HadithLab
RU

التعليقات على المخالفات العقدية في فتح الباري

الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك

أملاها الشيخ على تلميذه، وطبعت بحاشية «فتح الباري» طبعة دار طيبة سنة ١٤٢٦ هـ.

عدد المواضع: ١٧٣ · صفحة ١/٧

  1. رقم ١ · المقدمة ص١٣٦
    عرض التعليقإخفاء التعليق
    إن أراد ما يشتبه معناه على بعض الناس فهذا حق؛ فإن نصوص الصفات، ومنها: «الاستواء» قد خفي معناها على كثير من الناس، فوقعوا في الاضطراب فيها، وعلِم العلماء من السلف وأتباعهم معانيها المرادة منها، فأثبتوها، وفوضوا علم حقائقها وكيفياتها إلى الله تعالى؛ كما قال الإمام مالك - وشيخه ربيعة - لما سئل عن الاستواء: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب» (١). وهذه قاعدة يجب اتباعها في جميع صفات الله تعالى، وقد فَسَّر السلف الاستواء: بـ «العلو» و«الارتفاع» و«الاستقرار» (٢). وإن أراد بالمتشابه: «ما لا يفهم معناه أحد، فيجب تفويض علم معناه إلى الله تعالى»؛ فهذا قول أهل التفويض من النفاة المعطلة، وهو باطل؛ لأنه يقتضي أن الله سبحانه خاطب عباده بما لا يفهمه أحد، وهذا خلاف ما وصف الله به كتابه من: البيان، والهدى، والشفاء. وهذا الاحتمال الثاني هو الذي يقتضيه سياق الحافظ عفا الله عنه. (١) الرد على الجهمية للدارمي ص ٦٦، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة ٣/ ٤٤١ - ٤٤٢، وعقيدة السلف أصحاب الحديث ص ٣٧ - ٤٠، والأسماء والصفات ص ٣٧٩، وشرح حديث النزول ص ١٣٢، وانظر: «الأثر المشهور عن الإمام مالك في صفة الاستواء». (٢) انظر: «صحيح البخاري» ٩/ ١٢٤، و«تفسير البغوي» ٣/ ٢٣٥، و«شرح حديث النزول» ص ٣٨٨، و«شرح الأصبهانية» ص ٢٠٩، و«درء التعارض» ٢/ ٢٠، و«الكافية الشافية»، الأبيات: (١٣٤٧ - ١٣٦٠).
  2. رقم ٢ · المقدمة ص٢٠٨
    عرض التعليقإخفاء التعليق
    لفظ الجارحة لم يرد إطلاقه في الكتاب والسنة ولا في كلام السلف على صفة الرب سبحانه؛ لا نفيًا ولا إثباتًا، وهو لفظ مجمل، فيجب التفصيل فيه نفيًا وإثباتًا؛ فإن أريد بالجارحة اليد التي تماثل أيدي المخلوقين؛ فيد الله سبحانه ليست مثل يدِ أحد من الخلق. وإن أريد بالجارحة اليد التي يكون بها الفعل، والأخذ، والعطاء، ومن شأنها القبض والبسط؛ فيد الله كذلك؛ فقد خلق آدم بيديه، ويأخذ أرضه وسماءه يوم القيامة بيديه، ويقبض يديه ويبسطهما؛ كما جاء في الكتاب والسنة؛ فالنافي للمعنى الأول؛ محق، والنافي للمعنى الثاني؛ مبطل. ولا ريب أن أهل السنة متفقون على نفي مماثلة الله لخلقه في شيء من صفاته - لا اليد ولا غيرها ـ؛ بل يثبتونها لله سبحانه على الوجه اللائق به مع نفي التمثيل، ونفي العلم بالكيفية. وقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «واتفق أهل السنة والجماعة» يدخل فيهم الأشاعرة ونحوهم من طوائف الإثبات كما يقتضيه آخر كلامه، ومذهبهم في صفة اليدين لله: نفي حقيقتهما، ثُم لهم في النصوص الواردة بذكر اليدين أحد منهجين: إما التفويض، أي: تفويض المعنى. وإما التأويل: بصرف لفظ اليد عن المعنى المتبادر - وهو الراجح - إلى معنى مرجوح؛ كالقدرة والنعمة. وهو صرف للكلام عن ظاهره بغير حجة صحيحة يسمونه تأويلًا، وهو في الحقيقة تحريف.
  3. رقم ٣ · ج١ ص٤٦ · صحيح البخاري ٧
    قوله: (وهو) أي الإيمان (قول وفعل يزيد وينقص) ... والمعتزلة قالوا: هو العمل والنطق والاعتقاد. والفارق بينهم وبين السلف أنهم جعلوا الأعمال شرطًا في صحته، والسلف جعلوها شرطًا في كماله.
    عرض التعليقإخفاء التعليق
    قال الشيخ البراك: قوله: «والفارق بينهم وبين السلف .... الخ»: هذا الفرق بين المعتزلة والسلف لا يستقيم سواء أريد بشرط الصحة أو شرط الكمال: جنس العمل، أو أنواع العمل الواجبة، أو الواجبة والمستحبة؛ فإن الأعمال المستحبة من كمال الإيمان المستحب، فلا تكون شرطًا لصحة الإيمان، ولا لكماله الواجب. وأما الأعمال الواجبة: فليس منها شرط لصحة الإيمان عند جميع أهل السنة، بل بعضها شرط لصحة الإيمان عند بعض أهل السنة كالصلاة. وأما عند المعتزلة: فالمشهور من مذهبهم ومذهب الخوارج أن ما كان تركه كبيرة فهو شرط لصحة الإيمان، وعلى هذا فلا يصح أن يقال: إن جنس العمل عندهم شرط لصحة الإيمان؛ لأن ذلك يقتضي أن الموجب للخروج عن الإيمان عندهم هو ترك جميع الأعمال، وليس كذلك، بل يثبت عندهم الخروج عن الإيمان بارتكاب ما هو كبيرة. وأما عند السلف: فعمل الجوارح تابع لعمل القلب، وجنس عمل القلب شرط لصحة الإيمان، وجنس عمل الجوارح تابع أو لازم لعمل القلب، فيلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم؛ فإن الإعراض عن جميع الأعمال دليل على عدم انقياد القلب. هذا، ولا أعلم أحدا من أئمة السلف أطلق القول بأن الأعمال شرط أو ليست شرطا لصحة الإيمان أو كماله، وإنما المأثور المشهور عنهم قولهم: «الإيمان قول وعمل» أو «قول وعمل ونية»؛ يقصدون بذلك الرد على المرجئة الذين أخرجوا الأعمال عن مسمى الإيمان، وخصوا الإيمان بالتصديق، أو التصديق والإقرار باللسان. وبهذا يتبين أن ما ذكره الحافظ بإطلاق القول بأن الأعمال شرط لصحة الإيمان عند المعتزلة، وشرط لكماله عند السلف ليس بمستقيم لما تقدم.
  4. رقم ٤ · ج١ ص١٥٧ · صحيح البخاري ٦٧
    « قوله » فاستحيا الله منه « أي رحمه ولم يعاقبه. قوله: « فأعرض الله عنه » أي سخط عليه، وهو محمول على من ذهب معرضا لا لعذر، هذا إن كان مسلما، ويحتمل أن يكون منافقا، واطلع النبي ﷺ على أمره، كما يحتمل أن يكون قوله ﷺ: فأعرض الله عنه « إخبارا أو ادعاء.
    عرض التعليقإخفاء التعليق
    قال الشيخ البراك: قوله: «فاستحيا الله منه أي رحمه»، وقوله: «فأعرض الله عنه أي سخط عليه»: في هذا التفسير للاستحياء والإعراض من الله عدول عن ظاهر اللفظ من غير موجب، والحامل على هذا التفسير عند من قال به هو اعتقاده أن الله لا يوصف بالحياء أو الإعراض حقيقة؛ لتوهم أن إثبات ذلك يستلزم التشبيه، وليس كذلك بل القول في الاستحياء والإعراض كالقول في سائر ما أثبته الله ﷿ لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ من الصفات، والواجب في جميع ذلك هو الإثبات مع نفي مماثلة المخلوقات، وقد ورد في الحديث: «إن ربكم ﵎ حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا» [أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه]. وفي ذكر الاستحياء والإعراض في هذا الحديث دليل على أن الجزاء من جنس العمل، وشواهده كثيرة.
  5. رقم ٥ · ج١ ص٢٢٩ · صحيح البخاري ١٣١
    قوله: «إن الله لا يستحيي من الحق» أي لا يأمر بالحياء في الحق.
    عرض التعليقإخفاء التعليق
    قال الشيخ البراك: قوله: «أي لا يأمر بالحياء في الحق»: ليس في هذا تفسير للاستحياء مضافا إلى الله ﷿، ولا تفسير لنفي الاستحياء؛ فليس فيه تعرض لإثبات الاستحياء أو نفيه عن الله ﷿، بل هو بيان للمراد من سياق هذا الخبر في قوله: «لا يستحيي من الحق»، وهو المعنى الذي قدمت به أم سليم لسؤالها. وانظر: التعليق رقم (٤)
  6. رقم ٦ · ج١ ص٣٥٢ · صحيح البخاري ٢٤٠
    عرض التعليقإخفاء التعليق
    قال الشيخ البراك: قوله: «والمراد باليد القدرة»: يريد في قول ابن مسعود: «والذي نفسي بيده»، وهذا القسم كثيرًا ما يقسم به النبي ﷺ، ومعناه: والذي نفسي في ملكه يتصرف فيها بقدرته ومشيئته. هذا هو معنى الكلام مركبا، فإذا أراد الحافظ أو غيره بقولهم: «المراد باليد هنا القدرة» المعنى المراد من جملة القسم كان صحيحا، وإن أراد أن يد الله المراد بها قدرته؛ فهذا جار على مذهب أهل التأويل من نفاة الصفات الذين ينفون عن الله ﷿ حقيقة اليدين، ويؤولون ما ورد في النصوص بالقدرة أو النعمة. وهو تأويل باطل مبني على باطل، وهو: اعتقاد نفي حقيقة اليدين عن الله ﷿. وهذا التأويل صرف للنصوص عن ظاهرها، كقوله تعالى: «ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي»، فلو كان المراد باليدين القدرة لما كان بين آدم وإبليس فرق؛ إذ الكل مخلوق بالقدرة. والحافظ ﵀ جار في صفة اليد لله تعالى على طريق النفاة. وانظر: تعليق رقم (٢).
  7. رقم ٧ · ج١ ص٥٠٨ · صحيح البخاري ٤٠٥
    «والمراد بالمناجاة من قبل العبد حقيقة النجوى، ومن قبل الرب لازم ذلك، فيكون مجازا، والمعنى: إقباله عليه بالرحمة والرضوان».
    عرض التعليقإخفاء التعليق
    قال الشيخ البراك: قوله: «ومن قبل الرب لازم ذلك ... الخ»: هذا القول يتضمن نفي حقيقة المناجاة عن الله ﷿. والمناجاة هي المسارة في الحديث. وقد ثبتت إضافة المناجاة إلى الله ﷿ في قوله سبحانه: «وقربناه نجيا»؛ فالله ﷿ كلم موسى ﵇ فناداه وناجاه، فهو كليم الله ونجيه. وليس في هذا الحديث ذكر للمناجاة من الله تعالى، بل المناجاة في الحديث من طرف العبد. ونفي حقيقة المناجاة هو مذهب من ينفي الكلام عن الله تعالى من الجهمية والمعتزلة، بل ومذهب من يقول إن كلام الله معنى نفسي ليس بحرف ولا صوت كالكلابية والأشاعرة. ومذهب أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم إذا شاء متى شاء، ويكلم من شاء، فيسمعه كلامه؛ فموسى ﵇ سمع كلام الله من الله. وهكذا الأبوان في قوله سبحانه: «وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ... » الآية. والذي يظهر أن الحافظ رحمه الله تعالى مشى في صفة المناجاة على مذهب أهل التأويل من الأشاعرة.
  8. رقم ٨ · ج١ ص٥٠٨ · صحيح البخاري ٤٠٥
    «وفيه الرد على من زعم أنه على العرش بذاته » [أي: حديث: إن ربه بينه وبين القبلة]
    عرض التعليقإخفاء التعليق
    قال الشيخ البراك: وقوله: «وفيه الرد على من زعم أنه على العرش بذاته ... الخ»: هذا صريح في أن الحافظ - عفا الله عنه - ينفي حقيقة استواء الله على عرشه؛ وهو علوه وارتفاعه بذاته فوق عرشه العظيم. وهذا مذهب المعطلة من الجهمية والمعتزلة، بل ومذهب كل من ينفي علو الله على خلقه؛ ومنهم الماتريدية ومتأخرو الأشاعرة؛ وهو مذهب باطل مناقض لدلالة الكتاب والسنة والعقل والفطرة. ومذهب سلف الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة الدين وجميع أهل السنة والجماعة: أن الله ﷿ فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه؛ أي ليس حالًا في مخلوقاته، ولا ينافي ذلك أنه مع عباده أينما كانوا، وأنه تعالى يقرب مما شاء متى شاء كيف شاء. وكذلك لا ينافي علوه واستواؤه على عرشه ما جاء في هذا الحديث من أنه سبحانه قِبل وجه المصلي، أو بينه وبين القبلة؛ فالقول فيه كالقول في القرب والمعية؛ كل ذلك لا ينافي علوه ولا يوجب حلوله تعالى في شيء من المخلوقات؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «ولا يحسب الحاسب أن شيئا من ذلك يناقض بعضه بعضا ألبتة; مثل أن يقول القائل: ما في الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش يخالفه الظاهر من قوله: ﴿وهو معكم أين ما كنتم﴾، وقوله ﷺ: ﴿إذ قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه﴾، ونحو ذلك؛ فإن هذا غلط؛ وذلك أن الله معنا حقيقة وهو فوق العرش حقيقة كما جمع الله بينهما في قوله ﷾: ﴿هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير﴾؛ فأخبر أنه فوق العرش يعلم كل شيء وهو معنا أينما كنا كما قال النبي ﷺ في حديث الأوعال: ﴿والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه﴾؛ وذلك أن كلمة (مع) في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى؛ فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا أو والنجم معنا، ويقال: هذا المتاع معي لمجامعته لك; وإن كان فوق رأسك. فالله مع خلقه حقيقة وهو فوق عرشه حقيقة .... وكذلك قوله ﷺ: ﴿إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه فلا يبصق قبل وجهه﴾ الحديث. حق على ظاهره وهو سبحانه فوق العرش وهو قبل وجه المصلي، بل هذا الوصف يثبت للمخلوقات؛ فإن الإنسان لو أنه يناجي السماء أو يناجي الشمس والقمر لكانت السماء والشمس والقمر فوقه وكانت أيضا قبل وجهه. وقد ضرب النبي ﷺ المثل بذلك - ولله المثل الأعلى - ولكن المقصود بالتمثيل بيان جواز هذا وإمكانه، لا تشبيه الخالق بالمخلوق؛ فقال النبي ﷺ: ﴿ما منكم من أحد إلا سيرى ربه مخليا به﴾ فقال له أبو رزين العقيلي: كيف يا رسول الله وهو واحد ونحن جميع؟ فقال النبي ﷺ: ﴿سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله؛ هذا القمر: كلكم يراه مخليا به وهو آية من آيات الله ; فالله أكبر﴾ أو كما قال النبي ﷺ». [مجموع الفتاوى ٥/ ١٠٢ - ١٠٧ باختصار].
  9. رقم ٩ · ج١ ص٥١٤ · صحيح البخاري ٤١٨
    « ويستفاد منه أن التحسين والتقبيح إنما هو بالشرع ... ».
    عرض التعليقإخفاء التعليق
    قال الشيخ البراك: قوله: «ويستفاد منه أن التحسين والتقبيح إنما هو بالشرع»: المراد بالتحسين والتقبيح: الحكم على الشيء بأنه حسن أو قبيح، وقد اختلف الناس فيما يعرف به حسن الأشياء وقبحها: فمذهب المعتزلة: أن ذلك يعرف بالعقل، وأن حُسْن الحَسَنْ وقبح القبيح ذاتيان، وأن الشرع كاشف لذلك. ومذهب الأشاعرة: أن الأشياء في ذاتها مستوية لاشتراكها في الصدور عن المشيئة، وإنما تكسب الحسن والقبح بالشرع؛ فالحسن ما أمر به الشرع، والقبيح ما نهى عنه، فالحسن والقبح عندهم شرعيان لا عقليان، ويجوز عندهم أن يأمر الله بما نهى عنه فيصير حسنًا، وينهى عما أمر به فيصير قبيحًا. وهذا ظاهر الفساد. ومذهب أهل السنة والجماعة: أن حسن الأشياء وقبحها يعرف بالعقل والشرع؛ فما أمر به الشرع فهو حسن في ذاته، وزاده الأمر به حسنًا، وما نهى عنه الشرع قبيح وزاده النهي قبحًا؛ فالحُسْن والقبح عند أهل السنة شرعيان وعقليان، ولكن الحكم بالوجوب والتحريم، وترتب العقاب موقوف على الشرع. وبهذا يتبين أن الحافظ رحمه الله تعالى يذهب في التحسين والتقبيح مذهب الأشاعرة، ودعواه أن ذلك مما يستفاد من الحديث، وتوجيه ذلك بأن جهة اليمين مفضلة على اليسار وأن اليد مفضلة على القَدَم - يعني في الشرع - دعوى غير صحيحة. وما ذكره من الدليل هو حجة على خلاف ما ذهب إليه؛ فإن تفضيل اليمين على الشمال، واليد على القدم كما قد دل عليه الشرع فقد شهد به العقل والفطرة؛ فكل عاقل يدرك قبل ورود الشرع فضل الوجه على الدبر، وفضل اليد على الرجل، وفضل اليمين على الشمال، فتطابق على ذلك الشرع والعقل.
  10. رقم ١٠ · ج١ ص٥١٤ · صحيح البخاري ٤١٨
    « لأن الحق عند أهل السنة أن الرؤية لا يشترط لها عقلا عضو مخصوص، ولا مقابلة، ولا قرب ... ».
    عرض التعليقإخفاء التعليق
    قال الشيخ البراك: قوله: «لأن الحق عند أهل السنة والجماعة أن الرؤية لا يشترط لها عقلا عضوا ... إلخ»: مراد الحافظ بأهل السنة هنا الأشاعرة، وهو يشير عفا الله عنه بهذا الكلام إلى مذهبهم في الرؤية؛ أي في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وهو أنه ﷾ يُرى لا في جهة؛ فلا يقولون إن المؤمنين يرونه من فوقهم، ولا بأبصارهم، ولامع مقابلة. وهذا كله مبني على نفي علوه سبحانه؛ فحقيقة قولهم في الرؤية موافق لمن ينفيها كالمعتزلة؛ فإن قولهم يُرى لا في الجهة معناه أنه يُرى لا من فوق، ولا من تحت، ولا من أمام، ولا من خلف، ولا عن يمين، ولا عن شمال؛ وحقيقة هذا نفي الرؤية، فكانوا بهذا الإثبات على هذا الوجه متناقضين موافقين في اللفظ لأهل السنة بدعوى إثباتهم للرؤية، وموافقين في المعنى للمعتزلة. وليس في الحديث دليل على جنس هذه الرؤية، بل في الحديث أنه ﷺ يراهم من أمامه ومن خلفه. وقوله - ﷺ -: «إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر» يدل على أن المؤمنين يرون ربهم عيانًا بأبصارهم من فوقهم من غير إحاطة؛ فقد شبه الرؤية بالرؤية ولم يشبه المرئي بالمرئي، ولعل الحافظ يريد بأهل البدع المعتزلة.
  11. رقم ١١ · ج٢ ص١٤٤ · صحيح البخاري ٦٦٠
    في قوله: « سبعة يظلهم الله في ظله » قال عياض: « إضافة الظل إلى الله إضافة ملك، وكذا قال، وكان حقه أن يقول: إضافة تشريف ليحصل امتياز هذا على غيره، وقيل: المراد بظله: كرامته وحمايته كما يقال: فلان في ظل الملك.
    عرض التعليقإخفاء التعليق
    قال الشيخ البراك: ... قوله - ﷺ -: «سبعة يظلهم الله في ظله»: المتبادر أن المراد بالظل هنا ما يستظل به ويتقى به من الحر، وهو أثر الحائل المانع من شعاع الشمس، والظاهر أن المراد بالظل المضاف إلى الله ﷿ في الحديث هو ما يظل به عباده الصالحين يوم تدنو الشمس من رؤوس الخلائق، وهو أثر أعمالهم الصالحة كما في الحديث: «كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس ... ». وعلى هذا فهذا الظل مخلوق وإضافته إلى الله سبحانه إضافة ملك وتشريف كما قال عياض والحافظ رحمهما الله تعالى، وليس إضافة صفة إلى موصوف؛ فلا يقال: إن لذات الله ظلًا أخذًا من هذا الحديث؛ لأن الظل مخلوق كما قال سبحانه: «ألم تر إلى ربك كيف مد الظل»، والمخلوق ليس صفة للخالق، وقوله ﷺ: «يوم لا ظل إلا ظله» يعني يوم القيامة. ومعناه: ليس لأحد ما يستظل به من حر الشمس إلا من له عمل صالح يجعل الله له به ظلا، وذلك من ثواب الله المعجل في عرصات القيامة. [هذا ولم أقف لأحد من أئمة السنة على تفسير للظل في هذا الحديث، وهل هو صفة أو مخلوق، وما ذكرته هو ما ظهر لي، والله أعلم بالصواب.] (١) (١) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ما بين المعكوفين هو نص ما ورد في الأصل [طبعة طيبة (٢/ ٥٠٣)]، ولم يرد في طبعة الشيخ عبد المحسن العسكر للتعليقات المفردة (ص ٢٦)، بل ورد بدلا منه ما نصه: «هذا، وإن صحت رواية »يظله اللَّه في ظل عرشه « (*) وجب إثبات ظل للعرش، يُظل الله به من يشاء، وحينئذ فظل العرش من جملة الظل المخلوق، وليس صفة لله تعالى، ولا يلزم من ذلك أن يكون ظل العرش اْثرَ حجبه للشمس، بحيث يكون العرش بين الناس والشمس، فيكون المعنى- والفَه أعلم- أن المؤمنين يكونون تحت العرش بمعزل عن الشمس التي أدنيت من رؤوس الخلائق، وعلى كل حال فالظل ليس صفة لله تعالى، والله أعلم.» (*) أخرجه الطبراني في الأوسط (٩١٣١) والبزار (٨١٨٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ - وسعيد بن منصور من حديث سلمان - ﵁ -، كما في فتح الباري (٢/ ١٤٤)، وحسن إسناده ابن حجر. وضعفه الذهبي في العلو للعلي الغفار، (١٩٠). [كذا في هامش ط الشيخ عبد المحسن العسكر]
  12. رقم ١٢ · ج٣ ص١٥٨ · صحيح البخاري ١٢٩٠
    « وفي هذا الحديث من الفوائد: - غير ما تقدم - جواز استحضار ذوي الفضل للمحتضر لرجاء بركتهم ودعائهم، وجواز القسم عليهم لذلك »
    عرض التعليقإخفاء التعليق
    قال الشيخ البراك: قوله: «في هذا الحديث من الفوائد - غير ما تقدم - جواز استحضار ذوي الفضل للمحتضر .... الخ»: في هذا الاستنباط نظر؛ فإن التي استحضرت الرسول ﷺ ابنته، ويحتمل أن يكون استحضارها للرسول ﷺ بمقتضى العادة وحكم القرابة ليسليها ويواسيها، ومما يؤكد رغبتها في ذلك أن أباها هو رسول الله ﷺ، ففي حضوره برد لحر المصاب، ولهذا أقسمت عليه بالمجيء، ولمَّا أقسمت عليه بر بقسمها. ولا ريب أنه يجوز استحضار من ينتفع بحضوره لدى المحتضر في أمر دين أو دنيا مما يعود إلى المحتضر أو أهله بالفائدة، ولا ريب أن استحضار من ينفع المحتضر وأهله بعلمه وتوجيهه مما يرغب فيه. وينبغي حمل قول الحافظ: «لرجاء بركتهم ودعائهم» على هذا؛ لأن مجالسة أهل العلم والصلاح فيها خير وبركة لمجالسيهم.
  13. رقم ١٣ · ج٣ ص٤٦٣ · صحيح البخاري ١٥٩٨
    وقال المهلب: حديث عمر هذا يرد على من قال: إن الحجر يمين الله في الأرض يصافح بها عباده، ومعاذ الله أن يكون لله جارحة.
    عرض التعليقإخفاء التعليق
    قال الشيخ البراك: قوله: «حديث عمر هذا يرد على من قال: إن الحجر يمين الله في الأرض يصافح بها عباده»: هذا المعنى الذي نفاه قد جاء عن ابن عباس ﵁ مرفوعًا وموقوفًا، وقال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية: إنما يعرف من قول ابن عباس. ولفظه: «إن الحجر يمين الله في الأرض، فمن استلمه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه». يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «قوله: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه) صريح في أن الحجر الأسود ليس هو صفة لله، ولا هو نفس يمينه؛ لأنه قال: (يمين الله في الأرض)، وقال: (فمن قبله وصافحه فكأنما صافح الله وقبل يمينه) ومعلوم أن المشبه غير المشبه به؛ ففي نص الحديث بيان أن مستلمه ليس مصافحًا لله، وأنه ليس هو نفس يمينه، فكيف يجعل ظاهره كفرًا وأنه محتاج إلى تأويل؟! ». [التدمرية مع شرحها للمؤلف ص ٢٦٠، وتخريجه مفصلا هناك] وقوله: «ومَعاذ الله أن يكون لله جارحة»: انظر: تعليق رقم (٢).
  14. رقم ١٤ · ج٤ ص٩٤ · صحيح البخاري ١٨٧٦
    «وكل مؤمن له من نفسه سائق إلى المدينة لمحبته في النبي ﷺ فيشمل ذلك جميع الأزمنة لأنه في زمن النبي ﷺ للتعلم منه وفي زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم للاقتداء بهديهم ومن بعد ذلك لزيارة قبره ﷺ والصلاة في مسجده والتبرك بمشاهدة آثاره وآثار أصحابه».
    عرض التعليقإخفاء التعليق
    قال الشيخ البراك: لا ريب أن الإيمان يتضمن محبة النبي - ﷺ - فوق محبة جميع الناس، وهذا الحب يحدو صاحبه إلى ما ذكره الحافظ، ومعلوم أن دار الحبيب وأرضه مما يهفو إليه المحبون، وهذا يجده المؤمن في قلبه نحو مدينة الرسول - ﷺ - فهو يشتاق إليها، ويجهش بالبكاء إذا رأى مشارفها، ومعلوم أن المؤمن العالم بالسنة لا يقصد السفر إلى المدينة على وجه التعبد إلا للصلاة في مسجده - ﷺ - وإنه الغاية من ذلك السفر لقوله - ﷺ -: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» وزيارة قبره - ﷺ - تأتي تبعا لزيارة مسجده والصلاة فيه، وقد يعبِّر بعض العلماء بزيارة قبره عن زيارة مسجده - ﷺ - كما جاء في عقيدة أبي عثمان الصابوني، وقد ذكر هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية لأنه لا أحد من العالمين بالسنة يقصد بالسفر إلى المدينة مجرد زيارة قبره - ﷺ - ومن وصل إلى المدينة وتردد في نواحيها، فلا بد أن يرجع بذكرياته إلى زمان النبي - ﷺ - وخلفائه الراشدين وصحبه الكرام؛ فيحصل له من زيادة الإيمان ما يحصل، وهذا أحسن ما يحمل عليه قول الحافظ ﵀: «والتبرك بمشاهدة آثاره وآثار أصحابه».
  15. رقم ١٥ · ج٤ ص١٠٥ · صحيح البخاري ١٨٩٤
    ١٠٦ حديث رقم (١٨٩٤): قوله: « أطيب عند الله من ريح المسك » اختلف في كون الخلوف أطيب عند الله من ريح المسك - مع أنه ﷾ منزه عن استطابة الروائح؛ إذ ذاك من صفات الحيوان، ومع أنه يعلم الشيء على ما هو عليه - على أوجه: قال المازري: هو مجاز؛ لأنه جرت العادة بتقريب الروائح الطيبة منا، فاستعير ذلك للصوم لتقريبه من الله، فالمعنى أنه أطيب عند الله من ريح المسك عندكم، أي يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم، وإلى ذلك أشار ابن عبد البر، وقيل: المراد أن ذلك في حق الملائكة وأنهم يستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك. وقيل: المعنى أن حكم الخلوف والمسك عند الله على ضد ما هو عندكم، وهو قريب من الأول، وقيل: المراد أن الله تعالى يجزيه في الآخرة، فتكون نكهته أطيب من ريح المسك كما يأتي المكلوم وريح جرحه تفوح مسكًا. وقيل: المراد أن صاحبه ينال من الثواب ما هو أفضل من ريح المسك لا سيما بالإضافة إلى الخلوف، حكاهما عياض. وقال الداودي وجماعة: المعنى أن الخلوف أكثر ثوابًا من المسك المندوب إليه في الجمع ومجالس الذكر، ورجح النووي هذا الأخير، وحاصله حمل معنى الطيب على القبول والرضا، فحصلنا على ستة أوجه».
    عرض التعليقإخفاء التعليق
    قال الشيخ البراك: قوله: « ... مع أنه سبحانه تعالى منزه عن استطابة الروائح ... إلخ»: هذا الجزم من الحافظ ﵀ بنفي صفة الشم عن الله تعالى الذي هو إدراك المشمومات لم يذكر عليه دليلًا إلا قوله: «إذ ذاك من صفة الحيوان»، وهذه الشبهة هي بعينها شبهة كل من نفى صفة من صفات الله سبحانه من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة. وهي شبهة باطلة؛ فما ثبت لله تعالى من الصفات يثبت له على ما يليق به ويختص به كما يقال ذلك في سمعه وبصره وعلمه وسائر صفاته. وصفة السمع ليس في العقل ما يقتضي نفيها فإذا قام الدليل السمعي على إثباتها وجب إثباتها على الوجه اللائق به سبحانه، وهذا الحديث - وهو قوله: «لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» - ليس نصًا في إثبات الشم، بل هو محتمل لذلك، فلا يجوز نفيه من غير حجة، وحينئذ فقد يقال: إن صفة الشم لله تعالى مما يجب التوقف فيه لعدم الدليل البين على النفي أو الإثبات فليتدبر، والله أعلم بمراده ومراد رسوله ﷺ. هذا وقد قال ابن القيم عند هذا الحديث: «بعد ذكر كلام الشراح في معنى طيبه وتأويلهم إياه بالثناء على الصائم والرضا بفعله، على عادة كثير منهم بالتأويل من غير ضرورة، حتى كأنه قد بورك فيه فهو موكل به. وأي ضرورة تدعو إلى تأويل كونه أطيب عند الله من ريح المسك بالثناء على فاعله والرضا بفعله، وإخراج اللفظ عن حقيقته؟ وكثير من هؤلاء ينشئ للفظ معنى ثم يدعي إرادة ذلك المعنى بلفظ النص من غير نظر منه إلى استعمال ذلك اللفظ في المعنى الذي عينه أو احتمال اللغة له. ومعلوم أن هذا يتضمن الشهادة على الله تعالى ورسوله - ﷺ - بأن مراده من كلامه كيت وكيت، فإن لم يكن ذلك معلومًا بوضع اللفظ لذلك المعنى أو عرف الشارع - ﷺ - وعادته المطردة أو الغالبة باستعمال ذلك اللفظ في هذا المعنى أو تفسيره له به، وإلا كانت شهادة باطلة، وأدنى أحوالها أن تكون شهادة بلا علم. ومن المعلوم أن أطيب ما عند الناس من الرائحة رائحة المسك، فمثل النبي - ﷺ - هذا الخلوف عند الله بطيب رائحة المسك عندنا وأعظم. ونسبة استطابة ذلك إليه ﷾ كنسبة سائر صفاته وأفعاله إليه؛ فإنها استطابة لا تماثل استطابة المخلوقين، كما أن رضاه وغضبه وفرحه وكراهته وحبه وبغضه لا تماثل ما للمخلوق من ذلك، كما أن ذاته ﷾ لا تشبه ذوات خلقه، وصفاته لا تشبه صفاتهم، وأفعاله لا تشبه أفعالهم، وهو ﷾ يستطيب الكلم الطيب فيصعد إليه، والعمل الصالح فيرفعه، وليست هذه الاستطابة كاستطابتنا. ثم إن تأويله لا يرفع الإشكال؛ إذ ما استشكله هؤلاء من الاستطابة يلزم مثله في الرضا، فإن قال رضا ليس كرضا المخلوقين، فقولوا استطابة ليست كاستطابة المخلوقين، وعلى هذا جميع ما يجيء من هذا الباب، ويلاحظ أن ابن القيم اقتصر على لفظ «الاستطابة» دون لفظ «الشم» وقوفًا مع لفظ الحديث.
  16. رقم ١٦ · ج٤ ص٢٥٣ · صحيح البخاري ٢٠١٣
    « والتحقيق أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة، وإن كانت مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة، وإلا فهي من قسم المباح، وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة».
    عرض التعليقإخفاء التعليق
    قال الشيخ البراك: قوله: «والتحقيق أنها إن كانت - أي البدعة - مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة .... إلخ»: تقسيم البدعة في الشرع إلى حسنة محمودة وسيئة مذمومة مذهب لبعض العلماء، وهو راجع إلى التوسع في معنى البدعة؛ وذلك بالنظر إلى معناها اللغوي، فإنه يشمل كل ما أحدث في الإسلام مما لم يكن على عهد رسول الله ﷺ، ولو كانت أصول الشريعة تقتضيه. ويجري على ذلك قول عمر ﵁ في جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد، وقد أدى هذا المذهب إلى التذرع به في تسويغ كل ما استحسنه الناس بآرائهم، وعَدُّوه من الدين. والتحقيق أن كل بدعة في الدين فهي سيئة مذمومة لقوله ﷺ: «وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»، وقوله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وعلى هذا فما تقتضيه أصول الشريعة مما أحدث بعد موته ﷺ ليس بدعة شرعية بل لغوية.
  17. رقم ١٧ · ج٥ ص١٨٣ · صحيح البخاري ٢٥٥٩
    «وقد قال المازري: غلط ابن قتيبة فأجرى هذا الحديث على ظاهره، وقال: صورة لا كالصورة، انتهى. وقد أخرج البخاري في الأدب المفرد، وأحمد من طريق ابن عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة مرفوعا: «لا تقولوا: قبح الله وجهك، ووجه من أشبه وجهك؛ فإن الله خلق آدم على صورته» وهو ظاهر في عود الضمير على المقول له ذلك ... «.
    عرض التعليقإخفاء التعليق
    قال الشيخ البراك: قوله: «قال المازري: غلط ابن قتيبة فأجرى هذا الحديث على ظاهره .. إلخ»: ابن قتيبة يعرف بخطيب أهل السنة، وله جهود في الرد على الزنادقة والمعتزلة كما في «تأويل مختلف الحديث» له. وما ذهب إليه ابن قتيبة رحمه الله تعالى من إثبات الصورة لله ﷿، وأنها ليست كصورة أحد من الخلق - فله ﷾ صورة لا كالصور - هو مذهب جميع أهل السنة المثبتين لكل ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ؛ فكما يقولون: له وجه لا كوجوه المخلوقين، يقولون: له صورة لا كصور المخلوقين، وقد دل على إثبات الصورة لله ﷿ قوله ﷺ في الحديث الطويل: «وتبقى هذه الأمة وفيها منافقوها، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفونها»، وهو نص صريح لا يحتمل التأويل، فلهذا لم يخالف أحد من أهل السنة في دلالته. وأما حديث: «فإن الله خلق آدم على صورته» فقد استدل به أكثر أهل السنة على إثبات الصورة أيضًا، وردوا الضمير إلى الله تعالى، وأيدوا ذلك برواية من رواياته بلفظ: «على صورة الرحمن». ومن رد الضمير إلى آدم ﵇ أو إلى المقاتل - وقصده نفي الصورة عن الله تعالى - فهو جهمي كما قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى. ونفي الصورة هو مذهب الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الأشاعرة والماتريدية، ومنشأ ذلك هو توهم التشبيه في صفات الله تعالى، فزعموا أن إثبات الصورة أو الوجه أو اليدين ونحو ذلك يستلزم التشبيه بالمخلوقات، وهي حجة داحضة، وطردها يستلزم نفي وجود الله ﷾. ومن رد من أهل السنة الضمير إلى آدم ﵇ وضعَّف رواية « على صورة الرحمن » فليس مقصوده التوصل إلى نفي الصورة عن الله ﷿، وليس من مذهبه ذلك، بل رأى لفظ هذا الحديث « خلق الله آدم على صورته » محتملا، فترجح عنده عود الضمير إلى آدم أو إلى المقاتل. وهو منازع في تضعيفه لتلك الرواية وفي هذا الترجيح. وبهذا يتبين أن إثبات الصورة لله ﷿ لا يتوقف على دلالة حديث « خلق الله آدم على صورته »، ونقول: بل غلط المازري عفا الله عنه، ولم يغلط ابن قتيبة.
  18. رقم ١٨ · ج٥ ص٢٩٢ · صحيح البخاري ٢٦٨٦
    « أحدث الأخبار بالله » أي أقربها نزولا إليكم من عند الله ﷿، فالحديث بالنسبة إلى المنزول إليهم، وهو في نفسه قديم «.
    عرض التعليقإخفاء التعليق
    قال الشيخ البراك قوله: « فالحديث بالنسبة إلى المنزل إليهم، وهو في نفسه قديم »: يريد أن وصف القرآن بأنه (حديث) باعتبار نزوله إلى الرسول ﷺ والمؤمنين، وأما نفس القرآن، فهو قديم. والقديم هو الذي لا بداية لوجوده، وهذا جار على مذهب الأشاعرة في كلام الله تعالى؛ فإن كلام الله عندهم هو معنى نفسي ليس هو حروف وأصوات، وهو معنى واحد لا تعدد فيه، وهو قديم لا تتعلق به مشيئة الله سبحانه، فعندهم أن هذا القرآن المسموع المتلو المكتوب ليس هو كلام الله حقيقة، بل هو عبارة عن ذلك المعنى النفسي. وهذا خلاف ما عليه سلف الأمة وأئمتها وجميع أهل السنة؛ فعندهم أن الله لم يزل يتكلم بما شاء إذا شاء، كيف شاء، وأنه يُسمِع كلامه من يشاء؛ فموسى ﵇ سمع كلام الله من الله سبحانه، فعندهم أن القرآن العربي المنزل على محمد ﷺ هو كلام الله حقيقة حروفه ومعانيه، ليس كلام الله الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف، كما قال تعالى: « وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله »، وهو منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، وعلى هذا فأهل السنة لا يقولون: القرآن قديم، ولا يطلقون القول بأن كلام الله قديم، بل يقولون: إن الله لم يزل يتكلم إذا شاء بما شاء، أو يقولون: قديم النوع حادث الآحاد. ومذهب الأشاعرة في كلام الله وفي القرآن هو أقرب إلى مذهب المعتزلة، وهو يتضمن تشبيه الله سبحانه بالأخرس، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
  19. رقم ١٩ · ج٥ ص٣٤١ · صحيح البخاري ٢٧٣٣
    « وفيه طهارة النخامة والشعر المنفصل، والتبرك بفضلات الصالحين الطاهرة ».
    عرض التعليقإخفاء التعليق
    انظر: تعليق الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ في هامش ١/ ٣٢٧.
  20. رقم ٢٠ · ج٥ ص٣٥١ · صحيح البخاري ٢٧٣٣
    « وفي رواية موسى بن عقبة، عن الزهري: فكتب رسول الله ﷺ إلى أبي بصير، فقدم كتابه وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول الله ﷺ في يده، فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره مسجدًا ... ».
    عرض التعليقإخفاء التعليق
    قال الشيخ البراك قوله: « وجعل عند قبره مسجدًا »: هذه الرواية منكرة لا تصح سندًا ولامتنًا؛ فإن بناء المساجد على القبور مما حذر منه النبي - ﷺ - تحذيرًا بالغًا؛ فمن ذلك قوله - ﷺ - في الذين يبنون المساجد على قبور الصالحين: « أولئك شرار الخلق »؛ وذلك أن اتخاذ القبور مساجد من أعظم وسائل الشرك، فيمتنع مع هذا أن يبني أبو جندل مسجدًا عند قبر أبي بصير، كيف وهو في عصر النبوة، والمعروف أن بناء المساجد على القبور لم يعرف في الإسلام إلا بعد القرون المفضلة؟! والذي يظهر أن قوله: « وجعل عند قبره مسجدًا » ليس في أصل رواية موسى بن عقبة، وأن قوله « جُعل » مبني للمجهول، فيكون الفاعل غير أبي جندل، ولعلها من قول الحافظ أو غيره، وأن أصل العبارة «وقد جعل» فليحرر من مغازي موسى بن عقبة. اهـ (١) وانظر تعليق الشيخ عبد العزيز ابن باز هامش ١/ ٥٢٥. (١) أضاف الناشر: في رواية معمر عن الزهري: (... ورد كتاب النبي - ﷺ - وأبو بصير في الموت يجود بنفسه، فأعطي الكتاب فجعل يقرأه ويُسرُّ به حتى قبض والكتاب على صدره، فبُني عليه هناك مسجد يرحمه الله) [الروض الأنف ٧/ ٧٩ ط. دار إحياء التراث العربي] فورد الفعل (بُني) بصيغة ما لم يسم فاعله، ووردت لفظة (مسجد) مرفوعة على أنها نائب فاعل، وهذا يعني أن بناء المسجد لم يكن من أبي جندل ﵁، ويحتمل أنه حدث بعد ذلك بزمن طويل. وانظر «السيرة النبوية الصحيحة» للدكتور أكرم العمري ٢/ ٤٥١،٤٥٢ بالهامش حيث ذكر رواية الزهري من مخطوط، ولم يذكر فيها قصة بناء المسجد. والذي في «الإصابة» في ترجمة أبي بصير (٦/ ٣٧٥): (وعند موسى بن عقبة في المغازي من الزيادة في قصته: ... ولما كتب النبي - ﷺ - إلى أبي جندل وأبي بصير أن يقدما عليه، ورد الكتاب وأبو بصير يموت، فمات وكتاب النبي - ﷺ - في يده، فدفنه أبو جندل مكانه وصلى عليه). فلعله التبس على بعض النقلة عن موسى بن عقبة جملة: (وصلى عليه) بجملة: (بُني عليه هناك مسجد) أو جملة: (جعل عند قبره مسجدًا).
  21. رقم ٢١ · ج٦ ص٤٠ · صحيح البخاري ٢٨٢٧
    « يضحك الله إلى رجلين » قال الخطابي: الضحك الذي يعتري البشر عندما يستخفهم الفرح أو الطرب غير جائز على الله تعالى، وإنما هذه مثل ضرب لهذا الصنيع الذي يحل محل الإعجاب عند البشر فإذا رأوه أضحكهم، ومعناه الإخبار عن رضا الله بفعل أحدهما وقبوله للآخر ومجازاتهما على صنيعهما بالجنة مع اختلاف حاليهما. قال: وقد تأول البخاري الضحك في موضع آخر على معنى الرحمة، وهو قريب، وتأويله على معنى الرضا أقرب، فإن الضحك يدل على الرضا والقبول. قال: والكرام يوصفون عندما يسألهم السائل بالبشر وحسن اللقاء، فيكون المعنى في قوله: « يضحك الله » أي يجزل العطاء. قال: وقد يكون معنى ذلك أن يعجب الله ملائكته ويضحكهم من صنيعهما، وهذا يتخرج على المجاز، ومثله في الكلام يكثر «.
    عرض التعليقإخفاء التعليق
    قال الشيخ البراك: قول الخطابي: « الضحك الذي يعتري البشر عند ما يستخفهم الفرح أو الطرب .... إلخ »: مذهب أهل السنة في الضحك المضاف إلى الله تعالى في هذا الحديث وغيره إثباته لله ﷿ على ما يليق به ويختص به، وأنه ضحك لا كضحك المخلوقين كما يقولون مثل ذلك في سائر ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله - ﷺ -؛ فعندهم أنه تعالى يضحك حقيقة، والضحك منه تعالى غير العجب، وغير الرحمة والرضا، لكنه يتضمن هذه المعاني أو يستلزمها. ونفي حقيقة الضحك عن الله تعالى هو مذهب الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الأشاعرة. وليس لهذا النفي من شبهة إلا من جنس ما تُنفى به سائر الصفات. ثم إن الذين نفوا الضحك عن الله ﷿ من الأشاعرة أو من وافقهم منهم من يسلك في النصوص طريقة التفويض فلا يفسرها، ولا يثبت ظاهرها إلا بلفظ دون معنى، ومنهم من يسلك فيها طريقة التأويل فيفسرها بما يخالف ظاهرها؛ وهذا هو الذي سلكه الخطابي فيما نقله عنه الحافظ رحمهما الله تعالى، وعفا عنهما. ونقول: نعم، الضحك الذي يعتري البشر عند ما يستخفهم الفرح أو الطرب غير جائز على الله تعالى؛ فإن ذلك ضحك البشر وهو مختص بهم، وضحك الرب سبحانه مختص به. فليس الضحك كالضحك، كما يقال مثل ذلك في قدرته وإرادته وغير ذلك من صفاته ﷾. وقول الخطابي: « وقد تأول البخاري الضحك في موضع آخر على معنى الرحمة » فيه نظر، والأشبه أن هذا لا يصح عن البخاري، ويؤيد ذلك قول الحافظ رحمه الله تعالى عندما نقل قول الخطابي عن البخاري في كتاب التفسير حديث (٤٨٨٩) حيث قال: «قال الخطابي: وقال أبو عبد الله: معنى الضحك هنا الرحمة» قلت: - أي الحافظ - ولم أر ذلك في النسخ التي وقعت لنا من البخاري.
  22. رقم ٢٢ · ج٦ ص٤٠ · صحيح البخاري ٢٨٢٧
    « وقال ابن الجوزي: أكثر السلف يمتنعون من تأويل مثل هذا ويمرونه كما جاء، وينبغي أن يراعى في مثل هذا الإمرار اعتقاد أنه لا تشبه صفات الله صفات الخلق، ومعنى الإمرار عدم العلم بالمراد منه مع اعتقاد التنزيه. قلت: ويدل على أن المراد بالضحك الإقبال بالرضا تعديته ب: إلى، تقول: ضحك فلان إلى فلان، إذا توجه إليه طلق الوجه، مظهرا للرضا عنه «.
    عرض التعليقإخفاء التعليق
    قال الشيخ البراك: قول ابن الجوزي: « أكثر السلف يمتنعون من تأويل مثل هذا ويمرون كما جاء .... إلخ »: المعروف عن ابن الجوزي نفي حقائق الصفات الخبرية - مثل الضحك والفرح - كما هو مذهب جمهور الأشاعرة. ثم إن كثيرًا منهم يفسر النصوص الواردة في تلك الصفات بما يخالف ظاهرها، كما فسروا المحبة والرضا بإرادة الإنعام. وقد يفسرون الفرح والضحك بمثل ذلك، أو يفسرونهما بالرحمة والرضا. وهذه طريقة أهل التأويل منهم فيجمعون بين التعطيل والتحريف. ومنهم من يذهب في نصوص الضحك والفرح ونحو ذلك مذهب التفويض؛ وهو إمرار ألفاظ النصوص من غير فهم لمعناها؛ فعندهم أنها لا تدل على شيء من المعاني. وهذا يقتضي أنه لا يجوز تدبرها لأن المتدبر يطلب فهم المعنى المراد، ولا سبيل إليه عندهم. وقد زعم ابن الجوزي فيما نقله عنه الحافظ هنا أن هذا - أي التفويض - هو مذهب أكثر السلف. وهو باطل وغلط عليهم، بل إن السلف يثبتون ما أثبته الله ﷿ لنفسه أو أثبته له رسول الله ﷺ من الصفات. ومن قال من السلف في نصوص الصفات: أمروها كما جاءت أو أمروها بلا كيف لا يريدون أنه لا معنى لها كما يدَّعي المفوضة من النفاة، بل يريدون إثبات ما يدل عليه ظاهرها وعدم العدول بها عن ظاهرها، فلا يجوز حمل كلامهم ذلك على ما يخالف المعروف من مذهبهم في صفاته ﷾.
  23. رقم ٢٣ · ج٦ ص١٣٦ · صحيح البخاري ٢٩٩٦
    «وقيل: مناسبة التسبيح في الأماكن المنخفضة من جهة أن التسبيح هو التنزيه، فناسب تنزيه الله عن صفات الانخفاض كما ناسب تكبيره عند الأماكن المرتفعة، ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محال (١) على الله ألا يوصف بالعلو من جهة المعنى، والمستحيل كون ذلك من جهة الحس، ولذلك ورد في صفته العالي والعلي والمتعالي، ولم يرد ضد ذلك، وإن كان قد أحاط بكل شيء علمًا جل وعز».
    عرض التعليقإخفاء التعليق
    قال الشيخ البراك: قوله: «ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محال على الله ألا يوصف بالعلو من جهة المعنى ... إلخ»: مضمون هذا الكلام أن الله ﷿ كما يستحيل أن يكون في جهة السفل يستحيل أن يكون في جهة العلو، ولا يلزم من ذلك أن لا يوصف بالعلو المعنوي؛ فالمستحيل عليه هو العلو الحسي. ويراد بالعلو الحسي علو الذات، وبالمعنوي علو القدر والقهر. وهذا هو مذهب المعطلة من الجهمية والمعتزلة، ومن تبعهم من الأشاعرة؛ فإنهم جميعًا ينفون علو الله ﷿ بذاته فوق مخلوقاته، ولذا ينفون استواءه على عرشه، ثم إما أن يقولوا: إنه في كل مكان - وهذا هو القول بالحلول - وإما أن يقولوا: إنه لا داخل العالم ولا خارجه - وهذا يستلزم عدمه - وبهذا يعلم أن النزاع بين أهل السنة وبين أهل البدع إنما هو في علو الذات، وقد تضافرت كل أنواع الأدلة على إثبات أن الله سبحانه فوق سماواته على عرشه؛ فتطابق على ذلك الكتاب والسنة والعقل والفطرة، ومضى على ذلك سلف الأمة من الصحابة والتابعين، وقد أجمع على ذلك أهل السنة والجماعة، وبهذا يتبين أن ما ذكره الحافظ من نفي علو الذات واستحالته قول باطل، والذي يظهر أنه يرتضيه ويقول به عفا الله عنه. (١) قال الشيخ البراك: «الصواب: محالا»
  24. رقم ٢٤ · ج٦ ص١٤٢ · صحيح البخاري ٣٠٠٦
    «هذا كله في تعليق التمائم وغيرها مما ليس فيه قرآن ونحوه، فأما ما فيه ذكر الله فلا نهي فيه؛ فإنه إنما يجعل للتبرك به، والتعوذ بأسمائه وذكره ... «.
    عرض التعليقإخفاء التعليق
    قال الشيخ البراك: قوله: « فأما ما فيه ذكر الله فلا نهي فيه»: التمائم من القرآن قد اختلف فيها السلف؛ فرخص فيها بعضهم، منهم عبد الله بن عمرو ﵄، ومنهم من لم يرخص فيها كعبد الله بن مسعود ﵁؛ قال إبراهيم النخعي ﵀: كانوا يكرهون التمائم من القرآن وغير القرآن - يريد أصحاب ابن مسعود ﵁ - وهذا هو الراجح؛ وذلك لأمور: منها: أن أحاديث النهي عن التمائم عامة فلا تخص إلا بدليل. ومنها: أن تعليق التمائم من القرآن يفضي إلى امتهانه. ومنها: أن ذلك وسيلة إلى تعليق غيرها؛ إذ يمكن أن يدَّعي كل من علق تميمة أنها من القرآن. والحافظ رحمه الله تعالى قد اختار هنا القول بالجواز.
  25. رقم ٢٥ · ج٦ ص١٤٥ · صحيح البخاري ٣٠١٠
    «وقد تقدم توجيه العجب في حق الله في أوائل الجهاد، وأن معناه الرضا، ونحو ذلك».
    عرض التعليقإخفاء التعليق
    قال الشيخ البراك: قوله: « وأن معناه الرضا »: هذا يقتضي نفي حقيقة العجب، وقد ثبتت صفة العجب لله تعالى بالكتاب والسنة كما قُرئ: ﴿بل عجبتُ ويسخرون﴾، وكما قال تعالى: ﴿وإن تعجب فعجب قولهم﴾. وفي الحديث: « عجب ربك من قنوط عباده ». وأهل السنة والجماعة يثبتون العجب لله تعالى على ما يليق به، كما يثبتون الضحك، والفرح، والحب، والبغض. والنفاة ينفون حقائق هذه الصفات. ومعلوم أن العجب الذي يثبت لله تعالى ليس كعجب المخلوقين؛ لا في حقيقته، ولا في سببه؛ فإن عجب المخلوق يكون لخفاء السبب كما قيل: إذا ظهر السبب بطل العجب، أما العجب من الله تعالى فإنه واقع مع كمال العلم، لكنه يقتضي أن الشيء الذي عجب الله منه قد تميز عن نظائره. وتفسير العجب بالرضا لا يصح؛ فإن الله يعجب من بعض ما يحب ويرضى، ويعجب من بعض ما يبغض ويسخط كما في الآيتين والحديث. ومن يفسر من النفاة العجب بالرضا يفسر الرضا بالإرادة؛ فيؤول الأمر إلى تفسير العجب بالإرادة؛ وهذا كله من صرف ألفاظ النصوص عن ظاهرها بغير حجة؛ وهذا هو التحريف الذي نهى الله عنه في كتابه وذم به اليهود في قوله تعالى: «يحرفون الكلم من بعد مواضعه».