HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٣٧

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ (واللفظ لابن المثنى) قالا: حدثنا محمد بن جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ؛ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا السَّوَّارِ يُحَدِّثُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ» فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ في الحكمة: أن منه وقار وَمِنْهُ سَكِينَةً. فَقَالَ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صُحُفِكَ.٦١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ إِسْحَاق؛ (وَهُوَ ابْنُ سُوَيْدٍ) أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ حَدَّثَ؛ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي رَهْطٍ مِنَّا. وَفِينَا بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ. فَحَدَّثَنَا عِمْرَانُ يَوْمَئِذٍ قال: قال رسول اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ» قَالَ أنه قَالَ: «الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ» فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّا لَنَجِدُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَوِ الخدمة أن منه سكينة ووقارا للهز وَمِنْهُ ضَعْفٌ. قَالَ فَغَضِبَ عِمْرَانُ حَتَّى احْمَرَّتَا عَيْنَاهُ. وَقَالَ أَلَا أُرَانِي أُحَدِّثُكَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتُعَارِضُ فِيهِ؟ قَالَ فَأَعَادَ عِمْرَانُ الْحَدِيثَ. قَالَ فَأَعَادَ بُشَيْرٌ. فغضب عمران. قال، فمازلنا نَقُولُ فِيهِ: إِنَّهُ مِنَّا يَا أَبَا نُجَيْدٍ! إنه لا بأس به.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص46
ج ١ ص ٦٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢ ص٥١
وقوله: «بهذا الإسناد» أي بإسناد الزهري عن سالم، عن أبيه. وقوله: «وقال» الضمير لشيخه «عبد بن حميد». [تنبيه]: رواية عبد بن حميد هذه أخرجها في «مسنده»، فقال: أخبرنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - مَرَّ برجل من الأنصار، وهو يَعِظُ أخاه في الحياء، فقال رسول الله - ﷺ -: «دَعْهُ فإنّ الحياء من الإيمان» . وأخرجها أيضًا أبو نعيم في «المستخرج» فقال: حدثناه أبو أحمد الغطريفيّ، ثنا عبد الله بن شيرويه، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله - ﷺ - مرّ برجل من الأنصار، وهو يَعِظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله - ﷺ -: «دَعْهُ فإن الحياء من الإيمان» . وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٤] (٣٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا السَّوَّار، يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، يُحَدِّثُ عَن النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ»، فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ: أَنَّ مِنْهُ وَقَارًا، وَمِنْهُ سَكِينَةً، فَقَالَ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صُحُفِكَ؟). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العنزيّ البصريّ الحافظ تقدّم قريبًا. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُنْدار، أبو بكر البصريّ الحافظ تقدّم قريبًا أيضًا. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر أبو عبد الله البصريّ تقدّم قريبًا أيضًا. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور، تقدّم قريبًا. ٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السدوسيّ البصريّ تقدّم قريبًا أيضًا. ٦ - (أَبُو السَّوَّارِ) الْعَدَويّ البصريّ، قيل: اسمه حَسّان بن حُرَيث، وقيل: حُرَيث بن حسان، وقيل: حُرَيف - آخره فاء - وقيل: مُنْقِذ، وقيل: هو حُجَير بن الرَّبيع الْعَدَويُّ، ثقة [٣]. رَوَى عن علي بن أبي طالب، والحسن بن عليّ، وعِمران بن حُصَين، وجندب بن عبد الله. ورَوى عنه قتادة، وأبو التَّيّاح، والحضرميّ بن لاحِق، وقُرّة بن خالد، والأعمش، والْجُرَيريّ، وأبو نَعَامة العدويّ، وابن عون، وأشعث الْحُدّانيّ، وأبو خَلْدة خالد بن دينار. قال ابن سعد: أبو السَّوّار العدويّ، من بني عَدِيّ بن عبد مناة، وكان ثقةً، وقال الآجريّ، عن أبي داود: من ثقات الناس، وقال النسائي في «الكنى»: أبو السّوّار حَسّان بن حريث العدويّ ثقة. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ ، وله عند الشيخين هذا الحديث فقط. ٧ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ) بن عُبيد بن خَلَف الْخُزَاعيّ، أبو نُجَيد أسلم عام خيبر، وصَحِب، وكان فاضلًا، وقضى بالكوفة، وأبوه صحابيّ - ﵄ -، ومات - ﵁ - سنة (٥٢) بالبصرة (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٧٩، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى أبي السوّار، فتفرّد به الشيخان، والنسائيّ على ما قيل. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين؛ كالإسناد التالي، قال النوويّ رحمه الله تعالى: وهذا من النفائس، اجتماع الإسنادين في الكتاب متلاصقين، جميعهم بصريّون، وشعبة، وإن كان واسطيًّا فهو بصريّ أيضًا، فكان واسطيًّا بصريًّا، فإنه انتقل من واسط إلى البصرة، واستوطنها. ٤ - (ومنها): أن شيخيه كانا فَرَسي رِهَان في الحفظ، وماتا في سنة واحدة سنة (٢٥٢)، وهما من المشايخ الذين يروي عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وهم تسعة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: قتادة، عن أبي السوّار. ٦ - (ومنها): أن أبا السوّار هذا أول محلّ ذكره في الكتاب، وهو من المقلّين من الرواية، فليس له عند الشيخين إلا هذا الحديث، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ قَتَادَةَ) قال في «الفتح»: كذا قال أكثر أصحاب شعبة، وخالفهم شَبَابة بن سَوّار، فقال: «عن شعبة، عن خالد بن رَبَاح»، بدل قتادة، أخرجه ابن منده، ووقع نظير هذه القصّة، عن عمران بن حُصين أيضًا للعلاء بن زياد، أخرجه ابن المبارك في «كتاب البرّ والصلة». انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية شبابة بن سَوّار التي عزاها في «الفتح» إلى ابن منده لم أهتد إليها في «كتاب الإيمان» له، فإنه أخرج الحديث (١/ ٣٣٦ - ٣٣٤) من عدّة طرق، ومن جملتها طريق شبابة بن سَوّار، ولكنها كلها عن شعبة، عن قتادة، فليُحرّر، والله تعالى أعلم. (قَالَ) قتادة (سَمِعْتُ أَبَا السَّوَّارِ) بفتح السين المهملة، وتشديد الواو، وبعد الألف راء (يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ) - ﵄ - (يُحَدِّثُ عَن النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ») وفي الرواية التالية: «الحياء خيرٌ كله»، وللطبراني من حديث قُرّة بن إياس: قيل لرسول الله - ﷺ -: الحياء من الدين؟ فقال: «بل هو الدين كُلُّه»، وللطبراني من وجه آخر عن عمران بن حصين: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة». [تنبيه]: قال في «الفتح»: وقع لابن دقيق العيد في «شرح العمدة»: أن أصل الحياء الامتناع، ثم استعمل في الانقباض، قال: والحقّ أن الامتناع من لوازم الحياء، ولازم الشيء لا يكون أصله، ولَمّا كان الامتناع لازم الحياء، كان في التحريض على ملازمة الحياء حَضٌّ على الامتناع عن فعل ما يعاب، قال: والحيا - بالقصر -: المطر. انتهى . (فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ) بالموحّدة، والمعجمة، مصغّرًا، تابعيّ جليلٌ، تقدّمت ترجمته في «المقدّمة» ٤/ ١٩. [فائدة]: ليس في الكتب الستة من يُسمّى بُشيرًا مصغّرًا إلا ابن كعب هذا، وابن يسار الأنصاريّ الحارثيّ المدنيّ الفقيه، وقلت في هذا: ابْنَ يَسَارٍ وَابْنَ كَعْبٍ قُلْ بُشَيْرْ … مُصَغِّرَا سِوَاهُ كَبِّرْ دُونَ ضَيْرْ والله تعالى أعلم. (إِنَّهُ) الضمير للشأن، أي إن الشأن والأمر (مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ) قال الراغب الأصبهانيّ رحمه الله تعالى: الحكمة إصابة الحقّ بالعلم والعقل، فالحكمة من الله تعالى معرفة الأشياء، وإيجادها على غاية الإحكام، ومن الإنسان معرفة الموجودات، وفعل الخيرات، وهذا هو الذي وُصف به لقمان في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]، ونَبّه على جملتها بما وصفه بها، فإذا قيل في الله تعالى: هو حكيم، فمعناه بخلاف معناه إذا وُصف غيره، ومن هذا الوجه قال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين: ٨]، وإذا وُصف به القرآن فلتضمّنه الحكمة، نحو: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [يونس: ١]، وعلى ذلك قال: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ [القمر: ٤ - ٥]، وقيل: معنى الحكيم: الْمُحْكَم، نحو ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]، وكلاهما صحيح، فإنه مُحْكَمٌ، ومُفيدٌ للحكم، ففيه المعنيان جميعًا، والْحُكْمُ أعمّ من الحكمة، فكلُّ حكمة حُكْمٌ، وليس كلّ حُكْم حِكْمةً، فإن الْحُكْم أن يُقضى بشيء على شيء، فيقول: هو كذا، أو ليس كذا، قال - ﷺ -: «إن من الشعر لحكمةً»، رواه البخاريّ: أي قضيّةً صادقةً، وذلك نحو قول لبيد: إِنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيْرُ نَفَلْ … وَبِإِذْنِ اللهِ رَيْثِي وَعَجَلْ انتهى كلام الراغب . (أَنَّ مِنْهُ) أي بعض الحياء (وَقَارًا، وَمِنْهُ سَكِينَةً) ولفظ البخاريّ: «إن من الحياء وقارًا، وإن من الحياء سكينةً»، وفي رواية الكشميهنيّ: «السكينة» بزيادة ألف ولام، وفي رواية أبي قتادة الْعَدَويّ الآتية: «أنّ منه سكينةً، ووقارًا لله، ومنه ضعف»، وهذه الزيادة متعينة، ومن أجلها غَضِبَ عمران - ﵁ -، وإلا فليس في ذكر السكينة والوقار ما ينافي كونه خيرًا، أشار إلى ذلك ابن بطال، لكن يَحتَمِل أن يكون غَضِبَ من قوله: «منه»؛ لأن التبعيض يُفْهَمُ أن منه ما يُضَادّ ذلك، وهو قد رَوَى: «أنه كُلَّهُ خيرٌ». وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: معنى كلام بُشَيْر: أن من الحياء ما يَحْمِل صاحبه على الوقار، بأن يُوَقِّر غيره، ويتوقّر هو في نفسه، ومنه ما يَحْمِله على أن يَسْكُن عن كثير مما يتحرك الناس فيه، من الأمور التي لا تليق بذي المروءة، ولم يُنْكِر عمران - ﵁ - عليه هذا القدر، من حيث معناه، وإنما أنكره عليه من حيث إنه ساقه في مَعْرِض من يُعَارض كلام الرسول - ﷺ - بكلام غيره، وقيل: إنما أنكر عليه؛ لكونه خاف أن يَخْلِط السنة بغيرها . قال الحافظ رحمه الله تعالى: ولا يخفى حسن التوجيه السابق. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما وجّه به القرطبيّ رحمه الله تعالى هو الأقرب مما استحسنه الحافظ، فتأمله، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ عِمْرَانُ) - ﵁ - (أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صُحُفِكَ؟)، وفي رواية أبي قتادة الآتية: «فغَضِب عمران حتى احمرّت عيناه، وقال: ألا أراني أُحَدِّثك عن رسول الله - ﷺ -، وتعارض فيه»، وفي رواية أحمد: «وتعرض فيه بحديث الكتب»، وقد تقدّم في «مقدمة الصحيح» لبُشَير بن كعب هذا قصةٌ مع ابن عباس - ﵄ - تُشْعِرُ بأنه كان يتساهل في الأخذ عن كل مَنْ لقيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمران بن حُصين - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في «الإيمان» [١٤/ ١٦٤] (٣٧) عن محمد بن المثنّى، ومحمد بن بشّار، كلاهما عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي السّوّار، عنه - ﵁ -، و[١٤/ ١٦٥] عن يحيى بن حبيب الحارثيّ، عن حمّاد بن زيد، عن إسحاق بن سُويد، عن أبي قتادة العدويّ، عنه - ﵁ -، و[١٤/ ١٦٦] عن إسحاق بن إبراهيم، عن النضر بن شُميل، عن أبي نَعَامة السعديّ، عن حُجَير بن الربيع العدويّ، عنه - ﵁ - نحو حديث حماد بن زيد. و(البخاريّ) في «كتاب الأدب» ٨/ ٣٥ (٦١١٧) عن آدم بن أبي إياس، عن شعبة به، وفي «الأدب المفرد» (١٣١٢). و(أبو داود) في «الأدب» (٤٧٩٦) عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد به. و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٤٢٦ و٤٢٧ و٤٣٦ و٤٤٢ و٤٤٥ و٤٤٦). و(أبو نعيم) في «المستخرج» ١/ ١٢٨ (١٥٠ و١٥١ و١٥٢ و١٥٣). و(ابن منده) في «الإيمان» (١٧٧ و١٧٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ساقه من أجله المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان كون الحياء من شُعَب الإيمان. ٢ - (ومنها): أن الحياء كلّه خير، فلا يستثنى من الحياء شيء، وما يُظنّ من أن بعض أنواعه يظهر فيه الضعف، وأنه يمنع صاحبه من أن يواجه من يرتكب المنكرات بالإنكار عليه، ويحمله على الإخلال ببعض الحقوق، فليس حياءً شرعيًّا، والمراد في هذه الأحاديث هو ما يكون شرعيًّا، وأما الحياء الذي ينشأ منه الإخلال بالحقوق، فليس مقصودًا؛ إذ هو عجزٌ، ومَهَانةٌ، وإنما يُطلق عليه اسم الحياء لمشابهته للحياء الشرعيّ، وهو خُلُقٌ يبعث على ترك القبيح، وقال الراغب: هو انقباض النفس عن القبائح، وتركه . وقال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: الحياء المكتسب هو الذي جعله الشارع من الإيمان، وهو المكلّف به، دون الغريزيّ، غير أن من كان فيه غريزة منه، فإنها تُعينه على المكتسب، وقد ينطبع بالمكتسب حتى يصير غريزيًّا، قال: وقد كان النبيّ - ﷺ - قد جُمع له النوعان، فكان في الغريزيّ أشدّ حياءً من العذراء في خدرها، وكان في الحياء المكتسب في الذروة العليا - ﷺ -. انتهى . ٣ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من شدّة الإنكار على من عارض السنّة بغيرها، أيًّا كان نوعه، وهكذا ينبغي أن يكون المسلم شديد الغيرة عليها، فيعادي كلّ من يعارضها برأي رآه، أو مذهب قلّده، فإن السنّة حاكمة على كلّ رأي ومذهب، كما قال ﷿: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] الآية، وقال ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] الآية، وقد صحّ عنه - ﷺ - أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده، والناس أجمعين»، متّفقٌ عليه، وروي عنه - ﷺ - أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به»، وهو متكلّم في صحّته، لكن يشهد له الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٥] (…) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ إِسْحَاقَ - وَهُوَ ابْنُ سُوَيْدٍ - أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ، حَدَّثَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، فِي رَهْطٍ مِنَّا، وَفِينَا بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ، فَحَدَّثَنَا عِمْرَانُ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ»، قَالَ: أَوْ قَالَ: «الْحَيَاءُ كُلّهُ خَيْرٌ»، فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّا لَنَجِدُ فِي بَعْضِ الْكُتُب، أَوْ الْحِكْمَةِ: أَنَّ مِنْهُ سَكِينَةً، وَوَقَارًا لله، وَمِنْهُ ضَعْفٌ، قَالَ: فَغَضِبَ عِمْرَانُ، حَتَّى احْمَرَّتَا عَيْنَاهُ، وَقَالَ: أَلَا أَرَانِي أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَتُعَارِضُ فِيهِ؟ قَالَ: فَأَعَادَ عِمْرَانُ الْحَدِيثَ، قَالَ: فَأَعَادَ بُشَيْرٌ، فَغَضِبَ عِمْرَانُ، قَالَ: فَمَا زِلْنَا نَقُولُ فِيهِ: إِنَّهُ مِنَّا يَا أَبَا نُجَيْدٍ، إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ) وقيل: الشيبانيّ، أبو زكريّا البصريّ، ثقة [١٠]. رَوَى عن يزيد بن زُريع، وحماد بن زيد، وخالد بن الحارث، وعبد الوهاب الثقفي، ومعتمر بن سليمان وموسى بن إبراهيم بن كثير، وجماعة. ورَوَى عنه الجماعة، سوى البخاري، وأبو بكر بن أبي عاصم، وأبو بكر البزار، وزكرياء الساجي، ويوسف بن يعقوب القاضي، ومحمد بن إسحاق بن خُزيمة، وغيرهم. قال أبو حاتم الرازي: صدوق. وقال النسائي: ثقة مأمون، قَلَّ شيخ رأيتُ بالبصرة مثلَه، وقال مسلمة بن قاسم ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال هو والسراج: مات سنة ثمان وأربعين ومائتين، زاد ابن حبان: وقد قيل: مات بعد سنة خمسين. وله في هذا الكتاب (٨٣) حديثًا. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٦. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدٍ) بن هُبيرة الْعَدويّ التّميميّ البصريّ، صدوقٌ تُكُلّم فيه للنَّصْب [٣]. رَوَى عن ابن عمر، وابن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، والعلاء بن زياد العَدَويّ، ومعاذة صاحبة عائشة، وغيرهم. وروى عنه شعبة، والحمادان، وابن علية، ومعتمر بن سليمان، وعلي بن عاصم، وجماعة. قال أحمد: شيخ ثقة، وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة - إن شاء الله - وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره العجليّ، فقال: ثقة، وكان يحمل على عليّ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال أبو العرب الصقليّ في «الضعفاء»: كان يَحْمِل على عليّ تحاملًا شديدًا، وقال: لا أُحبّ عليًّا، وليس بكثير الحديث، ومن لم يُحِبّ الصحابة فليس بثقة، ولا كرامةَ. وتُوُفِّي في الطاعون، في أول خلافة أبي العباس، سنة (١٣١). رَوَى له البخاري مقرونًا حديثًا واحدًا في «كتاب الصوم»، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا الحديث (٣٧)، و(١٠٨٩) حديث: «شهرا عيد لا ينقصان …»، و(١٩٩٥) حديث: «نهى رسول الله - ﷺ - عن الدبّاء، والحنتم، والنقير، والْمُزَفَّت». ٤ - (أَبُو قَتَادَةَ) الْعَدَوِيّ البصريّ، مختلف في صحبته، رَوَى عن عمر بن الخطاب، وهشام بن عامر الأنصاريّ، وعمران بن حُصين، ورجل من أهل البادية، له صحبة، وأُسَير بن جابر. ورَوى عنه حُمَيد بن هلال، وإسحاق بن سُويد، وعباس بن عبد الله، وأبو قِلابة الْجَرْميّ. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وقال ابن منده: له صحبة، وقال خليفة: اسمه نُذَير بن قُنْفُذ، ويقال: تميم بن نُذَير، وقال ابن معين: اسمه تميم بن نذير، وقال غيره: ابن الزبير، ويقال: ابن يزيد بالزاي، ذكره الحاكم أبو أحمد، وذكره ابن حبان في «الثقات» في تميم، وبذلك جزم أبو نعيم في «المستخرج». أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (٣٧)، و(٢٨٩٩) حديث: «إني لأعرف أسماءهم، وأسماء آبائهم …» الحديث الطويل. ٥ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنِ) - ﵄ - تقدم في السند الماضي، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، فهو أعلى من السند الماضي. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين. ٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ عن تابعيّ: إسحاق بن سُويد، عن أبي قتادة العدويّ. ٤ - (ومنها): أن إسحاق، وأبا قتادة هذا أول محلّ ذكرهما من الكتاب، وجملة ما رواه المصنّف لإسحاق، ثلاثة أحاديث، ولأبي قتادة حديثان فقط، كما بيّنته آنفًا. ٥ - (ومنها): أن فيه قوله: «وَهُوَ ابْنُ سُوَيْدٍ»، ولم يقل: إسحاق بن سُويد؛ إشارة إلى أن شيخه لم ينسب إسحاق إلى أبيه، بل ذكره باسمه فقط، فلما أراد المصنّف أن يبيّنه من يُحدّثه، بنسبته إلى أبيه، فصل زيادته عما قاله شيخه، بكلمة «وهو»؛ لئلا يقول على شيخه ما لم يقله، وهذا من ورع المحدّثين، ومحافظتهم على ألفاظ شيوخهم، وإليه أشار السيوطيّ في ألفيّة الحديث بقوله: وَلَا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أَوْ وَصْفِ مَنْ … فَوْقَ شُيُوخ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ بنَحْوِ «يَعْنِي» أَوْ بِـ «إِنَّ» أَوْ بِـ «هُو» … أَمَّا إِذَا أَتَمَّهُ أَوَّلَه أَجِزْهُ فِي الْبَاقِي لَدَى الْجُمْهُورِ … وَالْفَصْلُ أَوْلَى قَاصِرَ الْمَذْكُورِ والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ إِسْحَاقَ - وَهُوَ ابْنُ سُوَيْدٍ) تقدّم توجيه زيادة «وهو» آنفًا (أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ) تميم بن نُذير، أو غيره العدويّ (حَدَّثَ، قَالَ) تفسير و«حدّث» (كُنَّا عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) - ﵄ -، كان من فضلاء الصحابة - ﵃ - وفقهائهم، قال محمد بن سيرين: أفضل من نزل البصرة من أصحاب رسول الله - ﷺ - عمران بن حُصين، وأبو بكرة، أسلم عمران، وأبو هريرة عام خيبر، وتُوُفّي بالبصرة - ﵁ - سنة (٥٢ هـ) . (في رَهْط) هو ما دون عشرة من الرجال ليس فيهم امرأة، وسكون الهاء أفصح من فتحها، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وقيل: الرهط من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نَفَرٌ، وقال أبو زيد: الرهطُ، والنفَرُ: ما دون العشرة من الرجال، وقال ثعلبٌ أيضًا: الرهطُ، والنفَرُ، والقومُ، والْمَعْشَرُ، والْعَشِيرةُ معناهم الجمع، لا واحد لهم من لفظهم، وهو للرجال دون النساء، وقال ابن السِّكِّيت: الرهطُ، والعَشِيرة: بمعنًى، ويقال: الرهطُ: ما فوق العشرة إلى الأربعين، قاله الأصمعيّ في «كتاب الضاد والظاء»، ونقله ابن فارس أيضًا، ورهطُ الرجلِ قومه، وقبيلته الأقربون، ذكره الفيّوميّ . وقال المجد: الرَّهْط، ويُحرَّك: قوم الرجل، وقبيلته، ومن ثلاثة، أو سبعة إلى عشرة، أو ما دون العشرة، وما فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه، جمعه: أَرْهُطٌ، وأَرَاهِطُ، وأَرْهاطٌ، وأَرَاهِيطُ. انتهى . وقوله: (مِنَّا) أي من عشيرتنا (وَفِينَا بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ) تقدّم أنه بضم الباء، وفتح الشين، والجملة في محل نصب على الحال، والرابط الواو والضمير، كما قال في «الخلاصة»: وَجُمْلَةُ الْحَالِ سِوَى مَا قُدِّمَا … بِوَاوٍ اوْ بِمُضْمَرٍ أَوْ بِهِمَا (فَحَدَّثَنَا عِمْرَانُ) - ﵁ - (يَوْمَئِذٍ، قَالَ) تفسير لـ«حدّثنا»، كما مرّ قريبًا (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الْحَيَاءُ خَيْر كُلُّهُ»، قَالَ) الظاهر أن القائل هو عمران - ﵁ -، ويحتمل أن يكون من دونه (أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ) - ﷺ -، أو عمران - ﵁ - («الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ») قد تقدّم أن الحديث على ظاهره، وأن المراد منه الحياء الشرعيّ، فالحياء كلّه خير، ولا يُستثنى منه شيء، وما ذكره بُشير من بعض الكتب إنما هو الحياء اللغويّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّا لَنَجِدُ فِي بَعْضِ الْكُتُب، أَوْ) للشكّ من الراوي (الْحِكْمَةِ) تقدّم أن الحكمة هي إصابة الحقّ بالعلم (أَنَّ مِنْهُ) أي بعض أنواع الحياء (سَكِينَةً) بفتح، فكسر، قال أبو نُعيم: فَعِيلة من السكون، وهو الوقار، والسكون الهدوء. انتهى . وقال ابن الأثير: «السكينة»: الوقار، والتأني. انتهى . وقال الفيّوميّ: «السكينة» بالتخفيف: الْمَهَابةُ، والرَّزَانةُ، والوَقَار، وحَكَى في «النوادر»: تشديد الكاف، قال: ولا يُعرَفُ في كلام العرب فَعّيلةٌ مثقّل العين إلا هذا الحرف شاذًّا. انتهى . فتبيّن بما ذُكر أن قوله: (وَوَقَارًا للهِ) عطف تفسير لـ «السكينة»، وفسّروا الوقار بأنه الحلم والرَّزانة، فقال الفيّوميّ: الوقار: الحِلْم والرَّزَانةُ، وهو مصدرُ وَقُرَ بالضمّ، مثلُ جَمُل جَمَالًا، ويقال أيضًا: وَقَرَ يَقِرُ، من باب وَعَدَ، فهو وَقُورٌ، مثلُ رسُول، والمرأةُ وَقُورٌ أيضًا، فَعُول بمعنى فاعل، مثلُ صَبُور، وشَكُور، والوقارُ أيضًا الْعَظَمةُ. انتهى . (وَمِنْهُ) أي بعض أنواعه (ضَعْفٌ) بفتح الضاد، وضمّها لغتان مشهورتان، قرئ بهما في السبع، قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤]، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قرأ عاصم، وحمزة بفتح الضاد فيهنّ، والباقون بالضمّ، والضمّ لغة النبيّ - ﷺ -، وقرأ الْجَحْدريّ: «من ضعف، ثم جعل من بعد ضَعف» بالفتح فيهما، و«ضُعفًا» بالضمّ خاصّة، أراد أن يجمع بين اللغتين، قال الفرّاء: الضمّ لغة قريش، والفتح لغة تميم. انتهى . وقال الفيّوميّ: «الضَعْفُ» بفتح الضاد في لغة تميم، وبضمّها في لغة قريش: خلافُ القوّة، والصحّة، فالمضموم مصدر ضَعُفَ، مثالُ قَرُبَ قُرْبًا، والمفتوح مصدر ضَعَفَ ضَعْفًا، من باب قتل، ومنهم من يجعل المفتوح في الرأي، والمضموم في الجسد، وهو ضَعِيفٌ، والجمع ضُعَفاءُ، وضِعَافٌ أيضًا، وجاء ضَعَفَة، وضُعفى؛ لأن فعيلًا إذا كان صفةً، وهو بمعنى مفعولِ جُمِعَ على فَعْلَى، مثلُ قَتِيل وقَتْلَى، وجَرِيح وجَرْحَى، قال الخليل: قالوا: هَلْكَى، ومَوْتَى، ذَهَابًا إلى أن المعنى معنى مفعول، وقالوا: أحمق، وحَمْقَى، وأنوكُ ونَوْكَى ؛ لأنه عيبٌ أُصيبوا به، فكان بمعنى مفعول، وشذّ من ذلك سَقِيمٌ، فجُمِعَ على سِقَامٍ بالكسر، لا على سَقْمَى؛ ذَهَابًا إلى أن المعنى معنى فاعل، ولُوحظ في ضَعيف معنى فاعل، فجُمع على ضِعَاف، وضَعَفَة، مثلُ كافر، وكَفَرَة. انتهى . [تنبيه]: أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ من طريق فُضيل بن مرزوق، عن عطيّة الْعَوفيّ قال: قرأت على عبد الله بن عمر: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ فقال: ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾ ، قرأتها على رسول الله - ﷺ - كما قرأتها عليّ، فأخذ عليّ كما أخذت عليك . هذا الحديث ضعيف؛ لأن في سنده عطية العوفي، وهو ضعيف، وأخرجه أيضًا أبو داود من حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، وفيه أيضًا عطية المذكور، والله تعالى أعلم. (قَالَ) أبو قتادة (فَغَضِبَ) بكسر الضاد، من باب تَعِبَ (عِمْرَانُ) - ﵁ - وسبب غضبه - ﵁ - وإنكاره عليه؛ لكونه قال: «ومنه ضعف» بعد سماعه قول النبيّ - ﵁ -: «إنه خير كلّه»، وقيل: إنما أنكر عليه من حيث إنه ساقه في معرض من يُعارض كلام الرسول - ﷺ - بكلام غيره، والله تعالى أعلم. (حَتَّى احْمَرَّتَا عَيْنَاهُ) أي من شدّة غضبه عليه، قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: كذا وقع، وكذا رويناه، وهو على لغة من قال: «أكلوني البراغيث» ، أو على البدل، كما قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣]. قال الجامع عفا الله تعالى: لغة «أكلوني البراغيث» هي التي أشار إليها ابن مالك في «الخلاصة» حيث قال: وَقَدْ يَقَالُ سَعِدَا وَسَعِدُوا … وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ وحملوا عليها قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ لكن هذا وجه ضعيف؛ لأن فيه حملَ الآية على لغة ضعيفة، والصحيح أن ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بدل من الضمير الفاعل، وهو الواو، أو «الذين» مبتدأ مؤخَّر، خبره جملة: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾، فتنبّه، ومثله حديث: «يتعاقبون فيكم ملائكة …» الحديث، على بعض الروايات، وأشباه هذا كثيرة معروفة. ووقع في رواية أبي داود في «سننه»: «واحمرّت عيناه» من غير ألف، وهو ظاهر، والله تعالى أعلم. (وَقَالَ) عمران - ﵁ - (أَلا) أداة استفتاح، وتنبيه (أَرَاني) أي أرى نفسي. [فائدة]: من خواصّ أفعال القلوب جواز كون فاعلها ومفعولها ضميرين متّصلين لمسمّى واحد، كـ«ظَننتني قائمًا»، وقوله تعالى: ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٧]، وأُلْحِقَ بها في ذلك «رأى» الْحُلميّة والبصريّة بكثرة، نحو ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، وقول الشاعر [من الكامل]: وَلَقَدْ أَرَانِي لِلرِّمَاحِ دَرِيئَةً … مِنْ عَنْ يَمِينِي تَارَةً وَأَمَامِي و«عَدِمَ»، و«فَقَدَ»، و«وَجَدَ» بمعنى لَقِي بقلّة، دون باقي الأفعال، فلا يقال: «ضربتني» اتفاقًا؛ لئلا يكون الفاعل مفعولًا، بل ضربت نفسي، وظلمت نفسي؛ ليتغاير اللفظان، فإن ورد ما يوهمه قُدّر فيه النفس، نحو ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ﴾ [مريم: ٢٥]، ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ [طه: ٢٢]، و﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، أي إلى نفسك، وعلى نفسك، بخلاف أفعال القلوب، فإن مفعولها في الحقيقة مضمون الجملة، لا المنصوب بها، فلا ضرر في اتحاده مع الفاعل، ولا توضع النفس مكانه عند الجمهور، فلا يقال: ظننت نفسي عالمة، وجوّزه ابن كيسان، فإن كان أحد الضميرين منفصلًا جاز في كلّ فعل، نحو ما ضربتُ إلا إياي ، فافهمه، فإنه نفيس، والله تعالى أعلم. (أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَتُعَارِضُ فِيهِ) أي تقابله، وتأتي بما يناقضه (قَالَ) أبو قتادة (فَأَعَادَ عِمْرَانُ الْحَدِيثَ) أي تأكيدًا له (قَالَ: فَأَعَادَ بُشَيْرٌ) أي كلامه السابق (فَغَضِبَ عِمْرَانُ) - ﵁ - (قَالَ) أبو قتادة (فَمَا زِلْنَا نَقُولُ فِيهِ) أي شأن بُشير (إِنَّهُ مِنَّا) أي إن بُشيرًا من جماعتنا (يَا أَبَا نُجَيْدٍ) بضمّ النون، وفتح الجيم، مصغرًا كنية عمران - ﵁ -، كُني بابنه نُجَيد (إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ) أي ليس ممن يُتّهَم بنفاق، أو زندقة، أو بدعة، أو غيرها، مما يُخالف به أهل الاستقامة. وفي رواية أبي داود: «إنه إنه»، أي إنه صادق، وفي بعض النسخ: «إيه إيه»، قال في «القاموس»: «إِيهْ» بكسر الهمزة، وإسكان الهاء: زجر بمعنى حسبك، و«إيهِ» مبنيّة على الكسر، فإذا وُصِلت نُوِّنت، و«أَيْهًا» بالفتح، والنصب: أمرٌ بالسكوت، والمعنى - والله أعلم - يا أبا نُجيد حسبك ما صدر منك من الغضب، والإنكار على بُشير، فإنه منّا، لا بأس به، فاسكت، ولا تزدد غضبًا . والمسائل المتعلّقة به تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى الامام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٦] (…) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، حَدَّثَنَا أَبُو نَعَامَةَ الْعَدَوِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ حُجَيْرَ بْنَ الرَّبِيعِ الْعَدَوِيَّ، يَقُولُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -، نَحْوَ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زيدٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، أبو محمد المروزيّ، نزيل نيسابور، ثقة حافظ إمام حجة [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٢ - (النَّضْرُ) بن شُميل المازنيّ، أبو الحسن البصريّ، نزيل مرو، ثقة ثبت، من كبار [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٩. ٣ - (أَبُو نَعَامَةَ الْعَدَوِيُّ) - بفتح النون - هو: عمرو بن عيسى بن سُويد بن هُبيرة البصريّ، صدوقٌ، اختلط [٧]. رَوَى عن خالد بن عُمير، وشُوَيس أبي الرَّقَّاد، وعبد العزيز بن بُشَير بن كعب، وحُجَير بن الرَّبِيع الْعَدَويّ، وحُمَيد بن هلال، وأبي السَّوّار الْعَدَويّ، وحفصة بنت سيرين، وغيرهم. وروى عنه يزيد بن زُريع، ويحيى القطان، ووكيع، والنضر بن شُمَيل، وزُهير بن هُنَيد، وصفوان بن عيسى، وأبو عاصم، ومكي بن إبراهيم، وغيرهم. قال الأثرم عن أحمد: ثقة، إلا أنه اختَلَطَ قبل موته، وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في «الثقات»، ووثقه العجليّ، وقال ابن سعد في الطبقة الرابعة من البصريين: كان ضعيفًا. قال الجامع عفا الله تعاهى عنه: لعلّ ابن سعد أراد ضعفه بسبب الاختلاط، وإلا فقد وثّقه الأئمة، كما سمعت، والله تعالى أعلم. أخرج له المصنّف، وأبو داود، في «القَدَر»، والترمذيّ، وابن ماجه، وله عند المصنّف هذا الحديث فقط، أخرجه متابعة، فلا يضرّ الكلام فيه بالاختلاط، فتنبّه. ٤ - (حُجَيْرَ بْنَ الرَّبِيعِ الْعَدَوِيَّ) البصريّ، يقال: إنه أبو السَوّار الْعَدَويّ، ثقة [٣]. روى عن عمران بن حصين حديث الباب فقط، وروى عن عمر بن الخطاب أيضًا، وعنه أبو نَعَامة العَدَويّ، وإسحاق بن سُوَيد، وأَوْفَى بن دَلْهَم، وحُمَيد بن هلال. قال ابن إسحاق: كان قليل الحديث، روى له المصنّف حديثه عن عمران - ﵁ - هذا، قال العجليّ: بصريّ، تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات». وقد اختُلِف فيه على أبي نَعَامة فرواه النضر بن شُميل، ويزيد بن زُريع عنه، عن حُجَير، ورواه رَوْح بن عُبَادة، ويوسف بن يعقوب الضُّبَعيّ، عن أبي السَّوّار الْعَدَويّ، ورواه أبو عاصم النَّبِيل، عن أبي نَعَامة، قال: حدثنا أبو
مصادر المؤلف (٢٨)

١. راجع: «المنتخب من مسند عبد بن حُميد» ٢/ ٧.

٢. راجع: «المسند المستخرج» ١/ ١٢٨ رقم (١٤٩).

٣. هكذا رمز له في «التهذيبين»، و«التقريب» للنسائيّ، ولكن أصحاب برنامج الحديث لم يدخلوه في رجال النسائيّ، ولينظر، والله تعالى أعلم.

٤. «فتح» ١٠/ ٦٤٠ «كتاب الأدب» الحديث (٦١١٧).

٥. «الفتح» ١٠/ ٦٤٠.

٦. «مفردات ألفاظ القرآن» ص ٢٤٩ - ٢٥٠.

٧. «المفهم» ١/ ٢٢٠.

٨. «فتح» ١٠/ ٦٤١.

٩. «المفردات» ص ٢٧٠.

١٠. «المفهم» ١/ ٢١٨ - ٢١٩.

١١. بضمّ النون، وفتح الذال المعجمة.

١٢. إنما قلت: شيخه، ولم أقل: حماد؛ لأن حمّادًا نسبه إلى أبيه، فقد رواه عنه سليمان بن حرب عند أبي داود، فقال: عن إسحاق بن سُويد، فدلّ على أن الذي ترك نسبته هو شيخ المصنّف يحيى بن حبيب، ويحتمل أن يكون حماد حينما رواه ليحيى تركه، والله تعالى أعلم.

١٣. راجع: «الاستيعاب» ٣/ ١٢٠٨.

١٤. «المصباح المنير» ١/ ٢٤١ - ٢٤٢.

١٥. «القاموس المحيط» ص ٦٠١.

١٦. «المسند المستخرج» ١/ ١٢٩.

١٧. «النهاية» ٢/ ٣٨٥.

١٨. «المصباح» ١/ ٢٨٣.

١٩. «المصباح» ٢/ ٦٦٨.

٢٠. «تفسير القرطبيّ» ١٤/ ٤٦.

٢١. «الأنوك» كالأحمق وزنًا ومعنًى.

٢٢. «المصباح المنير» ٢/ ٣٦٢.

٢٣. أي بفتح الضاد.

٢٤. أي بضمّ الضاد.

٢٥. رواه أحمد في «مسنده» ٢/ ٥٨، وأبو داود في «سننه» رقم (٣٩٧٨)، والترمذيّ في «جامعه» رقم (٢٩٣٦).

٢٦. وسمّاها ابن مالك في كتبه بلغة «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار» أخذًا من هذا الحديث.

٢٧. راجع: «حاشية الخضري على شرح ابن عَقِيل على الخلاصة» ١/ ٢٢١ - ٢٢٢.

٢٨. «عون المعبود» ١٣/ ١٥٢.