HadithLab
RU
صحيح البخاري

رقم الحديث ٧٤٥٠

حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيُصِيبَنَّ أَقْوَامًا سَفْعٌ مِنَ النَّارِ، بِذُنُوبٍ أَصَابُوهَا عُقُوبَةً، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ اللهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ، يُقَالُ لَهُمُ: الْجَهَنَّمِيُّونَ» وَقَالَ هَمَّامٌ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
  • البخاري:أورده في صحيحهصحيح البخاري ج9 ص134
ج ٩ ص ١٣٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح مسلم وغيرها
فتح الباري لابن حجر · ابن حجر · ج١٣ ص٤٣٤
عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ ذَكَرْتُ مَا فُسِّرَ بِهِ اللِّقَاءُ فِي الْحَدِيثِ الْخَامِسِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. (تَكْمِلَةٌ): جَمَعَ الدَّارَقُطْنِيُّ طُرُقَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ، فَزَادَتْ عَلَى الْعِشْرِينَ، وَتَبِعَهَا ابْنُ الْقَيِّمِ فِي حَادِي الْأَرْوَاحِ، فَبَلَغَتِ الثَّلَاثِينَ وَأَكْثَرُهَا جِيَادٌ، وَأَسْنَدَ الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، قَالَ: عِنْدِي سَبْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا فِي الرُّؤْيَةِ صِحَاحٌ. ٢٥ - بَاب مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٧٤٤٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ، قَالَ: كَانَ ابْنٌ لِبَعْضِ بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ يَقْضِي فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهَا، فَأَرْسَلَ: إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ، فَأَقْسَمَتْ عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقُمْتُ مَعَهُ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، فَلَمَّا دَخَلْنَا نَاوَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الصَّبِيَّ وَنَفْسُهُ تَقَلْقَلُ فِي صَدْرِهِ حَسِبْتُهُ قَالَ: كَأَنَّهَا شَنَّةٌ، فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: أَتَبْكِي؟ فَقَالَ: إِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ. ٧٤٤٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اخْتَصَمَتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ إِلَى رَبّهِمَا فَقَالَتْ الْجَنَّةُ يَا رَبِّ مَا لَهَا لَا يَدْخُلُهَا إِلاَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ وَقَالَتْ النَّارُ يَعْنِي أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْجَنَّةِ أَنْتِ رَحْمَتِي وَقَالَ لِلنَّارِ أَنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا قَالَ فَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا وَإِنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ فَيُلْقَوْنَ فِيهَا فَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ثَلَاثًا حَتَّى يَضَعَ فِيهَا قَدَمَهُ فَتَمْتَلِئُ وَيُرَدُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَتَقُولُ قَطْ قَطْ قَطْ ٧٤٥٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيُصِيبَنَّ أَقْوَامًا سَفْعٌ مِنْ النَّارِ بِذُنُوبٍ أَصَابُوهَا عُقُوبَةً ثُمَّ يُدْخِلُهُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ يُقَالُ لَهُمْ الْجَهَنَّمِيُّونَ وَقَالَ هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ حَدَّثَنَا أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الرَّحْمَةُ تَنْقَسِمُ إِلَى صِفَةِ ذَاتٍ، وَإِلَى صِفَةِ فِعْلٍ، وَهُنَا يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ صِفَةَ ذَاتٍ، فَيَكُونَ مَعْنَاهَا إِرَادَةُ إِثَابَةِ الطَّائِعِينَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ صِفَةَ فِعْلٍ، فَيَكُونَ مَعْنَاهَا أَنَّ فَضْلَ اللَّهِ - بِسَوْقِ السَّحَابِ وَإِنْزَالِ الْمَطَرِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، فَكَانَ ذَلِكَ رَحْمَةٌ لَهُمْ لِكَوْنِهِ بِقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَنَحْوَ تَسْمِيَةِ الْجَنَّةِ رَحْمَةً لِكَوْنِهَا فِعْلًا مِنْ أَفْعَالِهِ حَادِثَةً بِقُدْرَتِهِ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ بَابُ الْأَسْمَاءِ الَّتِي تَتْبَعُ إِثْبَاتَ التَّدْبِيرِ لِلَّهِ دُونَ مَنْ سِوَاهُ فَمِنْ ذَلِكَ: الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَى الرَّحْمَنِ: ذُو الرَّحْمَةِ الشَّامِلَةِ الَّتِي وَسِعَتِ الْخَلْقَ فِي أَرْزَاقِهِمْ وَأَسْبَابِ مَعَايِشِهِمْ وَمَصَالِحِهِمْ، قَالَ: وَالرَّحِيمُ خَاصٌّ بِالْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ وَقَالَ غَيْرُهُ: الرَّحْمَنُ خَاصٌّ فِي التَّسْمِيَةِ عَامٌّ فِي الْفِعْلِ، وَالرَّحِيمُ عَامٌّ فِي التَّسْمِيَةِ خَاصٌّ فِي الْفِعْلِ، انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي أَوَائِلِ التَّوْحِيدِ فِي بَابِ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ وَتَكَلَّمَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى الْحِكْمَةِ ف ي تَذْكِيرِ قَرِيبٍ مَعَ أَنَّهُ وَصْفُ الرَّحْمَةِ، فَقَالَ الْفَرَّاءُ: قَرِيبَةٌ وَبَعِيدَةٌ إِنْ أُرِيدَ بِهَا النَّسَبُ ثُبُوتًا وَنَفْيًا، فَتُؤَنَّثُ جَزْمًا، فَتَقُولُ فُلَانَةٌ قَرِيبَةٌ أَوْ لَيْسَتْ قَرِيبَةً لِي، فَإِنْ أُرِيدَ الْمَكَانُ جَازَ الْوَجْهَانِ؛ لِأَنَّهُ صِفَةُ الْمَكَانِ فَتَقُولُ: فُلَانَةٌ قَرِيبَةٌ وَقَرِيبٌ إِذَا كَانَتْ فِي مَكَانٍ غَيْرِ بَعِيدٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: عَشِيَّةٌ لَا عَفْرَاءَ مِنْكَ قَرِيبَةٌ … فَتَدْنُوا وَلَا عَفْرَاءَ مِنْكَ بَعِيدُ وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقِيسِ: لَهُ الْوَيْلُ إِنْ أَمْسَى وَلَا … أُمُّ سَالِمٍ، قَرِيبٌ الْبَيْتَ، وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ سَبِيلُ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ أَنْ يَجْرِيَا عَلَى أَفْعَالِهِمَا فَمَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهُ رَدُّ الْجَائِزِ بِالْمَشْهُورِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: قَرِيبٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ لَيْسَ وَصْفًا لِلرَّحْمَةِ، إِنَّمَا هُوَ ظَرْفٌ لَهَا فَجَازَ فِيهِ التَّأْنِيثُ وَالتَّذْكِيرُ، وَيَصْلُحُ لِلْجَمْعِ وَالْمُثَنَّى وَالْمُفْرَدِ، وَلَوْ أُرِيدَ بِهَا الصِّفَةُ لَوَجَبَتِ الْمُطَابَقَةُ، وَتَعَقَّبَهُ الْأَخْفَشُ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ ظَرْفًا لَنُصِبَتْ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَتَّسِعُ فِي الظَّرْفِ، وَوَرَاءَ ذَلِكَ أَجْوِبَةٌ أُخْرَى مُتَقَارِبَةٌ، وَيُقَالُ: إِنَّ أَقْوَاهَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ فَقِيلَ: هِيَ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: شَيْءٌ قَرِيبٌ، وَقِيلَ: لَمَّا كَانَتْ بِمَعْنَى الْغُفْرَانِ أَوِ الْعَفْوِ أَوِ الْمَطَرِ أَوِ الْإِحْسَانِ حُمِلَتْ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: الرُّحْمُ بِالضَّمَّةِ وَالرَّحْمَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَذُكِّرَ بِاعْتِبَارِ الرُّحْمِ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّهَا ذَاتُ قُرْبٍ كَقَوْلِهِمْ حَائِضٌ؛ لِأَنَّهَا ذَاتُ حَيْضٍ، وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ جَاءَ عَلَى فَعِيلٍ كَنَقِيقٍ لِصَوْتِ الضِّفْدَعِ، وَقِيلَ: لَمَّا كَانَ وَزْنُهُ وَزْنَ الْمَصْدَرِ نَحْوَ زَفِيرٍ وَشَهِيقٍ أُعْطِيَ حُكْمَهُ فِي اسْتِوَاءِ التَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ، وَقِيلَ: إِنَّ الرَّحْمَةَ بِمَعْنَى مَفْعَلَةٍ فَتَكُونُ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ وَفَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَثِيرٍ، وَقِيلَ: أَعْطَى فَعِيلٍ بِمَعْنَى فَاعِلٍ حُكْمَ فَعِيلٍ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ التَّأْنِيثِ الْمَجَازِيِّ كَطَلَعَ الشَّمْسُ، وَبِهَذَا جَزَمَ ابْنُ التِّينِ، وَتَعَقَّبُوهُ بِأَنَّ شَرْطَهُ تَقَدُّمُ الْفِعْلِ، وَهُنَا جَاءَ الْفِعْلُ مُتَأَخِّرًا فَلَا يَجُوزُ إِلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ بَعْضَهُمْ حَكَى الْجَوَازَ مُطْلَقًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ: أَحَدُهَا: حَدِيثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَقَوْلُهُ إِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ فِيهِ إِثْبَاتُ صِفَةِ الرَّحْمَةِ لَهُ وَهُوَ مَقْصُودُ التَّرْجَمَةِ. ثَانِيهَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: اخْتَصَمَتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ وَيَعْقُوبُ فِي سَنَدِهِ هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْخَامِسِ مِنَ الْبَابِ قَبْلَهُ، وَالْأَعْرَجُ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ، وَلَيْسَ لِصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ. قَوْلُهُ: (اخْتَصَمَتْ) فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي سُورَةِ ق تَحَاجَّتْ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ احْتَجَّتْ، وَكَذَا لَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: تَحَاجَّتْ أَصْلُهُ تَحَاجَجَتْ وَهُوَ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الْحِجَاجِ وَهُوَ الْخِصَامِ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ، يُقَالُ: حَاجَجْتُهُ مُحَاجَجَةً وَمُحَاجَّةً وَحِجَاجًا، أَيْ: غَالَبْتُهُ بِالْحُجَّةِ، وَمِنْهُ: فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، لَكِنَّ حَدِيثَ الْبَابِ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ غَلَبَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. قُلْتُ: إِنَّمَا وِزَانُ: فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، لَوْ جَاءَ تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ النَّارَ، وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُقُوعِ الْخِصَامِ الْغَلَبَةُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْخِصَامُ حَقِيقَةً بِأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ فِيهِمَا حَيَاةً وَفَهْمًا وَكَلَامًا وَاللَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَجَازًا كَقَوْلِهِمْ: امْتَلَأَ الْحَوْضُ، وَقَالَ قَطْنِي: وَالْحَوْضُ لَا يَتَكَلَّمُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنِ امْتِلَائِهِ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِمَّنْ يَنْطِقُ لَقَالَ ذَلِكَ، وَكَذَا فِي قَوْلِ النَّارِ: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ قَالَ: وَحَاصِلُ اخْتِصَاصِهِمَا افْتِخَارُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْأُخْرَى بِمَنْ يَسْكُنُهَا فَتَظُنُّ النَّارُ أَنَّهَا بِمَنْ أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ عُظَمَاءِ الدُّنْيَا أَبَرُّ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْجَنَّةِ، وَتَظُنُّ الْجَنَّةُ أَنَّهَا بِمَنْ أَسْكَنَهَا مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَبَرُّ عِنْدَ اللَّهِ، فَأُجِيبَتَا بِأَنَّهُ لَا فَضْلَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْأُخْرَى مِنْ طَرِيقِ مَنْ يَسْكُنُهُمَا، وَفِي كِلَاهُمَا شَائِبَةُ شِكَايَةٍ إِلَى رَبِّهِمَا إِذْ لَمْ تَذْكُرْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إِلَّا مَا اخْتَصَّتْ بِهِ، وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ إِلَى مَشِيئَتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ النَّوَوِيِّ فِي هَذَا فِي تَفْسِيرِ ق، وَقَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ: يَجُوزُ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ ذَلِكَ الْقَوْلَ فِيمَا شَاءَ مِنْ أَجْزَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ عَقْلًا فِي الْأَصْوَاتِ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهَا حَيًّا عَلَى الرَّاجِحِ وَلَوْ سَلَّمْنَا الشَّرْطَ لَجَازَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ فِي بَعْضِ أَجْزَائِهِمَا الْجَمَادِيَّةِ حَيَاةً لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ إِنَّ كُلَّ مَا فِي الْجَنَّةِ حَيٌّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِلِسَانِ الْحَالِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. قَوْلُهُ: (فَقَالَتِ الْجَنَّةُ: يَا رَبِّ مَا لَهَا) فِيهِ الْتِفَاتٌ؛ لِأَنَّ نَسَقَ الْكَلَامِ أَنْ تَقُولَ: مَا لِي، وَقَدْ وَقَعَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ مَا لِي، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ. قَوْلُهُ: (إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ) زَادَ مُسْلِمٌ: وَعَجَزُهُمْ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَغَرَثُهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْمُرَادِ بِالضُّعَفَاءِ فِي تَفْسِيرِ ق، وَسَقَطُهُمْ بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ سَاقِطٍ، وَهُوَ النَّازِلُ الْقَدْرَ، الَّذِي لَا يُؤْبَهُ لَهُ، وَسَقَطُ الْمَتَاعِ رَدِيئُهُ، وَعَجَزُهُمْ بِفَتْحَتَيْنِ أَيْضًا جَمْعُ عَاجِزٍ ضَبَطَهُ عِيَاضٌ، وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ بِتَاءِ التَّأْنِيثِ كَكَاتِبٍ وَكَتَبَةٍ، وَسُقُوطُ التَّاءِ فِي هَذَا الْجَمْعِ نَادِرٌ، قَالَ: وَالصَّوَابُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ مِثْلَ: شَاهِدٌ وَشُهَّدٌ، وَأَمَّا غَرَثُهُمْ فَهُوَ بِمُعْجَمَةٍ وَمُثَلَّثَةٍ جَمْعُ غَرْثَانَ، أَيْ: جَيْعَانَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ، أَيْ: غَفَلَتُهُمْ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَهْلُ الْإِيمَانِ الَّذِينَ لَمْ يَتَفَطَّنُوا لِلشُّبَهِ، وَلَمْ تُوَسْوِسْ لَهُمُ الشَّيَاطِينُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَهُمْ أَهْلُ عَقَائِدَ صَحِيحَةٍ وَإِيمَانٍ ثَابِتٍ، وَهُمُ الْجُمْهُورُ، وَأَمَّا أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ فَهُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ قَلِيلٌ. قَوْلُهُ: (وَقَالَتِ النَّارُ فَقَالَ لِلْجَنَّةِ)، كَذَا وَقَعَ هُنَا مُخْتَصَرًا. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: سَقَطَ قَوْلُ النَّارِ هُنَا مِنْ جَمِيعِ النُّسَخِ وَهُوَ مَحْفُوظٌ فِي الْحَدِيثِ، رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ. قُلْتُ: هُوَ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ، لِلدَّارَقُطْنِيِّ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ وَرْقَاءَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: يَدْخُلُنِي الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ. وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: فَقَالَتِ النَّارُ: فِيَّ. أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى وَسَاقَ مُسْلِمٌ سَنَدَهُ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي). زَادَ أَبُو الزِّنَادِ فِي رِوَايَتِهِ: أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَكَذَا لِهَمَّامٍ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ). زَادَ أَبُو الزِّنَادِ: مِنْ عِبَادِي. قَوْلُهُ: (مِلْؤُهَا) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ. قَوْلُهُ: (فَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ: الْمَعْرُوفُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لِلْجَنَّةِ خَلْقًا، وَأَمَّا النَّارُ فَيَضَعُ فِيهَا قَدَمَهُ قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ خَلْقًا إِلَّا هَذَا، انْتَهَى. وَقَدْ مَضَى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ ق مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: يُقَالُ لِجَهَنَّمَ: هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، فَيَضَعُ الرَّبُّ عَلَيْهَا قَدَمَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وَمِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ بِلَفْظِ فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولَ: قَطْ قَطْ، فَهُنَاكَ تَمْتَلِئُ وَيَزْوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ بَيَانُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْمُرَادِ بِالْقَدَمِ مُسْتَوْفًى، وَأَجَابَ عِيَاضٌ بِأَنَّ أَحَدَ مَا قِيلَ فِي تَأْوِيلِ الْقَدَمِ أَنَّهُمْ قَوْمٌ تَقَدَّمَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ يَخْلُقُهُمْ قَالَ: فَهَذَا مُطَابِقٌ لِلْإِنْشَاءِ، وَذِكْرُ الْقَدَمِ بَعْدَ الْإِنْشَاءِ يُرَجِّحُ أَنْ يَكُونَا مُتَغَايِرَيْنِ، وَعَنِ الْمُهَلَّبِ قَالَ: فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ لِلَّهِ أَنْ يُعَذِّبَ مَنْ لَمْ يُكَلِّفُهُ لِعِبَادَتِهِ فِي الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِلْكُهُ فَلَوْ عَذَّبَهُمْ لَكَانَ غَيْرَ ظَالِمٍ، انْتَهَى. وَأَهْلُ السُّنَّةِ إِنَّمَا تَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ وَ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ جِهَةِ الْجَوَازِ، وَأَمَّا الْوُقُوعُ فَفِيهِ نَظَرٌ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِلِاخْتِلَافِ فِي لَفْظِهِ وَلِقَبُولِهِ التَّأْوِيلَ، وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ: إِنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ مَقْلُوبٌ، وَجَزَمَ ابْنُ الْقَيِّمِ بِأَنَّهُ غَلَطٌ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ بِأَنَّ جَهَنَّمَ تَمْتَلِئُ مِنْ إِبْلِيسَ وَأَتْبَاعِهِ، وَكَذَا أَنْكَرَ الرِّوَايَةَ شَيْخُنَا الْبُلْقِينِيُّ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ ثُمَّ قَالَ: وَحَمْلُهُ عَلَى أَحْجَارٍ تُلْقَى فِي النَّارِ أَقْرَبُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى ذِي رُوحٍ يُعَذَّبُ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، انْتَهَى. وَيُمْكِنُ الْتِزَامُ أَنْ يَكُونُوا مِنْ ذَوِي الْأَرْوَاحِ، وَلَكِنْ لَا يُعَذَّبُونَ كَمَا فِي الْخَزَنَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالْإِنْشَاءِ ابْتِدَاءُ إِدْخَالِ الْكُفَّارَ النَّارَ، وَعَبَّرَ عَنِ ابْتِدَاءِ الْإِدْخَالِ بِالْإِنْشَاءِ فَهُوَ إِنْشَاءُ الْإِدْخَالِ لَا الْإِنْشَاءُ بِمَعْنَى ابْتِدَاءِ الْخَلْقِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَيُلْقَوْنَ فِيهَا، وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ وَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: حَتَّى يَضَعَ فِيهَا قَدَمَهُ فَحِينَئِذٍ تَمْتَلِئُ، فَالَّذِي يَمْلَؤُهَا حَتَّى تَقُولَ: حَسْبِي هُوَ الْقَدَمُ، كَمَا هُوَ صَرِيحُ الْخَبَرِ، وَتَأْوِيلُ الْقَدَمِ قَدْ تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ أَيَّدَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ حَمْلَهُ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ إِذْ لَوْ كَانَ عَلَى ظَاهِرِهِ لَكَانَ أَهْلُ النَّارِ فِي نَعِيمِ الْمُشَاهَدَةِ كَمَا يَتَنَعَّمُ أَهْلُ الْجَنَّةِ بِرُؤْيَةِ رَبِّهِمْ؛ لِأَنَّ مُشَاهَدَةَ الْحَقِّ لَا يَكُونُ مَعَهَا عَذَابٌ، وَقَالَ عِيَاضٌ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ عِنْدَ ذِكْرِ الْجَنَّةِ: فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، أَنَّهُ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُ، كَمَا قَالَ: أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إِلَى تَخَاصُمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَإِنَّ الَّذِي جَعَلَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَدْلٌ وَحِكْمَةٌ وَبِاسْتِحْقَاقِ كُلٍّ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْلِمَ أَحَدًا، وَقَالَ غَيْرُهُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّلْمِيحِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا﴾ فَعَبَّرَ عَنْ تَرْكِ تَضْيِيعِ الْأَجْرِ بِتَرْكِ الظُّلْمِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُدْخِلُ مَنْ أَحْسَنَ الْجَنَّةَ الَّتِي وَعَدَ الْمُتَّقِينَ بِرَحْمَتِهِ، وَقَدْ قَالَ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي، وقال: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى اتِّسَاعِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ بِحَيْثُ تَسَعُ كُلَّ مَنْ كَانَ وَمَنْ يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَتَحْتَاجُ إِلَى زِيَادَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ الرِّقَاقِ أَنَّ آخِرَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُعْطَى مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: يُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَشْيَاءَ تُوصَفُ بِغَالِبِهَا؛ لِأَنَّ الْجَنَّةَ قَدْ يَدْخُلُهَا غَيْرُ الضُّعَفَاءِ وَالنَّارُ قَدْ يَدْخُلُهَا غَيْرُ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ حَمَلَ قَوْلَ النَّارِ: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ عَلَى أَنَّهُ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ، وَأَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى زِيَادَةٍ. وَقَالَ هَمَّامٌ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ أَنَسٍ. قَوْلُهُ: (سَفْعٌ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ، ثُمَّ مُهْمَلَةٍ هُوَ أَثَرُ تَغَيُّرِ الْبَشَرَةِ فَيَبْقَى فِيهَا بَعْضُ سَوَادٍ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ هَمَّامٌ:، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ) تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ مَعَ شَرْحِهِ وَأَرَادَ بِهِ هُنَا أَنَّ الْعَنْعَنَةَ الَّتِي فِي طَرِيقِ هِشَامٍ مَحْمُولَةٌ عَلَى السَّمَاعِ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ هَمَّامٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
⚠ الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك
الموضع المعلَّق عليه:
): «قوله: (باب ما جاء في قول الله تعالى: إن رحمت الله قريب من المحسنين، قال ابن بطال: الرحمة تنقسم إلى صفة ذات، وإلى صفة فعل، وهنا يحتمل أن تكون صفة ذات، فيكون معناها إرادة إثابة الطائعين، ويحتمل أن تكون صفة فعل فيكون معناها أن فضل الله بسوق السحاب وإنزال المطر قريب من المحسنين، فكان ذلك رحمة لهم لكونه بقدرته وإرادته ... ». وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ٢٥.
قال الشيخ البراك: قول ابن بطال: «الرحمة تنقسم إلى صفة ذات وإلى صفة فعل»: هذا صحيح؛ فإنه سبحانه ذو الرحمة التي لم يزل متصفًا بها وهي لازمة لذاته، وهو ذو رحمة يرحم بها من يشاء؛ فالأولى هي الصفة الذاتية، والثانية هي الصفة الفعلية، وكلاهما قائم بذاته ﷾. ولولا ذلك لم تكن صفة. ولكن ابن بطال فسر الرحمة الذاتية بالإرادة على طريقة الأشاعرة، وفسر الرحمة الفعلية بالمفعول المخلوق كسوق السحاب، وكلا التفسيرين خطأ؛ فإن الرحمة غير الإرادة، والفعل القائم بالفاعل غير المفعول، والأشاعرة لا يثبتون حقيقة الرحمة، فلذا يؤولونها بالإرادة ولا يثبتون فعلًا يقوم بالرب بمشيئته سبحانه، فلذا يجعلون الفعل هو المفعول، ومعلوم أن المفعول ليس صفة للفاعل، بل هو أثر فعله. وبهذا تبين أن تسمية المفعول - وهو الرحمة المخلوقة كالمطر - صفة فعلية مخالفة للعقل. وتحرير المقام أن الرحمة المضافة لله تعالى إما أن تكون صفة ذاتية أو فعلية كما تقدم، وإما أن تكون مخلوقة؛ فمن الأول قوله تعالى: «وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين»، ومن الثاني قوله تعالى: «فانظر إلى آثار رحمة الله»؛ فإن المراد بالرحمة هنا: المطر. وكقوله تعالى: «وهو الذي يرسل الرياح بشرًا بين يدي رحمته»، وكما في حديث الباب من قوله تعالى للجنة: «أنت رحمتي أرحم بك من أشاء». وانظر التعليقين (٦٧) و(٧٩).
⚠ الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك
الموضع المعلَّق عليه:
): «قال ابن بطال عن المهلب: يجوز أن يكون هذا الخصام حقيقة بأن يخلق الله فيهما حياة وفهمًا وكلامًا، والله قادر على كل شيء، ويجوز أن يكون هذا مجازًا كقولهم: امتلأ الحوض وقال قطني، والحوض لا يتكلم وإنما ذلك عبارة عن امتلائه وأنه لو كان ممن ينطق لقال ذلك، وكذا في قول النار: »هل من مزيد«. وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٤٩، كتاب التوحيد، باب ٢٥.
قال الشيخ البراك: قوله ﷺ: «اختصمت الجنة والنار .... إلخ»: قيل: إن هذا الاختصام حقيقة بلسان المقال، وأن الله ﷿ أنطق الجنة والنار، وقيل: إن الخصومة بلسان الحال، ومعناه أنه لم يكن نطق ولا كلام؛ فذكر الخصومة مجاز. وقد ذكر ابن بطال هذين الوجهين عن المهلب احتمالًا دون ترجيح، والواجب حمل الكلام على الحقيقة ما لم يمنع من ذلك مانع، ولا مانع هنا، ولا دليل يدل على صرف الكلام عن ظاهره، فالصواب أن الله تعالى أنطق الجنة والنار فاختصمتا كما ذكر في الحديث. والله تعالى ينطق الجلود بالشهادة على أهلها وليس في العادة أن تنطق؛ كما قال تعالى: «وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء».
مصادر المؤلف (١)

١. جزم ابن القيم بأن هذا غلط من الراوي، صوابه «ينشيء للجنة» كما تقدم برقم ٤٨٥٠ من طريق عبد الرزاق عن همام عن أبي هريرة، وكما في رقم ٧٣٨٤ من طريق قتادة عن أنس، فتبين منهما أن الراوي هنا سبق لفظه من الجنة إلى النار، يسمونه في مصطلح الحديث «المنقلب»