HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ. حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ. قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ؛ أَنَّ أَعْرَابِيًّا عَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي سَفَرٍ. فَأَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ أَوْ بِزِمَامِهَا. ثُمّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوْ يَا مُحَمَّدُ! أَخْبِرْنِي بِمَا يُقَرِّبُنِي مِنَ الْجَنَّةِ وَمَا يُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ. قَالَ: فَكَفَّ النَّبِيُّ ﷺ. ثُمَّ نَظَرَ فِي أَصْحَابِهِ. ثُمَّ قَالَ: «لَقَدْ وُفِّقَ أَوْ لَقَدْ هُدِي» قَالَ «كَيْفَ قُلْتَ؟» قَالَ: فَأَعَادَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا. وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ. وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ. وَتَصِلُ الرَّحِمَ. دَعِ الناقة».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص32
ج ١ ص ٤٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١ ص٢٤٢
وقوله: «وساق الحديث بمثله»، فاعل «ساق» ضمير بهز، أي: ساق بهز الحديث بمثل ما ساقه هاشم بن القاسم، وروايته أخرجها الإمام أحمد في «مسنده»، مقرونًا بعفّان، فقال: حدثنا بهز، وحدثنا عفان قالا: حدثنا سلميان بن المغيرة، عن ثابت، قال عفان: حدثنا ثابت، قال أنس: كنا نُهِينا في القرآن أن نسأل رسول الله - ﷺ - عن شيء، قال: وكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل، يسأل رسول الله - ﷺ -، قال: فجاء رجل فقال: يا محمد أتانا رسولك، وزعم لنا أنك تزعم أن الله - ﷿ - أرسلك، قال: «صدق»، قال: فمن خَلَقَ السماء؟ قال: «الله»، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: «الله»، قال: فمن نصب هذه الجبال؟ قال: «الله»، قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب الجبال، آلله أرسلك؟ قال: «نعم»، قال: وزعم رسولك أن علينا خمسَ صلواتٍ في يومنا وليلتنا، قال: «صدق»، قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: «نعم»، قال: وزعم رسولك أن علينا زكاةً في أموالنا، قال: «صدق»، قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا؟ قال: «نعم»، قال: وزعم رسولك أن علينا صومَ شهر رمضان في سنتنا، قال عفان: قال: «صدق»، قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: «نعم»، وزعم رسولك أن علينا الحجَّ مَنِ استطاع إليه سبيلًا، قال: «صدق»، قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: «نعم»، قال عفان: ثم وَلَّي، ثم قال: والذي بعثك بالحق، لا أزيد، ولا أنتقص منهن شيئًا، قال رسول الله - ﷺ -: «لئن صدق ليدخلن الجَنَّة». والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. (٤) - (بَابُ بَيَانِ الإِيمَانِ الَّذِي يُدْخَلُ بِهِ الْجَنَّةُ، وَأَنَّ مَنْ تَمَسَّكَ بِمَا أُمِرَ بِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ) وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال: [١١٢] (١٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبُو أَيُّوبَ: أَن أَعْرَابِيًا عَرَضَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَتِه، أَوْ بِزِمَامِهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَوْ يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِي بِمَا يُقَرِّبُنِي مِنْ الْجَنَّة، وَمَا يُبَاعِدُنِي مِنَ النَّار، قَالَ: فَكَفَّ النَّبِيُّ - ﷺ -، ثُمَّ نَظَرَ فِي أَصْحَابِه، ثُمَّ قَالَ: «لَقَدْ وُفِّقَ، أَوْ لَقَدْ هُدِيَ»، قَالَ: كَيْفَ قُلْتَ؟ قَالَ: فَأَعَادَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «تَعْبُدُ اللهَ، لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤتي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، دعَ النَّاقَةَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) - مصغّرًا - الْهَمْدانّي، أبو عبد الرَّحمن الكوفيّ، ثقة حافظ فاضل [١٠] (ت ٢٣٢) (ع) ١/ ٥. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير - مصغَّرًا - الهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقة، صاحب حديث، من أهل السنّة، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) ١/ ٥. ٣ - (عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد الله بن موهَب التيميّ مولاهم، أبو سعيد الكوفيّ، ابن عم يحيى بن عبيد الله، ثقة [٦]. رَوَى عن أبيه، وموسى بن طلحة، ورَبَاح بن عُبيدة السّلَميّ، وعمر بن عبد العزيز. ورَوَى عنه زائدة، والثوريّ، وابن نمير، والخريبي، والقطان، ووكيع، وجعفر بن عون، وابن عيينة، وعبيد الله بن موسى، وأبو نعيم، وجماعة، ورَوَى عنه شعبة، فسماه محمدًا. قال علي بن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: عمرو بن عثمان أحب إليك، أو طلحة بن يحيى؟ قال: عمرو، وكذا قال أحمد بن حنبل، وقال أحمد أيضًا، وابن معين، وابن المديني، ويعقوب بن سفيان، ويعقوب بن شيبة: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم - (١١٢) - (١٣) و(٤٦٨) و(١٠٣٤). ٤ - (مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ) بن عبيد الله القرشيّ التيميّ، أبو عيسى، ويقال: أبو محمد المدنيّ، نزيل الكوفة، وأمه خَوْلَة بنتُ القَعْقَاع بن سعيد بن زُرَارةَ، ثقة جليلٌ [٢]. روى عن أبيه، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وأبي ذَرّ، وأبي أيوب، وحكيم بن حزام، وعثمان بن أبي العاص، وأبي هريرة، وأبي اليسر السلمي، ومعاوية، وعبد الله بن عمر، وعائشة، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه: عمران، وحفيده سليمان بن عيسى بن موسى، وابنا أخيه: إسحاق وطلحة ابنا يحيى بن طلحة، وابن أخيه الآخر: موسى بن إسحاق بن طلحة، وابن ابن أخيه موسى بن عبد الله بن إسحاق بن طلحة، وعثمان بن موهب، وابنه عمرو، وغيرهم. قال ابن سعد: قال الواقدي: رأيت مَنْ قِبَلَنا وأهل بيته يكنونه أبا عيسى، وكان ثقةً، كثير الحديث. وقال الزبير بن بَكّار: كان من وجوه آل طلحة. وقال الْمَرُّوذِيُّ عن أحمد: ليس به بأس. وقال العجليّ: تابعي ثقة، وكان خيارًا، وقال مرةً: كوفي ثقةٌ، رجلٌ صالحٌ. وقال أبو حاتم: يقال: إنه أفضل وَلَد طلحة بعد محمد، كان يسمى في زمانه المهديّ. وقال ابن خِرَاش: كان من أجلَّاء المسلمين، ويقال: إنه شَهِدَ الجمل مع أبيه، وأطلقه عليّ بعد أن أُسِرَ، ويقال: إنه فَرّ من الكوفة إلى البصرة لَمّا ظهر المختار بن أبي عبيد. وعن عبد الملك بن عُمير قال: كان فُصَحَاءُ الناس أربعةً، فذكره فيهم. ورَوَى الْعَقَديّ عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن عمه موسى، قال: صَحِبتُ عثمان اثنتي عشرة سنة. وقال الهيثم، وابن سعد، وغير واحد: مات سنة ثلاث ومائة، وقال أبو عبيد: مات سنة ثلاث، أو أربع ومائة، وقال أبو نعيم، وأحمد: مات سنة أربع ومائة، ويقال: مات سنة ست، وأرخه سنة ست أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو بكر بن أبي عاصم. وقال ابن عساكر: يقال: إنه ولد في عهد رسول الله - ﷺ -، وهو الذي سَمّاه. أخرجه له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث. ٥ - (أَبُو أَيُّوبَ) هو: خالد بن زيد بن كُليب بن ثعلبة بن عبد عوف، ويقال: ابن عمرو بن عبد عوف بن غَنْم، ويقال: ابن عبد عوف بن جُشَم بن غَنْم بن مالك بن النجار، الأنصاري الخزرجيّ، شَهِدَ بدرًا، والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، ونَزَلَ عنده رسول الله - ﷺ - حين قَدِمَ المدينة شهرًا حتى بَنَى المسجدَ. روى عن النبي - ﷺ -، وعن أبي بن كعب، وعنه البراء بن عازب، وجابر بن سمرة، وزيد بن خالد الجهني، وابن عباس، وعبد الله بن يزيد الخطميّ، والمقداد بن معدي كرب، وغيرهم من الصحابة، وموسى بن طلحة، وعبد الله بن حُنَين، وعبد الرَّحمن بن أبي ليلى، وعطاء بن يزيد الليثي، وعروة بن الزبير، وأبو عبد الرَّحمن الْحُبُلِّي، وعطاء بن يسار، وعمر بن ثابت، وجماعة. قال الخطيب: حضر العقبة، وشَهِدَ بَدْرًا وأُحُدًا، والمشاهد كلها، وكان مسكنه المدينة، وحضر مع علي حرب الخوارج، وورد المدائن في ححبته، وعاش بعد ذلك زمانًا طويلًا، حتى مات ببلاد الروم غازيًا في خلافة معاوية. وذكر الواقديّ، وأبو القاسم البغويّ، وغيرهما: أنه شَهِدَ مع عليّ صِفِّين. قال الهيثم بن عدي وغيره: مات سنة (٥٠)، وقال الواقدي وغيره: مات سنة (٥٢)، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: مات في سنة (٥٥). وقال ابن سعد: ولما ثَقُل قال لأصحابه: إن أنا مِتُّ، فاحملوني، فإذا صاففتم العدوّ، فادفِنُوني تحت أقدامكم. وقال البغويّ: قُبِر ليلًا، وأمَرَ يزيدُ بالخيل تُقْبِل عليه وتدبر - حتى عَمِيَ قبره. وقال ابن حبان في «الصحابة»: مات بأرض الروم، وقال لهم: إذا أنا متّ، فَقَدِّمُونِي في بلاد العدوّ ما استطعتم، ثم ادْفِنُوني، فمات، وكان المسلمون على حِصَار القسطنطينية، فقدموه حتى دُفِنَ إلى جنب حائط. أخرج له المجماعة، وروى من الأحاديث (١٥٠) حديثًا، اتّفق الشيخان على سبعة أحاديث، وانفرد البخاريّ بحديث، ومسملم بخمسة أحاديث. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى عمرو بن عثمان، فتفرّد به البخاريّ، والمصنّف، والنسائي. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ممن اشتهر بكنيته، وله مناقب جمّة، نزل عليه النبيّ - ﷺ - قبل أن يبني المسجد، وحُجَر أزواجه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عن (مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ) التيميّ أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ) خالد بن زيد الأنصاريّ - ﵁ - (أنَّ أَعْرَابِيًّا) بفتح الهمزة واحد الأعراب، قال ابن الأثير: هم ساكنو البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار، ولا يدخلونها إلَّا لحاجة، والْعَرَبُ اسم لهذا الجيل المعروف من الناس، ولا واحد له من لفظه، وسواء أقام بالبادية، أو الْمُدُن، والنسب إليهما: أعرابيّ، وعربيّ. انتهى . وقال في «المصباح»: الْأَعْراب بالفتح: أهل البادية من العرب، الواحد: أعرابيّ بالفتح أيضًا، وهو الذي يكون صاحب نُجْعَة، وارتياد للكلإ، وزاد الأزهريّ، فقال: سواء كان من العرب، أو من مواليهم، قال: فمن نزل البادية، وجاور البادين، وظَعَنَ بظَعْنِهم، فهم أَعْرابٌ، ومن نزل بلاد الرّيف، واستوطن الْمُدُن والْقُرى العربيّةَ وغيرها، ممن ينتمي إلى العرب، فهم عَرَبٌ، وإن لم يكونوا فصحاء، ويقال: سُمُّوا عَرَبًا؛ لأن البلاد التي سكنوها تُسَمَّى الْعَرَبَات، ويقال: الْعَرَب العاربة هم الذين تكلّموا بلسان يَعْرُب بن قحطان، وهو اللسان القديم، والعرب المستعربة هم الذي تكلّموا بلسان إسماعيل بن إبراهيم - ﵇ -، وهي لغة الحجاز وما والاها. والْعُرْبُ وزانُ قُفْل لغة في الْعَرَب، ويُجمع الْعَرَب على أَعْرُب، مثلُ زَمَن وَأَزْمُنٍ، وعلى عُرُب بضمّتين، مثلُ أَسَدٍ وأُسُدٍ. انتهى . [تنبيه]: هذَا الأعرابي قد سُمِّي فيما رواه البغويّ، وابن السكن، والطبرانيّ في «الكبير»، وأبومسلم الكجي في «السنن» من طريق محمد بن جُحادة وغيره، عن المغيرة بن عبد الله اليشكريّ، أن أباه حدّثه، قال: انطلقت إلى الكوفة، فدخلت المسجد، فإذا رجل من قيس يقال له: ابن المنتفق، وهو يقول: وُصِف لي رسول الله - ﷺ -، فطلبته، فلقيته بعرفات، فزاحمت عليه، فقيل لي: إليك عنه، فقال: «دَعُوا الرجلَ أَرَبٌ ما له»، قال: فزاحمتُ عليه، حتى خلصت إليه، فاخذت بخطام راحلته، في غئرَ عليّ، قال: شيئين أسألك عنهما: «ما يُنجيني من النار، وما يُدخلني الجَنَّة»، قال: فنظر إلى السماء، ثم أقبل عليّ بوجهه الكريم، فقال، «لئن كنت أوجزت المسألة، لقد أعظمت، وطَوَّلتَ، فاعقِلْ عليّ، اعبُد اللهَ، لا تُشرك به شيئًا، وأقم الصلاة المكتوبة، وأَدّ الزكاة المفروضة، وصُمْ رمضان». وأخرجه البخاري في «التاريخ» من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن المغيرة بن عبد الله اليشكريّ، عن أبيه، قال: غَدَوتُ، فإذا رجل يُحَدِّثهم. قال: وقال جرير، عن الأعصثر، عن عمرو بن مرّة، عن المغيرة بن عبد الله، قال: سأل أعرابي النبيّ - ﷺ -، ثم ذكر الاختلاف فيه عن الأعمش، وأن بعضهم قال فيه: عن المغيرة بن سعد بن الأخرم، عن أبيه، والصواب المغيرة بن عبد الله اليشكري. وزعم الصيرفي أن اسم ابن المنتفق هذا لقيط بن صَبِرة وافد بني المنتفق، فالله أعلم. وقد يؤخذ من هذه الرواية أن السائل في حديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي بعد هذا هو السائل في حديث أبي أيوب لجنه؛ لأن سياقه شبيه بالقصة التي ذكرها أبو هريرة. والله تعالى أعلم. وقد وقع نحو هذا السؤال لصخر بن القعقاع الباهليّ - ﵁ -، ففي حديث الطبراني أيضًا من طريق قَزعَة بن سُوَيد الباهليّ، حدثني أبي، حدثني خالي، واسمه صخر بن القعقاع، قال: لقيت النبيّ - ﷺ - بين عرفة ومزدلفة، فأخذت بخطام ناقته، فقلت: يا رسول الله، ما يُقربني من الجَنَّة، ويباعدني من النار؟ … «، فذكر الحديث، وإسناده حسن. أفاده في»الفتح«. [تنبيه آخر]: وقع في رواية البخاريّ في«الزكاة»في حديث أبي أيوب - ﵁ - هذا بلفظ«أن رجلًا»بدل« أن أعرابيًّا»، فقال في«الفتح»: هذا الرجل حَكَى ابن قتيبة في«غريب الحديث»له أنه أبو أيوب الراوي، وغلّطه بعضهم في ذلك، فقال: إنما هو راوي الحديث، وفي التغليط نظر؛ إذ لا مانع أن يُبهم الراوي نفسه؛ لغرض له، ولا يقال: يبعد لوصفه في رواية أبي هريرة التي بعد هذه بكونه أعرابيًّا؛ لأنا نقول: لا مانع من تعدّد القصّة، فيكون السائل في حديث أبي أيوب هو نفسه، لقوله:«إن رجلًا»، والسائل في حديث أبي هريرة أعرابيّ آخر. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الجواب غير صحيح؛ لأن رواية مسلم هذه تبطله، فإنها بلفظ«أن أعربيًّا»، فكون المراد به أبا أيوب غير صحيح؛ لأنه لا يقول عن نفسه«أن أعرابيًّا»، فالظاهر أن السائل في حديث أبي أيوب، وحديث أبي هريرة - ﵁ - واحد، وهو أعرابيّ، كما اتّضح في التنبيه السابق، فتأمله بالإنصاف. والله تعالى أعلم. (عَرَضَ) من باب ضرب: أي ظهر، وبدا (لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَهُوَ فِي سَفَرٍ) جملة في محلّ نصب على الحال من«رسول الله»(فَأَخَذَ) أي ذلك الأعرابيّ (بِخِطَامِ نَاقَتِه، أَوْ) للشكّ من الراوي (بِزِمَامِهَا)«الخطام»، و«الزمام»- بكسر الخاء، والزاي - قال الهرويّ في«الغريبين»، قال الأزهريّ: الخِطام هو الذي يُخْطَم به البعير، وهو أن يؤخذ حبلٌ من لِيفٍ، أو شعر، أو كَتّان، فيُجعَل في أحد طرفيه حَلْقَةٌ يُسْلَك فيها الطرف الآخر، حتى يَصِير كالحلقة، ثم يُقَلَّد البعير، ثم يُثَنَّى على مِخْطَمِه، فإذا ضُفِّر من الأدَمِ فهو جَرِير، فأما الذي يُجعَل في الأنف دَقيقًا فهو الزّمَام، وقال صاحب«المطالع»: الزِّمَام للإبل ما تُشَدّ به رؤوسها من حَبْل وسَيْرٍ، ونحوه، لتقاد به. انتهى . (ثُمَّ قَالَ) الأعرابيّ (يَا رَسُولَ الله، أَوْ) للشكّ من الراوي (يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِي بِمَا يُقَرِّبُنِي) بتشديد الراء، من التقريب، أي بالعمل الذي إذا عملته يقرّبني (مِنْ الْجَنَّةِ) ويجعلني ممن يدخلها (وَمَا يُبَاعِدُنِي مِنْ النَّارِ) أي وبالعمل الذي يجعلني بعيدًا من النار (قَالَ) الراوي، وهو أبو أيوب - ﵁ - (فَكَفَّ النَّبِيُّ - ﷺ -) أي: منع ناقته من السير: ليتمكّن من سماع سؤاله، وأن لا يتعدّاه دون الإجابة عما سأله (ثُمَّ نَظَرَ) - ﷺ - (فِي) وجوه (أَصْحَابِهِ) - ﵃ -، تعجّبًا من حسن سؤاله، ووجازته، وبلاغته (ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - (لَقَدْ وُفِّقَ) بالبناء للمفعول، يقال: وفّقه الله توفيقًا: إذا سَدَّدَه ، وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قال أصحابنا المتكلمون: التوفيقُ: خلقُ قدرة الطاعة، والخذلان خلق قدرة المعصية. انتهى (أَوْ) للشكّ من الراوي أيضًا (لَقَدْ هُدِيَ) بالبناء للمفعول أيضًا، قال الراغب الأصبهاني: الهداية: دلالة بلُطْفٍ، ومنه الهديّة، وهوادي الوحوش: المتقدّمات الهادية لغيرها، وخُصّ ما كان دلالةً بهَدَيتُ، وما كان إعطاءً بأهديتُ، ثم قال: إن قيل: كيف جَعَلْتَ الهداية دلالةً بلُطْفٍ، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]، وقال: ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤]، قيل: ذلك استُعْمِلَ فيه استعمالَ اللفظ على التهكم مبالغةً في المعنى، كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، وقول الشاعر: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ قال: وهداية الله تعالى للإنسان على أربعة أضرب: [الأول]: الهداية التي عمّ بها كلَّ مكلَّف، من العقل، والفِطْنة، والمعارف الضروريّة، بل عمّ بها كلَّ شيء بقدر فيه حسب احتماله، كقوله تعالى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]. [الثاني]: الهداية التي جَعَل للناس بدعائه إياهم على السنة الأنبياء، وإنزال القرآن، ونحو ذلك، وهو المقصود بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣]. [الثالث]: التوفيق الذي يختصّ به من اهتدي، وهو المعنّي بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]. [الرابع]: الهداية في الآخرة إلى الجنّة، وهو المعنيّ بقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]. قال: وهذه الهدايات الأربع مرتّبة، فمن لم تحصل له الأولى لم تحصل له الثانية، بل لا يصحّ تكليفه، ومن لم تحصل له الثانية لم تحصل له الثالثة، والرابعة، ومن حصلت له الرابعة فقد حصل له الثلاث التي قبلها، ومن حصلت له الثالثة فقد حصل له اللتان قبلها، ثم ينعكس، فقد تحصل الأولى، ولا يحمل الثاني، ويحصل الثاني، ولا يحصل الثالث، والإنسان لا يقدر أن يهدي أحدًا إلَّا بالدعاء، وتعريف الطرق، دون سائر أنواع الهدايات. وإلى الأولى أشار بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]، وإلى سائر الهدايات أشار بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]. قال: وكلُّ هداية ذكر الله تعالى أنه منعَ الظالمين والكافرين فهي الهداية الثالثة التي هي التوفيق الذي يختصّ به المهتدون، والرابعة التي هي الثواب في الآخرة، وإدخال الجنّة ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦]. وكلُّ هداية نفاها الله عن النبيّ - ﷺ -، وعن البشر، وذَكَر أنهم غير قادرين عليها، فهي ما عدا المختصّ من الدعاء، وتعريف الطريق، وذلك كإعطاء العقل والتوفيق، وإدخال الجنّة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. وقولُهُ تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ [يونس: ٣٥]، أي: أن الله تعالى هو الذي يَهْدي خلقه إلى الحقّ، فهو أحقّ بالاتّباع ممن لا يَهدي أن يهتدي بنفسه، يقال: هدى بنفسه يَهدي مخفّفًا بمعنى اهتدى يهتدي، نحوُ شَرى يَشري بمعنى اشترى يشتري، إلَّا أن يُهدى إلى طريق يسلكها، أو عملٍ يرشده، وهذا استفهام توبيخ لهم على ما اتّخذوه من دون الله إلهًا يُعبَدُ، وإن كان من أشرف الناس وخيرهم، كالمسيح، وعُزير، والملائكة، يعني أن الله وحده هو الذي يهدي كلَّ أحد، وغيره لا يَهدي غيره إلَّا أن يهديه الله تعالى. قال: ولَمّا كانت الهداية والتعليم يقتضي شيئين: تعريفًا من الْمُعَرّف، وتعرُّقًا من الْمُعَرَّف، وبهما تتمّ الهداية والتعليم، فإنه متى حصل البذل من الهادي والمعلِّم، ولم يحصل القبول صحّ أن يقال: لم يَهْد، ولم يُعلِّم؛ اعتبارًا بعدم القبول، وصحّ أن يقال: هَدَى وعَلّمَ؛ اعتبارًا ببذله، فإذا كان كذلك صحّ أن يقال: إن الله تعالى لم يَهْد الكافرين والفاسقين من حيث إنه لم يحصل القبول الذي هو تمام الهداية والتعليم، وصحّ أن يقال: هداهم وعلَّمهم من حيث إنه حصل البذل الذي هو مبدأ الهداية، فعلى الاعتبار الأول قوله تعالى: ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٠٩]، وعلى الثاني قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]. وقيل: معنى ﴿اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢] أي لا يصلح، فاستعار الهداية للإصلاح، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١]، والمعنى لا يوفّقهم لعمل أهل الخير. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أشار به إلى من هداه الله بالتوفيق المذكور في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧]. قال بعضهم: الهداية والْهُدى في موضوع اللغة واحد، ولكن خصّ الله تعالى لفظ الْهُدَى بما تولّاه وأعطاه، واختصّ به هو دون ما هو إلى الإنسان، نحو ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]. والاهتداء يختصّ بما يتحرّاه الإنسان على طريق الاختيار، إما في الأمور الدنيويّة، أو الأخرويّة، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧]، فهذا يجوز أن يكون للهدايتين؛ لأنهم يهتدون بها في أسفارهم، وإلى الجهة التي يتعبّدون إليها لله تعالى. ويقال أيضًا: اهتدى: إذا طلب الهداية، ومنه قوله تعالى: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦]، وإذا تَحَرَّاهَا أيضًا، ومنه ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾ [البقرة: ٥٣]، أي تتحرّون هدايتكم فيهما، والاهتداء أيضًا: الاقتداء بالعلماء، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤]، تنبيهًا على أنهم لا يعلمون بأنفسهم، ولا يقتدون بمن يَعلَم، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ [الزمر: ٤١] هذا يتناول وجوه الاهتداء المتقدّمة بأسرها، من طلب الهداية، وتحريّها، والاقتداء بالعلماء. وقيل في قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه: ٨٢]، أي ثم أدام طلب الهداية، ولم يَفْتُر عن تحرّيها، ولم يرجع إلى المعصية، وفي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٧]، أي تَحَرَّوا الهداية وقَبِلوها، وعَمِلوا بها، ولم يُخِلُّوا بشرائطها. انتهى كلام الراغب مختصرًا . والحاصل أن الهداية تُطلق على البيان، والإرشاد، كما قوله - ﷿ -: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وتُطلق على التوفيق للطاعة وتيسيرها، كما في قوله - ﷿ -: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦]، وقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، وهذا المعنى هو المراد هنا، والله تعالى أعلم. (قَالَ) - ﷺ - (كَيْفَ قُلْتَ؟)، إنما سأله تعجّبًا بما سأل، وتعجيبًا للحاضرين، ويحتمل أنه لم يسمعه تمام السماع. وفي رواية البخاريّ: «قال: ما له، ما له؛ فقال رسول الله - ﷺ -:»أَرَبٌ مَا له«. قال في«الفتح»: كذا في هذه الرواية لم يُذكَر فاعل«قال: ما له ما له؟ »، وفي رواية بَهْز المعلقة هنا الموصولة في كتاب«الأدب»قال القوم: ما له ما له؟ قال ابن بطال: هو استفهام، والتكرار للتأكيد. وقوله:«أَرَبٌ»- بفتح الهمزة والراء، منونًا - أي حاجة، وهو مبتدأ، وخبره محذوف، استفهم أوّلًا، ثم رجع إلى نفسه، فقال:«له أَرَبٌ». انتهى. وهذا بناءٌ على أن فاعل«قال»النبيُّ - ﷺ -، وليس كذلك؛ لما بَيّناه، بل المستفهم الصحابة، والمجيب النبي - ﷺ -، و«ما»زائدة، كأنه قال: له حاجةٌ مَا. وقال ابن الجوزيّ: المعنى له حاجةٌ مهمة مفيدةٌ، جاءت به؛ لأن قد عَلِمَ بالسؤال أن له حاجةً. وَرُوِيَ بكسر الراء، وفتح الموحدة، بلفظ الفعل الماضي وظاهره الدعاء، والمعنى التعجب من السائل، وقال النضر بن شُمَيل: يقال: أَرِبَ الرجلُ في الأمر: إذا بلغ فيه جهده، وقال الأصمعيّ:«أَرِبَ في الشيء: صار ماهرًا فيه، فهو أريب، وكأنه تعجب من حسن فطنته، والتهدي إلى موضع حاجته، ويؤيده قوله في رواية مسلم هذه، بلفظ: فقال النبي - ﷺ -: »لقد وُفّق، أو لقد هُدِي«. وقال ابن قتيبة: قوله: «أَرِبَ» من الآراب، وهي الأعضاء، أي سقطت أعضاؤه، وأصيب بها، كما يقال: تَرِبَت يمينك، وهو مما جاء بصيغة الدعاء، ولا يراد حقيقته. وقيل لَمّا رأى الرجل يزاحمه، دعا عليه، لكن دعاؤه على المؤمن طُهْرٌ له، كما ثبت في الصحيح. ورُوِي بفتح أوله، وكسر الراء، والتنوين: أي هو أَرِبٌ، أي حاذقٌ، فَطِنٌ، قال الحافظ: ولم أقف على صحة هذه الرواية، وجزم الكرماني بأنها ليست محفوظة، وحكى القاضي عن رواية لأبي ذَرّ: «أَرَبَ» بفتح الجميع، وقال: لا وجه له، قال الحافظ: وقعت في «الأدب» من طريق الكشميهني وحده. انتهى . (قَالَ) الراوي (فَأَعَادَ) الأعرابي سؤاله (فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «تَعْبُدُ اللهَ) أي توحّده، وهو بتقدير حرف مصدريّ، كما في قوله ﷿: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤]، وقولِ الشاعر [من الطويل]: أَلَا أَيُّهَا الزَّاجِرِي أَحْضُرُ الْوَغَى … وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي أو الفعل منزّل منزِلَة المصدر، كقوله:«تسمع بالمعيديّ خيرٌ من أن تَرَاه»، أو الخبر بمعنى الأمر، أي: اعبد الله. والعبادة يحتمل أن تكون بمعنى التوحيد، فيكون قوله:«لا تشرك به شيئًا»تفسيرًا وتأكيدًا له، ويحتمل أن تكون بمعنى الطاعة مطلقًا، فتكون الجملة بعدها لبيان الإخلاص، وترك الرياء، وعلى هذا فعطف قوله:«وتقيم الصلاة … إلخ»تخصيصٌ بعد التعميم. وقال العينيّ رحمه الله تعالى: قوله:«تعبد الله»أي توحّده، وفسّره بقوله:«لا تشرك به شيئًا»، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، أي ليوحّدوني. والتحقيق هنا أن العبادة: الطاعة مع الخضوع، فيحتمل أن يكون المراد بالعبادة هنا معرفة الله تعالى، والإقرار بوحدانيّته، فعلى هذا يكون عطف الصلاة وما بعدها لإدخالها في الإسلام، وإنما لم تكن دخلت في العبادة، ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة مطلق الطاعة، فيدخل جميع وظائف الإسلام فيها، فعلى هذا يكون عطف الصلاة وما بعدها من باب عطف الخاصّ على العام؛ تنبيهًا على شرف هذه الأشياء، ومزيّتها. وقوله: (لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل «تعبُد»، وإنما أتى به بعد ذكر العبادة؛ لأن عبادة الكفّار كانت مع عبادة الأوثان والأصنام، يزعمون أنها شركاء، فنفى ذلك. (وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ) أي تديم فعلها، وتحافظ عليها على الوجه المطلوب، قال الراغب الأصبهانيّ رحمه الله تعالى: إقامة الشيء: إدامة فعله، والمحافظة عليه، وتوفيةُ حقّه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨]، أي: توفّون حقوقهما بالعلم والعمل، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ الآية [المائدة: ٦٦]، ولم يأمر الله تعالى بالصلاة حيثما أمر، ولا مَدَح حيثما مَدَح إلا بلفظ الإقامة؛ تنبيهًا أن المقصود منها توفية شرائطها، لا الإتيان بهيئتها، نحو قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] في غير موضع، ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]. انتهى كلام الراغب . والمراد بالصلاة المكتوبةُ؛ لما في حديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي: «وتقيم الصلاة المكتوبة». (وَتُوْتِي الزَّكَاةَ) أي تُعطي الزكاة مستحقّها، فالمفعول الثاني محذوف، والمراد بالزكاة المفروضةُ؛ لما في حديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي: «وتؤدّي الزكاة المفروضة». (وَتَصِلُ الرَّحِمَ) من وَصَلَ يَصِلُ صِلَةً، من باب وَعَدَ، ومعنى صِلَة الرحم: مشاركة ذوي القربي في الخيرات. قاله في «العمدة» . وقال في «الفتح»: قوله: «تَصِل الرحم»: أي تُوَاسِي ذوي القرابة في الخيرات، وقال النووي: معناه أن تحسن إلى أقاربك، ذَوِي رَحِمِك بما تيسر على حسب حالك وحالهم، من إنفاقٍ، أو سَلام، أو زيارة، أو طاعة، أو غير ذلك، وخص هذه الخصلة من بين خلال الخير؛ نظرًا إلى حال السائل، كأنه كان لا يصِلُ رحمه، فأمره به: لأنه المهم بالنسبة إليه، ويؤخذ منه تخصيص بعض الأعمال بالحضّ عليها، بحسب حال المخاطب، وافتقاره للتنبيه عليها أكثر مما سواها، إما لمشقتها عليه، وإما لتساهله في أمرها . (دَعِ النَّاقَةَ) أي: اتركها، وإنما قال له ذلك لأنه كان ممسكًا بخطامها؛ ليتمكّن من سؤاله بلا مشقّة، فلما حصل له جواب سؤاله قال له: دعها. و«دَع» بفتح، فسكون أمر من وَدَعَه وَدْعًا: إذا تركه، وأصل المضارع الكسر، ومن ثَمّ حُذفت الواو، ثم فُتح لمكان حرف الحلق، قيل: إن العرب أماتت ماضي يَدَعُ، ومصدره، واسم الفاعل، والصحيح أن ماضيه مستعمل ، فقد قرأ بعض التابعين «مَا وَدَعَكَ رَبُّكَ» بتخفيف الدال، وصحّ قوله - ﷺ -: «لينتهيَنّ أقوام عن وَدْعهم الجمعات، أو ليختمنّ الله على قلوبهم، ثم ليكونُنّ من الغافلين»، رواه مسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي أيوب - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه. أخرجه المصنّف هنا (٤/ ١١٢) عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان - و(٤/ ١١٣٤) عن محمد بن حاتم، وعبد الرحمن بن بشر، كلاهما عن بهز، عن شعبة، عن محمد (والصواب عمرو) ابن عثمان بن عبد الله بن موهب، وأبيه عثمان - و(٤/ ١١٤) عن يحيى بن يحيى، عن أبي الأحوص (ح) وعن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق - ثلاثتهم (عمرو بن عثمان، وأبوه، وأبو إسحاق) عن موسى بن طلحة، عن أبي أيوب - ﵁ -. وأخرجه (البخاريّ) (٢/ ١٣٠) عن حفص بن عمر - و(٨/ ٥) عن أبي الوليد - كلاهما عن شعبة، عن ابن عثمان بن عبد الله بن موهب به، و(٨/ ٦) عن عبد الرحمن بن بشر، عن بهز بن أسد، عن شعبة به. وأخرجه (أحمد) في «مسنده» (٥/ ٤١٧) عن يحيى - و(٥/ ٤١٨) عن عبد الرحمن - كلاهما عن بهز بن أسد به، و(النسائيّ) (١/ ٢٣٤) وفي «الكبرى» (٣٢٠) عن محمد بن عثمان بن أبي صفوان الثقفيّ، عن بهز به و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٩٢ و٩٣ و٩٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣)، والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة): في فوائده. ١ - (منها): بيان الإيمان الذي من تمسّك به دخل الجنة. ٢ - (ومنها): بيان قدر التوحيد، وأنه أساس الأعمال كلّها. ٣ - (ومنها): بيان فرضيّة الصلاة والزكاة، وبيان فضلهما. بيان فضل صلة الرحم وأنها من جملة أسباب دخول الجنّة، وقطعها من الكبائر المانعة عن دخوله، فقد روى الشيخان من حديث جبير بن مطعم - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يدخل الجنة قاطع»، يعني قاطع رحم. ٤ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من شدّة الحرص والرغبة إلى الجنة، والبحث عما يكون سببًا في دخولها، وهذا هو اللائق بالعاقل، فلا ينبغي له أن يَشغل نفسه بغير ذلك من الزخارف الفانية، فدخول الجنة هو الفوز العظيم، كما قال الله ﷿: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. ٥ - (ومنها): بيان كمال خلق النبيّ - ﷺ -، فقد وقف لهذا الأعرابي، واستمع قوله، وأثنى على سؤاله، فهو المجبول على الخلق العظيم، كما وصفه الله تعالى بذلك بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، وهو الحريص على تعليم أمته، كما قال ﷿: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٦ - (ومنها): أنه ينبغي للعالم أن يشجّع الطالب الذي له تميّز في الذكاء، وحسن السؤال، فيظهر ذلك له على رؤوس الطلاب، ويقول: إن فلانًا نعم الطالب، حسن السؤال، حسن الإستماع، ليزداد بذلك نشاطه، وتتكامل رغبته في العلم، وليعلم زملاؤه فضله، ويقتدوا به؛ فإن النبيّ - ﷺ - لَمّا استحسن سؤال الأعرابيّ نظر في وجه أصحابه، تعجيبًا لهم، ولَمّا قالوا: «ما له ما له؟»، كما في رواية البخاريّ؛ استغرابًا لسؤاله، أجابهم - ﷺ - بقوله: «أربٌ ما له»، فبّين أن له حاجةً ظريفة، ورغبة منيفة. ٧ - (ومنها): جواز الإفتاء على الدابّة، وقد عقد الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في «كتاب العلم» من «صحيحه»، فقال: «باب الْفُتيا، وهو واقفٌ على الدابّة وغيرها»، ثم أورد حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ -: «أن رسول الله - ﷺ - وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه …» الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال: [١١٣] (…) - (وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَب، وَأَبُوهُ عُثْمَانُ أَنَّهُمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون البغداديّ السَّمِين، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ، وكان فاضلًا [١٠] (ت ٢٣٥) أو (٢٣٦) (م د) ١/ ١٠٣). ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ) بن الحكم العبديّ، أبو محمد النيسابوريّ، ثقة، من صغار [١٠] (ت ٢٦٠) (خ م د ق) ٦/ ٩٨. ٣ - (بَهْز) بن أسد المذكور في الباب الماضي. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام الحجة الناقد المشهور [٧] (١٦٠) (ع) تقدم في «شرح المقدّمة» ١/ ٣٨٥. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ) هو: عمرو بن عثمان المذكور في السند الماضي وَهِمَ فيه شعبة، فسمّاه محَمدًا، فقد وَهَّمَهُ الأئمة في ذلك، ودونك أقوالهم: قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا هو في جميع الأصول في الطريق الأول «عمرو بن عثمان»، وفي الثاني «محمد بن عثمان»، واتّفقوا على أن الثاني وَهَمٌ وغَلطٌ من شعبة، وأن صوابه «عمرو بن عثمان»، كما في الطريق الأول، قال الكلاباذيّ، وجماعات لا يُحْصون، من أهل هذا الشان: هذا وَهَمٌ من شعبة، فإنه كان يُسَمّيه محمدًا، وإنما هو «عمرو»، وكذا وقع على الوهم من رواية شعبة في «كتاب الزكاة» من «صحيح البخاريّ». انتهى . وقال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في «كتاب الزكاة» بعد إيراده طريق شبعة: ما نصّه: قال أبو عبد الله: أخشى أن يكون محمد غير محفوظ، إنما هو عمرو. انتهى. فقال في «الفتح»: قوله: «أبو عبد الله» هو المصنف، وقوله: «أخشى أن يكون محمد غير محفوظ، إنما هو عمرو»، وجزم في «التاريخ» بذلك، وكذا قال مسلم في شيوخ شعبة، والدارقطني في «العلل»، وآخرون: المحفوظ «عمرو بن عثمان»، وقال النووي: اتفقوا على أنه وَهَمٌ من شعبة، وأن الصواب عمرو. انتهى . وقال في «التقريب»: محمد بن عثمان بن عبد الله بن مَوْهب التيميّ مولاهم، ثقة من السادسة، ويقال: الصواب: عمرو، وقيل: هو أخوه. انتهى. وقال في «تهذيب التهذيب»: هو مولى آل طلحة، روى عن موسى بن طلحة، عن أبي أيوب أن رجلًا … ثم ذكر هذ الحديث، رواه شعبة عنه، وعن أبيه عثمان جميعًا عن موسى، قال البخاريّ: أخشى أن يكون محمد غير محفوظ، وإنما هو عمرو بن عثمان، وهكذا رواه القطّان، وابن نمير، وغير واحد عن عمرو بن عثمان، عن موسى، وذكر أبو يحيى أنّ محمدًا هذا أخٌ لعمرو، فالله أعلم. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا اتفق معظمهم على توهيم شعبة في هذا الاسم، وهو غريب، فإن شعبة إمام مجمع على جلالته، وإتقانه، فلماذا لا يكون محمد أخًا لعمرو؟ كما هو ظاهر عبارة «التقريب»، ونقل في «التهذيب» القول بأنه أخوه، فالمحلّ محلّ توقّف، والله تعالى أعلم بالصواب. ٦ - (وَأَبُوهُ عُثْمَانُ) بن عبد الله بن مَوْهَب - بفتح الميم والهاء، وإسكان الواو بينهما - التيميّ مولاهم، أبو عبد الله، ويقال: أبو عمرو المدنّي الأعرج، مولى آل طلحة، وقد يُنسب إلى جدّه، ثقة [٤]. رَوَى عن ابن عمر، وأبي هريرة، وأم سلمة، وجابر بن سَمُرة، وجعفر بن أبي ثور، وعبد الله بن أبي قتادة، وموسى بن طلحة، والشعبيّ، وحمران بن أبان. ورَوَى عنه ابنه عمرو، وشعبة، وشيبان، وقيس بن الربيع، وإسرائيل، والثوري، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو داود، والنسائيّ، ويعقوب بن شيبة: ثقة. وقال العجليّ: تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: مات سنة (١٦٠)، وفيها أَرّخه ابن سعد، وخليفة بن خَيّاط، وابن قانع. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (١٣) و(٣٦٠) و(١١٩٦). والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: «بمثل هذا الحديث»، أي: حدّث محمد بن حاتم، وعبد الرحمن بن بشر من طريق شعبة بمثل حديث محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه. [تنبيه]: رواية شعبة أخرجها البخاريّ في «كتاب الأدب» من «صحيحه»، فقال: (٥٥٢٤) حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، قال: أخبرني ابن عثمان، قال: سمعت موسى بن طلحة، عن أبي أيوب، قال: قيل: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة. وحدثني عبد الرحمن بن بشر، حدثنا بَهْز بن أسد، حدثنا شعبة، وحدثنا ابن عثمان بن عبد الله بن مَوْهَب، وأبوه عثمان بن عبد الله، أنهما سمعا موسى بن طلحة، عن أبي أيوب الأنصاريّ - ﵁ - أن رجلًا قال: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال القوم: ما له ما له؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «أَرَبٌ مَا له»، فقال النبي - ﷺ -: «تعبدُ الله، لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرَّحِمَ، ذَرْهَا»، قال: كأنه كان على راحلته. وأخرجه النسائيّ، ولفظه: (٤٦٤) أخبرنا محمد بن عثمان بن أبي صَفْوَان الثَّقَفيّ، قال: حدثنا بَهْزُ بن أسد قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا محمد بن عثمان بن عبد الله، وأبوه عثمان بن عبد الله، أنهما سمعا موسى بن طلحة، يحدث عن أبي أيوب: أن رجلًا قال: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال رسول الله - ﷺ -: «تعبدُ الله، ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرَّحِمَ، ذَرْهَا، كأنه كان على راحلته». والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال: [١١٤] (…) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ. (ح) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَص، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَل أَعْمَلُهُ، يُدْنِينِي مِنْ الْجَنَّة، وَيُبَاعِدُنِي مِنْ النَّار، قَالَ: تَعْبُدُ اللهَ، لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ ذَا رَحِمِكَ»، فَلَمَّا أَدْبَرَ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:«إِنْ تَمَسَّكَ بِمَا أُمِرَ بِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ»، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ:«إِنْ تَمَسَّكَ بِهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقة ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدّم ٢/ ٩. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: محمد بن عبد الله بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسيّ الكوفيّ، ثقة حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدّم ١/ ١. ٣ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) هو: سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ الحافظ، ثقةٌ متقنٌ، صاحب حديث [٧]. رَوَى عن أبي إسحاق السَّبيعيّ، وعاصم بن سليمان، وسماك بن حرب، وشَبِيب بن غَرْقَدة، وزياد بن عِلاقة، وآدم بن علي، والأسود بن قيس، وبيان بن بشر، وغيرهم. وروى عنه يحيى بن آدم، ووكيع، وابن مهديّ، وأبو نعيم، ويحيى بن يحيى، وسعيد بن منصور، وقتيبة بن سعيد، والحسن بن الربيع الْبُورانيّ، وإسماعيل بن أبان الورَّاق، وغيرهم. قال ابن مهديّ: أبو الأحوص أثبت من شريك. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة متقن. وقال عثمان بن سعيد الدارميّ: قلت ليحيى: أبو الأحوص أحب إليك، أو أبو بكر بن عياش؟ قال: ما أقربهما، وكذا قال أبو حاتم. وقال العجليّ: كان ثقةً، صاحب سنة واتّبَاع. وقال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقة. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم، عن أبيه: صدوق، دون زائدة وزهير في الإتقان. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، صالحًا فيه. وذكره ابن حبان في «الثقات». ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير. وقال البخاريّ: حدثني عبد الله بن أبي الأسود، قال: مات سنة تسع وسبعين - يعني ومائة -. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٢) حديثًا. ٤ - (أَبُو إِسْحَاقَ) هو: عمرو بن عبد الله بن عُبيد السَّبِيعيّ الكوفيّ، ثقة مكثرٌ عابدٌ اختلط بأخَرَة [٣] (ت ١٢٩) (ع) ٢/ ١١. والباقون تقدّموا قبل حديث، وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلّقة به، قد تقدّمت هناك. وقوله: (ذا رَحمك) يعني صَاحِبَ قرابتك، وعلى هذا، فتكون القرابة اسم جنس مضافًا إليه «ذو»، فإن حكمها أن تضاف إلى أسماء الأجناس، قال القرطبيّ: وهذا أولى من قول من قال: إن الرحم هنا اسم عين، وإنما هنا بمنزلة قولهم: «ذو نَوَاس»، و«ذو يَزَن»، و«ذو رُعين»؛ لأن هذه أسماء أعلام، لا أسماء أجناس، و«ذو» بمعنى «صاحب»، وهي من الأسماء الستّة التي اعتلَّت بحذف لامها في الإفراد، ترفع بالواو، وتنصب وتُجرّ بالياء. انتهى . وقال المازريّ: قوله: «ذا رحمِك» ينبغي أن يُتأمّل هذا مع قول النحاة: إن لفظة «ذا» إنما تُضاف إلى الأجناس، فلعلّ الإضافة ها هنا مقدّر انفصالها، والإضافة بمعنى تقدير الإنفصال موجودة. انتهى. وقال القاضي عياض: «ذا»، و«ذي»، و«ذو» عند أهل العربيّة إنما تُضاف إلى الأجناس، ولا تضاف عندهم لغيرها من الصفات، والمضمرات، والأفعال، والأسماء المفردات؛ لأنها في نفسها لا تنفكّ عن إضافة، وقد جاءت مفردةً ومضافةً إلى مفرد، وإلى فعل، ومجموعةً ومثنّاةً، وكلّه عندهم شاذٌ، كقولهم: ذو يَزَن، وذو نُوَاس، وقالوا فيهم الذَّوَين، والأَذْوَاء، وقالوا: افعَلْ بذي تَسْلَم. وتقدير هذا عندهم على الإنفصال، كما قال: أي الذي له كذا، أو الذي تسلم، كذلك قوله: «ذا رَحِمِكَ»، أي الذي له رَحِمٌ معك يشاركك فيها، ونحوه، ومعنى «ذو» صاحب، قيل: وأصله ذُوُو؛ لأنهم قالوا في تثنيته ذوا مال. انتهى كلام القاضي . قال الجامح عفا الله تعالى عنه: عندي أنه لا حاجة إلى ما تكلّف به المازريّ وعياض في قوله: «ذا رَحِمِك»؛ لأن المراد بالرحم القرابة، وهي اسم جنس، فيصحّ إضافة «ذي» إليها بدون تأويل، كما سبق في كلام القرطبيّ، وليس هو من جنس «ذي يَزَنَ»، و«ذي نُوَاس»، و«ذي تسلم»، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب. وقوله - ﷺ -: «إن تَمَسّك بما أُمر به دخل الجنة»، قال النوويّ: كذا هو في معظم الأصول المحققة، وكذا ضبطناه «أمِرَ» - بضم الهمزة، وكسر الميم - و«بِهِ» - بباء موحدة مكسورة - مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، وضبطه الحافظ أبو عامر العبدريّ: «أَمَرتُهُ» - بفتح الهمزة، وبالتاء المثنّاة من فوقُ التي هي ضمير المتكلم، وكلاهما صحيح، والله أعلم. وأما ذكره - ﷺ - صِلَةَ الرحم في هذا الحديث، وذِكْرُ الأوعيةِ في حديث وفد عبد القيس، وغيرِ ذلك في غيرهما، فقال القاضي عياض وغيره ﵏: ذلك بحسب ما يَخُصُّ السائل، ويَعْنِيهِ . والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: ترجم القرطبيّ رحمه الله تعالى، بقوله: «باب من اقتصر على فعل ما وجب عليه، وانتهى عمّا حُرّم عليه دخل الجنّة»، ثم أورد حديث أبي أيوب - ﵁ - هذا، وحديث جابر - ﵁ - الآتي: أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - فقال: أرأيتَ إذا صليتُ الصلوات المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئًا أأدخل الجنة؟ قال: «نعم»، قال: والله لا أزيد على ذلك شيئًا. ثم قال: هذه الترجمة يشهد بصحّتها الحديثان المذكوران تحتها، فأما حديث أبي أيوب فمن حيث إن النبيّ - ﷺ - دلّ السائل على فعل ما وجب، وقال: «إن تمسّك بما أُمر به دخل الجنّة»، وأما حديث جابر - ﵁ - فمن حيث إن السائل إنما سأله عن دخول مَن فَعَلَ ما يجب عليه، وانتهى عما حُرِّم عليه الجنّة، فأجابه بـ «نعم»، ولم يذكر لهما في هذين الحديثين شيئًا من فعل التطوّعات، فدلّ على صحّة ما ذكرناه، وعلى جواز ترك التطوّعات على الجملة. لكن من تركها، ولم يَعمل شيئًا منها، فقد فوّت على نفسه ربحًا عظيمًا، وثوابًا جسيمًا، ومن داوم على ترك شيء من السنن، كان ذلك نقصًا في دينه، وقدحًا في عدالته، فإن كان تركه تهاونًا به، ورغبةً عنها، كان ذلك فسقًا، يستحقّ به ذمًّا. وقال علماؤنا: لو أن أهل بلدة تواصلوا على ترك سنّة لقوتلوا عليها حتى يرجعوا. ولقد كان صدر الصحابة ومن بعدهم يثابرون على فعل السنن والفضائل مثابرتهم على الفرائض، ولم يكونوا يفرّقون بينهما في اغتنام ثوابهما، وإنما احتاج أئمة الفقهاء إلى ذكر الفرق بينهما لما يترتّب عليه من وجوب الإعادة وتركها، وخوف العقاب على الترك، ونفيه إن حصل تركٌ ما بوجه ما. وإنما سكت النبيّ - ﷺ - لهؤلاء السائلين عن ذكر التطوّعات، ولم يذكرها لهم كما ذكرها في حديث طلحة بن عُبيد الله - ﵁ -؛ لأن هؤلاء - والله أعلم - كانوا حديثي عهد بإسلام، فاكتفى منهم بفعل ما وَجَبَ عليهم في تلك الحال؛ لئلا يثقل ذلك عليهم، أو لئلا يعتقدوا أن تلك السنن والتطوّعات واجبة، فتركهم إلى أن تنشرح صدورهم بالفهم عنه، والحرص على تحصيل ثواب تلك المندوبات، فتسهل عليهم. ومن المعلوم أنّ هؤلاء ما سُوِّغ لهم ترك الوتر، ولا صلاة العيدين، ولا
مصادر المؤلف (١٧)

١. «النهاية» ٣/ ٢٠٢.

٢. «المصباح المنير» ٢/ ٤٠٠.

٣. «الفتح»٣/ ٣١٠ - ٣١١.

٤. «الفتح» ٣/ ٣١٠.

٥. «شرح النوويّ» ١/ ١٧٢.

٦. «المصباح» ٢/ ٦٦٧.

٧. «مفردات الألفاظ» ص ٨٣٥ - ٨٣٩.

٨. «الفتح» ٣/ ٣١١.

٩. «مفردات القرآن» ص ٦٩٢ - ٦٩٣.

١٠. «عمدة القاري» ٨/ ٢٤٠.

١١. «الفتح» ٣/ ٣١١.

١٢. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٦٥٣.

١٣. «شرح مسلم» للنوويّ ١/ ١٧٢.

١٤. «الفتح» ٣/ ٣١١ - ٣١٢.

١٥. «المفهم» بتصرّف ١/ ١٦٧.

١٦. «إكمال المعلم» ١/ ١٤٢ - ١٤٣.

١٧. «شرح مسلم» للنوويّ ١/ ١٧٤.