HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٧١

حدثنا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مَالِكٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ؛ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي إِثْرِ السَّمَاءِ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ. فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بي مؤمن بالكواكب».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص59
ج ١ ص ٨٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢ ص٤٧٤
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الحقّ في هذه المسألة هو الذي ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهو أنها لا تصحّ ولا يسقط بها الطلب؛ لظاهر حديث الباب، والفرق بين الصحّة والقبول مما لا يؤيّده دليلٌ، وقد ذكر ذلك في «شرح الكوكب الساطع» في الأصول، عند قوله: مُطْلَقُ الأَمْرِ عِنْدَنَا لَا يَشْمَلُ … كُرْهًا فَفِي الْوَقْتِ الصَّلَاةُ تَبْطُلُ أَمَّا الَّذِي جِهَاتُهُ تَعَدَّدَا … مِثْلُ الصَّلَاةِ فِي مَكَانٍ اعْتَدَى فَإِنَّهَا تَصِحُّ عِنْدَ الأَكْثَرِ … وَلَا ثَوَابَ عِنْدَهُمْ فِي الأَشْهَرِ وَقِيلَ لَا تَصِحُّ لَكِنْ حَصَلَا … سُقُوطُهُ وَالْحَنْبَلِيُّ لَا وَلَا وقوله: «والحنبليّ لا ولا» يعني أن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى قال: لا تصحّ الصلاة، ولا ثواب فيها، وهذا هو الحقّ، فتبصر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٤) - (بَابُ بَيَانِ كفْرِ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٨] (٧١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ زيدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيّ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي إِثْرِ السَّمَاءِ كَانَتْ مِنَ اللَّيْل، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاس، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟»، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِن بِي وَكَافِرٌ، فَأمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِه، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَب، وَأمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) المذكور في السند الماضي. ٢ - (مَالِك) بن أنس بن أبي عامر الأصبحيّ، إمام دار الهجرة الفقيه المجتهد الحافظ الحجة الثبت [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) المدنيّ، أبو محمد أو أبو الحارث، مؤدّب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقةٌ ثبتٌ فقية [٤] (ت بعد ١٣٠ أو بعد ١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٥ - (زيدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ) أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو طلحة، ويقال: أبو زرعة، المدنيّ، رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعن عثمان، وأبي طلحة، وعائشة، وروى عنه ابناه: خالد وأبو حَرْب، ومولاه أبو عمرة، وعبد الرحمن بن أبي عَمْرة، وقيل: أبو عمرة الأنصاريّ، وأبو الْحُبَاب سعيد بن يسار، وعبيد الله الْخَوْلانيّ، وعبد الله بن قيس بن مَخْرَمة، وبسر بن سعيد، وعطاء بن أبي رَبَاح، وعطاء بن يسار، ويزيد مولى الْمُنْبَعِث، وأبو سالم الْجَيْشانيّ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن وغيرهم. شَهِد الْحُديبية، وكان صاحب لواء جُهَيْنَةَ يوم الفتح، قال أحمد بن الْبَرْقيّ: تُوُفّي بالمدينة سنة ثمان وسبعين، وهو ابن خمس وثمانين سنة، وقال غيره: بالكوفة، وقال ابن سعد وآخرون: مات في آخر أيام معاوية، وقال البغويّ: مات سنة (٦٨)، وقال ابن حبان في «الصحابة»: مات سنة (٧٨)، قال: وقد قيل: سنة (٦٨). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا ، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة غير شيخه، فتفرّد به هو والبخاريّ، والترمذيّ، والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بفقهاء المدنيين غير شيخه، فإنه نيسابوريّ، وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: صالح عن عبيد الله. ٥ - (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة، عبيد الله بن عبد الله، وقد تقدّم ذكرهم غير مرّة. ٦ - (ومنها): أن زيد بن خالد - ﵁ - هذا أوّل محلّ ذكره في هذا الكتاب، وجملة ما روى له المصنّف فيه (١٦) حديثًا، كما بيّنته آنفًا، وبالله تعالى التوفيق. [تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الجيّاني في «تقييد المهمل» بعد أن أورد إسناد المصنّف هذا ما نصّه: هكذا إسناد هذا الحديث، وفي نسخة أبي العلاء بن ماهان: «مالك، عن صالح بن كيسان، عن الزهريّ، عن عبيد الله، عن ابن عباس»، وإدخال الزهريّ في هذا الإسناد خطأٌ بَيِّنٌ، وصالح بن كيسان يرويه عن عبيد الله بن عبد الله دون واسطة، وصالح أسنّ من الزهريّ. انتهى ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ زيدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنيِّ) هكذا يقول صالح بن كيسان، لم يُخْتَلَف عليه في ذلك، وخالفه الزهريّ، فرواه عن شيخهما عبيدِ الله، فقال: عن أبي هريرة، كما سيأتي في الرواية التي يوردها المصنّف بعد هذا من طريقه، فالطريقان صحيحتان؛ لأن عبيد الله سَمِع من زيد بن خالد وأبي هريرة جميعًا عِدَّةَ أحاديث، منها: حديث الْعَسِيف وحديث الأمة إذا زَنَت، فلعله سمع هذا منهما، فحَدَّث به تارةً عن هذا وتارةً عن هذا، وإنما لم يجمعهما لاختلاف لفظهما كما تراه في روايتيهما، وقد صرح صالح بسماعه له من عبيد الله عند أبي عوانة في «مسنده» (٦٧)، ورَوَى صالح عن عبيد الله بواسطة الزهري عِدّة أحاديث، منها: حديثُ ابن عباس في شاة ميمونة، كما سيأتي في «كتاب الحيض» (٣٦٣)، وحديثه عنه في قصة هِرَقل كما سيأتي في «الجهاد والسِيَر» (١٧٧٣) . (قَالَ: صَلَّى بِنَا) أي صلّى إمامًا ونحن مقتدون به، ووقع عند البخاريّ: بلفظ: «صَلَّى لنا» باللام، أي لأجلنا، أو اللام بمعنى الباء أي صلى بنا، وفيه جواز إطلاق ذلك مجازًا، وإنما الصلاة لله تعالى، قاله في «الفتح» . (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ) بالمهملة والتصغير، وتخفف ياؤها وتُثَقَّل، يقال: سُمِّيَت بشجرة حدباء هناك، قاله في «الفتح». وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: أكثر رواة الحديث والخبر يُشدّدون الياء من الحديبية، والْحُذّاق منهم يُخفّفونها، وكذا قرأناه بالوجهين وبالتخفيف سمعناها من متقنيهم وحُفّاظهم: أبي الحسين بن سراج اللغويّ، وأبي عبد الله بن سليمان الحافظ النحويّ، والقاضي الشهيد الحافظ أبي عليّ السُّكَّريّ، والراوية أبي بحر بن العاص وغيرهم، وحَكَى لنا أبو الحسين أن الأصمعيّ يُخفّفها والكسائيّ يُشدّدها، وروى لنا القاضي الشهيد، عن إسماعيل القاضي، عن ابن المدينيّ أن أهل المدينة يُشذدونها وأهل العراق يُخفّفونها. وكذلك اختلفوا في «الْجِعْرَانة»، فأهل المدينة يكسرون العين ويُشدّدون الراء، وأهل العراق يُخفّفون العين والراء. وكذلك اختلفوا في ابن الْمُسَيِّب، فأهل المدينة يَكسرون الياء، وأهل العراق يفتحونها، وهذا عن أهل العراق في الحديبية خلافُ ما قال لنا أبو الحسين. انتهى كلام عياض . وقال النوويّ رحمه الله تعالى: في «الْحُدَيبية» لغتان: تخفيف الياء وتشديدها، والتخفيف هو الصحيح المشهور المختار، وهو قول الشافعيّ وأهل اللغة وبعضِ المحدِّثين، والتشديدُ قول الكسائيّ، وابن وهب، وجماهير المحدثين، واختلافهم في الجعرانة كذلك، في تشديد الراء وتخفيفها، والمختار فيها أيضًا التخفيف. انتهى . وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: «الْحُديبية»: موضع فيه ماءٌ، بينه وبين مكة أميال، وَصَلَ النبيّ - ﷺ - إليه، وهو محرمٌ بعمرة قبل فتح مكّة، فصدّه المشركون عن البيت، فصالحهم وشَرَطَ لهم وعليهم، ولم يدخل مكّة في تلك السنة ورجع إلى المدينة، فلما كان العام المقبل دخلها، وسيأتي تفصيل ذلك كلِّهِ - إن شاء الله تعالى -. انتهى كلام القرطبيّ . وقال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: «الحديبية»: بئر بقرب مكة على طريق جُدّة دون مرحلة، ثم أُطلق على الموضع، ويقال: بعضه في الحلّ وبعضه في الحرم، وهو أبعد أطراف الحرم عن البيت، ونَقَل الزمخشريّ عن الواقديّ أنها على تسعة أميال من المسجد، وقال أبو العباس أحمد الطبريّ في «كتاب دلائل القبلة»: حَدُّ الحرم من طريق المدينة ثلاثة أميال، ومن طريق جُدَّة عشرة أميال، ومن طريق الطائف سبعة أميال، ومن طريق اليمن سبعة أميال، ومن طريق العراق سبعة أميال، قال في «الْمُحْكَم»: فيها التثقيل والتخفيف، ولم أَرَ التثقيل لغيره، وأهلُ الحجاز يُخَفّفون، قال الطَّرْطُوشيّ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ [الفتح: ١]: هو صلح الحديبية، قال: وهي بالتخفيف، وقال أحمد بن يحيى: لا يجوز فيها غيره، وهذا هو المنقول عن الشافعيّ، وقال السُّهَيليّ: التخفيف أعرف عند أهل العربية، قال: وقال أبو جعفر النَّحَّاس: سألت كل مَن لَقِيتُ ممن أثق بعلمه من أهل العربية عن الحديبية، فلم يَخْتَلِفُوا عليّ في أنها مخففةٌ، ونَقَلَ البكريّ التخفيف عن الأصمعيّ أيضًا، وأشار بعضهم إلى أن التثقيل لم يُسْمَع من فصيح، ووجهه أن التثقيل لا يكون إلا في المنسوب، نحو «الإِسْكَندَرِيَّة»، فإنها منسوبة إلى الإِسْكَنْدَر، وأما «الحديبية»، فلا يُعْقَلُ فيها النسبة، وياءُ النَّسَب في غير منسوب قليلٌ، ومع قلّته فموقوف على السماع، والقياسُ أن يكون أَصلها حَدْبَاةَ بألف الإلحاق ببنات الأربعة، فلما صغَرت انقلبت الألف ياء، وقيل: حُدَيْبِيَة، وَيشْهَد لصحة هذا قولهم: لُيَيْلِيَة بالتصغير، ولم يَرِدْ لها مُكَئر، فقدَّره الأئمة ليلاة؛ لأن المصغر فرع المكبر، ويمتنع وجود فرع بدون أصله، فقُدِّر أصله؛ ليجري على سَنَنِ الباب، ومثله مما سُمِعَ مُصغَّرًا، دون مكبره قالوا في تصغير غِلْمَة، وصبية: أُغيلمةٌ وأُصيبيةٌ، فَقَدَّروا أصله أَغْلِمَة وأَصْبِية، ولم يَنطِقوا به لما ذكرتُ فافهمه، فلا مَحِيد عنه، وقد تكلمت العرب بأسماءٍ مصغرةٍ ولم يتكلموا بمكبرها، ونَقَلَ الزجاجيّ عن ابن قُتيبة أنها أربعون اسْمًا. انتهى كلام الفيّوميّ . (فِي إِثْرِ السَّمَاءِ) بكسر الهمزة، وإسكان الثاء المثلّثة، وبفتحهما جميعًا؛ لغتان مشهورتان، ومعناه: بعدها وعَقِبها، قال الفيّوميّ: جئتُ في أَثَرِهِ بفتحتين، وإِثْرِهِ بكسر الهمزة وسكون الثاء: أي تبعته عن قُرْب. انتهى. وقوله: (السَّمَاءِ) قال الشيخ ابن الصلاح رحمه الله تعالى: وقع في الأصل المأخوذ عن الْجُلُوديّ «السماء» بالألف واللام، وكذلك هو في أصل الحافظ أبي القاسم العساكريّ مُضَبَّبًا عليه، وهو جائز على أن يكون قوله: «كانت» مستأنفًا لا صفةً، وهو في أصل الحافظ أبي حازم العَبْدريّ، وأصل أبي عامر العَبْدريّ بخطّيهما: «سماء» منكّرًا وهو الأولى. و«السماء» ها هنا المطر، وكلّ ما علاك وأظلّك فهو سماء، والسماء المعروفة من المعروف أنها مؤنّثةٌ، وقد تُذكَّرُ، وأما تأنيث السماء بمعنى المطر كما جاء في هذا الحديث ففي كتاب أبي حنيفة الدِّينَوَريّ في «الأنواء»: إنه يقال: للمطر سماء، ألا ترى أنهم يقولون: أصابتنا سماء غزيرة، وفي «كتاب التهذيب» للأزهريّ: «السماء» المطر، و«السماء» أيضًا سم الْمَطَرَة الجديدة، يقال: أصابتنا سماءٌ، وهذا يُشعر بتخصيص التأنيث بهذه الْمَطَرَة، والله أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح . وقال في «اللسان»: قال الزجّاج: السماء في اللغة يقال: لكلّ ما ارتفع وعلا، وكلّ سقف فهو سماء، ومن هذا قيل للسحاب: سماءٌ لأنها عالية، والسماء كل ما علاك فأظلّك، ومنه قيل لسقف البيت: سماءٌ، والسماء التي تُظلُّ الأرضَ أُنثى عند العرب لأنها جمع سماءة، والسماءة أصلها سماوةٌ، وإذا ذُكِّرت السماءُ عَنَوْا به السقف، ومنه قول الله تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨]، ولم يقال: منفطرةٌ، وقال الجوهريّ: السماء تُذكّر وتؤنّثُ أيضًا، وأنشد ابن برّيّ في التذكير [من الوافر]: فَلَوْ رَفَعَ السَّمَاءُ إِلَيْهِ قَوْمًا … لَحِقْنَا بِالسَّمَاءِ وَبِالسَّحَابِ والسماء: المطر مذكّرٌ، ومنهم من يؤنّثه وإن كان بمعنى المطر، كما تُذكّر السماء وإن كانت مؤنّثةً، كقوله تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾، قال مُعَوِّدُ الحكماء معاوية بن مالك [من الوافر أيضًا]: إِذَا سَقَطَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ … رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضابَا (كَانَتْ) أي السماء وأنّثها؛ لأنه يجوز تأنيثها وتذكيرها، كما سبق آنفًا (مِنَ اللَّيْلِ) ووقع في بعض روايات البخاريّ بلفظ: «من الليلة» بالإفراد (فَلَمَّا انْصَرَفَ) أي من صلاته وفرغ منها أو من مكانه الذي صلّى فيه (أَقْبَلَ عَلَى النَّاس، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ) لفظه استفهام، ومعناه التنبيه (مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟») ووقع في رواية النسائيّ: «ألم تسمعوا ما قال ربكم الليلة؟» (قَالُوا) أي الصحابة الحاضرون لديه (اللهُ) ﷾ (وَرَسُولُهُ) - ﷺ - (أَعْلَمُ، قَالَ) أي النبيّ - ﷺ - («قَالَ) أي الله ﷾، قال في»الفتح«: هذا من الأحاديث الإلهية، وهي تحتمل أن يكون النبيّ - ﷺ - أخذها عن الله بلا واسطة أو بواسطة. قاله في»الفتح« . (أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي) هذه إضافة عموم، بدليل التقسيم إلى مؤمن وكافر، بخلاف مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] فإنها إضافة تشريف (مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهره أنه الكفر الحقيقيّ؛ لأنه قابل به المؤمن الحقيقيّ، فيُحمل على من اعتقد أن المطر من فِعْل الكواكب وخَلْقِها لا من فعل الله تعالى، كما يَعتقده بعضُ جُهّال المنجّمين، والطبائعيين، والعرب، فأما من اعتقد أن الله تعالى هو الذي خَلَقَ المطر، أُعَوِّدُ مِثْلَهَا الْحُكَمَاءَ بَعْدِي … إِذَا مَا الْحَقُّ فِي الْحَدَثَانِ نَابَا واخترعه، ثم تكلّم بذلك القول، فليس بكافر، ولكنه مخطئ من وجهين: [أحدهما]: أنه خالف الشرع، فإنه قد حذّر من ذلك الإطلاق. [ثانيهما]: أنه قد تشبّه بأهل الكفر في قولهم، وذلك لا يجوز؛ لأنا قد أُمرنا بمخالفتهم، فقال - ﷺ -: «خالفوا المشركين» ، وقال: «خالفوا اليهود» ، ونُهينا عن التشبّه بهم، وذلك يقتضي الأمر بمخالفتهم في الأفعال، والأقوال على ما يأتي - إن شاء الله تعالى -، ولأن الله تعالى قد منعنا من التشبّه بهم في النطق بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] لَمّا كان اليهود يقولون تلك الكلمة للنبيّ - ﷺ -، يقصدون ترعينه، منعنا الله تعالى من إطلاقها، وقولها للنبيّ - ﷺ - وإن قصدنا بها الخير سدًّا للذريعة ومنعًا من التشبّه بهم، فلو قال غير هذا اللفظ الممنوع يُريد به الإخبارَ عمّا أجرى الله تعالى به سنّته جاز، كما قال - ﷺ -: «إذا نشأت بحريّة، ثم تشاءمت، فتلك عينٌ غُدَيقةٌ» . انتهى كلام القرطبيّ ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وسيأتي البحث فيه مستوفىً في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. (فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا) بالبناء للمفعول، أي نزل علينا المطر، يقال: مَطَرَتِ السماءُ تَمْطُرُ مَطَرًا من باب طَلَبَ، فهي ماطرةٌ في الرحمة، وأمطرت بالألف أيضًا لغة، قال الأزهريّ: يقال: نبتَ الْبَقْلُ وأنبت، كما يقال: مَطَرَت السماءُ وأمطرت، وأمطرت بالألف لا غيرُ في العذاب، ثم سُمّي القَطْرُ بالمصدر وجمعه أمطارٌ، مثلُ سَبَبٍ وأسبابٍ، قاله الفيّوميّ (بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِه، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أي مصدّق بأن المطر خَلْقي لا خَلْقُ الكوكب، أرحم به عبادي وأتفضّل عليهم به، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾ [الشورى: ٢٨]. انتهى . (وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا) أي بطلوع نجم، وسقوط آخر، وفي حديث أبي سعيد - ﵁ - عند النسائيّ: «مُطِرْنَا بِنَوْءِ الْمِجْدَح» بكسر الميم، وسكون الجيم، وفتح الدال بعدها مهملة، ويقال: بضم أوله، هو الدَّبَرَانُ، بفتح المهملة والموحدةِ بعدها، وقيل: سُمِّي بذلك لاستدباره الثُّرَيَّا، وهو نجم أحمر صغير مُنِير، قال ابن قتيبة: كُلُّ النجوم المذكورة له نَوْءٌ، غير أن بعضها أحمر وأغزر من بعض، ونَوْءُ الدَّبَرَان غير محمود عندهم. انتهى. وكأن ذلك وَرَدَ في الحديث تنبيهًا على مبالغتهم في نسبة المطر إلى النوء، ولو لم يكن محمودًا، أو اتَّفَقَ وقوع ذلك المطر في ذلك الوقت، إن كانت القصة واحدةً. وفي «مغازي الواقدي»: إن الذي قال في ذلك الوقت: «مُطِرنا بنوء الشِّعْرَى» هو عبد الله بن أبيّ، المعروف بابن سَلُولَ، أخرجه من حديث أبي قتادة - ﵁ -، قاله في «الفتح» . وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: «النَّوْءُ» في أصله ليس هو نفس الكوكب، فإنه مصدرُ نَاءَ النجمُ يَنُوءُ نَوْءًا: أي سَقَطَ وغاب، وقيل: أي نَهَضَ وطَلَعَ، وبيان ذلك أن ثمانية وعشرين نجمًا معروفةَ المطالع في أزمنة السنة كُلِّها، وهي المعروفة بمنازل القمر الثمانية والعشرين، يَسقُط في كل ثلاث عشرة ليلة منها نجمٌ في المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع آخر يقابله في المشرق من ساعته، وكان أهلُ الجاهلية إذا كان عند ذلك مطر ينسبونه إلى الساقط الغارب منهما، وقال الأصمعيّ: إلى الطالع منهما، قال أبو عبيد: ولم أسمع أَحدًا ينسب النوء للسقوط إلا في هذا الموضع، ثم إن النجم نفسه قد يُسَمَّى نَوْءًا تسميةً للفاعل بالمصدر، قال أبو إسحاق الزجاج في بعض «أماليه»: الساقطة في الغرب هي الأنواء، والطالعة في المشرق هي البوارح، والله تعالى أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي في المسألة الخامسة استيفاء ما قيل في النَّوء - إن شاء الله تعالى -. (فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ») أي حيث نسب للمخلوق ما هو من خصوصيّات الخالق، فجحد نعمة الله تعالى في ذلك، وظلم بنسبتها لغير المنعم بها، فإن كان ذلك عن اعتقاد كان كافرًا ظالمًا حقيقة، وإن كان عن غير اعتقاد، فقد تشبّه بأهل الكفر والظلم الحقيقيّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث زيد بن خالد الْجُهَنيّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسأله الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٣٤/ ٢٣٨] (٧١)، و(البخاريّ) في «الأذان» ١/ ٢١٤ (٨٤٦) و«الاستسقاء» ٢/ ٤١ (١٠٣٨) و«المغازي» ٥/ ١٥٥ (٤١٤٧) و«التوحيد» ٩/ ١٧٧ (٧٥٠٣)، وفي «الأدب المفرد» (٩٠٧)، و(أبو داود) في «الطبّ» ٤/ ٢٢٧ (٣٩٠٦)، و(النسائيّ) في «الصلاة» (١٥٢٥)، وفي «الكبرى» (١٤/ ١٨٣٤)، وفي «عمل اليوم والليلة» (٩٢٤ و٩٢٥)، و(مالك) في «الموطأ» (١٣٦)، و(عبد الرزاق) في «مصنّفه» (٢١٠٠٣)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٨١٣)، و(أحمد) في «مسنده» ٤/ ١١٥ و١١٦ و١١٧، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٦٦ و٦٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٢٢٩)، و(الطبرانيّ) (٥٢١٣ و٥٢١٤ و٥٢١٥ و٥٢١٦)، و(ابن منده) (٥٠٣ و٥٠٤ و٥٠٥)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١١٦٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن قول «مُطرنا بنوء كذا وكذا» كفر ينافي الإيمان، وهذا هو وجه إيراد المصنّف رحمه الله تعالى له في هذا الباب. ٢ - (ومنها): تحريم الاستمطار بالكواكب. ٣ - (ومنها): طَرْحُ الإمام المسألة على أصحابه وإن كانت لا تُدْرَك إلا بدِقَّة النظر. ٤ - (ومنها): وجوب شكر الله ﷾ على إنزاله المطر. ٥ - (ومنها): تحريم نسبة نعمة من نعم الله تعالى إلى أحد من عباده، لا إلى ملك مقرّب، ولا إلى نبيّ مرسل، ولا إلى وليّ، أو أيّ مخلوق كان، فلا ينبغي للمسلم إذا حصلت له نعمة أن يقول: هذه مما أعطاني الشيخ الفلانيّ، بل ينسبها إلى خالقها، ومما ابتُلي به كثير ممن يعتقد بالأولياء والمشايخ الكبار نسبة ذلك إليهم، فإذا أجدبت الأرض أو حصلت أمراض في البلد يتضرعون بالدعاء، فإذا أزال الله ذلك عنهم قالوا: هذا من شيخنا الفلانيّ، أو لولا شيخنا لما حصل هذا، أو كانت امرأة أحدهم عقيمًا، ثم رزقه الله تعالى ولدًا منها قال: هذا من شيخي، بل كثيرًا ما نسمع منهم من يقول لأيّ أمر كان: إن أراد الله وأراد شيخنا سيكون هذا الأمر، وإلا فلا، بل بلغ الأمر ببعضهم أن لا يشرك شيخه بالله تعالى، بل يفرده بنسبة الأشياء إليه، فيقول: إن أراد شيخنا كذا فسيحصل لنا، وما أشبه ذلك، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ما أكثر غفلة كثير من الناس، وهذا من غربة الإسلام، فلقد عاد الكثيرون إلى الجاهليّة الأولى، بل إلى أشدّ وأطمّ منها كما أشرت إليه آنفًا، وهذا مصداق قوله - ﷺ -: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود كما بدأ غريبًا، فطوبى للغرباء»، كما سيأتي للمصنّف، فلا حول ولا قوّة إلا بالله العزيز الحكيم. ٦ - (ومنها): استحباب أن يقول عند نزول المطر: «مُطرنا بفضل الله تعالى وبرحمته»، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: ذكر في «الفتح»: أنه يستنبط من هذا الحديث أن للولي المتمكن من النظر في الإشارة أن يأخذ منها عباراتٍ، ينسبها إلى الله تعالى، قال: كذا قرأت بخط بعض شيوخنا، وكأنه أخذه من استنطاق النبي - ﷺ - أصحابه عما قال ربهم، وحَمَلَ الاستفهام فيه على الحقيقة، لكنهم - ﵃ - فَهِموا خلافَ ذلك، ولهذا لم يجيبوا إلا بتفويض الأمر إلى الله ورسوله - ﷺ -. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا استنباط عجيب، فأين هو من الحديث؟ وأعجب منه سكوت الحافظ عليه بل توجيهه له، إن هذا لهو العجب العجاب، قال بعض المحققين معلقًا على قوله: «ينسبها إلى الله تعالى» ما نصّه: هذا خطأٌ، وقول على الله بغير علم، فلا يجوز لمسلم أن يتعاطى ذلك، بل عليه أن يقول إذا سئل عما لا يعلم: الله أعلم، كما فعل الصحابة - ﵃ -. انتهى، وهو تعقّب جيّد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في المعنى المراد بالكفر في هذا الحديث: قال النوويّ رحمه الله تعالى: اختلف العلماء في كفر من قال: مُطِرنا بنوء كذا على قولين: [أحدهما]: هو كفر بالله ﷾، سالب لأصل الإيمان، مُخْرِج من ملة الإسلام، قالوا: وهذا فيمن قال ذلك مُعتقدًا أن الكوكب فاعلٌ مُدَبِّرٌ مُنشئٌ للمطر، كما كان بعض أهل الجاهلية يَزْعُم ذلك، ومن اعتقد هذا فلا شكّ في كفره، وهذا القول هو الذي ذهب إليه جماهير العلماء والشافعيّ منهم، وهو ظاهر الحديث، قالوا: وعلى هذا لو قال: مُطِرنا بنوء كذا، مُعْتقدًا أنه من الله تعالى وبرحمته، وأن النَّوْء ميقاتٌ وله علاقةٌ اعتبارًا بالعادة، فكأنه قال: مُطِرنا في وقت كذا، فهذا لا يَكفُر، واختلفوا في كراهته، والأظهر كراهته، لكنها كراهة تنزيه لا إثم فيها، وسبب الكراهة أنها كلمة مترددة بين الكفر وغيره، فيُسَاءُ الظنُّ بصاحبها، ولأنها شِعَار الجاهلية ومن سلك مسلكهم. [والقول الثاني]: في أصل تأويل الحديث أن المراد كفر نعمة الله تعالى؛ لاقتصاره على إضافة الغيث إلى الكوكب، وهذا فيمن لا يَعتقد تدبير الكوكب، ويؤيد هذا التأويل الرواية الأخيرة في الباب: «أصبح من الناس شاكرٌ وكافر …»، وفي الرواية الأخرى: «ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين»، وفي الرواية الأخرى: «ما أنزل الله تعالى من السماء من بركة، إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين»، فقوله: «بها» يدل على أنه كفر بالنعمة، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ . وقال في «الفتح»: قوله: «مؤمن بي وكافر» يحتمل أن يكون المراد بالكفر هنا كفرَ الشرك، بقرينة مقابلته بالإيمان، ولأحمد من رواية نصر بن عاصم الليثيّ، عن معاوية الليثيّ، مرفوعًا: «يكون الناس مُجْدِبِين، فيُنْزِل الله عليهم رزقًا من السماء من رزقه، فيُصبحون مشركين، يقولون: مُطِرنا بنوء كذا». ويحتمل أن يكون المراد به كفرَ النعمة، ويُرشد إليه روايةُ أبي هريرة الآتية بعدُ: «قال الله: ما أنعمت على عبادي من نعمة، إلا أصبح فريق منهم كافرين بها …»، وفي حديث ابن عباس الآتي بعده: «أصبح من الناس شاكر ومنهم كافرٌ …»، وفي رواية النسائيّ: «فأما من آمن بي وحمدني على سُقياي، فذلك الذي آمن بي وكفر بالكوكب»، ونحوه في رواية أبي عوانة والإسماعيليّ، وقال في آخره: «وكفر بي، أو قال: كَفَرَ نعمتي». قال: وعلى الأول حمله كثير من أهل العلم، قال: وأعلى ما وقفت عليه من ذلك كلام الشافعي رحمه الله تعالى، قال في «الأمّ»: من قال: «مُطِرنا بنوء كذا وكذا» على ما كان بعض أهل الشرك يَعنُون من إضافة المطر إلى أنه مطر نَوْء كذا، فذلك كُفْرٌ، كما قال رسول الله - ﷺ -؛ لأن النوء وقت، والوقت مخلوق، لا يَملك لنفسه ولا لغيره شيئًا، ومن قال: مُطِرنا بنوء كذا، على معنى مُطِرنا في وقت كذا، فلا يكون كُفْرًا، وغيره من الكلام أحبُّ إليّ منه - يعني حسمًا للمادّة - وعلى ذلك يُحْمَل إطلاق الحديث. وحَكَى ابنُ قتيبة في «كتاب الأنواء»: أن العرب كانت في ذلك على مذهبين، على نحو ما ذكره الشافعيّ، قال: ومعنى النوء سقوط نجم في المغرب من النجوم الثمانية والعشرين التي هي منازل القمر، قال: وهو مأخوذ من ناء: إذا سقط، وقال آخرون: بل النَّوْء طلوع نجم منها، وهو مأخوذ من ناء: إذا نَهَضَ، ولا تخالف بين القولين في الوقت؛ لأن كل نجم منها إذا طلع في المشرق وقع حال طلوعه آخر في المغرب، لا يزال ذلك مستمرًّا إلى أن تنتهي الثمانية والعشرون بانتهاء السنة، فإن لكل واحد منها ثلاثة عشر يومًا تقريبًا، قال: وكانوا في الجاهلية يظنون أن نزول الغيث بواسطة النَّوْء، إما بصُنْعه على زعمهم وإما بعلامته، فأبطل الشرع قولهم وجعله كُفْرًا، فإن اعتقد قائل ذلك أن للنوء صنعًا في ذلك، فكفره كفرُ تشريك، وإن اعتقد أن ذلك من قبيل التجربة فليس بشرك، لكن يجوز إطلاق الكفر عليه، وإرادة كفر النعمة؛ لأنه لم يقع في شيء من طُرُق الحديث بين الكفر والشرك واسطة، فيحمل الكفر فيه على المعنيين لتناول الأمرين، والله أعلم. ولا يَرِدُ الساكت، لأن المعتقد قد يَشْكُر بقلبه أو يكفر، وعلى هذا فالقول في قوله: «فأما من قال» لِمَا هو أعمّ من النطق والاعتقاد، كما أن الكفر فيه لِمَا هو أعمّ من كفر الشرك وكفر النعمة. انتهى ما في «الفتح» ببعض تصرّف . والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): ما جاء في «النَّوْءِ»: قال ابن منظور رحمه الله تعالى: «النَّوْء»: النجم إذا مال للمغيب، والجمع أنواء ونُوْآن، حكاه ابن جني مثل عَبْد وعُبْدَان، وبَطْنٍ وبُطْنَان. قال حسان بن ثابت - ﵁ -[من المتقارب]: وَيَثْرِبُ تَعْلَمُ أَنَّا بِهَا … إِذَا قَحَطَ الْغَيْثُ نُوآنُهَا وقيل: معنى النَّوْء سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر وطلوع رقيبه، وهو نجم آخر يقابله من ساعته في المشرق، في كل ليلة إلى ثلاثة عشر يومًا، وهكذا كلُّ نجم منها إلى انقضاء السنة ما خلا الْجَبْهَةَ، فإن لها أربعة عشر يومًا، فتنقضي جميعها مع انقضاء السنة، وإنما سُمِّي نَوْءًا؛ لأنه إذا سقط الغارب ناء الطالع، وذلك الطلوع هو النوء، وبعضهم يجعل النَّوء السقوط، كأنه من الأضداد، قال أبو عبيد: ولم يُسْمَع في النوء أنه السقوط إلا في هذا الموضع، وكانت العرب تُضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها، وقال الأصمعيّ: إلى الطالع منها في سلطانه، فتقول: مُطِرنا بنوء كذا. وقال الزجاج في بعض «أماليه»: معنى مُطِرنا بِنَوء كذا: أي مُطِرنا بطلوع نجم وسقوط آخر، قال: والنَّوءُ على الحقيقة سقوط نجم في المغرب، وطلوع آخر في المشرق، فالساقطة في المغرب هي الأنواء، والطالعة في المشرق هي الْبَوَارحُ، قال: وقال بعضهم: النوء ارتفاع نجم من المشرق وسقوط نظيره في المغرب، وهو نظير القول الأول، فإذا قال القائل: مُطِرنا بنوء الثُّرَيّا، فإنما تأويله: أنه ارتفع النجم من المشرق وسقط نظيره في المغرب، أي مطرنا بما ناء به هذا النجم. وقال أبو عبيد: الأنواء ثمانية وعشرون نجمًا معروفةَ المطالع في أزمنة السنة كلها، من الصيف، والشتاء، والربيع، والْخَرِيف يَسْقُط منها في كل ثلاث عشرة ليلةً نجم في المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع آخر يقابله في المشرق من ساعته، وكلاهما معلومٌ مُسَمّى، وانقضاء هذه الثمانية وعشرين كلها مع انقضاء السنة، ثم يرجع الأمر إلى النجم الأول مع استئناف السنة المقبلة، وكانت العرب في الجاهلية إذا سَقَط منها نجم وطلع آخر، قالوا: لا بُدّ من أن يكون عند ذلك مطرٌ أو رياح، فينسبون كلَّ غيب يكون عند ذلك إلى ذلك النجم، فيقولون: مُطرنا بنوء الثُّرَيّا، والدَّبَران، والسِّمَاك، والأَنْوَاء واحدها نَوْءٌ. قال: وإنما سُمِّي نَوْءًا؛ لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق، يَنُوءُ نَوْءًا: أي نَهَضَ وطَلَع، وذلك النهوض هو النوء، فسُمِّي النجم به، وذلك كلُّ ناهض بِثِقَلٍ وإبطاء فإنه ينوء عند نهوضه، وقد يكون النَّوءُ السقوطَ، قال: ولم أَسْمَع أن النوء السقوط إلا في هذا الموضع. وقال شَمِر: هذه الثمانية وعشرون التي أراد أبو عبيد هي منازل القمر، وهي معروفة عند العرب وغيرهم من الفرس والروم والهند، لم يختلفوا في أنها ثمانية وعشرون، يَنْزِل القمر كل ليلة في منزلة منها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩]، قال شمر: وقد رأيتها بالهندية والرومية والفارسية مترجمة، قال: وهي بالعربية فيما أخبرني به ابن الأعرابيّ: الشَّرَطَان، والْبَطِينُ، والنَّجْم، والدَّبَرَانُ، والْهَقْعَة، والْهَنْعَةُ، والذِّرَاعُ، والنَّثْرَةُ، والطَّرْفُ، والْجَبْهَةُ، والْخَرَاتَان، والصَّرْفَةُ، والْعَوَّاءُ، والسِّمَاكُ، والْغَفْرُ، والزُّبَانَى، والإِكْلِيلُ، والْقَلْبُ، والشَّوْلَةُ، والنَّعَائِمُ، والْبَلْدَةُ، وسَعْدُ الذَّابِح، وسَعْدُ بُلَعَ، وسَعْدُ السُّعُود، وسَعْدُ الأَخْبِيَة، وفَرْغُ الدَّلْوِ الْمُقَدَّمُ، وفَرْغُ الدَّلوِ الْمُؤَخَّرُ، والْحُوتُ، قال: ولا تَسْتَنِيء العرب بها كُلِّها، إنما تَذكُر بالأنواء بعضَها، وهي معروفة في أشعارهم وكلامهم. وكان ابن الأعرابي يقول: لا يكون نَوْءٌ حتى يكون معه مطر وإلا فلا نَوْء.
مصادر المؤلف (٢٥)

١. هكذا في برنامج الحديث، والذي ذكرته في «قرّة العين» (ص ١٤٤) نقلًا عن ابن الجوزيّ رحمه الله تعالى أن له (٨١) حديثًا، اتفق الشيخان على خمسة أحاديث، وانفرد مسلم بثلاثة، ويمكن أن يكون التفاوت بالتكرار، والله تعالى أعلم.

٢. «تقييد المهمل، وتمييز المشكل» ٣/ ٧٧٩ - ٧٨٠.

٣. راجع: «الفتح» ٢/ ٦٧٤.

٤. المراد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، فتنبّه.

٥. «الفتح» ٢/ ٦٧٤.

٦. «إكمال المعلم» ١/ ٣٦٨ - ٣٦٩.

٧. «شرح مسلم» ٢/ ٦٠.

٨. «المفهم» ١/ ٢٥٨.

٩. «المصباح المنير» ١/ ١٢٣ - ١٢٤.

١٠. «الصيانة» ص ٢٤٩ - ٢٥٠.

١١. قيل له: معوِّد الحكماء؛ لقوله في هذه القصيدة:

١٢. ويروى: «إذا نزل السماء».

١٣. راجع: «لسان العرب» ١٤/ ٣٩٨ - ٣٩٩.

١٤. «الفتح» ٢/ ٦٧٥.

١٥. أخرجه البخاريّ (٥٨٩٢)، والمصنّف (٢٥٩) من حديث ابن عمر - ﵄ -.

١٦. حديث صحيحٌ، أخرجه أبو داود (٦٥٢) من حديث شدّاد بن أوس - ﵁ -.

١٧. قال الحافظ الهيثميّ رحمه الله تعالى: رواه الطبرانيّ في «الأوسط»، وقال: تفرّد به الواقديّ، قلت: وفي الواقديّ كلام، وقد وثّقه غير واحد، وبقيّة رجاله لا بأس بهم، وقد وُثّقوا. انتهى. «مجمع الزوائد» ٢/ ٢١٧.

١٨. «المفهم» ١/ ٢٥٩ - ٢٦٠.

١٩. «المصباح المنير» ٢/ ٥٧٥.

٢٠. «المفهم» ١/ ٢٦٠.

٢١. «الفتح» ٢/ ٦٧٦.

٢٢. «الصيانة» ص ٢٥٠ - ٢٥١.

٢٣. «الفتح» ٢/ ٦٧٦.

٢٤. «شرح مسلم» ٢/ ٦٠ - ٦١.

٢٥. راجع: «الفتح» ٢/ ٦٧٥ - ٦٧٦.