التعليقات على المخالفات العقدية في فتح الباري
الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك
أملاها الشيخ على تلميذه، وطبعت بحاشية «فتح الباري» طبعة دار طيبة سنة ١٤٢٦ هـ.
عدد المواضع: ١٧٣ · صفحة ٦/٧
رقم ١٢٦ · ج١٣ ص٤٠١ · صحيح البخاري ٧٤١٦ ): «ثم قال ابن فورك: وإنما منعنا من إطلاق لفظ الشخص أمور، أحدها: أن اللفظ لم يثبت من طريق السمع، والثاني: الإجماع على المنع منه، والثالث: أن معناه الجسم المؤلف المركب، ثم قال: ومعنى الغيرة الزجر والتحريم». وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤١٦، كتاب التوحيد، باب ٢٠.
عرض التعليقإخفاء التعليق
انظر التعليق السابق (١٢٥) في الرد على ابن فورك في المنع من إطلاق لفظ الشخص على الله تعالى. وأما قوله: «ومعنى الغيرة: الزجر والتحريم» فانظر للرد على ذلك التعليقين (٥٧) و(١١١)رقم ١٢٧ · ج١٣ ص٤٠٢ · صحيح البخاري ٧٤١٧ ): «والمراد بالوجه الذات، وتوجيهه أنه عبر عن الجملة بأشهر ما فيها ... ». وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤١٦، كتاب التوحيد، باب ٢١.
عرض التعليقإخفاء التعليق
قال الشيخ البراك: تقدم أن مذهب أهل السنة والجماعة إثبات الوجه لله تعالى كما صرحت بذلك الآيات والأحاديث، وأنه موصوف بالجلال والإكرام، وبالأنوار، وأن القول فيه كالقول في سائر الصفات. وأما تأويل الوجه بالذات، وأنه في الآية مجاز، فهذا سبيل أهل التأويل من النفاة لحقائق الصفات من الجهمية والمعتزلة، ومن وافقهم من الأشاعرة ونحوهم، ومذهبهم باطل ومخالف لمذهب السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان. انظر التعليق (٤٩) و(١١٤)رقم ١٢٨ · ج١٣ ص٤٠٥ · صحيح البخاري ٧٤٢٧ ٤٠٦): قوله: «باب ﴿وكان عرشه على الماء﴾ [هود:٧] ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ .. قال أبو العالية: ﴿استوى إلى السماء﴾ [البقرة:٢٩] ارتفع ... » قال ابن بطال: «اختلف الناس في الاستواء المذكور هنا .. وقالت الجسمية: معناه الاستقرار .. وقيل معنى الاستواء: التمام والفراغ من فعل الشيء ... » وقال إمام الحرمين في «الرسالة النظامية»: «اختلفت مسالك العلماء في هذه الظواهر؛ فرأى بعضهم تأويلها والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الله تعالى، والذي نرتضيه رأيا وندين الله به عقيدة: اتباع سلف الأمة للدليل القاطع على أن إجماع الأمة حجة .. ». وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ٢٢.
عرض التعليقإخفاء التعليق
قال الشيخ البراك: مقصود البخاري ﵀ بترجمة الباب تقرير علو الله بذاته على مخلوقاته واستوائه على عرشه، واكتفى بالإشارة إلى الاستواء بذكر العرش في الآية والأحاديث التي أوردها في الباب، لأن العرش متعلَّق الاستواء، وإن كان قد جاء التصريح بالاستواء على العرش في سبع آيات، وأشار إليها في نقل تفسير السلف للاستواء كأبي العالية، ومجاهد، واكتفى من أدلة العلو خاصة بحديث أنس ﵁ في شأن زينب ﵂، وقولها: «وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات» مع أن أدلة العلو في الكتاب والسنة لا تحصى كثرة، وأهل السنة يثبتون ما دلت عليه هذه النصوص ويمرونها كما جاءت بلا كيف، كما قال الإمام مالك: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب». وأما المعطلة والجهمية ومن وافقهم، فإنهم ينفون علو الله على خلقه واستوائه على عرشه، ثم منهم من يقول بالحلول العام، أو أنه - تعالى الله عن قولهم - لا داخل العالم ولا خارجه، وفي هذا غاية التنقص لله تعالى، أو ما يتضمن وصفه بالعدم. ثم يضطربون في جوابهم عن هذه النصوص؛ فأكثرهم يذهب إلى التأويل المخالف لظاهر اللفظ كتأويل الاستواء بالاستيلاء، أو الملك والقدرة، أو التمام كما ذكر ذلك الحافظ فيما حكاه عن ابن بطال. وهؤلاء يجمعون بين التعطيل والتحريف. ومن نفاة العلو والاستواء من الأشاعرة من يذهب إلى التفويض؛ وهو الإمساك عن تدبر هذه النصوص لأنه لا سبيل إلى فهم معناها، مع نفي أن يكون ظاهرها مرادًا، ويزعم بعض أولئك أن هذا هو مذهب السلف في نصوص الصفات كالعلو والاستواء كما نقله الحافظ عن إمام الحرمين بعد ذلك، وهو خطأ ظاهر وجهل بحقيقة مذهب السلف. ومما يدل على فساد مذهب المفوضة أن الله ﷿ أمر بتدبر الكتاب كله، وما لا يفهم معناه لا يؤمر بتدبره ولا معنى لتدبره. وقد وصف الله كتابه بأنه هدى وشفاء وبيان، وما لا يفهم معناه لا يوصف بشيء من ذلك. فالمخرج من هذا الاضطراب هو الاعتصام بما دل عليه كتاب الله ﷿، وسنة رسوله ﷺ وبما كان عليه السلف الصالح والتابعون لهم بإحسان، والله الهادي إلى الصواب.رقم ١٢٩ · ج١٣ ص٤٠٨ · صحيح البخاري ٧٤٢٧ ): « قسم بعضهم أقوال الناس في هذا الباب [يعني باب الصفات] إلى ستة أقوال: قولان لمن يجريها على ظاهرها: أحدهما: من يعتقد أنها من جنس صفات المخلوقين وهم المشبهة ويتفرع من قولهم عدة آراء. والثاني: من ينفي عنها شبه صفة المخلوقين ... وقولان لمن يثبت كونها صفة، ولكن لا يجريها على ظاهرها: أحدهما: يقول: لا نؤول شيئا منها؛ بل نقول: الله أعلم بمراده. والآخر: يؤول .. وقولان لمن لا يجزم بأنها صفة: أحدهما: يقول: يجوز أن تكون صفة وظاهرها غير مراد، ويجوز أن لا تكون صفة. والآخر يقول: لا يخاض في شيء من هذا بل يجب الإيمان به لأنه من المتشابه الذي لا يدرك معناه. « وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ٢٢.
عرض التعليقإخفاء التعليق
قال الشيخ البراك: الصواب من هذه الأقوال هو القول الثاني من القولين الأولين، وهو: إجراء نصوص الصفات على ظاهرها - أي إثبات ما تدل عليه من الصفات - مع نفي مماثلة المخلوقات، وأن القول في الصفات كالقول في الذات، وهذا قول أهل السنة والجماعة المثبتين لجميع الصفات، والقول الأول من القولين الأولين هو قول المشبهة كما ذكر المصنف. وأما الثالث فقول أهل التفويض، والرابع قول أهل التأويل. وكل منهما ينفي أن يكون ظاهر النصوص مرادًا، وهؤلاء هم الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من الأشاعرة. وأما القولان الأخيران - الخامس والسادس - فهما مذهبان للواقفة وهم الشاكون الذين لا يجزمون بإثبات الصفات ولا بنفيها، وحكمهم حكم من يصرح بنفي الصفات؛ لأن حكم الشاك في الحق والمكذب واحد. واعلم أن الذي ذكر هذه الأقسام الستة هو شيخ الإسلام ابن تيمية في آخر الفتوى الحموية.رقم ١٣٠ · ج١٣ ص٤١٠ · صحيح البخاري ٧٤٢٧ ): «قوله: (كان الله ولم يكن شيء قبله) تقدم في بدء الخلق بلفظ: »ولم يكن شيء غيره« وفي رواية أبي معاوية: »كان الله قبل كل شيء« وهو بمعنى: »كان الله ولا شيء معه«، وهي أصرح في الرد على من أثبت حوادث لا أول لها من رواية الباب، وهي من مستشنع المسائل المنسوبة لابن تيمية، ووقفت على كلام له على هذا الحديث يرجح الرواية التي في هذا الباب على غيرها ... ». وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤١٨، كتاب التوحيد، باب ٢٢.
عرض التعليقإخفاء التعليق
قال الشيخ البراك: قوله: «وفي رواية أبي معاوية: (كان الله قبل كل شيء) وهو بمعنى: (كان الله ولا شيء معه) ... إلخ»: يرجح الحافظ هاتين الروايتين على رواية الباب: (كان الله ولم يكن شيء قبله)؛ وذلك من جهة المعنى الذي يرى أنهما تدلان عليه؛ وهو أن الله تعالى كان منفردًا لم يخلق شيئًا في الأزل ثم ابتدأ الخلق، وعليه فجنس المخلوقات له بداية لم يكن قبلها شيء من المخلوقات. وهذا قول من يقول بامتناع حوادث لا أول لها، وهم أكثر المتكلمين، وهو الذي يختاره المؤلف، ولهذا رجح الروايتين المشار إليهما آنفًا بناء على أنهما تدلان على مطلوبه، ولهذا قال: «وفي رواية أبي معاوية ... وهي أصرح في الرد على من أثبت حوادث لا أول لها» واستشنع من ابن تيمية القول بذلك، ولهذا ضعف ترجيح ابن تيمية لرواية: «كان الله ولم يكن شيء قبله»، وزعم أن الجمع بين هذه الروايات مقدم على الترجيح. وهذا ممنوع في الحديث الواحد الذي قصته واحدة كما في هذا الحديث؛ فإنه جاء بأربع روايات، ومعلوم أن الرسول ﷺ لم يقل إلا أحد هذه الألفاظ، والأخريات رويت بالمعنى، فتعيَّن الترجيح. وكل هذه الروايات لا تدل على مطلوب المتكلمين وهو امتناع حوادث لا أول لها. ولكن بعض هذه الروايات فيه شبهة لهم مثل رواية: «ولم يكن شيء معه»، ولهذا رجحها الحافظ على رواية الباب، ورواية الباب أرجح منها؛ لأن لها شاهدًا عند مسلم، وهو قوله ﷺ: «أنت الأول فليس قبلك شيء» كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى مع وجوه أخرى من الترجيح. ومسألة تسلسل الحوادث - أي المخلوقات في الماضي وهو معنى حوادث لا أول لها - فيها للناس قولان: أحدهما: أن دوام الحوادث ممتنع؛ وهو قول أكثر المتكلمين. وشبهه هذا القول هي اعتقاد أن ذلك يستلزم قدم العالم الذي تقول به الفلاسفة، وهو باطل عقلًا وشرعًا. وهذا الاعتقاد خطأ؛ فإن معنى تسلسل الحوادث في الماضي أنه ما من مخلوق إلا وقبله مخلوق إلى ما لا نهاية، ومعنى ذلك أن كل مخلوق فهو محدث بعد أن لم يكن، فهو مسبوق بعدم نفسه، والله تعالى مقدم على كل مخلوق تقدم لا أول له، وليس هذا بقول الفلاسفة؛ فإن حقيقة قولهم أن هذا العالم قديم بقدم علته الأولى لأنه صادر عنها صدور المعلول عن علته التامة، لا صدور المفعول عن فاعله؛ فإن المفعول لا بد أن يتأخر عن الفاعل. القول الثاني: أن تسلسل الحوادث في الماضي ممكن، وهو موجب دوام قدرة الرب تعالى وفاعليته؛ فكل من يثبت أن الله لم يزل فعالًا لما يريد وهو على كل شيء قدير، لا بد أن يقول بأن الخلق لم يزل ممكنًا. وهذا الحد لا يمكن النزول عنه؛ فإن من قال بامتناع حوادث لا أول لها منهم من يقول: إن الله لم يكن قادرًا ثم صار قادرًا، ومن قال منهم: إن الله لم يزل قادرًا كان متناقضًا؛ فإن المقدور لا يكون ممتنعًا لذاته. أما كون تسلسل المخلوقات واقعًا أو غير واقع فهذا يُبنى على الدليل؛ فمن قام عنده الدليل على أحدها فعليه القول بموجبه. فالقول المنكر الذي لا شك في بطلانه هو القول بامتناع حوادث لا أول لها؛ لما يستلزمه من تعجيز الرب سبحانه في الأزل تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. وقد حرر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذه المسألة فأجاد وأفاد، فأتى بالفرقان بين الحق والباطل في هذا المقام، وقد رماه خصومه والغالطون عليه بأنه يقول بقول الفلاسفة، وهو الذي يفند قول الفلاسفة بما لم يستطعه المنازعون له. ومن رد قول الفلاسفة بالقول بامتناع حوادث لا أول لها فقد رد باطلًا بباطل، والحق في خلافهما، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. انظر: مجموع الفتاوى ١٨/ ٢١٠ - ٢٤٤، ودرء تعارض العقل والنقل ١/ ١٢١ - ١٢٧، ٣٠٣ - ٣٠٥، ٢/ ٣٤٤ - ٣٩٩.رقم ١٣١ · ج١٣ ص٤١٢ · صحيح البخاري ٧٤٢٧ ): «قال الكرماني: قوله: »في السماء« ظاهره غير مراد؛ إذ الله منزه عن الحلول في المكان، لكن لما كانت جهة العلو أشرف من غيرها أضافها إليه إشارة إلى علو الذات والصفات». وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٢٠، كتاب التوحيد، باب ٢٢.
عرض التعليقإخفاء التعليق
قال الشيخ البراك: وصفُ اللهِ تعالى بأنه في السماء جاء في القرآن في قوله: «أأمنتم من في السماء»، وفي السنة: قال ﷺ: «وأنا أمين من في السماء»، ومن هذا قول زينب ﵂: «إن الله أنكحني في السماء». ومعنى هذا كله أن الله تعالى في السماء أي في العلو فوق جميع المخلوقات، وليس ظاهره أن الله تعالى في داخل السماوات كما ظنه الكرماني، ولهذا قال: «ظاهره غير مراد». وقوله: «إذ الله منزه عن الحلول في المكان»: إن أراد أنه تعالى لا يحويه شيء من مخلوقاته ويحيط به فهو حق؛ فإن الله تعالى أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته. وإن أراد أنه ليس في العلو الذي وراء العالم، ولا هو فوق العرش بذاته فهذا باطل؛ فإن هذا هو قول الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من نفاة العلو، وأكثرهم يقول بالحلول العام؛ أي أن - الله تعالى عن قولهم - في كل مكان. وقول الكرماني: «لكن لما كانت جهة العلو أشرف من غيرها ... »: هذا يقتضي أن الله تعالى ليس بذاته في العلو، وإنما وصف بذلك للتشريف؛ لأن السماء أشرف الجهات وفي ذلك إشارة إلى علو قدره في ذاته وصفاته. وليس هذا محل النزاع مع المبتدعة نفاة العلو، وإنما النزاع معهم في علوه سبحانه بذاته فوق مخلوقاته، وهو سبحانه العلي بكل معاني العلو، وله الفوقية بكل معانيها ذاتًا وقدرًا وقهرًا. وما ذكره الحافظ عن الراغب في مفردات القرآن إنما هو استعراض لمعاني الفوقية بحسب ما أضيفت إليه في القرآن، ولم يذكر من معاني الفوقية المضافة إلى الله تعالى إلا فوقية القهر، وأهمل الإشارة إلى فوقية ذاته سبحانه كما يدل عليها نصًا قوله تعالى:«يخافون ربهم من فوقهم». والحافظ عفا الله عنه يكثر من النقول في هذه المسائل ولا يحررها.رقم ١٣٢ · ج١٣ ص٤١٣ · صحيح البخاري ٧٤٢٧ ): « قال الخطابي: المراد بالكتاب أحد شيئين: إما القضاء الذي قضاه كقوله تعالى ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي﴾ أي قضى ذلك. قال: ويكون معنى قوله »فوق العرش« أي: عنده علم ذلك فهو لا ينساه ولا يبدله ... وإما اللوح المحفوظ .. ويكون معنى «فهو عنده فوق العرش» أي: ذكره وعلمه، وكل ذلك جائز في التخريج ... وقوله: «فوق عرشه صفة الكتاب» وقال ابن أبي جمرة: يؤخذ من كون الكتاب المذكور فوق العرش: أن الحكمة اقتضت أن يكون العرش حاملا لما شاء الله من أثر حكمة الله وقدرته وغامض غيبه؛ ليستأثر هو بذلك من طريق العلم والإحاطة ... وقد يكون ذلك تفسيرا لقوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ أي: ما شاءه من قدرته، وهو كتابه الذي وضعه فوق العرش «. وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٢٢، كتاب التوحيد، باب ٢٢.
عرض التعليقإخفاء التعليق
قال الشيخ البراك: هذا الحديث من أدلة أهل السنة على علو الله فوق خلقه واستوائه على عرشه، وهو يدل كذلك على أن الكتاب الذي كتبه كتب فيه على نفسه أن رحمته تغلب غضبه عنده فوق العرش، وهذه العندية؛ عندية مكان لقوله: «فوق العرش»، وهذا الكتاب يحتمل أن يكون هو اللوح المحفوظ الذي هو أم الكتاب - وهو كتاب المقادير- ويحتمل أنه غيره فهو كتاب خاص، والله أعلم. وعلى كل فلا يمتنع أن يكون الكتاب المذكور عند الله تعالى فوق العرش كما هو ظاهر الحديث، ولا موجب لتأويله بصرفه عن ظاهره كما صنع ذلك الخطابي عندما قال: «المراد بالكتاب أحد الشيئين ... إلخ»، فنفى على كل من التقديرين أن يكون فوق العرش كتاب؛ إذ تأول الكتاب بعلم الله تعالى بما كتب على نفسه، أو أن الذي عنده ذكر الكتاب وعلمه، والحامل له على هذا التأويل إما اعتقاد أن الله ليس بذاته فوق العرش، فلا يكون شيء من المخلوقات عنده فوق العرش، وإما اعتقاد امتناع أن يكون شيء غير الله فوق العرش. والأول باطل بأدلة العلو والاستواء، والثاني لا دليل عليه. بل هذا الحديث بمجموع ألفاظه يدل على بطلانه؛ فقد دلّ الحديث على أن هذا الكتاب عند الله فوق العرش، والله تعالى أعلم بنفسه، والرسول الذي أخبر بذلك أعلم بربه، فليس لأحد أن يعارض خبره ﷺ. وأما ما نقله الحافظ عن ابن أبي جمرة فهو على النقيض من قول الخطابي؛ فإنه يثبت أن فوق العرش كتابًا وهو مما اقتضته حكمته وقدرته، ولكن من المنكر في كلامه قوله: «وقد يكون تفسيرًا لقوله: »الرحمن على العرش استوى« ... إلخ»؛ فإن ذلك يقتضي أن إضافة الاستواء إلى الله ﷿ مجاز، وأن المراد به كون ذلك الكتاب فوق العرش، فيؤول معنى قوله: «الرحمن على العرش استوى» إلى معنى: « كتابه على العرش استوى» وهذا ظاهر الفساد؛ فإنه تحريف للكلم عن مواضعه.رقم ١٣٣ · ج١٣ ص٤١٦ · صحيح البخاري ٧٤٣٣ ):« قال البيهقي: صعود الكلام الطيب والصدقة الطيبة عبارة عن القبول، وعروج الملائكة هو إلى منازلهم في السماء، وأما ما وقع من التعبير في ذلك بقوله: »إلى الله« فهو على ما تقدم عن السلف في التفويض، وعن الأئمة بعدهم في التأويل، وقال ابن بطال: غرض البخاري في هذا الباب الرد على الجهمية المجسمة في تعلقها بهذه الظواهر وقد تقرر أن الله ليس بجسم فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه فقد كان ولا مكان وإنما أضاف المعارج إليه إضافة تشريف ومعنى الارتفاع إليه اعتلاؤه مع تنزيهه عن المكان ... ». وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ٢٣.
عرض التعليقإخفاء التعليق
قال الشيخ البراك: فيما نقله الحافظ ابن حجر في شرح هذا الباب عن البيهقي وابن بطال تخبط وحيرة في فهم النصوص والآثار الدالة على علو الله تعالى على خلقه؛ فإن كلامهما يقتضي نفي علو الله على خلقه، فعلى هذا يجب عندهم في هذه النصوص: إما التفويض؛ وهو الإعراض عن فهمها مع اعتقاد بأن الأمر بخلاف ظاهرها، وإما التأويل. ويزعمون أن التفويض هو طريقة السلف. وهذا باطل؛ فالسلف من الصحابة والتابعين يتدبرون القرآن كله ويفهمونه كما أمرهم الله، ويؤمنون بما دلت عليه الآيات والأحاديث من صفاته تعالى. وحقيقة التأويل - وهو طريقة أكثر النفاة - صرف الكلام عن ظاهره إلى غيره بغير حجة توجب ذلك، وهذه حقيقة التحريف، ومن ذلك قول البيهقي: «صعود الكلام الطيب والصدقة الطيبة عبارة عن القبول»، ومعنى ذلك أنه لا يصعد إلى الله شيء، وكذا قوله: «وعروج الملائكة هو إلى منازلهم في السماء»، ومعنى ذلك أنهم لا يعرجون إلى الله. وكذا قول ابن بطال: «وإنما أضاف المعارج إليه إضافة تشريف»، ومعناه أن الملائكة لا تعرج إليه حقيقة؛ لأن الله - عنده - ليس في السماء، وعبر عن ذلك بقوله: «وقد تقرر أن الله ليس بجسم فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه؛ فقد كان ولا مكان»، وهو يريد بذلك نفي أن يكون الله بذاته فوق المخلوقات ومستويًا على العرش، ولكن هذه الألفاظ الواردة في عبارته ألفاظ مبتدعة مجملة لا بد فيها من التفصيل والاستفصال؛ لأنها تحتمل حقًا وباطلًا. نعم الله سبحانه لا يحتاج إلى شيء من مخلوقاته: لا مكان ولا غيره. وإذا كان سبحانه فوق مخلوقاته على عرشه فلا يلزم من ذلك أن يكون مفتقرًا إلى العرش، ولا أنه يحيط به شيء من الموجودات، بل هو سبحانه فوق جميع الموجودات، وهو الممسك بالعرش وما دون العرش. وقول ابن بطال: «ومعنى الارتفاع إليه: اعتلاؤه مع تنزيهه عن المكان» كلام فيه قلق؛ فإنه فسر ارتفاع بعض المخلوقات إليه باعتلائه فأضاف إليه ما هو مضاف إلى المخلوق. وقوله: «مع تنزيهه عن المكان» فيه ما تقدم من الإجمال، وإرادة نفي علو الله تعالى بذاته فوق خلقه، وهذا هو المعنى الباطل المنافي لدلالة الكتاب والسنة والعقل والفطرة، والله أعلم.رقم ١٣٤ · ج١٣ ص٤١٩ · صحيح البخاري ٧٤٣٣ ): « قال ابن المنير: جميع الأحاديث في هذه الترجمة مطابقة لها الا حديث بن عباس؛ فليس فيه إلا قوله: »رب العرش« ومطابقته والله أعلم من جهة أنه نبه على بطلان قول من أثبت الجهة أخذا من قوله ﴿ذي المعارج﴾ ففهم أن العلو الفوقي مضاف إلى الله تعالى، فبين المصنف أن الجهة التي يصدق عليها أنها سماء والجهة التي يصدق عليها أنها عرش؛ كل منهما مخلوق مربوب محدث، وقد كان الله قبل ذلك وغيره، فحدثت هذه الأمكنة وقِدَمه يحيل وصفه بالتحيز فيها، والله أعلم ». وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٣٣، كتاب التوحيد، باب ٢٣.
عرض التعليقإخفاء التعليق
قال الشيخ البراك: قول ابن المنير في حديث ابن عباس: «ومطابقته والله أعلم من جهة أنه نبه على بطلان قول من أثبت الجهة .... إلخ»: يريد مطابقة الحديث للترجمة ومناسبته لها، ويزعم أن البخاري قصد بإيراد الحديث التنبيه على بطلان قول من أثبت الجهة. ويريد بمن أثبت الجهة من أثبت علو الله تعالى بذاته فوق عرشه وجميع مخلوقاته، وفي هذا غلط قبيح على البخاري؛ فإن البخاري من أئمة السنة المثبتين لعلو الله تعالى واستوائه على عرشه، وقد عقد عددًا من التراجم لتقرير هذا الأصل، فزعم ابن المنير أن قصد البخاري الرد على من أثبت العلو والاستواء على العرش قلبٌ لمقصود البخاري، بل أراد البخاري بذكر هذا الحديث إثبات علو الله تعالى واستوائه على العرش استنباطًا من ذكر العرش حيث إنه متعلق الاستواء. وقول ابن المنير: «فبين - أي البخاري - أن الجهة التي يصدق عليها أنها سماء، والجهة التي يصدق عليها أنها عرش كل منهما مخلوق مربوب محدث»: فيه دعوى باطلة على البخاري أنه أراد ما ذكر، وفيه دعوى أن الجهة سواء أريد بها السماء أو العرش فإنها مخلوقة، وهذه الدعوى لا تصح في السماء على الإطلاق؛ فإن السماء يراد بها السماء المبنية - وهي السماوات السبع، وهذه مخلوقة - ويراد بها العلو مطلقًا، فتتناول ما فوق المخلوقات؛ وليس فوق المخلوقات شيء موجود إلا الله تعالى. فلا يلزم من كونه في السماء الذي وراء العالم أن يكون في ظرف وجودي يحيط به تعالى؛ لأنه ليس وراء العالم شيء موجود إلا الله تعالى. بل المخلوق إذا قيل إنه في السماء بمعنى العلو لا يلزم أن يكون في ظرف وجودي؛ كما إذا قيل العرش في السماء، ومن المعلوم أن العرش فوق السماوات فالله تعالى أولى أن لا يلزم فيه ذلك. وعلى هذا فلفظ الجهة لفظ مجمل قد يراد به شيء موجود مخلوق كما إذا أريد به نفس العرش، وقد يراد به ما ليس بموجود كما إذا أريد به ما وراء العالم؛ فإنه ليس وراء العالم شيء موجود إلا الله تعالى. وقول ابن المنير: «وقِدَمُه ﷾ يحيل وصفه بالتحيز فيها»: إن أراد أنه مستغن عن هذه المخلوقات من العرش وغيره فهذا حق، وإن أراد أن قدمه يحيل كونه بذاته فوق مخلوقاته مستو على عرشه فهذا باطل. بل هذا عين الكمال؛ فإن له سبحانه العلو بكل معانيه ذاتًا وقدرًا وقهرًا. ولفظ التحيز لفظ مجمل مبتدع لا يجوز إطلاقه نفيًا ولا إثباتًا، ولا يجوز الحكم على قائله إلا بعد معرفة مراده، فإن أراد حقًا قُبِل، وإن أراد باطلًا رُدّ، وإن أراد حقًا وباطلًا لم يقبل مطلقًا، ولم يرد جميع معناه.رقم ١٣٥ · ج١٣ ص٤٢٦ · صحيح البخاري ٧٤٤٧ ): «ومنع جمهور المعتزلة من الرؤية، متمسكين بأن من شرط المرئي أن يكون في جهة، والله منزه عن الجهة، واتفقوا على أنه يرى عباده؛ فهو راء لا من جهة، واختلف من أثبت الرؤية في معناها؛ فقال قوم: يحصل للرائي العلم بالله تعالى برؤية العين كما في غيره من المرئيات، وهو على وفق قوله في حديث الباب: »كما ترون القمر« إلا أنه منزه عن الجهة والكيفية ... وقال ابن بطال: ذهب أهل السنة وجمهور الأمة إلى جواز رؤية الله في الآخرة». وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ٢٤.
عرض التعليقإخفاء التعليق
قال الشيخ البراك: قوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة﴾: هي أصرح آية في الدلالة على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة بأبصارهم؛ فإن النظر إذا عدي بإلى اختص بنظر العين، وقد اختلف الناس في مسألة الرؤية: فذهب أهل السنة إلى أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم عيانًا من فوقهم من غير إحاطة، كما دل على ذلك الكتاب والسنة الصحيحة الصريحة كهذه الأحاديث التي ذكرها البخاري في الباب. وذهبت المعتزلة إلى نفي الرؤية وتأولوا الآيات والأحاديث بصرفها عن ظاهرها، وردّ ما أمكنهم ردّه من السنة على أصولهم. وذهب الأشاعرة إلى إثبات الرؤية بالأبصار، لكن قالوا: إن الله تعالى يُرى لا في جهة بناء على مذهبهم في نفي العلو؛ فأثبتوا رؤية غير معقولة، فخالفوا بذلك العقل والشرع، وكانوا بذلك متذبذبين بين النفاة والمثبتين، بل كانوا أقرب إلى مذهب النفاة كالمعتزلة وغيرهم. وكل ما ذكر الحافظ في هذا المقام ونقله عن الشراح يدور حول مذهب المعتزلة ومذهب الأشاعرة، وفيه من الحق ردّ مذهب المعتزلة، ومن الباطل نفي علو الله تعالى، ونفي أن يرى في جهة العلو بل يرى لا في جهة؛ مما أوجب لهم الحيرة والاضطراب، وظهور حجة المعتزلة عليهم. وليس لمذهب أهل السنة المحضة ذكر صريح. وقول ابن بطال: «وذهب أهل السنة وجمهور الأمة إلى جواز رؤية الله تعالى في الآخرة ... إلخ» كلام مجمل، والظاهر أن مراده بأهل السنة: الأشاعرة.رقم ١٣٦ · ج١٣ ص٤٢٧ · صحيح البخاري ٧٤٤٧ ): «وقال البيهقي: سمعت الشيخ الإمام أبا الطيب سهل بن محمد الصعلوكي يقول في إملائه في قوله: »لا تضامون في رؤيته« بالضم والتشديد، معناه: لا تجتمعون لرؤيته في جهة، ولا يضم بعضكم إلى بعض، ومعناه بفتح التاء كذلك، والأصل: لا تتضامون في رؤيته باجتماع في جهة. وبالتخفيف من الضيم، ومعناه: لا تظلمون فيه برؤيتكم بعضكم دون بعض؛ فإنكم ترونه في جهاتكم كلها، وهو متعال عن الجهة». وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٣٦، كتاب التوحيد، باب ٢٤.
عرض التعليقإخفاء التعليق
قال الشيخ البراك: قول الصعلوكي الذي نقله البيهقي ونقله عنه الحافظ جارٍ على مذهب الأشاعرة؛ وهو إثبات الرؤية مع نفي الجهة أي نفي العلو، ومعنى ذلك أن المؤمنين يرونه سبحانه لا من فوق ولا من أسفل، ولا من أمام ولا من خلف، ولا من يمين ولا من شمال، وتقدم قريبًا أن هذه الرؤية لا حقيقة لها في الواقع [انظر التعليق السابق]؛ فهي مع مخالفتها لنص السنة المتواترة مخالفة للعقل. وبناء على نفي الصعلوكي لعلو الله تعالى نفى أن يكون في جهة من العباد، ونفى أن يكونوا في جهة منه سبحانه حيث قال في: «تضامون» معناه: لا تجتمعون لرؤيته في جهة. وأما قوله: «فإنكم ترونه في جهاتكم كلها» فيقتضي أنهم يرونه من فوقهم ومن تحتهم ومن الجهات الأربع، وهذا يتناقض مع نفيه الجهة عن الله بقوله بعده: «وهو متعال عن الجهة»، بل يناقض المعروف من قول الأشاعرة: إن الله تعالى يرى لا في جهة؛ فإنهم ينفون الجهة عن الله مطلقًا، وما يرى من جميع الجهات هو موجود في جميع الجهات، وتقدم في التعليق قريبًا [ص ٣١٤،هامش ١] ما في لفظ الجهة من الإجمال، وما يجب فيه من الاستفصال.رقم ١٣٧ · ج١٣ ص٤٢٧ · صحيح البخاري ٧٤٤٧ ): «وقال ابن بطال: تمسك به المجسمة فأثبتوا لله صورة .... ». وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٣٩، كتاب التوحيد، باب ٢٤.
عرض التعليقإخفاء التعليق
قال الشيخ البراك: قوله ﷺ: «فيأتيهم الله في صورته التي تعرفون .... إلخ»: يستدل أهل السنة به وبغيره على أن لله تعالى صورة هي أحسن الصور، وأنها لا تماثل صورة أحد من المخلوقين؛ فالقول فيها كالقول في الوجه وسائر الصفات، وما نقله الحافظ عن ابن قتيبة هو الصواب؛ فإنه جارٍ على مذهب أهل السنة، وأما ما نقله عن ابن بطال من نسبة إثبات الصورة إلى المجسمة فهو على طريقة الجهمية ومن تبعهم من وصف المثبتين للصفات بالتجسيم وهم برآء من التشبيه ومن إطلاق الجسم على الله نفيًا أو إثباتًا. وكذلك تفسيره الصورة في الحديث بالعلامة هو تحريف للكلم عن مواضعه، ومثله ما نقله الحافظ عن ابن التين من تفسير الصورة بالاعتقاد، وما نقله عن الخطابي من حمل الصورة على المشاكلة. وكل هذا التخبط حملهم عليه اعتقادهم امتناع أن يكون لله تعالى صورة، وليس لهم حجة على هذا الاعتقاد إلا ما هو من جنس حجة الجهمية على نفي جميع الصفات، وهم لا يوافقونهم على هذا، فأفضى بهم ذلك إلى التناقض والاضطراب، والله يغفر لمن كان مراده الحق، وهذا هو الظن في هؤلاء العلماء رحمهم الله تعالى. وانظر التعليق (١٧)رقم ١٣٨ · ج١٣ ص٤٢٨ · صحيح البخاري ٧٤٤٧ ): «وقال الخطابي: تهيب كثير من الشيوخ الخوض في معنى الساق، ومعنى قول ابن عباس: إن الله يكشف عن قدرته التي تظهر بها الشدة، وأسند البيهقي الأثر المذكور عن ابن عباس بسندين كل منهما حسن، وزاد: إذا خفي علكم شيء من القرآن [فابتغوه] من الشعر، وذكر الرجز المشار إليه، وأنشد الخطابي في إطلاق الساق على الأمر الشديد: »في سنة قد كشفت عن ساقها .... «. وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٣٩، كتاب التوحيد، باب ٢٤.
عرض التعليقإخفاء التعليق
قال الشيخ البراك: قوله ﷺ في الحديث: «فيكشف عن ساقه» يدل على أن لله تعالى ساقًا كما أن له قدمًا، والقول فيهما كالقول في الوجه واليدين؛ وهو الإيمان بذلك على ما يليق به سبحانه وأن صفاته لا تماثل صفات خلقه، وأن كيفية هذه الصفات غير معقول لنا، وهذا الحديث أولى ما تفسر به الآية، وهي قوله تعالى: «يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون» ولولا هذا الحديث لما أمكن الاستدلال بالآية على إثبات الساق لأنها محتملة؛ وذلك أن ذكر الساق فيها غير مضاف، ولهذا جاء تفسير الآية عن ابن عباس ﵄ بشدة الأمر، والكشف عن أمر عظيم من أهوال يوم القيامة. والآية محتملة لذلك، ولا مانع من تفسير الآية بذلك وبما جاء في الحديث؛ فإنه لا منافاة بينهما، ولعل ابن عباس ﵄ لم يبلغه الحديث، وعلى هذا فلا موجب للعدول عن ظاهر الحديث بتأويل الساق بالقدرة أو النفس كما صنع الخطابي رحمه الله تعالى، وهذه طريقته في مثل هذه الصفات: لا يثبت حقائقها بل يتأولها على معانٍ تخالف ظواهر النصوص. والواجب إجراء النصوص على ظاهرها كما قال الأئمة: «أمروها كما جاءت بلا كيف»؛ أي آمنوا بما دلت عليه ولا تعدلوا بها عنه، كما قال الإمام مالك وغيره: «الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب».رقم ١٣٩ · ج١٣ ص٤٢٩ · صحيح البخاري ٧٤٤٧ ): «وقال ابن بطال: .. ومثله من التبكيت ما يقال لهم بعد ذلك: ﴿ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا﴾، وليس في هذا تكليف ما لا يطاق، بل إظهار خزيهم، ومثله: »كلف أن يعقد شعيرة«؛ فإنها للزيادة في التوبيخ والعقوبة. انتهى. ولم يجب عن قصة أبي لهب. وقد ادعى بعضهم أن مسألة تكليف ما لا يطاق لم تقع إلا بالإيمان فقط، وهي مسألة طويلة الذيل ليس هذا موضع ذكرها». وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٣٩، كتاب التوحيد، باب ٢٤.
عرض التعليقإخفاء التعليق
انظر التعليق على هذه المسألة (٦٤) و(٩١) قال الشيخ البراك: وأما احتجاج من قال به بتكليف أبي لهب بالإيمان مع أن الله أخبر أنه سيصلي نارًا ذات لهب، وأن ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين وهما: أمره بالإيمان مع إخباره بأنه لا يؤمن؛ فالجواب: أنه بعد نزول السورة أصبح بمنزلة من عاين العذاب؛ فإنه لا ينفعهم إيمانهم لأنهم غير مأمورين به تلك الساعة؛ لأن التكليف والامتثال إنما ينفع قبل المعاينة كما قال تعالى: «فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا .... »الآية ومعنى هذا أن أبا لهب بعد نزول السورة لا يؤمر بالإيمان لانكشاف عاقبته كما قال الله تعالى لنوح في قومه: «إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن». وعلى هذا فيعلم بعد نزول السورة أن أبا لهب لن يؤمن كما أن قوم نوح بعد خبر الله له لن يؤمن أحد منهم، فانقضى بذلك وقت الدعوة والإنذار، وحق القول عليهم بأنهم من أصحاب النار.رقم ١٤٠ · ج١٣ ص٤٢٩ · صحيح البخاري ٧٤٤٧ ): «وقوله: فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه، قال الخطابي: هذا يوهم المكان، والله منزه عن ذلك، وإنما معناه في داره التي اتخذها لأوليائه، وهي الجنة، وهي دار السلام، وأضيفت إليه إضافة تشريف مثل: بيت الله وحرم الله». وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٤٠، كتاب التوحيد، باب ٢٤.
عرض التعليقإخفاء التعليق
قال الشيخ البراك: قول الخطابي: «هذا يوهم المكان والله منزه عن ذلك»: يقال في لفظ المكان ما يقال في لفظ الجهة بأنه لفظ مجمل؛ فإن أريد به أن الله تعالى في مكان موجود من المخلوقات يحيط به فالله منزه عن ذلك، وإن أريد به ما فوق جميع المخلوقات - وليس فوق المخلوقات شيء موجود إلا الله تعالى - فلا يلزم بإثبات المكان بهذا المعنى محذور. وقوله في الحديث: «في داره»: لا ريب أن إضافة الدار إليه إضافة تشريف، ولا يلزم من ذلك أن يكون حالًا في هذه الدار؛ فإنه تعالى منزه عن الحلول في شيء من مخلوقاته. وأما المراد بهذه الدار فالله أعلم به، وإن كان المتبادر أنها الجنة. وانظر التعليقات (١٣٢) و(١٣٣) و(١٣٦)رقم ١٤١ · ج١٣ ص٤٣١ · صحيح البخاري ٧٤٤٧ ): « قال ابن بطال: »معنى رفع الحجاب إزالة الآفة من أبصار المؤمنين المانعة لهم من الرؤية .. « وقال الحافظ صلاح الدين العلائي في شرح قوله في قصة معاذ: «واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» المراد بالحاجب والحجاب: نفي المانع من الرؤية، كما نفى عدم إجابة دعاء المظلوم، ثم استعار الحجاب للرد، فكان نفيه دليلا على ثبوت الإجابة. والتعبير بنفي الحجاب أبلغ من التعبير بالقبول؛ لأن الحجاب من شأنه المنع من الوصول إلى المقصود فاستعير نفيه لعدم المنع، ويتخرج كثير من أحاديث الصفات على الاستعارة التخييلية، وهي: أن يشترك شيئان في وصف ثم يعتمد لوازم أحدهما حيث تكون جهة الاشتراك وصفا فيثبت كماله في المستعار بواسطة شيء آخر، فيثبت ذلك للمستعار مبالغة في إثبات المشترك، قال: وبالحمل على هذه الاستعارة التخييلية؛ يحصل التخلص من مهاوي التجسم، قال: ويحتمل أن يراد بالحجاب استعارة محسوس لمعقول لأن الحجاب حسي والمنع عقلي، قال: وقد ورد ذكر الحجاب في عدة أحاديث صحيحة والله ﷾ منزه عما يحجبه إذ الحجاب إنما يحيط بمقدر محسوس، ولكن المراد بحجابه منعه أبصار خلقه وبصائرهم بما شاء متى شاء كيف شاء، وإذا شاء كشف ذلك عنهم. ويؤيده قوله في الحديث الذي بعده: «وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه» فإن ظاهره ليس مرادا قطعا، فهي استعارة جزما، وقد يكون المراد بالحجاب في بعض الأحاديث: الحجاب الحسي، لكنه بالنسبة للمخلوقين. والعلم عند الله تعالى«. وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٤٣، كتاب التوحيد، باب ٢٤.
عرض التعليقإخفاء التعليق
قال الشيخ البراك: قوله ﷺ: «ولا حجاب يحجبه»: يدل على أن الله تعالى يكلم عباده يوم القيامة كفاحًا بلا واسطة فيجتمع لهم التكليم والرؤية، والحجاب المنفي في هذا الحديث هو المثبت في قوله تعالى: «وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب». والحجاب إذا ذكر في مقام نفي الرؤية لا بد أن يكون خارجًا عن ذات الرائي ليكون مانعًا من الرؤية مع سلامة الحاسة. والحجاب الذي يمنع رؤية العباد لربهم قد يكون مخلوقًا، وقد يكون صفة لله تعالى كما في الحديث الذي بعد هذا؛ وهو قوله ﷺ: «وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» فالله يحتجب من عباده بما شاء وكيف شاء. وما يكون حاجبًا لعباده عن رؤيته لا يحجبه ﷾ عن رؤيته لخلقه، ويشهد لهذا قوله ﷺ: «حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» والحديثان في صحيح مسلم. ومما تقدم يتبين خطأ ابن بطال في قوله: «معنى رفع حجاب: إزالة الآفة من أبصار المؤمنين ... إلخ»؛ فإن معناه أنه ليس هناك حجاب يرفع بين المؤمنين وربهم فينظرون إليه، بل المانع لهم من الرؤية أولًا قصور أبصارهم عن رؤيته فمتى منحهم الله القدرة على ذلك رأوه. وهذا المعنى يرتبط بقول الأشاعرة في الرؤية وأنه يُرى تعالى لا في جهة، وبقولهم: إنه حال في كل مكان. وما نقله الحافظ في شرح هذا الحديث عن العلائي من قوله: «ويتخرج كثير من أحاديث الصفات على الاستعارة التخييلية ... إلى قوله: وبالحمل على هذه الاستعارة التخييلية يحصل التخلص من مهاوي التجسم»: هذا الكلام جارٍ على مذهب من ينفي كثيرًا من الصفات كالأشاعرة، ويحمل نصوصها على المجاز إما بالاستعارة أو بالمجاز المرسل، أو العقلي؛ فهذه النصوص عندهم محمولة على خلاف ظاهرها لأن ظاهرها عندهم تجسيم وتشبيه، فمن أثبت هذا فهو عندهم مشبه مجسم، وأهل السنة يثبتون ما دلّت عليه هذه النصوص مع نفي مماثلة المخلوقات، ويقولون: القول في الصفات كالقول في الذات، والقول في بعض الصفات كالقول في بعض. وقول العلائي: «والله ﷾ منزه عما يحجبه؛ إذ الحجاب إنما يحيط بمقدر محسوس»: إن أراد أنه تعالى منزه عما يحجبه عن خلقه فلا يراهم ولا يسمعهم، أو أراد أنه منزه عن حجاب مخلوق يحيط به فهذا حق، وإن أراد أنه تعالى منزه عن حجاب محسوس يحجب الخلق عن رؤيته مثل النور الذي ورد ذكره في الحديث فهذا ما دلت عليه النصوص الواردة في ذكر الحجاب، فنفيه باطل. وقوله: «إذ الحجاب إنما يحيط بمقدر محسوس»: كلام مخالف للواقع ومبني على باطل؛ فإنه لا يلزم أن يكون الحجاب محيطًا بالمحتجب عن غيره. وقوله: «بمقدر محسوس»: يرجع عندهم إلى نفي العلو فوق المخلوقات والقول بالحلول، ونفي الرؤية الحقيقية، وكل ذلك باطل.رقم ١٤٢ · ج١٣ ص٤٣٢ · صحيح البخاري ٧٤٤٧ ): «قال عياض: .. ومن لم يفهم ذلك تاه، فمن أجرى الكلام على ظاهره أفضى به الأمر إلى التجسيم، ومن لم يتضح له وعلم أن الله منزه عن الذي يقتضيه ظاهرها إما أن يكذب نقلتها وإما أن يؤولها ... » وقال الكرماني: «هذا الحديث من المتشابهات فإما مفوض، وإما متأول بأن المراد بالوجه الذات .... ». وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٤٤، كتاب التوحيد، باب ٢٤.
عرض التعليقإخفاء التعليق
قال الشيخ البراك: قوله ﷺ: «إلا رداء الكبرياء على وجهه»: يدل على أن الحجاب قد يكون صفة كما تقدم تقرير ذلك في التعليق الذي قبل هذا، وما نقله الحافظ هنا عن المازري وعياض يقتضي نفي حقيقة الحجاب، وأن المانع من الرؤية ضعف أبصار العباد فقط، لا أن هناك حجابًا بينهم وبين الله تعالى، وهذا جارٍ على أصل الأشاعرة في الرؤية وأنه يُرى لا في جهة بناء على نفيهم للعلو. وكذا ما نقله بعد ذلك عن القرطبي وابن بطال هو جارٍ على هذا السَنَن، وكلام الرسول ﷺ أظهر من أن يحتاج إلى هذا التمحل الذي حمل عليه رعاية الأصول الفاسدة والمحافظة عليها.رقم ١٤٣ · ج١٣ ص٤٣٥ · صحيح البخاري ٧٤٥٠ ): «قوله: (باب ما جاء في قول الله تعالى: إن رحمت الله قريب من المحسنين، قال ابن بطال: الرحمة تنقسم إلى صفة ذات، وإلى صفة فعل، وهنا يحتمل أن تكون صفة ذات، فيكون معناها إرادة إثابة الطائعين، ويحتمل أن تكون صفة فعل فيكون معناها أن فضل الله بسوق السحاب وإنزال المطر قريب من المحسنين، فكان ذلك رحمة لهم لكونه بقدرته وإرادته ... ». وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ٢٥.
عرض التعليقإخفاء التعليق
قال الشيخ البراك: قول ابن بطال: «الرحمة تنقسم إلى صفة ذات وإلى صفة فعل»: هذا صحيح؛ فإنه سبحانه ذو الرحمة التي لم يزل متصفًا بها وهي لازمة لذاته، وهو ذو رحمة يرحم بها من يشاء؛ فالأولى هي الصفة الذاتية، والثانية هي الصفة الفعلية، وكلاهما قائم بذاته ﷾. ولولا ذلك لم تكن صفة. ولكن ابن بطال فسر الرحمة الذاتية بالإرادة على طريقة الأشاعرة، وفسر الرحمة الفعلية بالمفعول المخلوق كسوق السحاب، وكلا التفسيرين خطأ؛ فإن الرحمة غير الإرادة، والفعل القائم بالفاعل غير المفعول، والأشاعرة لا يثبتون حقيقة الرحمة، فلذا يؤولونها بالإرادة ولا يثبتون فعلًا يقوم بالرب بمشيئته سبحانه، فلذا يجعلون الفعل هو المفعول، ومعلوم أن المفعول ليس صفة للفاعل، بل هو أثر فعله. وبهذا تبين أن تسمية المفعول - وهو الرحمة المخلوقة كالمطر - صفة فعلية مخالفة للعقل. وتحرير المقام أن الرحمة المضافة لله تعالى إما أن تكون صفة ذاتية أو فعلية كما تقدم، وإما أن تكون مخلوقة؛ فمن الأول قوله تعالى: «وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين»، ومن الثاني قوله تعالى: «فانظر إلى آثار رحمة الله»؛ فإن المراد بالرحمة هنا: المطر. وكقوله تعالى: «وهو الذي يرسل الرياح بشرًا بين يدي رحمته»، وكما في حديث الباب من قوله تعالى للجنة: «أنت رحمتي أرحم بك من أشاء». وانظر التعليقين (٦٧) و(٧٩).رقم ١٤٤ · ج١٣ ص٤٣٦ · صحيح البخاري ٧٤٥٠ ): «قال ابن بطال عن المهلب: يجوز أن يكون هذا الخصام حقيقة بأن يخلق الله فيهما حياة وفهمًا وكلامًا، والله قادر على كل شيء، ويجوز أن يكون هذا مجازًا كقولهم: امتلأ الحوض وقال قطني، والحوض لا يتكلم وإنما ذلك عبارة عن امتلائه وأنه لو كان ممن ينطق لقال ذلك، وكذا في قول النار: »هل من مزيد«. وذلك في كلامه على حديث رقم ٧٤٤٩، كتاب التوحيد، باب ٢٥.
عرض التعليقإخفاء التعليق
قال الشيخ البراك: قوله ﷺ: «اختصمت الجنة والنار .... إلخ»: قيل: إن هذا الاختصام حقيقة بلسان المقال، وأن الله ﷿ أنطق الجنة والنار، وقيل: إن الخصومة بلسان الحال، ومعناه أنه لم يكن نطق ولا كلام؛ فذكر الخصومة مجاز. وقد ذكر ابن بطال هذين الوجهين عن المهلب احتمالًا دون ترجيح، والواجب حمل الكلام على الحقيقة ما لم يمنع من ذلك مانع، ولا مانع هنا، ولا دليل يدل على صرف الكلام عن ظاهره، فالصواب أن الله تعالى أنطق الجنة والنار فاختصمتا كما ذكر في الحديث. والله تعالى ينطق الجلود بالشهادة على أهلها وليس في العادة أن تنطق؛ كما قال تعالى: «وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء».رقم ١٤٥ · ج١٣ ص٤٤٠ · صحيح البخاري ٧٤٥٦ ): «وتصرف البخاري في هذا الموضع يقتضي موافقة القول الأول، والصائر إليه يسلم من الوقوع في مسألة حوادث لا أول لها، وبالله التوفيق». وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ٢٧.
عرض التعليقإخفاء التعليق
قال الشيخ البراك: مقصود البخاري بترجمته لهذا الباب بيان الفرق بين الفعل والمفعول، وأن الفعل القائم بالرب - وهو تخليقه وتكوينه وأمره - غير مخلوق؛ لأن ذلك من صفته سبحانه، والله بصفاته غير مخلوق، والمفعول مخلوق، وهو المكوَّن بفعله وأمره وتكوينه. فالمفعول أثر الفعل، والفعل صفة الفاعل، والمفعول ليس صفة له، وما قرره البخاري هنا من الفرق بين الفعل والمفعول هو الذي قرره في (باب خلق أفعال العباد) كما أشار إليه الحافظ، وهذا هو الحق الموافق للعقل والشرع، وعلى هذا فنوع الفعل والكلام من الله قديم، وآحاد ذلك حادثة تبعًا لمشيئته ﷾؛ فإنه لم يزل فعالًا لما يريد، فلا بداية لفاعليته، ولم يزل متكلمًا بما شاء إذا شاء. وأما جنس المفعول فلا ريب في إمكان قدمه؛ لأن ذلك لازم دوام فاعلية الرب وقدرته سبحانه، وبهذا التقرير يتبين الصواب والخطأ من الأقوال التي نقلها الحافظ في هذا المقام، وبيان ذلك فيما يلي: ١ - قوله: «وأصلها أنهم اختلفوا هل صفة الفعل قديمة أو حادثة ... إلخ»: الصواب أن جنس الفعل القائم بالرب سبحانه قديم وآحاده حادثة، وهذا مذهب أهل السنة، وهو المراد مما حكاه الحافظ عن أبي حنيفة وجماعة من السلف، وأما قول ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما بأن صفة الفعل حادثة فالأظهر أن مرادهم بالفعل: المفعول؛ أي المخلوق، وعندهم أنه يمتنع دوام الحوادث في الماضي، فيجب أن يكون جنس المخلوقات حادثًا، وإذا كان المراد من الفعل في قولهم هو المفعول فلا معنى للتعبير عنه بالصفة؛ لأن المفعول ليس صفة للفاعل، ويبعد أن يريدوا بالفعل ما يقوم بالرب سبحانه لأنه لا يجوز عندهم أن يقوم به ما هو حادث بمشيئته. وبهذا يعلم أن الفعل الذي قال أبو حنيفة بقدمه ليس هو الذي قال ابن كلاب والأشعري بحدوثه، فمتعلق المذهبين مختلف، فلا وجه للمعارضة بينهما. ٢ - قوله: «فأجاب الأول أنه يوجد في الأزل صفة الخلق ولا مخلوق .... إلخ»: المراد بالأول: أبو حنيفة ومن قال بقوله. وقوله: «أنه يوجد في الأزل صفة الخلق» بمعنى أن الله تعالى لم يزل موصوفًا بالخلق أي مسمى بالخالق هو الصواب؛ إذ لم يزل الرب سبحانه قادرًا على الخلق مستحقًا لهذا الاسم. وقول الأشعري بأنه لا يكون خلق ولا مخلوق كما لا يكون ضارب ولا مضروب: إن أراد أن فعل الخلق يستلزم المخلوق فصحيح، وإن أراد أن صفة الخالقية تستلزم مخلوقًا فممنوع؛ فإن القادر على الخلق خالق ولو لم يخلق، وهكذا يقال إن فعل الضرب يستلزم مضروبًا، والقادر على الضرب قد يسمى ضاربًا ولو لم يكن منه ضرب بالفعل. ٣ - قوله: «فألزموه بحدوث صفات، فيلزم حلول الحوادث بالله»: حلول الحوادث في ذات الله تعالى من الألفاظ المجملة المبتدعة؛ فإن أريد بنفيه نفي حلول شيء من المخلوقات في ذاته فهو حق، وإن أريد به نفي قيام الأفعال الاختيارية به فهو باطل؛ فإن الله تعالى لم يزل فعالًا لما يريد، ولا يزال يفعل ما يشاء إذا شاء، فبطل الإلزام. ولكن الأشعري يوافق على نفي قيام الأفعال الاختيارية به سبحانه، ولهذا أجاب بقوله: «إن هذه الصفات لا تحدث في الذات شيئًا جديدًا». وهو كلام ليس بسديد؛ فإذا كانت هذه الصفات حادثة، وكانت قائمة بذات الله، فقد حدث في الذات شيء جديد، وإن لم تكن قائمة بالذات فليست بصفات؛ لأن الصفة لا بد أن تقوم بالموصوف. ٤ - قوله: «فتعقبوه بأنه يلزم أن لا يسمى في الأزل خالقًا ولا رازقًا»: الصواب أن هذا ليس بلازم؛ لأن القادر على الخلق والرزق يسمى خالقًا ورازقًا ولو قدر أنه لم يقع منه الفعل. وقولهم: «إن كلام الله قديم» معناه عندهم أنه لا يكون بمشيئته، وهذا لا يصح على الإطلاق، بل إنه سبحانه لم يزل يتكلم إذا شاء بما شاء كيف شاء، فكلامه قديم النوع حادث الآحاد. وقدم أسمائه سبحانه معلوم من قدم كماله. وقول بعض الأشعرية: «إن إطلاق اسم الخالق الرازق على الله قبل أن يخلق ويرزق بطريق المجاز»: هذا القول باطل؛ فإن القادر على الخلق والرزق هو خالق حقيقة رازق حقيقة، كما أن القادر على الكلام متكلم وإن كان في الحال لا يتكلم. وقول الأشعري: «إن الأسامي- أي أسامي الله- جارية مجرى الأعلام ... إلخ» يقتضي أن أسماء الله تعالى لا تدل على معاني بل هي أعلام محضة، وهذا كقول المعتزلة. والصواب أن أسماء الله تعالى أعلام وصفات؛ فتتحد في دلالتها على الذات وتختلف في دلالتها على الصفات، وبهذا يعلم أن أسماء الله تعالى دالة على معانيها بالحقيقة اللغوية والشرعية، واسم الفاعل والفعال يصدق على من كان قادرًا على الفعل وإن قُدِّر أنه لم يفعل كما تقدم والله أعلم.رقم ١٤٦ · ج١٣ ص٤٤١ · صحيح البخاري ٧٤٥٧ ) قوله: (باب قوله تعالى: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين») قال: «وأشار به إلى ترجيح القول بان الرحمة من صفات الذات .... من قال: المراد بالرحمة إرادة إيصال الثواب، وبالغضب إرادة إيصال العقوبة ... ». وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ٢٨.
عرض التعليقإخفاء التعليق
قال الشيخ البراك: السبق يراد به التقدم في الزمان، ويراد به الغلبة. والسبق في الآية الأظهر فيه: المعنى الأول؛ فيكون المراد به سبق القدر بأن النصر والغلبة لرسله وجنده، كما يشهد لذلك قوله تعالى: «كتب الله لأغلبن أنا ورسلي». كما أن السبق في الآية يتضمن المعنى الثاني. والأظهر في سبق الرحمة المعنى الثاني، ويؤيده أن الحديث ورد بلفظ: «إن رحمتي تغلب غضبي». والرحمة المضافة إلى الله تعالى نوعان: صفة ذاتية، وصفة فعلية، ولا ريب أن الرحمة الذاتية سابقة للغضب في الزمان؛ لأنه سبحانه موصوف بها في الأزل، فيصح أن يقال: لم يزل رحيمًا. وأما الغضب فهو صفة فعلية، فهو تابع لمشيئته، والأظهر أن الرحمة التي تسبق وتغلب الغضب هي الرحمة الفعلية التي تكون بمشيئته سبحانه. وأما سبق الكتاب في حديث ابن مسعود ﵁ فالأظهر فيه هو المعنى الثاني، وإن كان المعنى الأول ثابتًا للكتاب لأن المراد به كتاب القدر. والظاهر أن مراد البخاري بالترجمة هو الاستدلال على أن كلام الله تعالى ورحمته من أفعاله التابعة لمشيئته، وما هذا شأنه لا بد أن يسبق بعضه بعضًا، فوصف بعض كلامه بالسبق يدل على ذلك. وأمره الكوني والشرعي من كلامه سبحانه، وبهذا يتبين الخطأ في قول الحافظ عن البخاري: «وأشار به - أي حديث إن رحمتي سبقت غضبي- إلى أن الرحمة صفة ذاتية». وقوله: «وقد غفل عن مراده من قال: دل وصف الرحمة بالسبق على أنها من صفات الفعل»: فالصواب مع هذا القائل خلافًا للحافظ؛ فهذه الرحمة الموصوفة بالسبق صفة فعلية كما تقدم. وقد تقدم في غير موضع أن الأشاعرة ينفون حقيقة الرحمة والغضب، وأهل التأويل منهم يفسرونهما بالإرادة - وهو المعنى الذي أشار إليه الحافظ هنا - كما ينفون قيام الأفعال الاختيارية به سبحانه؛ فلذلك قالوا: إن الرحمة صفة ذاتية وهي الإرادة، وإن كلام الله قديم لا يكون شيء منه بمشيئته ولا يسبق بعضه بعضًا، ولذلك استشكلوا وصف الرحمة والكلمة بالسبق كما أشار الحافظ. ومذهب أهل السنة أن جنس كلام الله تعالى لم يزل، وآحاده تحدث تبعًا لمشيئته؛ فلم يزل سبحانه يتكلم بما شاء إذا شاء.رقم ١٤٧ · ج١٣ ص٤٤٩ · صحيح البخاري ٧٤٧٧ عرض التعليقإخفاء التعليق
قال الشيخ البراك: قوله: «فمن قدر عليه بالمعصية كان ذلك علامة .... إلخ»: جعل المعصية علامة على العقاب والطاعة علامة على الثواب معناه: أنه لا أثر لهما في الجزاء وإنما مرد الجزاء محض المشيئة من الله تعالى، وهذا قول القدرية الجبرية الجهمية؛ فإن من مذهبهم نفي الأسباب وأنها محض أمارات على ما يحدثه الله سبحانه، ومعنى ذلك أن الله يخلق عندها لا بها؛ فليس عندهم في أفعال الله تعالى باء سبب بل باء المصاحبة، وقد تبعهم الأشاعرة في ذلك، فما ذكره الحافظ من أن الطاعة والمعصية علامة هو من قولهم، وهو راجع إلى قولهم في نفي الأسباب، ومن فروع قولهم في الأسباب: قولهم في أفعال العباد أنها كسب من العباد، والكسب عندهم ما يحدث عند القدرة الحادثة؛ ومعنى ذلك أن فعل العبد يحدث عند قدرته لا بقدرته.رقم ١٤٨ · ج١٣ ص٤٥٣ · صحيح البخاري ٧٤٨١ ): «قال ابن بطال: استدل البخاري بهذا على أن قول الله قديم لذاته قائم بصفاته لم يزل موجودًا به ... ». وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ٣٢.
عرض التعليقإخفاء التعليق
قال الشيخ البراك: قول ابن بطال: «استدل البخاري بهذا على أن قول الله قديم .... إلخ»: تحريف لكلام البخاري عن وجهه، بل استدل البخاري بالآية على أن ما سمعه الملائكة وفزعوا منه كلام الله، وأنه ليس بمخلوق؛ ولهذا قال في وجه الاستدلال: «ولم يقل ماذا خلق ربكم» وفي ذلك رد على من قال: إن كلام الله مخلوق، ولكن ابن بطال وهو من الأشاعرة كما يظهر من سائر كلامه حمل كلام البخاري على مذهبه؛ وهو أن كلام الله قديم مطلقًا، لا يكون شيء منه بمشيئته، وأنه ليس بحرف ولا صوت، وفي هذه الآية وما ورد من الحديث في معناها أبلغ رد على هذا المذهب؛ ففزع الملائكة كان لسماع كلام الله تعالى الذي تكلم به في ذلك الوقت، فإذا زال الفزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ فعلم أنهم سمعوا قول الله تعالى ولم يسمعوا مخلوقًا؛ ولهذا قال البخاري: « ولم يقل: ماذا خلق ربكم؟ ».رقم ١٤٩ · ج١٣ ص٤٥٨ · صحيح البخاري ٧٤٨٤ ): «قال البيهقي: »الكلام ما ينطق به المتكلم ... فسماه كلامًا قبل التكلم به« قال: »فإن كان المتكلم ذا مخارج سُمِعَ كلامُه ذا حروف وأصوات، وإن كان غير ذي مخارج فهو بخلاف ذلك، والباري ﷿ ليس بذي مخارج، فلا يكون كلامه بحروف وأصوات .... «. وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ٣٢، حديث جابر.
عرض التعليقإخفاء التعليق
قال الشيخ البراك: قوله: «قال البيهقي: الكلام ما ينطق به المتكلم ... إلخ»: هذا من البيهقي من عجيب القول، وهو يدل على أن الذكي والعالم قد ينبو فهمه فيقع في خطأ فادح. وقد تضمن كلامه - رحمه الله تعالى- أخطاء عدة، أولها وأصلها: نفي أن يكون كلام الله تعالى بحرف وصوت؛ وهذا هو مذهب الأشاعرة في كلام الله تعالى؛ فإن كلام الله عندهم معنى نفسي، وهو مذهب باطل مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة؛ فقد أخبر سبحانه أنه ناجى موسى ﵇ وناداه، وهذا يدل على أنه كلمه بصوت، وأن موسى سمع كلام الله ﷿ من الله تعالى. الثاني: دعواه أن الكلام ما يستقر في نفس المتكلم مستدلًا على ذلك بقول عمر ﵁، والصواب أن الكلام مطلقًا ما يتكلم به المتكلم، وإذا أريد به ما في النفس وجب تقييده كما قال سبحانه: «ويقولون في أنفسهم ... الآية». الثالث: دعواه أن الكلام لا يسمع إلا من ذي المخارج، ومعناه: أن من ليس كذلك فلا يكون كلامه بصوت، فلذلك لا يسمع منه، وهذا باطل؛ فإن الملائكة يتكلمون بكلام مسموع، ولا يلزم من ذلك أن يكون لهم مخارج. وأيضًا فإن الله تعالى قادر على أن يُنْطِق الجماد، ولا يلزم أن يكون نطقه بمخارج، وقد أخبر سبحانه أنه يُنْطِق الجلود والأسماع والأبصار والأيدي والأرجل، ولا يلزم من ذلك أن يكون بمخارج، وهذا يبطل دعوى أن إثبات الحرف والصوت لكلام الله تعالى يستلزم أن يكون له مخارج مع أن إضافة المخارج إلى الله تعالى مما يجب الإمساك عنه نفيًا أو إثباتًا.رقم ١٥٠ · ج١٣ ص٤٥٨ · صحيح البخاري ٧٤٨٤ ): «وإذا ثبت ذكر الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة وجب الإيمان به، ثم إما التفويض، وإما التأويل، وبالله التوفيق». وذلك في كلامه على كتاب التوحيد، باب ٣٢، حديث جابر.
عرض التعليقإخفاء التعليق
قال الشيخ البراك: قد أحسن الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى تعقبه للبيهقي بقوله: «إذ الصوت قد يكون من غير مخارج» وقوله: «وإذا ثبت ذكر الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة وجب الإيمان به». ولكن يعكر على قوله ذلك قوله بعده: «ثم إما التفويض وإما التأويل». وقد تقدم في أكثر من تعليق أن التفويض والتأويل طريقان للأشاعرة في نصوص ما ينفونه من الصفات.