HadithLab
RU
صحيح البخاري

رقم الحديث ١٥

حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (ح). وَحَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ».
  • البخاري:أورده في صحيحهصحيح البخاري ج1 ص12
ج ١ ص ١٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي, صحيح مسلم وغيرها
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب · ابن رجب الحنبلي · ج١ ص٤٨
١٥ - أنس قال: قال رسول الله ﷺ: « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ». محبة النبي ﷺ من أصول الإيمان وهي مقارنة لمحبة الله ﷿، وقد قرنها الله بها، وتوعد من قدم عليها شيء من الأمور المحبوبة طبعا من الأقارب والأموال والأوطان وغير ذلك، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] . ولما قال عمر للنبي ﷺ: أنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال: « لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك » فقال عمر: والله أنت الآن أحب إلي من نفسي، قال: « الآن يا عمر ». فيجب تقديم محبة الرسول ﷺ (١٨٣ - ب /ف) على النفوس والأولاد والأقارب والأهلين والأموال والمساكين، وغير ذلك مما يحبه الناس غاية المحبة، وإنما تتم المحبة بالطاعة كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وسئل بعضهم عن المحبة، فقال: الموافقة في جميع الأحوال. فعلامة تقديم محبة الرسول على محبة كل مخلوق: أنه إذا تعارض طاعة الرسول ﷺ في أوامره وداع آخر يدعو إلى غيرها من هذه الأشياء المحبوبة، فإن قدم المرء طاعة الرسول وامتثال أوامره على ذلك الداعي: كان دليلا على صحة محبته للرسول وتقديمها على كل شيء، وإن قدم على طاعته وامتثال أوامره شيئا من هذه الأشياء المحبوبة طبعا: دل ذلك على عدم إتيانه بالإيمان التام الواجب عليه. وكذلك القول في تعارض محبة الله ومحبة داعي الهوى والنفس، فإن محبة الرسول تبع لمحبة مرسله ﷿. هذا كله في امتثال الواجبات وترك المحرمات. فإن تعارض داعي النفس ومندوبات الشريعة، فإن بلغت المحبة على تقديم المندوبات على دواعي النفس كان ذلك علامة كمال الإيمان وبلوغه إلى درجة المقربين والمحبوبين المتقربين بالنوافل بعد الفرائض، وإن لم تبلغ هذه المحبة إلى الدرجة فهي درجة المقتصدين أصحاب اليمين الذين كملت محبتهم ولم يزيدوا عليها ٩ - فصل خرج البخاري ومسلم من حديث:
مصادر المؤلف (٣)

١. (الفتح: ٦٦٣٢) .

٢. باب « حلاوة الإيمان ».

٣. برقم (٤٣ / ٦٧) .

فتح الباري لابن حجر · ابن حجر · ج١ ص٥٨
لِأَخِيهِ نَظِيرُ مَا يَحْصُلُ لَهُ، لَا عَيْنَهُ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْأُمُورِ الْمَحْسُوسَةِ أَوِ الْمَعْنَوِيَّةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَحْصُلَ لِأَخِيهِ مَا حَصَلَ لَهُ لَا مَعَ سَلْبِهِ عَنْهُ وَلَا مَعَ بَقَائِهِ بِعَيْنِهِ لَهُ، إِذْ قِيَامُ الْجَوْهَرِ أَوِ الْعَرَضِ بِمَحَلَّيْنِ مُحَالٌ. وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ بْنُ سِرَاجٍ: ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ طَلَبُ الْمُسَاوَاةِ، وَحَقِيقَتُهُ تَسْتَلْزِمُ التَّفْضِيلَ ; لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِذَا أَحَبَّ لِأَخِيهِ مِثْلَهُ فَقَدْ دَخَلَ فِي جُمْلَةِ الْمَفْضُولِينَ. قُلْتُ: أَقَرَّ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذَا، وَفِيهِ نَظَرٌ. إِذِ الْمُرَادُ الزَّجْرُ عَنْ هَذِهِ الْإِرَادَةِ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْحَثُّ عَلَى التَّوَاضُعِ. فَلَا يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ، فَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْمُسَاوَاةِ. وَيُسْتَفَادُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا﴾ وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِلَّا بِتَرْكِ الْحَسَدِ وَالْغِلِّ وَالْحِقْدِ وَالْغِشِّ، وَكُلُّهَا خِصَالٌ مَذْمُومَةٌ. (فَائِدَةٌ): قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَمِنَ الْإِيمَانِ أَيْضًا أَنْ يُبْغِضَ لِأَخِيهِ مَا يُبْغِضُ لِنَفْسِهِ مِنَ الشَّرِّ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ لِأَنَّ حُبَّ الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ لِبُغْضِ نَقِيضِهِ، فَتَرَكَ التَّنْصِيصَ عَلَيْهِ اكْتِفَاءً. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٨ - بَاب حُبُّ الرَّسُولِ ﷺ مِنْ الْإِيمَانِ ١٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ. قَوْلُهُ: (بَابُ حُبِّ الرَّسُولِ) اللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، وَالْمُرَادُ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ وَإِنْ كَانَتْ مَحَبَّةُ جَمِيعِ الرُّسُلِ مِنَ الْإِيمَانِ ; لَكِنَّ الْأَحَبِّيَّةَ مُخْتَصَّةٌ بِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَوْلُهُ: (شُعَيْبٌ) هُوَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ الْحِمْصِيُّ، وَاسْمُ أَبِي حَمْزَةَ دِينَارٌ. وَقَدْ أَكْثَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْ تَخْرِيجِ حَدِيثِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَأَبِي الزِّنَادِ. وَوَقَعَ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ، لِلدَّارَقُطْنِيِّ إِدْخَالُ رَجُلٍ - وَهُوَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - بَيْنَ الْأَعْرَجِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. وَهِيَ زِيَادَةٌ شَاذَّةٌ. فَقَدْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِدُونِهَا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَمِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ. وَرَوَى ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، شَيْخِ الْبُخَارِيِّ، هَذَا الْحَدِيثَ مُصَرَّحًا فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ فِي جَمِيعِ الْإِسْنَادِ، وَكَذَا النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ شُعَيْبٍ. قَوْلُهُ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) فِيهِ جَوَازُ الْحَلِفِ عَلَى الْأَمْرِ الْمُهِمِّ تَوْكِيدًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُسْتَحْلِفٌ. قَوْلُهُ: (لَا يُؤْمِنُ) أَيْ: إِيمَانًا كَامِلًا. قَوْلُهُ: (أَحَبُّ) هُوَ أَفْعَلُ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، وَهُوَ مَعَ كَثْرَتِهِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَفَصَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَعْمُولِهِ بِقَوْلِهِ: إِلَيْهِ لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ الْفَصْلُ بِأَجْنَبِيٍّ. قَوْلُهُ: (مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ) قَدَّمَ الْوَالِدَ لِلْأَكْثَرِيَّةِ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ لَهُ وَالِدٌ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ تَقْدِيمُ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ، وَذَلِكَ لِمَزِيدِ الشَّفَقَةِ. وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ فِي ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا، وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ مُسْلِمٍ. ١٥ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، ح. وَحَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ الدَّوْرَقِيُّ. وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا لَا يَقُولُ بِهِ الْمُصَنِّفُ كَمَا يَأْتِي فِي الْعِلْمِ. وَقَدْ وقَعَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ. قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَنَا آدَمُ) عَطَفَ الْإِسْنَادَ الثَّانِيَ عَلَى الْأَوَّلِ قَبْلَ أَنْ يَسُوقَ الْمَتْنَ فَأَوْهَمَ اسْتِوَاءَهُمَا، فَإِنَّ لَفْظَ قَتَادَةَ مِثْلُ لَفْظِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَكِنْ زَادَ فِيهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَلَفْظُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِثْلُهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ يَعْقُوبَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ بَدَلَ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَلَفْظُهُ لَا يُؤْمِنُ الرَّجُلُ وَهُوَ أَشْمَلُ مِنْ جِهَةٍ، وَأَحَدُكُمْ أَشْمَلُ مِنْ جِهَةٍ، وَأَشْمَلُ مِنْهُمَا رِوَايَةُ الْأَصِيلِيِّ لَا يُؤْمِنُ أَحَدٌ. فَإِنْ قِيلَ: فَسِيَاقُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مُغَايِرٌ لِسِيَاقِ قَتَادَةَ، وَصَنِيعُ الْبُخَارِيِّ يُوهِمُ اتِّحَادَهُمَا فِي الْمَعْنَى وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَالْجَوَابُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ يَصْنَعُ مِثْلَ هَذَا نَظَرًا إِلَى أَصْلِ الْحَدِيثِ لَا إِلَى خُصُوصِ أَلْفَاظِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى سِيَاقِ قَتَادَةَ لِمُوَافَقَتِهِ لِسِيَاقِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرِوَايَةُ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ مَأْمُونٌ فِيهَا مِنْ تَدْلِيسِ قَتَادَةَ ; لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَسْمَعُ مِنْهُ إِلَّا مَا سَمِعَهُ، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ، وَذِكْرُ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ أَدْخَلُ فِي الْمَعْنَى لِأَنَّهُمَا أَعَزُّ عَلَى الْعَاقِلِ مِنَ الْأَهْلِ وَالْمَالِ، بَلْ رُبَّمَا يَكُونَانِ أَعَزَّ مِنْ نَفْسِهِ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرِ النَّفْسَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهَلْ تَدْخُلُ الْأُمُّ فِي لَفْظِ الْوَالِدِ إِنْ أُرِيدَ بِهِ مَنْ لَهُ الْوَلَدُ فَيَعُمُّ، أَوْ يُقَالُ اكْتُفِيَ بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا كَمَا يُكْتَفَى عَنْ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ بِالْآخَرِ وَيَكُونُ مَا ذُكِرَ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَالْمُرَادُ الْأَعِزَّةُ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَعِزَّتِهِ، وَذِكْرُ النَّاسِ بَعْدَ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ وَهُوَ كَثِيرٌ، وَقُدِّمَ الْوَالِدُ عَلَى الْوَلَدِ فِي رِوَايَةِ لِتَقَدُّمِهِ بِالزَّمَانِ وَالْإِجْلَالِ، وَقُدِّمَ الْوَلَدُ فِي أُخْرَى لِمَزِيدِ الشَّفَقَةِ، وَهَلْ تَدْخُلُ النَّفْسُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ؟ الظَّاهِرُ دُخُولُهُ. وَقِيلَ إِضَافَةُ الْمَحَبَّةِ إِلَيْهِ تَقْتَضِي خُرُوجَهُ مِنْهُمْ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَقَدْ وَقَعَ التَّنْصِيصُ بِذِكْرِ النَّفْسِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ كَمَا سَيَأْتِي. وَالْمُرَادُ بِالْمَحَبَّةِ هُنَا حُبُّ الِاخْتِيَارِ لَا حُبُّ الطَّبْعِ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ تَلْمِيحٌ إِلَى قَضِيَّةِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ وَالْمُطْمَئِنَّةِ، فَإِنَّ مَنْ رَجَّحَ جَانِبَ الْمُطْمَئِنَّةِ كَانَ حُبُّهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ رَاجِحًا، وَمَنْ رَجَّحَ جَانِبَ الْأَمَّارَةِ كَانَ حُكْمُهُ بِالْعَكْسِ. وَفِي كَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْإِيمَانِ ; لِأَنَّهُ حَمَلَ الْمَحَبَّةَ عَلَى مَعْنَى التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ. وَتَعَقَّبَهُ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُرَادًا هُنَا ; لِأَنَّ اعْتِقَادَ الْأَعْظَمِيَّةِ لَيْسَ مُسْتَلْزِمًا لِلْمَحَبَّةِ، إِذْ قَدْ يَجِدُ الْإِنْسَانُ إِعْظَامَ شَيْءٍ مَعَ خُلُوِّهِ مِنْ مَحَبَّتِهِ. قَالَ: فَعَلَى هَذَا مَنْ لَمْ يَجِدْ مِنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ الْمَيْلَ لَمْ يَكْمُلْ إِيمَانُهُ، وَإِلَى هَذَا يُومِئُ قَوْلُ عُمَرَ الَّذِي رَوَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ: لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّكَ الْآنَ وَاللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ: الْآنَ يَا عُمَرُ، انْتَهَى. فَهَذِهِ الْمَحَبَّةُ لَيْسَتْ بِاعْتِقَادِ الْأَعْظَمِيَّةِ فَقَطْ، فَإِنَّهَا كَانَتْ حَاصِلَةً لِعُمَرَ قَبْلَ ذَلِكَ قَطْعًا. وَمِنْ عَلَامَةِ الْحُبِّ الْمَذْكُورِ أَنْ يُعْرَضَ عَلَى الْمَرْءِ أَنْ لَوْ خُيِّرَ بَيْنَ فَقْدِ غَرَضٍ مِنْ أَغْرَاضِهِ أَوْ فَقْدِ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ لَوْ كَانَتْ مُمْكِنَةً، فَإِنْ كَانَ فَقْدُهَا أَنْ لَوْ كَانَتْ مُمْكِنَةً أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ فَقْدِ شَيْءٍ مِنْ أَغْرَاضِهِ فَقَدِ اتَّصَفَ بِالْأَحَبِّيَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَمَنْ لَا فَلَا. وَلَيْسَ ذَلِكَ مَحْصُورًا فِي الْوُجُودِ وَالْفَقْدِ، بَلْ يَأْتِي مِثْلُهُ فِي نُصْرَةِ سُنَّتِهِ وَالذَّبِّ عَنْ شَرِيعَتِهِ وَقَمْعِ مُخَالِفِيهَا. وَيَدْخُلُ فِيهِ بَابُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِيمَاءٌ إِلَى فَضِيلَةِ التَّفَكُّرِ، فَإِنَّ الْأَحَبِّيَّةَ الْمَذْكُورَةَ تُعْرَفُ بِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَحْبُوبَ الْإِنْسَانِ إِمَّا نَفْسُهُ وَإِمَّا غَيْرُهَا. أَمَّا نَفْسُهُ فَهُوَ أَنْ يُرِيدَ دَوَامَ بَقَائِهَا سَالِمَةً مِنَ الْآفَاتِ، هَذَا هُوَ حَقِيقَةُ الْمَطْلُوبِ. وَأَمَّا غَيْرُهَا فَإِذَا حَقَّقَ الْأَمْرَ فِيهِ فَإِنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ تَحْصِيلِ نَفْعٍ مَا عَلَى وُجُوهِهِ الْمُخْتَلِفَةِ حَالًا وَمَآلًا. فَإِذَا تَأَمَّلَ النَّفْعَ الْحَاصِلَ لَهُ مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ ﷺ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْ ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ إِمَّا بِالْمُبَاشَرَةِ وَإِمَّا بِالسَّبَبِ عَلِمَ أَنَّهُ