، أنّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ) هي بنت أبي الحيسر أنس بن رافِع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل (فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:«كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا) أيْ أَيَّ مَبلغ من المال دفعت إلى هذه المرأة. وفي رواية: »كم أصدقتها؟« (قَالَ) عبد الرحمن (زِنَةَ نَوَاةٍ) بالنصب على تقدير فعل، أي سُقتُ إليها زنةَ نواة، ويجوز الرفع على تقدير مبتدإ، أي الذي سقته إليها هو زنةُ نواة. قال في «النهاية»: النواةُ اسم لخمسة دراهم، كما قيل للأربعين أوقيّة وللعشرين نَشّ. وقيل: أراد قدر نواة من ذهب كان قيمتها خمسة دراهم، ولم يكن ثَمَّ ذهب، وأنكره أبو عبيد. قال الأزهريّ: لفظ الحديث، يدلّ على أنه تزوّج المرأة على ذهب قيمته خمسة دراهم، ألا تراه قال: نواة من ذهب، ولست أدري لِمَ أنكره أبو عُبيد، والنواة في الأصل عَجَمَةُ التمرة انتهى . وتقدّم الخلاف في معنى النواة مستوفًى أول الباب. (مِنْ ذَهَبٍ) قال في «الفتح»: كذا وقع الجزم في رواية ابن عيينة، والثوريّ، وكذا في رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، وحميد. وفي رواية زهير، وابن عليّة: «نواة من ذهب، أو وزن نواة من ذهب». وكذا في رواية عبد الرحمن نفسه بالشكّ. وفي رواية شعبة عن عبد العزيز بن صُهيب: «على وزن نواة»، وعن قتادة: «على وزن نواة من ذهب»، ومثل الأخير في رواية حماد بن زيد، عن ثابت، وكذا أخرجه مسلم من طريق أبي عوانة، عن قتادة، ولمسلم من رواية شعبة، عن أبي حمزة، عن أبي: «على وزن نواة، فقال رجلٌ من ولد عبد الرحمن: من ذهب». ورجّح الداوديّ رواية من قال: «على نواة من ذهب»، واستنكر رواية من روى: «وزن نواة. قال الحافظ: واستنكاره هو المنكر؛ لأن الذين جزموا بذلك أئمّةٌ حُفّاظ. قال عياضٌ: لا وهم في الرواية؛ لأنها إن كانت نواة تمر، أو غيره، أو كان للنواة قدرٌ معلوم، صلح أن يقال في كلّ ذلك: وزن نواة. انتهى. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -:«أَوْلِمْ) فعل أمر من أولَمَ: إذا صَنَعَ وَلِيمَة، أي اصنع وليمة. و»الوليمة«: اسم لكلّ طعام يُتّخذ لجمع. وقال ابن فارس هي طعام الْعُرْس، وزاد الجوهريّ شاهدًا، والجمع وَلائم. قاله الفيّوميّ. وقال ابن منظور: الوليمة طعام العُرس، والإملاك. وقيل: هي كلّ طعام صُنِع لِعُرس وغيره، وقد أولم. قال أبو عبيد: سمعت أبا زيد يقول: يُسمَّى الطعام الذي يُصنع عند الْعُرْس الوليمةَ، والذي عند الإملَاكِ النَّقِيعَةَ انتهى . وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الرابعة إن شاء اللَّه تعالى. (وَلَوْ بِشَاةٍ) «لو» هنا للتقليل، كما في حديث: «رُدُّوا السائل ولو بظلف مُحْرَق» ، قال السيوطيّ في «الكوكب الساطع» عند تعداد معاني «لو»: وَقِلَّةٍ كَخَبَرِ الْمُصَدَّقِ … تَصَدَّقُوا وَلَو بِظِلْفِ مُحْرَقِ وقال في «الفتح»: ليست «لو» هذه الامتناعيّة ، وإنما هي للتقليل. وزاد في رواية حماد بن زيد: «فقال: بارك اللَّه لك» قبل قوله: «أولم». وكذا في رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، وحميد، وزاد في آخر الحديث: «قال عبد الرحمن: فلقد رأيتني، ولو رفعت حجرًا لرجوت أن أصيب ذهبًا أو فضّة». فكأنه قال ذلك إشارةً إلى إجابة الدعوة النبويّة بأن يبارك اللَّه له. ووقع في رواية أبي هريرة - ﵁ - بعد قوله: «أَعْرَستَ؟»، قال: نعم، قال: «أولمت؟» قال: لا، فرمى إليه رسول اللَّه - ﷺ - بنواة من ذهب، فقال: «أولم، ولو بشاة». وهذا لو صحّ كان فيه أن الشاة من إعانة النبيّ - ﷺ -، وكان يعكُرُ على من استدلّ به على أن الشاة أقلّ ما يشرع للموسر، ولكن الإسناد ضعيف. وفي رواية معمر، عن ثابت: «قال أنس: فلقد رأيته قسم لكلّ امرأة من نسائه بعد موته مائة ألف». قال الحافظ: قلت: مات عن أربع نسوة، فيكون جميع تركته ثلاثة آلاف ألف ومائتي ألف. وهذا بالنسبة لتركة الزبير بن العوّام - ﵁ - قليلٌ جدًّا، فيحتمل أن تكون هذه دنانير، وتلك دراهم؛ لأن كثرة مال عبد الرحمن مشهورٌ جدًّا. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٧/ ٣٣٥٢ و٧٤/ ٣٣٧٣ و٧٥/ ٣٣٧٤ و٣٣٧٥ و٨٤/ ٣٣٨٩. وفي «الكبرى» ٦٤/ ٥٥٠٧ و٥٥٠٨ و٨٣/ ٥٥٥٨ و٨٤/ ٥٥٥٩ و٥٥٦٠. وأخرجه (خ) في «البيوع» ٢٠٤٩ و«الحوالة» ٢٢٩٣ و«المناقب» ٣٧٨١ و«النكاح» ٥٠٧٢ و٥١٤٨ و٥١٥٣ و٥١٥٥ و٥١٦٧ و«الأدب» ٦٠٨٢ و«الدعوات» ٦٣٨٦ (م) في «النكاح» ١٤٢٧ (د) في «النكاح» ٢١٠٩ (ت) في «البرّ والصلة» ١٩٣٣ (ق) في «النكاح» ١٩٠٧ (أحمد) في «باقي مسند المكثرين» ١٢٢٧٤ و١٢٥٦٤ و١٢٧١٠ (الموطأ) في «النكاح» ١١٥٧ (الدارمي) في «الأطعمة» ٢٠٦٤ و٢٢٠٤. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده : (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعيّة النكاح على نواة من ذهب، وهي خمسة دراهم، على ما تقدّم من الخلاف في تفسير النواة. (ومنها): جواز خروج العروس، وعليه أثر العرس، من خلوق ونحوه. (ومنها): جواز التزعفر للرجال عند العرس، فيُخصّص به النهي الوارد في ذلك، على ما هو رأي المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، لكن الأرجح أنه أصابه من امرأته، ولم يستعمله قصدًا، جمعًا بينه، وبين حديث النهي عن التزعفر للرجال، وسيأتي تمام البحث فيه بعد سبعة أبواب في - ٧٥/ ٣٣٧٤ - «باب الرخصة في الصفرة عند التزوّج»، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): استحباب الدعاء للمتزوّج، وسيأتي في باب مستقلّ -٧٣/ ٣٣٧٢ و٧٤/ ٣٣٧٣ - إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): سؤال الإمام، وكبير القوم أصحابه، وأتباعه عن أحوالهم، ولا سيّما إذا رأى منهم ما لم يَعهَدْ. (ومنها): تأكّد أمر الوليمة، وسيأتي اختلاف العلماء في حكمها في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أن الوليمة تكون بعد الدخول. قال في «الفتح»: ولا دلة فيه، وإنما فيه أنها تُستدرك إذا فأتت بعد الدخول، هكذا قال في «الفتح»، وفيه نظر لا يخفى، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أن أقلّ ما يجزئ الموسر في اليمة شاة. قال في «الفتح»: ولولا ثبوت أنه - ﷺ - أولم على بعض نسائه بأقلّ من الشاة لكان يمكن أن يستدل به على أن الشاة أقلّ ما تُجزىء في الوليمة، ومع ذلك فلا بدّ من تقييده بالقادر عليها، وأيضًا فيعكُر على الاستدلال أنه خطاب واحد، وفيه اختلافٌ، هل يستلزم العموم أولًا، وقد أشار إلى ذلك الشافعيّ فيما نقله البيهقيّ عنه، قال: لا أعلمه أمر بذلك غير عبد الرحمن، ولا أعلمه أنه - ﷺ - ترك الوليمة، فجعل ذلك مستندًا في كون الوليمة ليست بحتم. انتهى . (ومنها): أنه يُستفاد من السياق طلب تكثير الوليمة لمن يَقدر. قال عياضٌ: وأجمعوا على أن لا حدّ لأكثرها، وأما أقلّها فكذلك، ومهما تيسّر أجزأ، والمستحبّ أنها على قدر حال الزوج، وقد تيسّر على الموسر الشاة، فما فوقها. (ومنها): أنه يدلّ على أن النكاح لا بدّ فيه من صداق؛ لاستفهامه على الكمّية، ولم يقل: هل أصدقتها، أم لا؟ ويشعر ظاهره بأنه يحتاج إلى تقديرٍ؛ لإطلاق لفظة «كم» الموضوعة للتقدير، كذا قال بعض المالكيّة. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لاحتمال أن يكون المراد الاستخبار عن الكثرة، أو القلّة، فيخبره بعد ذلك بما يليق بحال مثله، فلما قال له القدر، لم يُنكر عليه، بل أقرّه . (ومنها): أنه استُدلّ به على استحباب تقليل الصداق؛ لأن عبد الرحمن بن عوف كان من مياسير الصحابة - ﵃ -، وقد أقرّه النبيّ - ﷺ - على إصداقه وزن نواة من ذهب. وتُعُقّب بأن ذلك كان في أول الأمر حين قدم المدينة، وإنما حصل له اليسار بعد ذلك من ملازمة التجارة حتى ظهر منه من الإعانة في بعض الغزوات ما اشتهر، وذلك ببركة دعاء النبيّ - ﷺله. (ومنها): أنه استُدلّ بقصّة عبد الرحمن مع سعد بن الربيع على جواز المواعدة لمن يريد أن يتزوّج بها، إذا طلّقها زوجها، وأوفت العدّةَ؛ لقول سعد بن الربيع: «انظر أيّ زوجتيّ أعجب إليك حتى أطلّقها، فإذا انقضت عدّتها تزوّجتها»، ووقع تقرير ذلك، ويعكر على هذا أنه لم يُنقل أن المرأة علمت بذلك، ولا سيّما ولم يقع تعيينها، لكن الاطلاع على أحوالهم إذ ذاك يقتضي أنهما علمتا معًا؛ لأن ذلك كان قبل نزول آية الحجاب، فكانوا يجتمعون، ولولا وثوق سعد بن الربيع من كلّ منهما بالرضا ما جزم بذلك. وقال ابن المنيّر: لا يستلزم المواعدة بين الرجلين وقوع المواعدة بين الأجنبيّ والمرأة؛ لأنها إذا مُنع، وهي في العدّة من خطبتها تصريحًا، ففي هذا يكون بطريق الأولى؛ لأنها إذا طلّقت دخلت العدّة قطعًا. قال: ولكنها وإن اطّلعت على ذلك، فهي بعد انقضاء عدّتها بالخيار، والنهي إنما وقع عن المواعدة بين الأجنبيّ والمرأة، أو وليّها، لا مع أجنبيّ آخر انتهى. (ومنها): جواز نظر الرجل إلى المرأة قبل أن يتزوّج بها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى «الوليمة»: قال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: الوليمة اسم للطعام في العُرس خاصّةً، لا يقع هذا الاسم على غيره، كذلك حكاه ابن عبد البرّ عن ثعلب وغيره من أهل اللغة. وقال بعض الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: إن الوليمة تقع على كلّ طعام لسرور حادث، إلا أن استعمالها في طعام العرس أكثر، وقول أهل اللغة أقوى؛ لأنهم أهل اللسان، وهم أعرف بموضوعات اللغة، وأعلم بلسان العرب. و«الْعَذِيرة»: اسم لدعوة الختان، وتُسمّى الإعذار. و«الْخُرْسُ، والْخُرْسَة» عند الولادة. و«الوَكِيرَة»: دعوة البناء، يقال: وَكّر، وخرّس، مشدّدٌ. و«النَّقِعة»: عند قُدوم الغائب، يقال: نَقَعَ، مخفّفٌ. و«العقيقة»: الذبح لأجل الولد، قال الشاعر: كُلَّ الطَّعَامِ تَشْتَهِي رَبِيعَهْ … الْخُرسَ وَالإعْذَارَ وَالنَّقِيعَهْ والحِذَاقُ: الطعام عند حِذَاق الصبيّ. و«المَأْدُبَةُ: اسمٌ لكلّ دعوة لسبب كانت، أو لغير سبب. والآدِبُ: صاحب المأدُبة، قال الشاعر [من الرمل]: نَحنُ فِي الْمَشْتَاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى … لَا تَرَى الآدِبَ مِنَّا يَنْتَقِرْ و«الْجَفَلَى»في الدعوة: أن يعمّ الناسَ بدعوته. و«النَّقَرَى»: هو أن يَخُصّ قومًا دون قوم انتهى كلام ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى- . وقال في«الفتح»: وقال صاحب«المحكم»: الوليمة: طعام العرس، والإملاك. وقيل: كلّ طعام صُنع لعرس وغيره. وقال عياض في«المشارق»: الوليمة طعام النكاح. وقيل: الإملاك. وقيل: طعام العرس خاصّة. وقال الشافعيّ، وأصحابه: تقع الوليمة على كل دعوة تُتّخذ لسرور حادثة، من نكاح، أو ختان، وغيرهما، لكن الأشهر استعمالها عند الإطلاق في النكاح، وتقييده في غيره، فيقال: وليمة الختان، ونحو ذلك. وقال الأزهريّ: الوليمة مأخوذةٌ من الْوَلْم، وهو الجمع وزنًا ومعنًى؛ لأن الزوجين يجتمعان. وقال ابن الأعرابيّ: أصلها من تتميم الشيء، واجتماعه. وجزم الماورديّ، ثم القرطبيّ بأنها لا تُطلق في غير طعام العرس إلا بقرينة. وأما الدعوة، فهي أعمّ من الوليمة، وهي بفتح الدال على المشهور، وضمها قطرب في مثلّثه، وغلّطوه في ذلك، على ما قاله النوويّ. قال: ودِعوة النسب بكسر الدال، وعكس ذلك بنو تيم الرباب، ففتحوا دَعوة النسب، وكسروا دال دِعوة الطعام انتهى. قال الحافظ: وما نسبه لبني تيم الرباب نسبه صاحبا «الصحاح» و«المحكم» لبني عديّ الرباب، فاللَّه أعلم. وذكر النوويّ تبعًا لعياض أن الولائم ثمانية: «الإعذار» -بعين مهملة، وذال معجمة-: للختان. و«العقيقة»: للولادة. و«الْخُزس» -بضم المعجمة، وسكون الراء، ثم سين مهملة- لسلامة المرأة من الطلق. وقيل: طعام الولادة. و«العقيقة»: تختصّ باليوم السابع. و«النّقيعة»: لقدوم المسافر، مشتقّةٌ من النقع، وهو الغبار. و«الوكيرة»: للسكن المتجدّد، مأخوذ من الوَكَر، وهو المأوى، والمستقرّ. و«الوَضِيمة» -بضاد معجمة-: لما يُتّخذ عند المصيبة. و«المادبة»: لما يُتخذ بلا سبب، ودالها مضمومة، ويجوز فتحها انتهى. و«الإعذار» يقال فيه أيضًا: «الْعُذرَة» -بضمّ، فسكون-. و«الْخُرس»، يقال فيه أيضًا: بالصاد المهملة بدل السين، وقد تزاد في آخره هاء، فيقال: خُرْسة، وخرصة. وقيل: إنها لسلامة المرأة من الطلق، وأما التي للولادة بمعنى الفرح، في العقيقة. واختُلف في النقيعة، هل التي يصنعها القادم من السفر، أو تُصنع له؟، قولان. وقيل: النقيعة التي يصنعها القادم، والتي تُصنع له تُسمى التُّحْفة. وقيل: إن الوليمة خاصّ بطعام الدخول، وأما طعام الإملاك، فيُسمّى الشُّنْدَخ -بضمّ المعجمة، وسكون النون، وفتح الدال المهملة، وقد تضمّ، وآخره خاء معجمةٌ، مأخوذ من قولهم: فرسٌ شُنْدَخٌ، أي يتقدّم غيره، سمّي طعام الإملاك بذلك؛ لأنه يتقدّم الدخول. قال الحافظ: وأغرب شيخنا في «التدريب»، فقال: الولائم سبعٌ، وهي: وليمة الإملاك، وهو التزوّج، ويقال لها: النقيعة -بنون، وقاف-. ووليمة الدخول، وهو العرس، وقَلَّ من يغاير بينهما انتهى. وموضع الإغراب إغرابه تسمية وليمة الإملاك نقيعة. ثم رأيته تبع في ذلك المنذريّ في «حواشيه»، وقد شذّ بذلك. وقد فاتهم ذكر الحِذاق -بكسر المهملة، وتخفيف الذال المعجمة، وآخره قاف-: الطعام الذي يتخذ عند حِذْق الصبيّ، ذكره ابن الصبّاع في «الشامل». وقال ابن الرفعة: هو الذي يُصنع عند الختم، أي ختم القرآن، كذا قيّده، ويحتمل ختم قدر مقصود منه. ويحتمل أن يطرد ذلك في حِذقه لكلّ صناعة. وذكر المحامليّ في «الرونق» في الولائم «العَتِيرة» - بفتح المهملة، ثم مثنّاة مكسورة- وهي شاة تذبح في أول رجب. وتُعُقّب بأنها في معنى الأضحية، فلا معنى لذكرها مع الولائم. وأما المأدبة، ففيها تفصيلٌ؛ لأنها إن كانت لقوم مخصوصين، فهي النَّقَرَى -بفتح النون والقاف، مقصورًا، وإن كانت عامّةً، فهي الْجَفَلَى -بجيم، وفاء، بوزن الأول-، قال الشاعر [من الرمل]: نَحنُ فِي الْمَشتَاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى … لَا تَرَى الآدِبَ منَّا يَنْتَقِرْ وَصَفَ قومه بالجود، وأنهم إذا صنعوا مأدبة دعوا إليها عمومًا، لا خصوصًا. وخصّ الشتاء؛ لأنها مظنّة قلّة الشيء، وكثرة احتياج من يُدعَي. و«الآدب»: اسم الفاعل من المأدبة، وينتقر مشتقّ من النقَرَى. انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الوليمة: قال ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: ما ملخّصه: لا خلاف بين أهل العلم في أن الوليمة سنّةٌ في الْعُرس مشروعة. قال: وليست واجبةً في قول أكثر أهل العلم. وقال بعض أصحاب الشافعيّ: هي واجبة. انتهى . وقال البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في «صحيحه»: [باب الوليمةُ حقّ]. قال ابن بطّال: قوله: «الوليمة حقّ» أي ليست بباطل، بل يُندب إليها، وهي سنّة فضيلة، وليس المراد بالحقّ الوجوب، ثم قال: ولا أعلم أحدًا أوجبها. قال الحافظ: كذا قال، وغفل عن رواية في مذهبه بوجوبها، نقلها القرطبيّ، وقال: إن مشهور المذهب أنها مندوبة. وابن التين عن مذهب أحمد، لكن الذي في «المغني» أنها سنّة. بل وافق ابن بطال في نفي الخلاف بين أهل العلم في ذلك، قال: وقال بعض الشافعيّة: هي واجبة؛ لأن النبيّ - ﷺ - أمر بها عبد الرحمن بن عوف، ولأن الإجابة إليها واجبة، فكانت واجبة. وأجاب بأنه طعام لسرور حادثٍ، فأشبه سائر الأطعمة، والأمر محمول على الاستحباب، بدليل ما ذكرناه، ولكونه أمره بشاة، وهي غير واجبة اتفاقًا. وأما البناء فلا أصل له. قال الحافظ: والبعض الذي أشار إليه من الشافعيّة هو وجهٌ معروفٌ عندهم، وكذلك حكى الوجوب في «البحر» عن أحد قولي الشافعيّ، وقد جزم به سُليم الرازيّ، وقال: إنه ظاهر نصّ «الأمّ»، ونقله عن النصّ أيضًا أبو إسحاق الشيرازيّ في «المهذّب»، وهو قول أهل الظاهر، كما صرّح به ابن حزم. انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن من النظر في الأدلّة أن الأرجح هو مذهب من قال بوجوب الوليمة على القادر عليها؛ لأنها ثبتت عنه - ﷺ - قولًا وفعلًا، والقول أمرٌ، وهو للوجوب إلا عند وجود صارف عنه، والقائلون بالاستحباب لم يأتوا بصارف، غير دعوى الإجماع، وقد عرفت أنها دعوى باطلة، فقد قال بالوجوب بعض أهل العلم، وهو نصّ الشافعيّ في «الأمّ»، وقول أهل الظاهر، فلا إجماع، فبقي دليل الوجوب بلا معارض، فوجب القول به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم إجابة الدعوة: ذهب جمهور العلماء إلى وجوب الإجابة إليها، وهو المشهور عند الشافعيّة، والحنابلة، وقالوا: إنها فرض عين، ونصّ عليه مالك، وقال به أهل الظاهر، ونقل القاضي عياض الاتفاق عليه، وابن عبد البرّ الإجماع عليه. وذهب بعضهم إلى استحبابها، قاله بعض الشافعيّة، والحنابلة، وقال أبو الحسن من المالكيّة: إنه المذهب، وصرّح صاحب «الهداية» من الحنفيّة بأن الإجابة سنّةٌ، لكنه استدلّ بقوله - ﷺ -: «من لم يُجب الدعوة، فقد عطى أبا القاسم»، وشبّهها فيما إذا كان هناك غناء ونحوه بصلاة الجنازة واجبة الإقامة، وإن حضرتها نياحة، وذلك يُفْهِمُ الوجوب. وقال بعض الشافعيّة، والحنابلة: إجابتها فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط الحرج عن الباقين. وحكى الشيخ تقيّ الدين في «شرح الإلمام» عن بعضهم أنه خصّ الوجهين في إجابتها فرض عين، أو كفاية بما إذا دُعي الجميع، وقال: لو خصّ كلّ واحد بالدعوة، تعيّنت الإجابة على الكلّ . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الحقّ هو الذي عليه الجمهور، وهو كون الإجابة فرض عين؛ لوضوح أدلّته؛ كحديث أبي هريرة - ﵁ -: «ومن ترك الدعوة، فقد عصى اللَّه ورسوله». متّفقٌ عليه. وحديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: «من دُعي إلى وليمة، فلم يأتها، فقد عصى اللَّه ورسوله». رواه أبو عوانة في «صحيحه». فهذا نصّ صريح في عصيان من لم يجب الدعوة، ولا يُطلق العصيان إلا على ترك الواجب، كما أفاده في «الفتح» . والحاصل أن إجابة الدعوة فرض عين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم إجابة الدعوة غير العُرْس: ذهبت طائفة إلى وجوب الإجابة مطلقًا، وذهب الأكثرون إلى أن الوجوب يخصّ العرس فقط، وأما غيرها فتستحبّ إجابتها، وإلى المذهب الأول مال الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، حيث قال في «صحيحه»: [باب إجابة الداعي في العُرس وغيره]: ثم أخرج بسنده عن نافع، قال: سمعت عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - يقول: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «أجيبوا هذه الدَّعْوة إذا دُعيتم إليها»، قال: كان عبد اللَّه يأتي الدعوة في العُرس وغير العرس، وهو صائم انتهى. قال في «الفتح»: قوله: «كان عبد اللَّه» القائل هو نافع. وقد أخرج مسلمٌ من طريق عبد اللَّه بن نمير، عن عبيد اللَّه بن عمر العمريّ، عن نافع بلفظ: «إذا دُعي أحدكم إلى وليمة عرس، فليجب». وأخرجه مسلم، وأبو داود من طريق أيوب، عن نافع بلفظ: «إذا دعا أحدكم أخاه، فليجب عُرسًا كان، أو نحوه»، ولمسلم من طريق الزُّبيديّ، عن نافع، بلفظ: «من دُعي إلى عرس، أو نحوه فليُجب». وهذا يؤيّده ما فهمه ابن عمر أن الأمر بالإجابة لا يختصّ بطعام العرس. وقد أخذ بظاهر الحديث بعض الشافعيّة، فقال بوجوب الإجابة إلى الدعوة مطلقًا عُرسًا كان، أو غيره بشرطه، ونقله ابن عبد البرّ عن عبيد اللَّه بن الحسن العنبريّ قاضي البصرة، وزعم ابن حزم أنه قولُ جمهور الصحابة والتابعين، ويكعُرُ عليه ما نقلناه عن عثمان بن أبي العاص، وهو من مشاهير الصحابة أنه قال في وليمة الختان: لم يكن يُدعى لها، لكن يمكن الانفصال عنه بأنّ ذلك لا يمنع القول بالوجوب لو دعوا. وعند عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه دعا بالطعام، فقال رجلٌ من القوم: أعفني، فقال ابن عمر: إنه لا عافية لك من هذا، فقم. وأخرج الشافعيّ، وعبد الرزاق بسند صحيح، عن ابن عبّاس أن ابن صفوان دعاه، فقال: إني مشغول، وإن لم تُعفني جئته. وجزم بعدم الوجوب في غير وليمة النكاح المالكيّة، والحنفيّة، والحنابلة، وجمهور الشافعيّة، وبالغ السرخسيّ منهم، فنقل فيه الإجماع، ولفظ الشافعيّ: إتيان دعوة الوليمة حقّ، والوليمة التي تعرف وليمة العرس، وكلّ دعوة دُعي إليها رجلٌ وليمةٌ، فلا أُرخّص لأحد في تركها، ولو تركها لم يتبيّن لي أنه عاص في تركها كما تبيّن لي في وليمة العرس. انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن مما تقدّم من الأدلّة أن أرجح الأقوال هو القول بوجوب إجابة الدعوة مطلقًا، لقوّة أدلّته، ولم يأت القائلون بالفرق بين العرس وغيرها بدليل صحيح، صريح، فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّرْ بالاعتساف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في وقت الوليمة، هل هو عند العقد، أو عقبه، أو عند الدخول، أو عقبه، أو موسّعٌ من ابتداء العقد إلى انتهاء الدخول؟ على أقوال: قال النووي: اختلفوا، فحكى عياضٌ أن الأصحّ عند المالكيّة استحبابه بعد الدخول، وعن جماعة منهم أنه عند العقد، وعند ابن حبيب عند العقد، وبعد الدخول. وقال في موضع آخر: يجوز قبل الدخول وبعده. وذكر ابن السبكيّ أن أباه قال: لم أر في كلام الأصحاب تعيين وقتها، وأنه استنبط من قول البغويّ: ضرب الدفّ في النكاح جائزٌ في العقد، والزفاف، قبلُ وبعدُ قريبًا منه، أن وقتها موسّعٌ من حين العقد، قال: والمنقول من فعل النبيّ - ﷺ - أنها بعد الدخول، كأنه يشير إلى قصّة زينب بنت جحش - رضي اللَّه تعالى عنها -، وقد ترجم البيهقيّ في وقت الوليمة انتهى. قال الحافظ: وما نفاه من تصريح الأصحاب متعقّبٌ بأن الماورديّ صرّح بأنها عند الدخول، وحديث أنس - ﵁ - في هذا الباب صريح في أنها بعد الدخول لقوله فيه: «أصبح عروسًا بزينب، فدعا القوم». واستحبّ بعض المالكيّة أن تكون عند البناء، ويقع الدخول عقبها، وعليه عمل الناس اليوم، ويؤيّد كونها للدخول، لا للإملاك أن الصحابة بعد الوليمة تردّدوا، هل هي زوجةٌ، أو سُرّيّةٌ، فلو كانت الوليمة عند الإملاك لعرفوا أنها زوجة؛ لأن السّرّيّة لا وليمة لها، فدلّ على أنها عند الدخول، أو بعده انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن كونها بعد الدخول هو الأرجح؛ لحديث أنس - ﵁ - المتقدّم في قصّة زينب - رضي اللَّه تعالى عنها -، فإنه صريحٌ في ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في تحديد أيام الوليمة: قال الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في «صحيحه»: [باب حقّ إجابة الوليمة والدعوة، ومن أولم سبعة أيام، ونحوه، ولم يوقّت النبيّ - ﷺ - يومًا، ولا يومين«. قال في«الفتح»: أي لم يجعل للوليمة وقتا معينا يختص به الإيجاب، أو الاستحباب، وأخذ ذلك من الإطلاق، وقد أفصح بمراده في«تاريخه»، فإنه أورد في ترجمة زُهير بن عثمان الحديث الذي أخرجه أبو داود، والنسائيّ من طريق قتادة، عن عبد اللَّه بن عثمان الثقفيّ، عن رجل من ثقيف، كان يُثني عليه، إن لم يكن اسمه زهير ابن عثمان، فلا أدري ما اسمه؟ يقوله قتادة، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -:«الوليمة أول يوم حقّ، والثاني معروفٌ، والثالث رياء وسمعة». قال البخاريّ: لا يصحّ إسناده، ولا يصحّ له صحبةٌ -يعني لزهير- قال: وقال ابن عمر وغيره، عن النبيّ - ﷺ -:«إذا دُعي أحدكم إلى الوليمة فليُجب»، ولم يخصّ ثلاثة أيام، ولا غيرها، وهذا أصحّ، قال: وقال ابن سيرين، عن أبيه:«أنه لما بني بأهله أولم سبعة أيام، فدعا في ذلك أُبيّ بن كعب، فأجابه»انتهى. وقد خالف يونس بن عُبيد قتادة في إسناده، فرواه عن الحسن، عن النبيّ - ﷺ -، مرسلًا، أو معضلًا، لم يذكر عبد اللَّه بن عثمان، ولا زهيرًا، أخرجه النسائيّ ، ورجحه على الموصول، وأشار أبو حاتم إلى ترجيحه، ثم أخرج النسائيّ عقبه حديث أنس:«أن رسول اللَّه - ﷺ - أقام على صفيّة ثلاثة أيام حتى أعرس بها»، فأشار إلى تضعيفه، أو إلى تخصيصه، وأصرح من ذلك ما أخرجه أبو يعلى بسند حسن عن أنس - ﵁ -، قال:«تزوّج النبيّ - ﷺ - صفيّة، وجعل عتقها صداقها، وجعل الوليمة ثلاثة أيام … » الحديث. قال الحافظ: وقد وجدنا لحديث زهير بن عثمان شواهد، منها: عن أبي هريرة - ﵁ - مثله، أخرجه ابن ماجه، وفيه عبد الملك بن حسين، وهو ضعيف جدًّا، وله طريق أخرى عن أبي هريرة، وعن أنس مثله، أخرجه ابن عديّ، والبيهقيّ، وفيه بكر بن خنيس، وهو ضعيفٌ، وله طريق أخرى ذكر ابن أبي حاتم أنه سأل أباه عن حديث رواه مروان بن معاوية، عن عوف، عن الحسن، عن أنس نحوه؟ فقال: إنما هو عن الحسن، عن النبيّ - ﷺ - مرسل. وعن ابن مسعود - ﵁ - أخرجه الترمذيّ بلفظ: «طعام أول يوم حقّ، وطعام يوم الثاني سنةٌ، وطعام يوم الثالث سمعة، ومن سمّع سمّع اللَّه به»، وقال: لا نعرفه إلا من حديث زياد بن عبد اللَّه البكائيّ، وهو كثير الغرائب، والمناكير. قال الحافظ: وشيخه فيه عطاء بن السائب، وسماع زياد منه بعد اختلاطه، فهذه علّته. وعن ابن عباس رفعه: «طعام في العرس يوم سنّة، وطعام يومين فضلٌ، وطعام ثلاثة أيام رياء وسمعة». أخرجه الطبرانيّ بسند ضعيف. وهذه الأحاديث، وإن كان كلّ منها لا يخلو عن مقال، فمجموعها يدلّ على أن للحديث أصلًا. وقد وقع في رواية أبي داود، والدارميّ في آخر حديث زهير بن عثمان: «قال قتادة: بلغني عن سعيد بن المسيّب أنه دُعي أول يوم وأجاب، ودعي ثاني يوم فأجاب، ودُعي ثالث يوم فلم يُجب، وقال: أهل رياء وسمعة»، فكأنه بلغه الحديث، فعمل بظاهره، إن ثبت ذلك عنه. وقد عمل به الشافعيّة، والحنابلة، قال النوويّ: إذا أولم ثلاثًا، فالإجابة في اليوم الثالث مكروهة، وفي الثاني لا تجب قطعًا، ولا يكون استحبابها فيه كاستحبابها في اليوم الأول. وقد حكى صاحب «التعجيز» في وجوبها في اليوم الثاني وجهين، وقال في «شرحه»: أصحّهما الوجوب، وبه قطع الجرجانيّ؛ لوصفه بأنه معروفٌ، أو سنةٌ، واعتبر الحنابلة الوجوب في اليوم الأول، وأما الثاني فقالوا: سنةٌ؛ تمسّكًا بظاهر لفظ حديث ابن مسعود. وفيه بحث. وأما الكراهة في اليوم الثالث، فأطلقه بعضهم؛ لظاهر الخبر. وقال العمرانيّ: إنما تكره إذا كان المدعوّ في الثالث هو المدعوّ في الأول، وكذا صوّره الرويانيّ، واستبعده بعض المتأخّرين، وليس ببعيد؛ لأن إطلاق كونه رياء وسمعة يُشعر بأن ذلك صنع للمباهاة، وإذا أكثر الناس، فدعا في كلّ يوم فرقةً لم يكن في ذلك مباهاةٌ غالبًا. وإلى ما جنح إليه البخاريّ ذهب المالكيّة، قال عياضٌ: استحبّ أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعًا، قال: وقال بعضهم: محلّه إذا دعا في كلّ يوم من لم يدع قبله، ولم يُكرّر عليهم. وهذا شبيهٌ بما تقدّم عن الرويانيّ، وإذا حملنا الأمر في كراهة الثالث على ما إذا كان هناك رياء وسمعةٌ، ومباهاةٌ كان الرابع، وما بعده كذلك، فيمكن حمل ما وقع من السلف من الزيادة على اليومين عند الأمن من ذلك، وإنما أطلق ذلك على الثالث لكونه الغالب. واللَّه أعلم .
مصادر المؤلف (٢٢)

١. «فتح»١٠/ ٢٩٣.

٢. «فتح» ١٠/ ٢٩٢.

٣. «النهاية» ٥/ ١٣١ - ١٣٢.

٤. «لسان العرب» ١٢/ ٦٤٣. مادة ولم.

٥. حديث صحيح أخرجه النسائيّ.

٦. أي وهي الشرطيّة، فقد اختلف النحاة، هل تفيد الامتناع أم لا؟، ولو عبّر بالشرطيّة لكان أولى.

٧. المراد فوائد حديث قصّة عبد الرحمن بن عوف، لا بخصوص رواية المصنّف في هذا الباب فقط، بل بعموم الروايات التي تعرضت لذكرها في الشرح، فتنبّه لذلك.

٨. «فتح» ١٠/ ٢٩٣ - ٢٩٤.

٩. «فتح ١٠/ ٢٩٥.

١٠. «المغني» ١٠/ ١٩١.

١١. «فتح» ١٠/ ٣٠١ - ٣٠٢

١٢. «المغني» ١٠/ ١٩٢ - ١٩٣.

١٣. «فتح» ١٠/ ٢٨٨.

١٤. «طرح التثريب» ٧/ ٧٠/ ٧١.

١٥. «فتح» ١٠/ ٣٠٦.

١٦. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أثر عثمان بن أبي العاص - ﵁ - هذا لا يصحّ؛ لأن في سنده عنعنة ابن إسحاق، والحسن البصريّ، وهما مشهوران بالتدليس، فلا يعكر على ما قاله ابن حزم، فتنبّه.

١٧. «فتح» ١٠/ ٣٠٨

١٨. «فتح» ١٠/ ٢٨٨ - ٢٨٩.

١٩. أي في«الكبرى»٤/ ١٣٧ رقم ٦٥٩٦.

٢٠. «الكبرى»٤/ ١٣٧ رقم ٦٥٩٦.

٢١. «الكبرى»٤/ ١٣٨ رقم ٦٥٩٨.

٢٢. «صحيح البخاريّ مع الفتح» ١٠/ ٣٠٠ - ٣٠٤.