HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٨

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن أبي شيبة. حدثنا عبد الله بن نمير. ح وحدثنا ابن نمير. حدثنا أبي. حدثنا الأعمش. ح وحدثني زهير بن حرب. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَرْبَعٌ مَنْ كن فيه كان منافق خَالِصًا. وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفَاقٍ. حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ. وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ. وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ. وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ «وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كانت فيه خصلة من النفاق».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص56
ج ١ ص ٧٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢ ص٣٦٣
٢٧ - (بَابُ بَيَانِ خِصَالِ الْمُنَافِقِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٧] (٥٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ع) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثنا الْأَعْمَشُ (ع) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنا وَكِيعٌ، حَدَّثنا سُفْيَانُ، عَن الْأَعْمَش، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّة مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَلَّة مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ»، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ: «وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَة مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ»). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد المذكور قبل باب. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ المذكور قبل باب. ٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو محمد ولد عبد الله بن نمير الذي قبله ذُكر قبل باب أيضًا. ٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مهران المذكور في الباب الماضي. ٥ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ ثم البغداديّ المذكور قبل باب. ٦ - (وَكيعٌ) بن الجَرَّاح الكوفيّ المذكور قريبًا. ٧ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ المذكور في الباب الماضي. ٨ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُرَّةَ) الْهَمْدانيّ الْخَارفيّ الكوفيّ ثقة [٣]. روى عن ابن عمر، والبراء، وأبي الأحوص، ومسروق، وغيرهم. وروى عنه الأعمش ومنصور، قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة، وقال العجليّ: تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال ابن سعد: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقال عمرو بن علي: مات سنة مائة، وأرّخه ابن قانع: سنة تسع وتسعين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا. ٩ - (مَسْرُوق) بن الأجْدَع بن مالك بن أُمية بن عبد الله بن مُرْ بن سلمان، ويقال: سَلَامان بن مَعْمَر بن الحارث بن سَعْد بن عبد الله بن وداعة الْهَمْداني الْوَادِعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقة فقيه عابدٌ، مخضرم [٢]. رَوَى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، ومعاذ بن جبل، وخَبّاب بن الأَرَتّ، وابن مسعود، وأُبيّ بن كعب، والمغيرة بن شعبة، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وابن عَمْرو، ومعقل بن سنان، وعائشة، وغيرهم. ورَوَى عنه ابن أخيه محمد بن المنتشر بن الأجدع، وأبو وائل، وأبو الضُّحَى، والشعبيّ، وإبراهيم النخعيّ، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، وعبد الرحمن بن مسعود، وأبو الشعثاء المحاربيّ، وعبد الله بن مُرّة الخارفيّ، ومكحول الشامي، وغيرهم. قال الآجريّ عن أبي داود: كان عمرو بن معد يكرب خاله، وكان أبوه أفرس فارس باليمن، وقال مجالد، عن الشعبيّ، عن مسروق: قال لي عمر: ما اسمك؟ قلت: مسروق بن الأجدع، قال: الأجدع شيطان، أنت مسروق بن عبد الرَّحمن، وقال مالك بن مِغْوَل: سمعت أبا مُرّة قال: ما وَلَدت همدانية مثل مسروق، وقال الشعبيّ: ما رأيت أطلب للعلم منه، وذكره منصور عن إبراهيم في أصحاب ابن مسعود الذين كانوا يُعَلِّمون الناس السنة، وقال عبد الملك بن أبجر عن الشعبيّ: كان مسروق أعلم بالفتوى من شُرَيح، وكان شُريح أعلم بالقضاء، وقال شعبة عن أبي إسحاق: حَجَّ مسروق، فلم يَنَمْ إلَّا ساجدًا، وقال أنس بن سيرين عن امرأة مسروق: كان يصلي حتى تَوَرَّم قدماه، وقال أحمد بن حنبل عن ابن عيينة: بقي مسروقٌ بعد علقمة لا يُفَضَّل عليه أحد، وقال علي ابن المديني: ما أُقَدِّم على مسروق من أصحاب عبد الله أحدًا، صَلَّى خلف أبي بكر، ولقي عمر، وعليًّا، ولم يرو عن عثمان شيئًا، وقال إسحاق بن منصور: لا يُسأل عن مثله، وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: مسروق عن عائشة أحبّ إليك أو عروة؟ فلم يُخَيِّر، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة، وكان أحدَ أصحاب عبد الله الذين يُقرئون ويفتون. وقال ابن سعد: كان ثقةً وله أحاديث صالحة، مات سنة ثلاث وستين وفيها أَرّخه غير واحد، وقال أبو نعيم: مات سنة اثنتين، وقال هارون بن حاتم، عن الفَضْل بن عَمْرو: مات مسروق، وله ثلاث وستون سنة. ومناقبه كثيرةٌ: شُلَّت يد مسروق يوم القادسيّة، وأصابته آمّة، وقال أبو الضُّحَى عن مسروق: كان يقول: ما أُحب أنَّها - يعني الآمّة - ليست لي، لعلها لو لَمْ تكن لي كنت في بعض هذه الفتن، قال وكيع وغيره: لَمْ يتخلف مسروق عن حروب عليّ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: كان من عُبّاد أهل الكوفة، ولّاه زياد على السلسلة، ومات بها سنة اثنتين أو ثلاث وستين. وحَكَى عبد الحق عن ابن عبد البر، أنه قال: لَمْ يلق مسروق معاذًا، لكن تعقّبه ابنُ القطان، وقال: إنه لَمْ يجد ذلك في كلام ابن عبد البر، بل الموجود في كلامه أن الحديث الذي من رواية مسروق عن معاذ متصلٌ، وقال أبو الضُّحَى: سئل مسروق عن بيت شعر، فقال: أكره أن أَرَى في صحيفتي شعرًا. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٥) حديثًا. ١٠ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بن العاص - ﵄ - تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف بالنسبة لطريق عبد الله بن نمير، ومن سباعيّاته بالنسبة لطريق سفيان فهو أنزل بدرجة. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة سوى شيخيه: أبي بكر، وزهير، في أخرج لهما الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بحفّاظ الكوفيين سوى زُهير فنسائيّ ثم بغداديّ، وقد دخل الكوفة أيضًا للأخذ من أهلها. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ - ذو مناقب جمة، فهو صحابيّ ابن صحابيّ، وهو أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد المكثرين من الرواية، وأحد العبادلة الأربعة، وأحد الفقهاء المشهورين بالفتوي، ويقال: ليس بين ولادة أبيه وولادته إلَّا أحد عشر عامًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَرْبَعٌ) مبتدأ بتقدير: أي أربع خصال، أو خصال أربعٌ، وخبره قوله:»من كنّ فيه«، ووقع في رواية النسائيّ:»أربعة» بالهاء، فيقدّر أربعة أمور (مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا) اسم فاعل من خلَصَ الماءُ من الكدر، من باب عقد: إذا صفا، ووصفه بالخلوص يعضد قول من قال: المراد بالنفاق العمليّ لا الإيمانيّ، أو النفاق العرفيّ لا الشرعيّ؛ لأن الخلوص بهذين المعنيين لا يستلزم الكفر الملقي في الدرك الأسفل من النار، وأما كونه خالصًا فيه، فلأن الخصال التي تتمّ بها المخالفة بين السرّ والْعَلَن لا يزيد عليه، وقال ابن بطال: «خالصًا» معناه: خالصًا من هذه الخلال المذكورة في الحديث فقط لا في غيرها، وقال النوويّ: أي شديد الشبه بالمنافقين بهذه الخصال، وقال أيضًا في شرحه للبخاريّ: حصل من الحديثين أن خصال المنافقين خمسة، وقال في «شرح مسلم»: قوله: «وإذا عاهد غدر» داخل في قوله: «وإذا ائتُمن خان»، يعني أنَّها أربعة، وقال الكرمانيّ: لو اعتبرنا هذا الدخول فالخمس راجعة إلى الثلاث، فتأمل، والحقّ أنَّها خمسة متغايرة عرفًا، وباعتبار تغاير الأوصاف واللوازم أيضًا. ووجه الحصر فيها أن إظهار خلاف الباطن إما في الماليّات وهو إذا ائتُمن، وإما في غيرها، فهو إما في حالة الكدورة فهو إذا خاصم، وإما في حالة الصفاء فهو إما مؤكّدة باليمين، فهو إذا عاهد أو لا، فهو إما بالنظر إلى المستقبل فهو إذا وعد، وإما بالنظر إلى الحال، فهو إذا حدّث. والحقّ أنَّها بالنظر إلى الحقيقة ثلاثٌ وإن كانت بحسب الظاهر خمسًا؛ لأن قوله: «وإذا عاهد غدر» داخل في قوله: «إذا ائتمن خان»، وقوله: «وإذا خاصم فجر» يندرج في الكذب في الحديث، قاله العينيّ رحمه الله تعالى . (وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام: هي الخصلة، جمعه خِلالٌ (مِنْهُنَّ) أي من الأربع (كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفَاقٍ) أي خصلة من خصال النفاق. [تنبيه]: «النفاق» لغةً: مخالفة الباطن للظاهر، فإن كان في اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر وإلا فهو نفاق العمل، ويدخل فيه الفعل، والترك، وتتفاوت مراتبه، قاله في «الفتح» . وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قال ابن الأنباريّ: في تسمية المنافق منافقًا ثلاثة أقوال: [أحدها]: أنه سُمّي بذلك؛ لأنه يستر كفره، فأشبه الداخل في النَّفَق، وهو السَّرَبُ. [وثانيها]: أنه شُبّه باليربوع الذي له جُحْر، يقال له: القَاصِعَاءُ، وآخَرُ يقال له النافِقَاء، فإذا أُخذ عليه من أحدهما خَرَج من الآخر، وكذلك المنافق يخرُج من الإيمان من غير الوجه الذي يَدخُل فيه. [وثالثها]: أنه شُبّه باليربوع من جهة أن اليربوع يَخرِق في الأرض، حتى إذا قارب ظاهرها أرَقّ التراب، فإذا رابه ريب دفع التراب برأسه فخرج، فظاهر جُحْره تراب، وباطنه حفر، وكذلك المنافق ظاهره الإيمان وباطنه الكفر. انتهى . (حَتَّى يَدَعَهَا) أي إلى أن يترك تلك الخصلة الذميمة. [تنبيه]: «يدع» مضارع وَدَعَ، قال الفيّوفي: وَدَعْتُهُ أَدَعُهُ وَدْعًا: إذا تركته، وأصل المضارع الكسر، ومن ثمّ حُذفت الواو، ثم فُتِحَ لمكان حرف الحلق، قال بعض المتقدّمين: وزعَمَت النحاة أن العرب أماتت ماضي «يَدَعُ»، ومصدره، واسم الفاعل، لكن قرأ مجاهد، وعروة، ومقاتل، وابن أبي عَبْلَة، ويزيد النحويّ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣]، بالتخفيف، وفي الحديث: «لينتهيَنَّ أقوام عن وَدْعِهم الْجُمُعات»: أي عن تركهم، فقد رُويت هذه الكلمة عن أفصح العرب، ونُقلت من طريق القرّاء، فكيف يكون إماتةً، وقد جاء الماضي في بعض الأشعار، وما هذا سبيله فيجوز القول بقلّة الاستعمال ولا يجوز القول بالإماتة. انتهى . (إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ) أتى بـ «إذا» الدالة على تحقق الوقوع، تنبيهًا على أن هذه عادة المنافق. (وَإِذَا عَاهَدَ) من المعاهدة، وهي المحالفة والمواثقة (غَدَرَ) من الغَدْر وهو ترك الوفاء به، وفي «المجمل»: الغدر: نقض العهد، وتركه، ويقال: أصله من الغدير، وهو الماء الذي يُغادره السيل: أي يتركه، يقال: غادرت الشيء: إذا تركته، فكأنك تركت ما بينك وبينه من العهد (وَإِذَا وَعَدَ) يقال: وَعَدَهُ وعدًا، يستعمل في الخير والشرّ، ويُعَدّى بنفسه وبالباء، فيقال: وعده الخير وبالخير، وشرًّا وبالشرّ، وقد أسقطوا لفظ الخير والشر، وقالوا في الخير: وعده وعدًا وعِدَةً، وفي الشرّ: وعده وَعِيدًا، فالمصدر هو الفارق، وأوعده إيعادًا، وقالوا: أوعده خيرًا، وشرًّا بالألف أيضًا، وأدخلوا الباء مع الألف في الشرّ خاصّةً، والخلف في الوعد عند العرب كذبٌ وفي الوعيد كرمٌ، قال الشاعر [من الطويل]: وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ … لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي وقال في «الفتح»: قال صاحب«المحكم»: يقال: وعدته خيرًا ووعدته شرًّا، فإذا أسقطوا الفعل قالوا في الخير: وَعَدته، وفي الشر: أوعدته، وحكى ابن الأعرابي في «نوادره»: أوعدته خيرًا بالهمزة، فالمراد بالوعد في الحديث الوعد بالخير، وأما الشر فيستحب إخلافه، وقد يجب ما لَمْ يترتب على ترك إنفاذه مفسدة. وأما الكذب في الحديث، فحَكَى ابن التين عن مالك: أنه سئل عمن جُرّب عليه كذب، فقال: أيُّ نوع من الكذب؟ لعله حَدَّث عن عيش له سلف فبالغ في وصفه، فهذا لا يضرُّ، وإنما يضر من حَدّث عن الأشياء بخلاف ما هي عليه قاصدًا الكذب. انتهى. (أَخْلَفَ) أي لَمْ يفعل ما وعد به. (وَإِذَا خَاصَمَ) من المخاصمة، وهي المجادلة (فَجَرَ) من الفُجُور، وهو الميل عن القصد، والشّقُّ، أي مال عن الحقّ وقال الباطلَ، أو شقّ ستر الديانة. وقال في «المفهم»: «فَجَر»: أي مال عن الحقّ، واحتال في ردّه وإبطاله، وقال الهرويّ: أصل الفجور: الميل عن القصد، وقد يكون الكذب. انتهى. وقال الطيبيّ: الفجور في اللغة الميل والشقّ، فهو إما ميلٌ عن القصد المستقيم، وإما شقّ سَتْر الديانة، والمراد هنا الشتم والرمي بالأشياء القبيحة والبهتان. انتهى . وقوله: (غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ) استثناء من سياق الحديث، فإنه رواه من طريقين: طريق عبد الله بن نُمير، وطريق سفيان الثوريّ، كلاهما عن الأعمش، فأشار إلى أنهما اتّفقا في سياق اللفظ إلَّا أن سفيان رواه بلفظ («وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ، كَانَتْ فِيهِ خَصْلَة مِنَ النِّفَاقِ») بدل رواية ابن نمير بلفظ: («وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّة مِنْهُنَّ إلخ»)، والخصلة والخلّة بمعنى واحد، قال في «القاموس»: الْخَصْلَة - أي بفتح، فسكون -: الْخَلَّةُ، والفضيلة، والرَّذِيلة، أو قد غَلَبَ على الفضيلة، جمعه خِصَال - بالكسر -. انتهى، والمناسب هنا: معنى الرَّذِيلة. [تنبيه]: رواية سفيان التي أشار إليها هنا، هي التي أخرجها البخاريّ في «صحيحه»، فقال: حدثنا قبيصة بن عقبة، قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو: أن النبيّ - ﷺ - قال: «أربع من كنّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتُمن خان، وإذا حدّث كَذَب، كذا عاهد غَدَر، وإذا خاصم فَجَر». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٢٧/ ٢١٧] (٥٨)، و(البخاريّ) في «الإيمان» (٥٤)، و«المظالم والغصب» (٢٤٥٩)، و«الجزية والموادعة» (٣١٧٨)، (وأبو داود) في «السنّة» (٤٦٨٨)، و(الترمذيّ) في «الإيمان» (٢٦٣٢)، و(النسائيّ) في «الإيمان» (٢٠/ ٥٠٢٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٨/ ٥٩٣ و٥٩٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٦٧٢٩ و٦٨٢٥ و٦٨٤٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٢٠٨)، و(ابن منده) في «الإيمان» (٥٢٢ و٥٢٣ و٥٢٤ و٥٢٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٥٤ و٢٥٥)، و(الحاكم) في «معرفة علوم الحديث» (ص ١١) و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٢٣٠ و١٠/ ٧٤)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٣٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان خصال المنافق، وهي هذه الأربع. ٢ - (ومنها): التحذير عن الأخلاق الرَّذِيلة مثل هذه الخصال، فإنها تنافي مقتضى الإيمان، فإنه يقتضي أن يكون المؤمن صادقًا في حديثه، وفيًّا بوعده، مؤدّيًا ما ائتمن به، عادلًا في مخاصمته. ٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: لا شكّ في أن للمنافقين خصالًا أُخَر مذمومة، كما قد وصفهم الله تعالى، حيث قال: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]، فيَحْتَمِل أن يقال: إنما خُصّت تلك الخصال بالذكر؛ لأنَّها أظهر عليهم من غيرها، عند مخالطتهم للمسلمين، أو لأنَّها التي يضرّون بها المسلمين، ويقصدون بها مفسدتهم دون غيرها من صفاتهم. والله تعالى أعلم. انتهى . ٤ - (ومنها): أن هذه الخصال إذا وُجدت في مؤمن كان بها منافقًا نفاقًا عملتًا لا اعتقاديًّا بحيث يَخْرُج بها من الإسلام، ومهما كان الحال فيجب على العاقل أن يجتنبها؛ إذ ربما تجرّه إلى النفاق القلبيّ فيَخْسَر خسرانًا مبينًا، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تأويل النفاق المذكور في هذا الحديث: قال النووي رحمه الله تعالى: هذا الحديث عَدّه جماعة من العلماء مشكلًا من حيث إن هذه الخصال قد توجد في المسلم الْمُجْمَع على عدم الحكم بكفره، قال: وليس فيه إشكال، بل معناه صحيح، والذي قاله المحققون: إن معناه أن هذه خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم. قال الحافظ: ومُحَصَّل هذا الجواب الحملُ في التسمية على المجاز: أي صاحب هذه الخصال، كالمنافق، وهو بناء على أن المراد بالنفاق نفاق الكفر. وقد قيل في الجواب عنه: إن المراد بالنفاق نفاق العمل كما قدمناه، وهذا ارتضاه القرطبي واستدل له بقول عمر لحذيفة رضي الله تعالى عنهما: هل تعلم في شيئًا من النفاق؟ فإنه لَمْ يُرِد بذلك نفاق الكفر وإنما أراد نفاق العمل، ويؤيده وصفه بالخالص في قوله: «كان منافقًا خالصًا». وقيل: المراد بإطلاق النفاق الإنذار والتحذير عن ارتكاب هذه الخصال، وأن الظاهر غير مراد، وهذا ارتضاه الخطابي. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ارتضاه الخطابي غير مرضيّ عندي؛ إذ هو مخالف لظاهر النصّ، فإنه صريح في إرادة النفاق حقيقة، لكن النفاق مراتب، والمراد هنا النفاق العمليّ كما سبق في كلام القرطبيّ، فتنبّه. وذكر الخطّابيّ أيضًا أنه يحتمل أن المتصف بذلك، هو من اعتاد ذلك، وصار له ديدنًا، قال: ويدل عليه التعبير بـ «إذا»، فإنها تدل على تكرر الفعل. كذا قال، والأَولى ما قال الكرماني: إن حذف المفعول مِنْ «حَدَّثَ» يدلُّ على العموم: أي إذا حدّث في كلّ شيء كَذَب فيه، أو يصير قاصرًا: أي إذا وَجَدَ ماهية التحدّث كَذَبَ. وقيل: هو محمول على من غلبت عليه هذه الخصال وتهاون بها واستخفَّ بأمرها، فإن من كان كذلك كان فاسد الاعتقاد غالبًا. وهذه الأجوبة كلها مبنية على أن اللام في «المنافق» للجنس، ومنهم من ادَّعَى أنَّها للعهد، فقال: إنه ورد في حقّ شخص معين، أو في حق المنافقين في عهد النبيّ - ﷺ -، وتمسك هؤلاء بأحاديث ضعيفة جاءت في ذلك لو ثبت شيء منها لتعيّن المصير إليه، وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ارتضاه القرطبيّ هو أن المراد بالنفاق نفاق العمل، واستدل له بقول عمر لحذيفة رضي الله تعالى عنهما: هل تعلم في شيئًا من النفاق؟ فإنه لَمْ يُرِد بذلك نفاق الكفر وإنما أراد نفاق العمل. قال الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى بعد إخراجه الحديث: وإنما معنى هذا عند أهل العلم نفاقُ العمل، وإنما كان نفاق التكذيب على عهد رسول الله - ﷺ -. هكذا رُوي عن الحسن البصري شيء من هذا، أنه قال: النفاق نفاقان: نفاق العمل، ونفاق التكذيب. انتهى كلام الترمذيّ. فتبيّن بهذا أن الأرجح حمل النفاق على النفاق العمليّ لا الاعتقاديّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في بيان الجمع بين حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - هذا، وحديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي: (اعلم): أنه عَدّ في هذا الحديث خصال المنافق أربعًا، وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - التالي ثلاثًا، وقد تكلّم العلماء في وجه الجمع بينهما: فقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: يحتمل أنه - ﷺ - استجدّ له من العلم بحالهم ما لَمْ يكن عنده، فأما بالوحي، وإما بالمشاهدة لتلك منهم. وقال الحافظ رحمه الله تعالى: ليس بين الحديثين تعارض؛ لأنه لا يلزم من عدَّ الخصلة المذمومة، الدالّة على كمال النفاق كونها علامة على النفاق؛ لاحتمال أن تكون العلامات دالات على أصل النفاق، والخصلة الزائدة إذا أُضيفت إلى ذلك كمل بها خلوص النفاق، على أن في رواية مسلم من طريق العلاء بن عبد الرَّحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﷺ - ما يدلُّ على إرادة عدم الحصر، فإن لفظه: «من علامة المنافق ثلاث»، وكذا أخرجه الطبراني في «الأوسط» من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -، وإذا حُمِل اللفظ الأول - يعني: «علامة المنافق ثلاث» - على هذا لَمْ يَرِد السؤال، فيكون قد أخبر ببعض العلامات في وقت وببعضها في وقت آخر. وقال القرطبيّ أيضًا، والنوويّ: حَصَلَ من مجموع الروايتين خمس خصال؛ لأنهما تواردتا على الكذب في الحديث والخيانة في الأمانة، وزاد في حديث أبي هريرة: الْخُلْف في الوعد، وفي حديث عبد الله: الغَدْر في المعاهدة والفُجُور في الخصومة. هذا بالنسبة لرواية البخاريّ، وأما في رواية مسلم والنسائيّ في حديث عبد الله بدل الْغَدْر في المعاهدة الخلف في الوعد، كما في حديث أبي هريرة، فكأن بعض الرواة تصرف في لفظه؛ لأن معناهما قد يَتَّحِدُ، وعلى هذا فالمزيد خصلة واحدة وهي الفجور في الخصومة، والفجور: الميل عن الحقّ والاحتيالُ في ردّه، وهذا قد يندرج في الخصلة الأولى وهي الكذب في الحديث. ووجه الاقتصار على هذه العلامات الثلاث: أنَّها مُنَبِّهَةٌ على ما عداها؛ إذ أصل الديانة منحصر في ثلاث: القول، والفعل، والنية، فَنَبَّهَ على فساد القول بالكذب، وعلى فساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النية بالخلف؛ لأن خلف الوعد لا يَقْدَحُ، إلَّا إذا كان العزم عليه مقارنًا للوعد، أما لو كان عازمًا، ثم عَرَض له مانع، أو بدا له رأي، فهذا لَمْ توجد منه سورة النفاق، قاله الغزالي في «الإحياء». وفي الطبراني في حديث طويل، ما يشهد له، ففيه من حديث سلمان - ﵁ -: «إذا وَعَدَ، وهو يُحَدّث نفسه أنه يُخْلِف»، وكذا قال في باقي الخصال، وإسناده لا بأس به، ليس فيهم من أُجمِع على تركه، وهو عند أبي داود، والترمذيّ، من حديث زيد بن أرقم - ﵁ -، مختصرًا، بلفظ: «إذا وَعَدَ الرجل أخاه، ومن نيته أن يَفِيَ له، فلم يَف، فلا إثم عليه»، انتهى كلام
مصادر المؤلف (١٠)

١. بالخاء المعجمة، والراء، والفاء: نسبة إلى خارف بطن من همدان، قاله في «لبّ اللباب» ١/ ٢٦٨.

٢. راجع:»عمدة القاري«١/ ٢٢٤.

٣. »القاموس المحيط«ص ٨٩٥.

٤. راجع:»الفتح«١/ ١٢٥.

٥. »المفهم«١/ ٢٤٩.

٦. «المصباح المنير» ٢/ ٦٥٣.

٧. «عمدة القاري» ١/ ٢٢٤.

٨. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٥١٠.

٩. راجع: «المفهم» ١/ ٢٥١.

١٠. راجع: «الفتح» ١/ ١٢٦.