HadithLab
RU
صحيح البخاري

رقم الحديث ٧٩٤

حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي.»
  • البخاري:أورده في صحيحهصحيح البخاري ج1 ص158
ج ١ ص ١٥٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح مسلم وغيرها
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب · ابن رجب الحنبلي · ج٧ ص١٧٤
٧٩٤ - حدثنا حفص بن عمر: ثنا شعبة، عن المنصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة، قالت: كان النبي - ﷺ - يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم أغفر لي» . في هذا حديث: دليل على الجمع بين التسبيح والتحميد والإستغفار في الركوع والسجود. وخرَّج الإمام أحمد من رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال: لمَّا نزلت على رسول الله - ﷺ - ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] كان يكثر إذا قرأها وركع أن يقول: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم أغفر لي، إنك أنت التواب الرحيم» –ثلاثا -. وأبو عبيدة، لم يسمع من أبيه، لكن رواياته عنه صحيحة. وخرَّج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي من حديث عون بن عبد الله، عن ابن مسعود، عن النبي - ﷺ -، قال: «إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم، وذلك ادناه، وإذا سجد فليقل: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا، وذلك أدناه» . وهو مرسل، يعني: أن عون بن عبد الله لم يسمع من ابن مسعود -: قاله الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم. وقد روي بهذا الإسناد موقوفًا. وقد روي من وجوه أخر عن ابن مسعودٍ مرفوعًا –أيضًا -، ولا تخلو من مقالٍ. وفي «صحيح مسلم» من حديث حذيفة، قال: صليت مع النبي - ﷺ - ذات ليلة، فافتتح البقرة – وذكر الحديث، إلى أن قال: ثم ركع فجعل يقول: «سبحان ربي العظيم»، وكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: «سمع الله لمن حمده»، ثم قام قيامًا طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد فقال: «سبحان ربي الأعلى»، فكان سجوده قريبا من قيامه. وخرَّج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان في «صحيحه» والحاكم من حديث موسى بن أيوب الغافقي: حدثني عمي إياس بن عامر، قال: سمعت عقبة بن عامر الجهني، قال: لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ . قال رسول الله - ﷺ -: «اجعلوها في ركوعكم»، فلما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] قال رسول الله - ﷺ -: «اجعلوها في سجودكم» . موسى، وثقة ابن معين وأبو داود وغيرهما، لكن ضَّعف ابن معين رواياته عن عمه المرفوعة خاصة. وفي «صحيح مسلم» عن عائشة، أن النبي - ﷺ - كان يقول في ركوعه وسجوده: «سبوح قدوس، رب الملائكة والروح» . وفيه – أيضًا -: عن علي، أنه وصف صلاة النبي - ﷺ -، وقال: وإذا ركع قال: «اللهم لك ركعت، وبك أمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي» –وذكر بقية الحديث -. وخَّرجه الترمذي بمعناه، وعنده: أن ذلك كان يقوله في المكتوبة. وفي إسناد الترمذي لين. ولكن خَّرج البيهقي هذه اللفظة بإسنادٍ جيدٍ. وخرَّج النسائي نحو حديث علي من حديث جابرٍ ومحمد بن مسلمة، عن النبي - ﷺ -. وفي حديث محمد بن مسلمة: أن النبي - ﷺ - كان يقول ذلك في صلاة التطوع. وخرَّج – أيضًا – هو وأبو داود من حديث عوف بن مالك، قال: قمت مع النبي - ﷺ - ليلة، فلما ركع مكث قدر سورة البقرة، يقول في ركوعه: «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة» . وفي الباب أحاديث أخر متعددة يطول ذكرها. والكلام هاهنا في حكم التسبيح في الركوع، وفي الدعاء فيه. فاما التسبيح في الركوع: فمشروع عند جمهور العلماء. قال جابر: كنا نسبح ركوعًا وسجودًا، وندعو قيامًا وقعودًا. خرَّجه البيهقي. وقال أصحاب مالك: لا باس به -: هكذا في «تهذيب المدونة»، قال: ولا حد له. وأما الجمهور، فأدنى الكمال عندهم ثلاث تسبيحات، وتجزئ واحدة. وروي عن الحسن وإبراهيم أن المجزئ ثلاث. وقد يتأول على أنهما أرادا المجزئ من الكمال، كما تأول الشافعي وغيره حديث ابن مسعود المرفوع الذي فيه: «وذلك أدناه» على أدنى الكمال. وروي عن عمر، أنه كان يقول في ركوعه وسجوده قدر خمس تسبيحات. وعن الحسن، قال: التام من ذلك قدر سبع تسبيحات. وعنه، قال: سبع أفضل من ثلاث، وخمس وسط بين ذلك. وكذا قال إسحاق: يسبح من ثلاث إلى سبع. وقالت طائفة، يستحب للإمام أن يسبح خمسًا ليدرك من خلفه ثلاثًا، هكذا قال ابن المبارك وسفيان الثوري وإسحاق وبعض أصحابنا. ومنهم من قال: يسبح من خمس إلى عشر. وقال بعض أصحابنا: يكره للإمام أن ينقص عن أدنى الكمال في الركوع والسجود، ولا يكره للمنفرد؛ ليتمكن المأموم من سنة المتابعة. ولأصحابنا وجه: أنه لا يزيد على ثلاث. وذكر القاضي أبو يعلى في «الأحكام السلطانية»: أن الإمام المولى إقامة الحج بالناس ليس له أن ينفر في النفر الأول، بل عليه أن يلبث بمنى، وينفر في اليوم الثالث؛ ليستكمل الناس مناسكهم. وقال أصحاب الشافعي: لا يزيد الإمام على ثلاث تسبيحات –ومنهم من قال: خمس -، إلا أن يرضى المأمون بالتطويل، ويكونون محصورين لا يزيدون. وهذا خلاف نص الشافعي في الإمام، فإنه نص على أنه يسبح ثلاثًا، ويقول مع ذلك ما قاله النبي - ﷺ - في حديث علي الذي سبق ذكره. قال: وكل ما قال رسول الله - ﷺ - في ركوعٍ أو سجودٍ أحببت أن لا يقصر عنه، إمامًا كان أو منفردًا، وهو تخفيف لا تثقيل. واختلف أصحابنا في […] الكمال في التسبيح: هل هو عشر تسبيحات، أو سبع؟ ولهم وجهان آخران في حق المنفرد: أحدهما: يسبح بقدر قيامه. والثاني: ما لم يخف سهوًا. وخرَّج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أنس، قال: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله - ﷺ - أشبه صلاة برسول الله - ﷺ - من هذا الفتى – يعني: عمر بن عبد العزيز –قال: فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات. ولو لم يسبح في ركوعه ولا سجوده، فقال أكثر الفقهاء: تجزئ صلاته، وهو قول مالك وأبي حنيفة والثوري والشافعي وغيرهم. وقال أحمد – في ظاهر مذهبه – وإسحاق: إن تركه عمدًا بطلت صلاته، وإن تركه سهوًا وجب عليه أن يجبره بسجدتي السهو. وقالت طائفة: هو فرض لا يسقط في عمدٍ ولا سهوٍ، وحكى رواية عن أحمد، وهو قول داود، ورجحه الخطابي، وقد روى الحسن والنخعي ما يدل عليه، وهو قول يحيى بن يحيى، علي بن دينارٍ من أئمة المالكية. قال القرطبي: وقد تأوله المتأخرون بتأويلات بعيدة. ويستدل له بقول النبي - ﷺ - في الصلاة: «إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» . وكذلك سمى الله الصلاة تسبيحًا، كما سماها قرآنًا، فدل على أن الصلاة لا تخلو عن القرآن والتسبيح. وعلى القول بالوجوب، فقال أصحابنا: الواجب في لركوع: «سبحان ربي العظيم»، وفي السجود: «سبحان ربي الأعلى»، لا يجزئ غير ذلك، لحديث ابن مسعود وعقبة، وقد سبقا. وقال إسحاق: يجزئ كل ما روي عن النبي - ﷺ - من تسبيح وذكر ودعاء وثناء. وهو قياس مذهبنا في جواز جميع أنواع الاستفتاحات والتشهدات الواردة في الصلاة. وفي «المسند» وغيره، عن أبي ذر، أن النبي - ﷺ - قام ذات ليلة بآية يرددها، بها يقوم، وبها يركع، وبها يسجد. والاية ﴿إن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ؟وإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ (المائدة:١١٨) . قال أصحاب الشافعي: يستحب أن يأتي بالتسبيح، ثم يقول بعده: «اللهم، لك ركعت» –إلى آخره. كما رواه علي، عن النبي - ﷺ -. قالوا: فإن أراد الإقتصار على أحدهما، فالتسبيح أفضل. قال بعضهم: والجمع بين التسبيح ثلاثًا، وهذا الذكر أفضل من الاقتصار على التسبيح، وزيادته على الثلاث. وأما الدعاء في لركوع، فقد دل حديث عائشة الذي خرَّجه البخاري هاهنا على استحبابه، وعلى ذلك بوب البخاري هاهنا، وهو قول أكثر العلماء. وروي عن ابن مسعود. وقال مالك: يكره الدعاء في الركوع دون السجود، واستدل بحديث علي، عن النبي - ﷺ -، قال: «أما الركوع، فعظموا فيه الرب، وأما السجود، فاجتهدوا فيه في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم» . خرَّجه مسلم. وروي، عن أحمد رواية، أنه قال: لا يعجبني الدعاء في الركوع والسجود في الفريضة. قال بعض أصحابنا: وهي محمولة على الإمام إذا طول بدعائه على المأمومين أو نقص بدعائه ألتسبيح عن أدنى الكمال، فأما في غير هاتين الحالتين فلا كراهة فيه. وفي «صحيح مسلم»، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء» . وفيه – أيضًا -، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - كان يقول في سجوده: «اللهم أغفر ذنبي كله، دقه وجله، أوله وآخره، وعلانيته وسره» . وخرَّج النسائي من حديث ابن عباس، أنه صلى مع النبي - ﷺ - ذات ليلة، فجعل النبي - ﷺ - يقول في سجوده: «اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا» –وذكر الحديث بطوله. وخَّرجه مسلم، وعنده: أنه قال: في صلاته، أو في سجوده –بالشك. وفي «المسند» عن عائشة، أن النبي - ﷺ - قال ذات ليلة في سجوده: «رب أغفر لي ما أسررت وما أعلنت» . وفيه: عنها –أيضًا -، أن النبي - ﷺ - قال ذات ليلة في سجوده: «رب أعط نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها» . * * * باب القراءة في الركوع والسجود بوب البخاري على هذا، ولم يخرج فيه شيئًا، وفيه أحاديث ليست على شرطه: أشهرها: حديث علي، قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن قراءة القرآن في الركوع والسجود. خرَّجه مسلم. وفي بعض الروايات: الاقتصار على ذكر الركوع. وكذا رواه مالك، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي. وقد خرَّجه مسلم من طريقه كذلك. وفي إسناده اختلاف كثير، قد ذكر مسلم منه في «صحيحه» ستة أنواع، وذكر الدارقطني فيه أكثر من ذلك، ولم يرجح منه شيئًا. والظاهر: أن البخاري تركه، لأنه رأى الاختلاف مؤثرًا فيه. وله طرق أخرى، عن علي: خرَّجه النسائي من رواية أشعث، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، عن علي، عن النبي - ﷺ -. وخرَّج مسلم –أيضًا – من رواية إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كشف رسول الله - ﷺ - الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: «أيها الناس، أنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم أو ترى له، ألا وأني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم» . وقد قال الإمام أحمد فيه: ليس إسناده بذاك. وإبراهيم هذا وأبوه، لم يخّرج لهما البخاري شيئًا. وأكثر العلماء على كراهة القراءة في الركوع والسجود، ومنهم من حكاه إجماعًا. وهل الكراهة للتحريم، أو للتنزيه؟ فيه اختلاف. وحكى ابن عبد البر الإجماع على أنه لا يجوز. ومذهب الشافعي وأكثر أصحابنا: أنه مكروه. وهل تبطل به الصلاة، أو لا؟ فيه وجهان لأصحابنا. والأكثرون على أنها لا تبطل بذلك. وللشافعية وجه: إن قرأ بالفاتحة خاصة بطلت، لأنه نقل ركنا إلى غير موضعه. ورخصت طائفة في القراءة في الركوع والسجود. روي عن أبي الدرداء، أنه كان يقرأ البقرة في سجوده. وعن سليمان بن ربيعة، وعبيد بن عمير، والمغيرة. وعن النخعي فيمن نسي الآية أو تركها، فذكرها وهو راكع، قال: يقرؤها وهو راكع. وعن المغيرة، قال: كانوا يفعلون ذلك. وسئل عطاء، عن القراءة في الركوع والسجود؟ فقال: رأيت عبيد بن عمير يقرأ وهو راكع في المكتوبة. ورخص بعضهم في ذلك في النفل دون الفرض: روى سليمان بن موسى، عن نافع، عن علي، أن رسول الله - ﷺ - نهى عن القراءة في الركوع والسجود في الصلاة المكتوبة، فأما الصلاة في التطوع، فلا جناح. خرَّجه الإسماعيلي. وإسناده منقطع، فإن نافعًا إنما يرويه عن ابن حنين، عن أبيه، عن علي، كما سبق. وآخر الحديث، لعله مدرج من قول بعض الرواة. وسليمان بن موسى، مختلف فيه. *** ١٢٤ - باب ما يقول الإمام ومن خلفه إذا رفع رأسه من الركوع
فتح الباري لابن حجر · ابن حجر · ج٢ ص٢٨١
وَفِيهِ أَنَّ فَرَائِضَ الْوُضُوءِ مَقْصُورَةٌ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ لَا مَا زَادَتْهُ السُّنَّةُ فَيُنْدَبُ 1. وَفِيهِ حُسْنُ خُلُقِهِ ﷺ وَلُطْفُ مُعَاشَرَتِهِ، وَفِيهِ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ فِي الْمَجْلِسِ لِلْمَصْلَحَةِ. وَقَدِ اسْتُشْكِلَ تَقْرِيرُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ عَلَى صَلَاتِهِ وَهِيَ فَاسِدَةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ أَخَلَّ بِبَعْضِ الْوَاجِبَاتِ، وَأَجَابَ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّهُ أَرَادَ اسْتِدْرَاجَهُ بِفِعْلِ مَا يَجْهَلُهُ مَرَّاتٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ غَافِلًا فَيَتَذَكَّرُهُ فَيَفْعَلُهُ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيمٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّقْرِيرِ الْخَطَأِ، بَلْ مِنْ بَابِ تَحَقُّقِ الْخَطَأِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ نَحْوَهُ، قَالَ: وَإِنَّمَا لَمْ يُعَلِّمْهُ أَوَّلًا لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي تَعْرِيفِهِ وَتَعْرِيفِ غَيْرِهِ بِصِفَةِ الصَّلَاةِ الْمُجْزِئَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَرْدِيدُهُ لِتَفْخِيمِ الْأَمْرِ وَتَعْظِيمِهِ عَلَيْهِ، وَرَأَى أَنَّ الْوَقْتَ لَمْ يَفُتْهُ، فَرَأَى إِيقَاظَ الْفِطْنَةِ لِلْمَتْرُوكِ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَيْسَ التَّقْرِيرُ بِدَلِيلٍ عَلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا، بَلْ لَا بُدَّ مِنِ انْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي زِيَادَةِ قَبُولِ الْمُتَعَلِّمِ لِمَا يُلْقَى إِلَيْهِ بَعْدَ تَكْرَارِ فِعْلِهِ وَاسْتِجْمَاعِ نَفْسِهِ وَتَوَجُّهِ سُؤَالِهِ مَصْلَحَةً مَانِعَةً مِنْ وُجُوبِ الْمُبَادَرَةِ إِلَى التَّعْلِيمِ، لَا سِيَّمَا مَعَ عَدَمِ خَوْفِ الْفَوَاتِ، إِمَّا بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ، أَوْ بِوَحْيٍ خَاصٍّ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: إِنَّمَا سَكَتَ عَنْ تَعْلِيمِهِ أَوَّلًا لِأَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ لَمْ يَسْتَكْشِفِ الْحَالَ مِنْ مَوْرِدِ الْوَحْيِ، وَكَأَنَّهُ اغْتَرَّ بِمَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ فَسَكَتَ عَنْ تَعْلِيمِهِ زَجْرًا لَهُ وَتَأْدِيبًا وَإِرْشَادًا إِلَى اسْتِكْشَافِ مَا اسْتَبْهَمَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا طَلَبَ كَشْفَ الْحَالِ مِنْ مَوْرِدِهِ أُرْشِدَ إِلَيْهِ. انْتَهَى. لَكِنْ فِيهِ مُنَاقَشَةٌ، لِأَنَّهُ إِنْ تَمَّ لَهُ فِي الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ لَمْ يَتِمَّ لَهُ فِي الْأُولَى، لِأَنَّهُ ﷺ بَدَأَهُ لَمَّا جَاءَ أَوَّلَ مَرَّةٍ بِقَوْلِهِ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ. فَالسُّؤَالُ وَارِدٌ عَلَى تَقْرِيرِهِ لَهُ عَلَى الصَّلَاةِ الْأُولَى: كَيْفَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ فِي أَثْنَائِهَا؟ لَكِنَّ الْجَوَابَ يَصْلُحُ بَيَانًا لِلْحِكْمَةِ فِي تَأْخِيرِ الْبَيَانِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ أَجَازَ الْقِرَاءَةَ بِالْفَارِسِيَّةِ لِكَوْنِ مَا لَيْسَ بِلِسَانِ الْعَرَبِ لَا يُسَمَّى قُرْآنًا، قَالَهُ عِيَاضٌ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِيهِ وُجُوبُ الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكَعَاتِ كُلِّهَا، وَأَنَّ الْمُفْتِيَ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ وَكَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ آخَرُ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ السَّائِلُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَذْكُرَهُ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ، وَيَكُونُ مِنْ بَابِ النَّصِيحَةِ لَا مِنَ الْكَلَامِ فِيمَا لَا مَعْنَى لَهُ. وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ كَوْنُهُ قَالَ: عَلِّمْنِي؛ أَيِ الصَّلَاةَ. فَعَلَّمَهُ الصَّلَاةَ وَمُقَدِّمَاتِهَا. ١٢٣ - بَاب الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ ٧٩٤ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي. [الحديث ٧٩٤ - أطرافه في: ٤٩٦٨، ٤٩٦٧، ٤٢٩٣، ٨١٧] قَوْلُهُ: (بَابُ الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ) تَرْجَمَ بَعْدَ هَذَا بِأَبْوَابِ التَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ، وَسَاقَ فِيهِ حَدِيثَ الْبَابِ، فَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي تَخْصِيصِ الرُّكُوعِ بِالدُّعَاءِ دُونَ التَّسْبِيحِ - مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ وَاحِدٌ -؛ أَنَّهُ قَصَدَ الْإِشَارَةَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ كَرِهَ الدُّعَاءَ فِي الرُّكُوعِ كَمَالِكٍ، وَأَمَّا التَّسْبِيحُ فَلَا خِلَافَ فِيهِ، فَاهْتَمَّ هُنَا بِذِكْرِ الدُّعَاءِ لِذَلِكَ. وَحُجَّةُ الْمُخَالِفِ الْحَدِيثُ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، وَفِيهِ: فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ. لَكِنَّهُ لَا مَفْهُومَ لَهُ، فَلَا يَمْتَنِعُ الدُّعَاءُ فِي الرُّكُوعِ كَمَا لَا يَمْتَنِعُ التَّعْظِيمُ فِي السُّجُودِ. وَظَاهِرُ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ هَذَا الذِّكْرَ كُلَّهُ فِي الرُّكُوعِ وَكَذَا فِي السُّجُودِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ

حواشي الطبعة · الشيخ عبد العزيز بن باز ومصحح الطبعة

١. في هذا نظر. والصواب وجوب ما دلت السنة على وجوبه من الضوء كالمضمضة والاستنشاق، لأن النبي ﷺ لأن السنة تفسر القرآن وما أمر به الرسول ﷺ فهو مما أمر الله به لقوله تعالى ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ الاية. والله أعلم