HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٩٧

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ. حَدَّثَنَا مُعْتَمِر. قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ؛ أَنَّ خَالِدًا الأَثْبَجَ، ابْنَ أَخِي صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، أَنَّهُ حَدَّثَ؛ أَنَّ جُنْدَبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ بَعَثَ إِلَى عَسْعَسِ بْنِ سَلَامَةَ، زَمَنَ فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: اجْمَعْ لِي نَفَرًا مِنْ إِخْوَانِكَ حَتَّى أُحَدِّثَهُمْ. فَبَعَثَ رَسُولًا إِلَيْهِمْ. فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَ جُنْدَبٌ وَعَلَيْهِ بُرْنُسٌ أَصْفَرُ. فَقَالَ: تَحَدَّثُوا بِمَا كُنْتُمْ تَحَدَّثُونَ بِهِ. حَتَّى دَارَ الْحَدِيثُ. فَلَمَّا دَارَ الْحَدِيثُ إِلَيْهِ حَسَرَ الْبُرْنُسَ عَنْ رَأْسِهِ. فَقَالَ: إني أتيكم وَلَا أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكُمْ عَنْ نَبِيِّكُمْ. إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بَعْثًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَإِنَّهُمُ الْتَقَوْا فَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِذَا شَاءَ أَنْ يَقْصِدَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ لَهُ فَقَتَلَهُ. وَإِنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ غَفْلَتَهُ. قَالَ وَكُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ. فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ، فَقَتَلَهُ. فَجَاءَ الْبَشِيرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ. فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ. حَتَّى أَخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُلِ كَيْفَ صَنَعَ. فَدَعَاهُ. فَسَأَلَهُ. فَقَالَ«لِمَ قَتَلْتَهُ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهَ أَوْجَعَ فِي الْمُسْلِمِينَ. وَقَتَلَ فُلَانًا وَفُلَانًا. وَسَمَّى لَهُ نَفَرًا. وَإِنِّي حَمَلْتُ عَلَيْهِ. فَلَمَّا رَأَى السَّيْفَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أقتلته؟» قال: نعم«فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جاءت يوم القيامة؟»فَجَعَلَ لَا يَزِيدُهُ عَلَى أَنْ يَقُولَ«كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يوم القيامة؟».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص68
ج ١ ص ٩٧

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣ ص١٩٣
الحديث، وبيان المسائل المتعلّقة به، قد استوفيتهما في الحديث الماضي، فلا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٦] (٩٧) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، أَنَّ خَالِدًا الْأَثْبَجَ، ابْنَ أَخِي صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، حَدَّثَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، أَنَّهُ حَدَّثَ، أَنَّ جُنْدَبَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيَّ، بَعَثَ إِلَى عَسْعَسِ بْنِ سَلَامَةَ، زَمَنَ فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْر، فَقَالَ: اجْمَعْ لِي نَفَرًا مِنْ إِخْوَانِكَ، حَتَّى أُحَدِّثَهُمْ، فَبَعَثَ رَسُولًا إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَ جُنْدَبٌ، وَعَلَيْهِ بُرْنُسٌ أَصْفَرُ، فَقَالَ: تَحَدَّثُوا بِمَا كُنْتُمْ تَحَدَّثُونَ بِه، حَتَّى دَارَ الْحَدِيثُ، فَلَمَّا دَارَ الْحَدِيثُ إِلَيْه، حَسَرَ الْبُرْنُسَ عَنْ رَأْسِه، فَقَالَ: إِنِّي أَتيْتُكُمْ، وَلَا أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكُمْ عَنْ نَبِيِّكُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعَثَ بَعْثًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّهُمُ الْتَقَوْا، فَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِذَا شَاءَ أَنْ يَقْصِدَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ لَهُ فَقَتَلَهُ، وَإِنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ غَفْلَتَهُ، قَالَ: وَكُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهُ أُسَامَةُ بْنُ زيدٍ، فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَتَلَهُ، فَجَاءَ الْبَشِيرُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ، حَتَّى أَخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُل، كَيْفَ صَنَعَ، فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «لِمَ قَتَلْتَهُ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوْجَعَ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَقَتَلَ فُلَانًا وَفُلَانًا، وَسَمَّى لَهُ نَفَرًا، وَإِنِّي حَمَلْتُ عَلَيْه، فَلَمَّا رَأَى السَّيْفَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَقَتَلْتَهُ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ الله، اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: «وَكيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا الله، إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟» قَالَ: فَجَعَلَ لَا يَزِيدُهُ عَلَى أَنْ يَقُولَ: «كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ) أبو جعفر البغداديّ المذكور في الباب الماضي. ٢ - (عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ) بن عُبيد الله بن الوازع الكلابيّ القيسيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ في حفظه شيء، من صغار [٩]. رَوَى عن جدّه، وشعبة، وحمّاد بن سلمة، وهمام بن يحيى، وجرير بن حازم، وسليمان بن المغيرة، وعمران القطان، ومعتمر بن سليمان، وعدة. ورَوَى عنه البخاريّ، وروى هو والباقون له بواسطة أحمد بن إسحاق السُّرْماريّ، والحسن بن علي الخلال، وأحمد بن الحسن بن خِرَاش، وأبو خيثمة، وأبو موسى محمد بن المثنى، وبندار، وعُقبة بن مُكْرَم، وإبراهيم الْجُوزجانيّ، وعبد بن حميد، والدارميّ، وأبو داود الحراني، ومحمد بن يونس الْكُديميّ، وآخرون. قال ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن سعد: صالح، وقال الآجريّ، عن أبي داود: لا أنشط لحديثه، قال: وسألته عنه، وعن الحوضيّ في همام، فقَدَّم الحوضيّ، قال: وقال بندار: لولا فَرَقي من آل عمرو بن عاصم، لتركت حديثه، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال إسحاق بن سيار: سمعته يقول: كتبت عن حماد بن سلمة بضعة عشر ألفًا. ولَمّا ذكر الذهبي قول بندار عَبّر بقوله: لولا شيءٌ لتركته، ثم قال: وكذا قال أبو داود: يا بُندار، قال: لولا سلامةٌ في بندار لتركته. قال البخاري وغيره: مات سنة ثلاث عشرة ومائتين، وكذا ذكر ابن حبان، وزاد: في غرة جمادى الأولى. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، هذا الحديث، و(٦٣٥): «من صلّى البردين دخل الجنة»، و(٢٤٥٤): «كان رسول الله - ﷺ - يزورها …»، و(٢٤٥٥): «إني أرحمها، قُتل أخوها معي»، و(٢١٤٤): «بارك الله لكما في غابر ليلتكما»، و(٢٤٦٥): «من جمع القرآن على عهد رسول الله - ﷺ -»، و(٢٧٦٤): «هل حضرت الصلاة معنا …». ٣ - (مُعْتَمِر) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، الملقّب بالطُّفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٥. ٤ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرْخَان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٤٣)، وهو ابن (٩٧) سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٥ - (خَالِدٌ الْأَثْبَجُ، ابْنُ أَخِي صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ) هو: خالد بن عبد الله بن مُحْرِز المازنيّ البصريّ، صدوقٌ [٧]. رَوَى عن عمه صفوان، وعن عبد الله بن عمر، والصحيح عن عمه عنه، وعن زُرارة بن أوفى، والحسن البصريّ، وسِنَان بن سَلَمة بن الْمُحَبِّق، وغيرهم. ورَوى عنه سليمان التيميّ، وعاصم الأحول، وعوف الأعرابيّ، وإبراهيم بن طَهْمان، وغيرهم. قال العجليّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له المصنّف، هذا الحديث فقط، والنسائيّ. ٦ - (صَفْوَانُ بْنُ مُحْرِزٍ) بن زياد المازنيّ، وقيل: الباهليّ، وقال الأصمعيّ: كان نازلًا في بني مازن، وليس منهم، ثقةٌ، عابدٌ [٤]. رَوَى عن ابن عمر، وابن مسعود، وعمران بن حُصين، وأبي موسى الأشعري، وابن عباس، وحكيم بن حزام، وجندب بن عبد الله. ورَوى عنه أبو صَخْرة جامع بن شداد، وخالد بن عبد الله الأثبج، وعاصم الأحول، وقتادة، ومحمد بن واسع، وعلي بن زيد بن جُدْعان، وغيرهم. قال أبو حاتم: جليل، وقال ابن سعد: كان ثقة، وله فَضْلٌ وورَعٌ، قال الواقديّ: تُوُفّي في ولاية بشر بن مروان، وقال ابن حبان في «الثقات»: مات سنة (٧٤) في ولاية عبد الملك، وكان من العباد، اتَّخَذ لنفسه سَرَبًا يبكي فيه، ورَوَى محمد بن نصر في «قيام الليل» من طريق يزيد الرَّقَاشيّ: أن صفوان بن مُحرز كان إذا قام إلى التهجد قام معه سكان داره من الجنّ، فصَلَّوْا بصلاته، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة. قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبي، ما نصّه: قتادةُ، ومحمد بن واسع، وعلي بن زيد بن جُدْعان إنما طلبوا العلم قبل التسعين وبعدها، فهذا يدل على أن الواقديّ وَهِمَ في تاريخ موته، وتَبِعَهُ ابنُ حبان. قلت : ما وَهِمَ الواقديّ، فقد قال خليفة في «الطبقات»: مات بعد انقضاء أمر ابن الزبير بقليل، ومن هنا أخذ ابن حبان قولَهُ: مات سنة أربع؛ لأن قتل ابن الزبير كان آخر سنة ثلاث، وما ذكره الحافظ أبو عبد الله الذهبي من أن الذين سماهم لم يطلبوا العلم إلا بعد ذلك لا يمنع سماعهم من صفوان، فكم ممن سَمِعَ حديثًا أو أحاديث قديمًا، ثم اشتغل بعد مُدّة وطَلَبَ، والله أعلم. انتهى . أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط: هذا الحديث، وحديث (١٠٤): «أنا بريء ممن حَلَق، وسَلَق، وخَرَق»، و(٢٧٦٨): «يُدنَى المؤمن يوم القيامة من ربه ﷿ …». ٧ - (جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيُّ) هو: جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بن سفيان الْبَجَليّ، ثمّ الْعَلَقيّ - بفتحتين، ثم قاف - أبو عبد الله، وقد يُنسَب إلى جدّه، فيقال: جندب بن سفيان، سَكَن الكوفة، ثم البصرة، قَدِمها مع مصعب بن الزبير، وروى عنه أهل المصرين، قلت: وروى عنه من أهل الشام شهر بن حوشب، فقال: حدثني جندب بن سفيان، قال ابن السكن: وأهل البصرة يقولون: جندب بن عبد الله، وأهل الكوفة يقولون: جندب بن سفيان، غير شريك وحده، ويقال له: جندب الخير، وأنكره ابن الكلبيّ، وقال البغويّ: يقال له: جندب الخير، وجندب الفاروق، وجندب ابن أم جندب، وقال ابن حبان: هو جندب بن عبد الله بن سفيان، ومن قال: ابن سفيان نسبه إلى جده، وقد قيل: إنه جندب بن خالد بن سفيان، والأول أصحّ، وحَكَى الطبرانيّ نحو ذلك، وفي الطبرانيّ من طريق أبي عمران الْجَوْنيّ قال: قال لي جندب: كنت على عهد رسول الله - ﷺ - غلامًا حَزَوَّرًا . رَوَى عن النبي - ﷺ -، وعن حذيفة، وروى عنه الأسود بن قيس، وأنس بن سيرين، والحسن البصري، وأبو مِجْلَز، وأبو عمران الْجَونيّ، وأبو تميمة الْهُجَيميّ، وصفوان بن مُحرِز، وغيرهم. وقال البغوي عن أحمد: جُنْدب ليست له صحبة قديمة، قال البغوي: وهو جندب ابن أم جندب، وقال ابن حبان: هو جندب الخير، وقال خليفة: مات في فتنة ابن الزبير، وذكره البخاري في «التاريخ» فيمن توفي من الستين إلى السبعين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا ، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، إلا شيخه، فتفرّد به هو، والترمذيّ، وخالدًا الأثبج، فتفرّد به هو والنسائيّ، وصفوان بن محرز، فما أخرج له أبو داود. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، وبالبصريين، إلا شيخه، فبغداديّ، والصحابيّ سكن الكوفة، ثم البصرة، وروى عنه أهل البلدتين . ٤ - (ومنها): أن من شيخه، ومعتمرًا، وأباه، هذا أول محلّ ذكرهم في هذا الكتاب، وقد تقدّم عدد مروياتهم آنفًا، فلا تغفل. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، والراوي عن عمه. ٦ - (ومنها): أن رواية سليمان بن طرخان عن خالد الأثبج من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن سليمان تابعيّ، وخالد من تابعي التابعين، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عن سليمان التيميّ (أَنَّ خَالِدًا الْأَثْبَجَ) - بفتح الهمزة، وبعدها ثاء مثلثة ساكنة، ثم باء موحدة مفتوحة، ثم جيم - قال أهل اللغة: «الأَثْبَجُ»: هو عَرِيضُ الثَّبَج - بفتح الثاء والباء - وقيل: ناتئ الثَّبَج، والثَّبَج: ما بين الكاهل والظهر، و«الكاهل»: مقدَّم أعلى الظهر مما يلي الْعُنُق، كما في «المصباح» (ابْنَ أَخِي صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ) - بإسكان الحاء المهملة، وبراء، ثم زاي (حَدَّثَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، أَنَّهُ) أي صفوان (حَدَّثَ، أَنَّ جُنْدَبَ) بضم الجيم، والدال وتفتح (ابْنَ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيُّ) - بفتحتين - نسبة إلى قَبيلة بَجِيلة - بفتح، فكسر - وهو ابن أنمار بن أراش بن عمرو بن الْغَوْث، أَخي الأسد بن الْغَوث، وقيل: «إن بَجِلة اسم أمهم، وهي من سَعْد الْعَشِيرة، وأختها باهلة ولدتا قبيلتين عظيمتين، نزلت الكوفة»، قاله في الأنساب . (بَعَثَ) أي أرسل (إِلَى عَسْعَسِ) - بعينين، وسينين مهملات، والعينان مفتوحتان، والسين بينهما ساكنة - (ابْنِ سَلَامَةَ) - بتخفيف اللام - قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى في «الاستيعاب»: هو بصريّ رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، يقولون: إن حديثه مرسلٌ، وإنه لم يسمع النبيّ - ﷺ -، وكذا قال البخاريّ في «تاريخه»: حديثه مرسل، وكذا ذكره ابن أبي حاتم وغيره في التابعين، قال البخاريّ وغيره: كنية عَسْعَس أبو صفرة، وهو تميميّ بصريّ، وهو من الأسماء المفردة، لا يُعْرَف له نظير، قاله النوويّ في «شرحه» . وقال في «الإصابة» (٤/ ٤٩٩): عَسْعَس بن سلامة، أبو صفرة التميميّ البصريّ، له ذكر في «الصحيح» في حديث جندب، وذكره ابن أبي حاتم بين صحابيين في الأفراد، من حرف العين، ولم يُفْصِح البخاريّ بشيء، بل رَسَمَ الترجمة، وقال: نسبه شعبة عن الأزرق، وكذا صنع مسلم، وقال ابن منده: ذُكِر في الصحابة، ولا يثبت، وقال ابن عبد البر: يقولون: إن حديثه مرسل، وبذلك جزم العسكريّ، وابن حبّان، وقد رَوَى حديثه أبو داود الطيالسيّ، عن شعبة، عن الأزرق، عنه: أن النبيّ - ﷺ - قال: «صبر ساعة في بعض المواطن، خير من عبادة أربعين عامًا …» الحديث، وله حديث آخر، أخرجه الدارقطنيّ، وقال ابن المبارك في «الزهد»: أنبأنا محمد بن ثابت العبديّ، حدثنا هارون بن رئاب، سَمِعت عسعس بن سلامة يقول لأصحابه: سأحدثكم ببيت من شعرٍ، فتعجبوا، فقال [من الطويل] إِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ مِنْ ذِي عَظِيمَةٍ … وَإِلَّا فَإِنِّي لَا إِخَالُكَ مَاضِيَا أي إن تنج من مسألة القبر، فأخذ القوم يبكون بكاءً ما رأيتهم بَكَوا من شيء ما بَكَوا يومئذ. انتهى . (زَمَنَ فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ) أي أيام حربه مع بني أميّة، وهي قصّة مشهورة، وذلك أن ابن الزبير حين مات معاوية - ﵁ - امتنع من البيعة ليزيد بن معاوية، وأَصَرَّ على ذلك حتى أغرى يزيد بن معاوية مسلمَ بن عقبة بالمدينة، فكانت وقعة الْحَرَّة، ثم توجه الجيش إلى مكة، فمات أميرهم مسلم بن عقبة، وقام بأمر الجيش الشاميِّ حُصَين بن نُمَير، فحصر ابن الزبير بمكة، ورَمَوا الكعبة بالْمَنْجَنِيق حتى احتَرَقَت، ففجأهم الخبر بموت يزيد بن معاوية، فرجعوا إلى الشام، وقام ابن الزبير في بناء الكعبة، ثم دعا إلى نفسه، فبويع بالخلافة، وأطاعه أهل الحجاز، ومصر، والعراق، وخُراسان، وكثير من أهل الشام، ثم غَلَب مروان على الشام، وقَتَلَ الضحاك بن قيس الأمير من قبل ابن الزبير بِمَرْج راهط، ومضى مروان إلى مصر، وغَلَب عليها، وذلك كلُّه في سنة أربع وستين، وكَمُل بناء الكعبة في سنة خمس، ثم مات مروان في سنة خمس وستين، وقام عبد الملك بن مروان مَقَامه، وغَلَب المختار بن أبي عُبيد على الكوفة، ففَرَّ منه من كان من قبل ابن الزبير، وكان محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية، وعبد الله بن عباس مقيمين بمكة، منذ قُتِل الحسين، فدعاهما ابن الزبير إلى البيعة له، فامتنعا، وقالا: لا نبايع حتى يجتمع الناس على خليفة، وتبعهما جماعة على ذلك، فشَدَّد عليهم ابن الزبير، وحَصَرهم، فبلغ المختارَ، فجهز إليهم جيشًا، فأخرجوهما، واستأذنوهما في قتال ابن الزبير، فامتنعا، وخرجا إلى الطائف، فأقاما بها حتى مات ابن عباس سنة ثمان وستين، ورحل ابن الحنفية بعده إلى جهة رَضْوَى جبل بينبع، فأقام هناك، ثم أراد دخول الشام، فتوجه إلى نحو أيلة، فمات في آخر سنة ثلاث، أو أول سنة أربع وسبعين، وذلك عقب قتل ابن الزبير على الصحيح، وقيل: عاش إلى سنة ثمانين أو بعد ذلك، وعند الواقديّ: أنه مات بالمدينة سنة إحدى وثمانين، وزَعَمت الكيسانية أنه حيّ لم يَمُت، وأنه المهديّ، وأنه لا يموت حتى يملك الأرض، في خُرَافات لهم كثيرة، ليس هذا موضعها، ذكر هذا كلّه في «الفتح» . (فَقَالَ) جُندب - ﵁ - (اجْمَعْ لِي نَفَرًا) بفتحتين: جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نفرٌ فيما زاد على العشرة، قاله الفتوميّ . (مِنْ إِخْوَانِكَ) الظاهر أنه أراد بالإخوان ما يعمّ النسب والدين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ الآية (حَتَّى أُحَدِّثَهُمْ) بالنصب بـ «أن» مضمرة بعد «حتى»، كما قال في «الخلاصة»: وَبَعْدَ «حَتَّى» هَكَذَا إِضْمَارُ «أَنْ» … حَتْمٌ كـ «جُدْ حَتَّى تَسُرَّ ذَا حَزَنْ» ومعنى «حتى» هنا التعليل، بمعنى «كي»، أي كي أُحدّثهم، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧]، وقوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ الآية [المناففون: ٧] (فَبَعَثَ) عسعسٌ (رَسُولًا إِلَيْهِمْ) أي إلى إخوانه، قال صاحب «التنبيه»: لا أعرف هذا الرسول. انتهى . (فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَ جُنْدَبٌ) - ﵁ - (وَعَلَيْهِ بُرْنُسٌ) جملةٌ في محلّ نصب على الحال، و«الْبُرْنُسُ» - بضم الباء، وسكون الراء، وضمّ النون - قال ابن الأثير: هو كلُّ ثوب رأسُهُ منه، مُلْتزِقٌ به، دُرَّاعَةً كان، أو جُبَّةً، أو مِمْطَرةً، أو غيرها، وقال الجوهريّ: هو قَلَنْسُوَةٌ طويلةٌ كان النُّسّاك يَلبسُونها في صدر الإسلام، وهو من الْبِرْسِ - بكسر الباء - القطن، والنون زائدة، وقيل: إنه غير عربيّ. انتهى . وقوله: (أَصْفَرُ) صفة لبُرْنُس، «والصُّفْرة»: لونٌ دون الْحُمْرة، والأصفر: أيضًا الأسود . (فَقَالَ) جندب - ﵁ - (تَحَدَّثُوا) فعل أمر من التحدُّث، وإنما أمرهم؛ لئلا يستوحشوا، فيقطعوا حديثهم بسبب حضوره حياءً منه (بِمَا كُنْتُمْ تَحَدَّثُونَ بِهِ) بفتح التاء، أصله تتحدّثون، فحُذفت منه إحدى التاءين تخفيفًا، كما في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، وقوله: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، وقوله: ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦)﴾ [عبس: ٦]، قال في «الخلاصة»: وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كـ«تَبَيَّنُ الْعِبَرْ» (حَتَّى دَارَ الْحَدِيثُ) أي انتقل الحديث بين الحاضرين من شخص إلى آخر (فَلَمَّا دَارَ الْحَدِيثُ إِلَيْهِ) أي إلى جندب - ﵁ - (حَسَرَ) بفتح السين المهملة، من بابي نصر وضرب: أي كشف، وأزال (الْبُرْنُسَ عَنْ رَأْسِهِ) أي ليمكنه مواجهتهم، ويمكنهم مواجهته بلا مانع يمنع من رؤيته. قال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما ما فعله جُنْدب بن عبد الله - ﵁ - من جمع النفر، ووعظهم، ففيه: أنه ينبغي للعالم، والرجل العظيم المطاع، وذي الشُّهْرة أن يُسَكِّن الناس عند الْفِتَن، ويَعِظهم، ويُوَضِّح لهم الدلائل. انتهى . (فَقَالَ: إِنِّي أَتَيْتُكُمْ، وَلَا أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكُمْ عَنْ نَبِيِّكُمْ) - ﷺ -، قال النوويّ رحمه الله تعالى: كذا وقع في جميع الأصول - أي بزيادة «لا» - وفيه إشكال من حيث إنه قال في أول الحديث: «بَعَثَ إلى عسعس، فقال: اجمع لي نفرًا من إخوانك حتى أحدثهم»، ثم يقول: بعده: «أتيتكم، ولا أريد أن أخبركم»، فيحتمل هذا الكلام وجهين: [أحدهما]: أن تكون «لا» زائدة، كما في قول الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]. [والثاني]: أن يكون على ظاهره، أتيتكم، ولا أريد أن أخبركم عن نبيكم - ﷺ -، بل أَعِظُكم، وأحدثكم بكلام من عند نفسي، لكني الآن أزيدكم على ما كنت نويته، فأخبركم أن رسول الله - ﷺ - بَعَثَ بَعْثًا، وذكر الحديث، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأول أقرب عندي؛ لأن زيادة «لا» كثير في كلام العرب. ثم إني وجدت في هامش بعض النسخ، ما نصّه: «إني أتيتكم، ولا أريد أن أخبركم إلا عن نبيّكم»، وعلى هذا فقد زال الإشكال، والله تعالى أعلم. (إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعَثَ بَعْثًا) من باب منع أي أرسل سريّة، قال الفيّوميّ: بَعَثْتُ رسولًا بَعْثًا: أوصلته، وابتعثه كذلك، وفي المطاوع: فانبعث، مثلُ كسرته فانكسر، وكل شيء ينبعث بنفسه، فإن الفعل يتعدّى إليه بنفسه، فيقال: بعثته، وكلُّ شيء لا ينبعث بنفسه، كالكتاب، والهديّة، فإن الفعل يتعدّى إليه بالباء، فيقال: بَعَثتُ به، وأوجز الفارابيّ، فقال: بَعَثَهُ: أي أَهَبَّهُ، وبَعَثَ به: وَجّهَهُ. انتهى . (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) هم السريّة الذين تقدّموا في قصّة أسامة - ﵁ - (إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) هم الْحُرقات من جُهينة (وَإِنَّهُمُ الْتَقَوْا) بفتح القاء، أصله التقيوا، قُلبت الياء ألفًا؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، ثم حُذفت لالتقاء الساكنين، فصار التقوا بفتح التاء؛ لأنها ليست ما قبل الواو (فَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) هو الذي قتله أسامة - ﵁ -، كما تقدّم (إِذَا شَاءَ أَنْ يَقْصِدَ) بكسر الصاد، من باب ضرب (إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ لَهُ) يقال: قصدت الشيءَ، وله، وإليه قَصْدًا، من باب ضرب: إذا طلبته بعينه . (فَقَتَلَهُ، وَإِنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ غَفْلَتَهُ) أي غفلة ذلك الرجل المشرك الذي أكثر القتل في المسلمين (قَالَ) جندب - ﵁ - (وَكُنَّا نُحَدَّثُ) بضمّ النون، وفتح الدال المشدّدة: أي نُخْبَر (أَنَّهُ) أي الرجل الذي قصد غفلة ذلك المشرك (أُسَامَةُ بْنُ زيدٍ) - ﵄ -، هذا مخالف لما سيأتي من رواية الطبرانيّ في «الكبير» من طريق شهر بن حوشب، عن جندب - ﵁ -، فإن فيه: أن ذلك الرجل لما مات لَفَظَتْهُ الأرض ثلاث مرّات، وهذا بيقين أنه ليس أسامة - ﵁ -، إلا أن في شَهْرٍ، والراوي عنه عبد الحميد بن بَهْرام، كلامًا في الاحتجاج بهما، وقد سبق في «شرح المقدّمة» أن رجّحت كون شهرٍ حسن الحديث، لكن إذا خالفت روايته ما في «الصحيح»، فما في «الصحيح» يقدّم بلا شكّ، فليُتنبّه لذلك، والله تعالى أعلم. (فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ) هكذا وقع في بعض النسخ: «رفع» بالفاء، ووقع في بعضها: «رجع» بالجيم، قال النوويّ رحمه الله تعالى في «شرحه»: قوله: «فلما رجع عليه السيفَ»، كذا في بعض الأصول المعتمدة: «رَجَعَ» بالجيم، وفي بعضها: «رَفَعَ» بالفاء، وكلاهما صحيح، و«السيفَ» منصوبٌ على الروايتين، فـ «رَفَعَ»؛ لتعديه، و«رَجَعَ» بمعناه، فإن «رَجَعَ» يُستَعمل لازمًا، ومتعديًا، والمراد هنا المتعدي، ومنه قول الله ﷿: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ﴾ [التوبة: ٨٣]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، والله تعالى أعلم. انتهى . (قَالَ) ذلك المشرك (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَتَلَهُ، فَجَاءَ البَشِيرُ) أي الذي يَحمل البشارة بنصر المسلمين، وهزيمة الكفّار، وهو اسم فاعل من بَشَرَ (إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَسَأَلَهُ) أي عن خبر الحرب (فَأَخْبَرَهُ، حَتَّى أَخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُلِ) يعني الذي قيل: إنه أسامة (كَيْفَ صَنَعَ) أي بالرجل المشرك الذي قتله بعد قوله: لا إله إلا الله (فَدَعَاهُ) أي دعا النبيّ - ﷺ - ذلك الرجل (فَسَأَلَهُ، فَقَالَ) هذا تفسير لسؤاله («لِمَ قَتَلْتَهُ؟») أي بعد قوله: لا إله إلا الله، وقد تعلم أني قلت: أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوْجَعَ فِي الْمُسْلِمِينَ) أي ألحق بهم الضرر، وآلمهم بالضرب والقتل (وَقَتَلَ فُلَانًا وَفُلَانًا، وَسَمَّى لَهُ نَفَرًا) لكنهم لا يُعرفون، كما قال صاحب «التنبيه» . (وَإِنِّي حَمَلْتُ عَلَيْهِ) أي شددتُ عليه، واجتهدتُ في قتله (فَلَمَّا رَأَى السَّيْفَ قَالَ: لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَقَتَلْتَهُ؟») كرّر عليه تشديدًا للإنكار (قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟») أي ليُخاصمك بها صاحبها (قَالَ: يَا رَسُولَ الله، اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ) - ﷺ - («وَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟») كرّره أيضًا للتشديد (قَالَ: فَجَعَلَ) - ﷺ - (لَا يَزِيدُهُ) أي الرجل القاتل (عَلَى أَنْ يَقُولَ: «كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟»)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث جندب بن عبد الله - ﵁ - هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى، ولم يُخرجه أحد من أصحاب الأصول غيره، وقد أخرجه أبو يعلى في «مسنده» (٣/ ٩١) بنحوه، فقال: (١٥٢٢) حدثنا عبيد الله بن عمر القواريريّ، حدّثنا عبد الرحمن بن مهديّ، حدّثني عبد الحميد بن بَهْرام، حدّثنا شَهْر بن حوشب، قال: حدثني جندب بن سفيان، رجل من بَجِيلة قال: إني عند رسول الله - ﷺ - حين جاءه بشير من سَرِيّة بعَثَها، فأَخبره بالنصر الذي نَصَرَ الله سريته، وبفتح الله الذي فَتَح لهم، قال: يا رسول الله، بينما نحن بطلب العدوّ، وقد هَزَمهم الله، إذ لَحِقت رجلًا بالسيف، فلما أَحَسّ أن السيف قد واقعه، التفت، وهو يَسْعَى، فقال: إني مسلم، إني مسلم، فقتلته، وإنما كان يا نبيّ الله مُتَعَوّذًا، قال - ﷺ -: «فهلا شَقَقت عن قلبه، فنَظَرت، صادقٌ هو، أم كاذبٌ؟» قال: لو شققتُ عن قلبه ما كان يُعْلِمني القلبُ؟، هل قلبه إلا مُضْغَةٌ من لحم؟ قال - ﷺ -: «فأنت قتلته لا ما في قلبه علمتَ، ولا لسانه صدَّقتَ»، قال: يما رسول الله، استغفر لي، قال - ﷺ -: «لا أستغفر لك»، فدفنوه ، فأصبح على وجه الأرض، ثلاث مرات، فلما رأى ذلك قومه استَحْيَوا، وخَزُوا مما لَقِي، فاحتملوه، فألقَوْه في شِعْب من تلك الشعاب. انتهى. وأخرجه الطبرانيّ في «المعجم الكبير» (٢/ ١٧٦) رقم (١٧٢٣). قال الحافظ الهيثميّ رحمه الله تعالى في «المجمع»: وفي إسناده عبد الحميد بن بَهْرام، وشَهْر بن حَوْشَب، وقد اختُلف في الاحتجاج بهما. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما شهر فقد روى عنه جماعة، وأثنى عليه أحمد، ووثقه ابن معين، وفي رواية عنه أنه قال: ثَبْت، ووثقه العجليّ، وغيرهم، وقد حقّقت الكلام فيه في «شرح المقدّمة»، وتوصّلتُ فيه إلى أنه حسن الحديث. وأما عبد الحميد فقد وثّقه أحمد، وابن معين، وابن المدينيّ، وأبو
مصادر المؤلف (٢٢)

١. القائل هو الحافظ ابن حجر ﵀ ثعالى.

٢. «تهذيب التهذيب» ٢/ ٢١٤ - ٢١٥.

٣. «الإصابة» ١/ ٥٠٩.

٤. هكذا في برنامج الحديث «صخر»، والذي ذكرته في «قرّة العين» نقلًا من ابن الجوزيّ: أن له (٤٣) حديثًا، اتفق الشيخان على سبعة، وانفرد مسلم بخمسة أحاديث، والظاهر أن ما في البرنامج مع التكرار كما هو ظاهر لمن تأمله، والله تعالى أعلم.

٥. راجع: «الإصابة» ١/ ٦١٣.

٦. راجع: «الأنساب» ١/ ٢٩٧.

٧. «شرح النوويّ» ٢/ ١٠٣ - ١٠٤.

٨. «الإصابة» ٤/ ٤١٢.

٩. «الفتح» ٨/ ١٧٧ - ١٧٨ «كتاب التفسير» «سورة التوبة» رقم الحديث (٤٦٦٥).

١٠. «المصباح المنير» ٢/ ٦١٧.

١١. راجع: «مغني اللبيب عن كتب الأعاريب» ١/ ١٢٥.

١٢. «تنبيه المعلم» ص ٦٣.

١٣. «النهاية» ١/ ١٢٢.

١٤. «المصباح المنير» ١/ ٣٤٢.

١٥. «شرح النوويّ» ٢/ ١٠٥.

١٦. «شرح النوويّ» ٢/ ١٠٥.

١٧. «المصباح المنير» ١/ ٥٢.

١٨. «المصباح» ٢/ ٥٠٤.

١٩. «شرح النوويّ» ٢/ ١٠٥.

٢٠. «تنبيه المعلم» ص ٦٣.

٢١. وفي رواية الطبرانيّ: قال: فمات ذلك الرجل، فدفنوه ....

٢٢. «مجمع الزوائد» ١/ ٢٧.