HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٨

وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا وَكِيعٌ. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ. ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ (وَاللَّفْظُ لَهُ) أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ رسول الله ﷺ؛ قال: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» قَالَ، فَدَخَلَ الأَشْعَثُ ابن قَيْسٍ فَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالُوا: كَذَا وَكَذَا. قَالَ: صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ. فِيَّ نَزَلَتْ. كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ أَرْضٌ بِالْيَمَنِ. فَخَاصَمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ. قال: «هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟» فَقُلْتُ: لَا. قَالَ«فَيَمِينُهُ» قُلْتُ: إِذَنْ يَحْلِفُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، عِنْدَ ذَلِكَ«مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيمانهم ثمنا قليلا﴾ [٣/آل عمران/ الآية ٧٧] إلى آخر الآية.
ج ١ ص ١٢٢

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤ ص١٥
شيبة، ثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب، أنه سمع أخاه عبد الله بن كعب، (ح) وحدثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، أنا إسحاق بن إبراهيم، قال: قلت لأبي أسامة: أحدثكم الوليد بن كثير المخزوميّ، عن محمد بن كعب بن مالك، أنه سمع أخاه، عبد الله بن كعب يُحَدِّث، أن أبا أُمامة الحارثيَّ حدثه أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يَقْتَطِع رجل حقَّ امرئ مسلم بيمينه، إلا حَرَّم الله عليه الجنة، وأوجب له النار»، فقال رجل من القوم: يا رسول الله، وإن كان يسيرًا؟ قال: «وإن كان سِوَاكًا من أراك»؟. قال: أبو أمامة هو ابن ثعلبة الحارثيّ، من الأنصار، وهو ابن أخت أبي بُرْدة بن نِيَار، وقيل: اسمه إياس، وقيل: عبد الله. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٦٢] (١٣٨) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ الله، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»، قَالَ: فَدَخَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالُوا: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَن، فِيَّ نَزَلَتْ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ أَرْضٌ بِالْيَمَن، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: «هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟»، فَقُلْتُ: لَا، قَالَ: «فَيَمِينُهُ»، قُلْتُ: إِذَنْ يَحْلِفُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عِنْدَ ذَلِكَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ [آل عمران: ٧٧]). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٢ - (أَبُو وَائِل) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧. و«ابن أبي شيبة»: هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، و«إسحاق بن إبراهيم» الحنظليّ: هو ابن راهويه، و«أبو معاوية»: هو محمد بن خازم الضرير، و«وكيع»: هو ابن الجرّاح، و«الأعمش»: هو سليمان بن مِهْرَان، و«عبد الله»: هو ابن مسعود - ﵁ -، وكلهم تقدّموا قريبًا، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، أوردهم بالتحويل. ٢ - (ومنها): قوله: «واللفظ له»؛ يعني: أن متن الحديث الذي ساقه لشيخه إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ، وأما الشيخان الآخران: أبو بكر، وابن نُمير، فروياه بالمعنى. ٣ - (ومنها): أن فيه أبا معاوية أحفظ الناس لحديث الأعمش. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم، الأعمش، عن أبي وائل. ٥ - (ومنها): أن فيه «عبد الله» مطلقًا، وقد سبق أنه يميّز بالرواة عنه، فإذا كان السند كوفيًّا كما هنا، فهو ابن مسعود - ﵁ -، وقد استوفيت البحث فيه فيما مضى، فلا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) وقد أخرج البخاريّ هذا الحديث في «كتاب الأيمان والنذور» (٦٦٥٩) مَن رواية شعبة، عن سليمان الأعمش، عن أبي وائل، فيستفاد من روايته أنه مما لم يُدَلِّس فيه الأعمش؛ لأن شعبة لا يروي عنه، ولا قتادة، وأبي إسحاق، إلا ما سمعوه من شيوخهم، فلا يضرّ مجيئه عنه هنا بالعنعنة، فتنبّه، وقد مرّ ذكر هذه القاعدة غير مرّة، فلا تكن من الغافلين. (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود - ﵁ -؛ لما بيّنته من القاعدة في ذكر اللطائف (عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) أنه (قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ) - بفتح الصاد المهملة، وسكون الموحدة - وإضافة»يمين«إليها: وهي التي يَحْبِسُ الحالف نفسه عليها، قاله النوويّ ﵀ . وقال في«الفتح»:«يمين الصبر»: هي التي تَلْزَم، ويُجْبَر عليها حالفها، يقال: أصبره اليمينَ: أحلفه بها في مَقَاطع الحقّ. انتهى . وقوله (يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) جملة في محلّ نصب على الحال، من الفاعل، وفي رواية حجاج بن منهال عن البخاريّ:«ليقطع بها»بزيادة لام التعليل، و«يَقْتَطِعُ»: يَفْتَعِلُ، من القطع، كأنه قَطَعَهُ عن صاحبه، أو أخذ قطعةً من ماله بالحلف المذكور. (هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ) فيه حذف مضاف؛ أي: في الإقدام عليها، والمراد بالفجور: لازِمه وهو الكذب، (لَقِيَ اللهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»)، وفي حديث وائل بن حُجْر الآتي: «وهو عنه مُعْرِضٌ»، وفي رواية كُرْدُوس عن الأشعث - ﵁ - عند أبي داود: «إلا لَقِيَ اللهَ، وهو أجذم»، وفي حديث أبي أمامة بن ثعلبة - ﵁ - الماضي: «فقد أوجب الله له النار، وحَرَّمَ عليه الجنة»، وفي حديث عمران - ﵁ - عند أبي داود: «فليتبوأ مقعده من النار». (قَالَ) أبو وائل ﵀ (فَدَخَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ) بن مَعْدِي كَرِبَ الكنديّ، أبو محمد الصحابيّ، نَزَلَ الكوفةَ، وروى عن النبيّ - ﷺ -، وعن عمر، وعنه أبو وائل، والشعبيّ، وقيس بن أبي حازم، وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن المُسْلِيّ، ومسلم بن هَيْضَم، وأبو بَصِير العَبْديّ، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، وغيرهم. قال ابن سعد: وَفَدَ على النبيّ - ﷺ - بسبعين رجلًا من كِنْدَة، وكان اسمه مَعْدِ يكَرِب، ولُقِّب الأشعث؛ لِشَعْثِ رأسه، ومات بالكوفة حين صالح الحسنُ معاويةَ - ﵁ -، فصلّى عليه، وقال خليفة: مات في آخر سنة أربعين، بعد قَتْل عليّ - ﵁ - بيسير، وقال ابن منده: كان ارتدّ ثم راجع الإسلام في خلافة أبي بكر - ﵁ -، وزَوّجه أخته أُمَّ فَرْوَة، وشَهِدَ القادسيَّة، والمدائن، وقال قيس بن أبي حازم: شَهِدت جنازةً فيها الأشعث وجرير، فقَدَّمَ الأشعثُ جريرًا، وقال: إن هذا لم يرتدَّ، وكنتُ قد ارتددتُّ، وذكره خليفةُ، ويعقوب بن سفيان، وغيرهما، فيمن شَهِدَ صِفِّين مع عليّ - ﵁ -، وقال أبو حَسَّان الزياديّ: تُوُفِّي، وهو ابن ثلاث وستين سنة، أخرج له الجماعة، وليس له عند الشيخين إلا حديث الباب. وقوله: (فَدَخَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ)، وفي رواية جرير عند البخاريّ في «كتاب الرهن»: «ثم إن الأشعث بن قيس خرج إلينا، فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟»، قال في «الفتح»: والجمع بينهما أنه خَرَج عليهم من مكانٍ كان فيه، فدَخَل المكان الذي كانوا فيه، وفي رواية الثوريّ، عن الأعمش ومنصور جميعًا عند البخاريّ في «كتاب الأحكام»: «فجاء الأشعث، وعبد الله يحدثهم»، ويجمع بأن خروجه من مكانه الذي كان فيه إلى المكان الذي كان فيه عبد الله، وَقَعَ وعبدُ الله يحدثهم، فلعلّ الأشعث تشاغل بشيء، فلم يُدرِك تحديث عبد الله، فسأل أصحابه عما حدَّثهم به. انتهى. (فَقَالَ) الأشعث - ﵁ - (مَا) استفهاميّة مفعول ثان مقدّم لـ«يحدِّثكم»؛ أيْ: أيَّ شيء (يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟) كنية عبد الله بن مسعود - ﵁ -. (قَالُوا: كَذَا وَكَذَا) وفي رواية جرير المذكورة: «فحدَّثْناه»، وبَيّن شعبة في روايته: أن الذي حدّثه بما حدثهم به ابن مسعود هو أبو وائل الراوي، ولفظه عند البخاريّ: «قال: فلقيني الأشعث، فقال: ما حدَّثكم عبد الله اليوم؟ قلت: كذا وكذا»، وليس بين قوله: «فلقيني» وبين قوله: «خَرَج إلينا، فقال: ما يحدثكم؟» منافاة؛ إذ يقال: إنما أفرد في هذه الرواية؛ لكونه المجيب، والله تعالى أعلم. (قَالَ) الأشعث (صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَن، فِيَّ نَزَلَتْ) ولفظ البخاريّ: «فيَّ أُنزلت»، وفي رواية جرير عنده: «قال: فقال: صَدَقَ، لَفِيَّ، والله أُنزلت»، واللام لتأكيد القسم، دخلت على «في» الجارّة لياء المتكلّم، ومراده أن الآية التي ذكرها ابن مسعود في حديثه نزلت بسبب خصومته التي يَذكُرُها، وفي رواية أبي معاوية: «فيّ والله كان ذلك»، وزاد جرير، عن منصور: «صدق». [تنبيه]: قال ابن مالك - ﵀ - في «شواهد التوضيح»: في قول الأشعث - ﵁ -: «لفيَّ، والله نزلت» شاهد على جواز توسط القسم بين جزأي الجواب، وعلى أنّ اللام يجب وصلها بمعمول الفعل الجوابي الْمُقَدَّم، وخلوّ الفعل منها، ومن قبول «قد» إن كان ماضيًا، كما يجب خلوّ المضارع منها، ومن قبول نون التوكيد إذا قُدِّم معموله، كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾ [آل عمران: ١٥٨]. انتهى كلام ابن مالك - ﵀ - . (كَانَ بَيْني وَبَيْنَ رَجُلٍ أَرْضٌ بِالْيَمَنِ) وفي رواية جرير، عن منصور الآتية: «كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر». وقال في «الفتح» عند قوله: «كانت بئر»: في رواية أبي معاوية: «أرضٌ»، وادَّعَى الإسماعيلي أن أبا حمزة تفرد بقوله: «في بئر»، وليس كما قال، فقد وافقه أبو عوانة كما تري، وكذا يأتي من رواية الثوريّ، عن الأعمش ومنصور جميعًا، ومثله في رواية شعبة الماضية قريبًا عنهم، لكن بَيَّن أن ذلك في حديث الأعمش وحده، ووقع في رواية جرير، عن منصور: «في شيء»، ولبعضهم: «في بئر»، ووقع عند أحمد من طريق عاصم، عن شقيق أيضًا: «في بئر». انتهى. ووقع عند البخاريّ بلفظ: «كان لي بئر في أرض ابن عمّ لي». قال في «الفتح»: قوله: «في أرض ابن عمّ لي» كذا للأكثر أن الخصومة كانت في بئر يَدَّعِيها الأشعث في أرض لخصمه، وفي رواية أبي معاوية: «كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجَحَدني». ويُجْمَع بأن المراد أرض البئر، لا جميع الأرض التي هي أرض البئر، والبئرُ من جملتها». قال: ولا منافاة بين قوله:«ابنُ عمّ لي»، وبين قوله:«من اليهود»؛ لأن جماعة من اليمن كانوا تَهَوَّدوا لَمّا غَلَب يوسف ذو نواس على اليمن« فَطَرَد عنه الحبشة، فجاء الإسلام وهم على ذلك، وقد ذَكَر ذلك ابن إسحاق في أوائل «السيرة النبوية» مبسوطًا . وأخرج الطبراني من طريق الشعبيّ، عن الأشعث، قال: خاصم رجلٌ من الحضرميين رجلًا منَّا يقال له: الخفشيش إلى النبيّ - ﷺ - في أرض له، فقال النبيّ - ﷺ - للحضرميّ: «جئ بشهودك على حقّك، وإلا حَلَف لك …» الحديث، وهذا يخالف السياق الذي في «الصحيحين»، قال الحافظ - ﵀ -: فإن كان ثابتًا، حُمِلَ على تعدد القصة. وقد أخرج أحمد، والنسائيّ، من حديث عَدِيّ بن عَمِيرة الكِنديّ، قال: «خاصم رجل من كِنْدَةَ، يقال له: امرؤ القيس بن عابس الكنديّ رجلًا من حضرموت، في أرض …»، فذَكَرَ نحو قِصَّةِ الأشعث، وفيه: «إنْ مَكَّنْتُهُ من اليمين، ذَهَبت أرضي»، وقال: «مَن حَلَفَ …»، فذكر الحديث، وتلا الآية. و«معد يكرب» جَدُّ الخفشيش، وهو جد الأشعث بن قيس بن معد يكرب بن معاوية بن جَبَلَة بن عديّ بن ربيعة بن معاوية، فهو ابن عمه حقيقة. ووقع في روايةٍ لأبي داود، من طريق كُرْدُوس، عن الأشعث: أنّ رجلًا من كِنْدَة، ورجلًا من حضرموت، اختَصَمَا إلى النبيّ - ﷺ - في أرض من اليمن …، فذكر قصةً تُشْبِهُ قصةَ الباب، إلَّا أن بينهما اختلافًا في السياق، قال الحافظ: وأظنها قصةً أخرى، فإن مسلمًا أخرج من طريق علقمة بن وائل، عن أبيه، قال: جاء رجل من حضرموت، ورجل من كِندَة إلى رسول الله - ﷺ -، فقال الحضرميّ: إن هذا غلبني على أرض كانت لأبي … الحديث. وذكر في «كتاب الشِّرْب والمساقاة» ٥/ ٤١ ما نصّه: واسم ابن عمه معدان بن الأسود بن مَعْدان بن معد يكرب الكِنديّ، ولقبه الجَفْشِيش، بوزن فَعليل، مفتوح الأول، واختُلف في ضبط هذا الأول على ثلاثة أقوال: أشهرها بالجيم، والشين المعجمة في موضعين. انتهى، والله تعالى أعلم. قال: وإنما جَوَّزتُ التعددَ؛ لأن الحضرميّ يغاير الكنديّ؛ لأن المُدَّعِيَ في حديث الباب هو الأشعث، وهو كنديّ جزمًا، والمُدَّعيَ في حديث وائل هو الحضرميّ، فافترقا. ويجوز أن يكون الحضرميّ نُسِبَ إلى البلد، لا إلى القبيلة، فإن أصل نسبة القبيلة، كانت إلى البلد، ثم اشتهرت النسبة إلى القبيلة، فلعل الكنديّ في هذه القصة، كان يسكن حضرموت، فنُسِب إليها، والكنديّ لَمْ يسكنها، فاستمر على نسبته. انتهى . [تنبيه]: قد ذَكَرُوا الخفشيش في الصحابة ، واستشكله بعضهم لقوله في بعض الروايات: إنه يهوديّ. جَادَتْ بِنَا العِيسُ مِنْ أَعْرَابِ ذِي يَمَنٍ … تَغُورُ غَوْرًا بِنَا مِنْ بَعْدِ إِنْجَادَ = وأجيب بأنه أسلم، وإنما وصفه الأشعث بكونه يهوديًّا باعتبار ما كان عليه أَوّلًا، ويؤيد إسلامه أنه وقع في رواية كُردوس، عن الأشعث في آخر القصة أنه لَمّا سمع الوعيد المذكور، قال: هي أرضه، فترك اليمين تورُّعًا، ففيه إشعار بإسلامه، ويؤيده أنه لو كان يهوديًّا ما بالى بذلك؛ لأنهم يستحلون أموال المسلمين، كما بيّنه الله - ﷿ - في كتابه، حيث قال: ﴿قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ الآية [آل عمران: ٧٥]، أي حَرَجٌ. ومما يؤيّد إسلامه أيضًا ما وقع في رواية الشعبيّ، عن الأشعث - ﵁ -، فقال النبيّ - ﷺ -: «إن هو حلف كاذبًا أدخله الله النار»، فذهب الأشعث، فأخبره القصة، فقال: أصلح بيني وبينه، قال: فأصلح بينهما، وفي حديث عَديّ بن عَمِيرة، فقال له امرؤ القيس: ما لمن تركها يا رسول الله؟ قال: «الجَنَّة»، قال: اشْهَدْ أني قد تركتها له كلها، هكذا ذكر في «الفتح». (فَخَاصَمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -) وفي رواية جرير، عن منصور التالية: = حَتَّى أَنَخْنَا بِجَنْبِ الهَضْبِ مِنْ مَلأٍ … إِلَى الرَّسُولِ الأَمِينِ الصَّادِقِ الهَادِي وروى الطبراني من طريق صالح بن حَيّ، عن الجفشيش الكِنْديّ، قال: جاء قوم من كندة إلى رسول الله - ﷺ -، فقالوا: أنت مِنّا، وادَّعَوه، فقال: لا تنتفوا منَّا، ولا ننتفي من أبينا، وله من طريق أخرى، عن صالح: حدثنا الجفشيش، وهو خطأ، فإنه لَمْ يدركه، وأصل الحديث في «مسند أحمد»، من رواية مسلم بن هَيْضَم، عن الأشعث، قال: أتيت رسول الله - ﷺ - في رهط من كندة، ولم يذكر الجفشيش، وذكر أبو عمر، عن عمران بن موسى بن طلحة، عن الجفشيش مثله، وهو مرسل أيضًا، وذكره بغير سند، وقال: إنه أعاد ذلك ثلاثًا، فأجابه في الثالثة، فقال له الأشعث: فَضَّ الله فاك، ألا سكتَّ على مرتين، قال: والجفشيش هو القائل في الرِّدَّة [من الطويل]: أَطَعْنَا رَسُولَ اللهِ إِذْ كَانَ صَادِقًا … فَيَا عَجَبَا مَا بَالُ مُلْكِ أَبِي بَكْرِ وأنشد المبرد هذا البيت في «الكامل» للحطيئة، ولفظه: «حاضِرًا» بدل «صادقًا»، و«لَهَفًا» بدل «عَجَبًا». وذكر عمر بن شَبَّة أن الجفشيش ارتدّ من كندة، وأنه أُخِذ أسيرًا، وأنه قُتِل صبرًا، فإن صح ذلك فلا صحبة له، وروايةُ كلِّ مَن رَوَى عنه مرسلةٌ؛ لأنهم لَمْ يدركوا ذلك الزمان، والله أعلم. انتهى ما في «الإصابة». «فاختصمنا إلى رسول الله - ﷺ -»، وفي رواية أبي معاوية، عن الأعمش عند البخاريّ: «فجَحَدَني، فقدّمته إلى رسول الله - ﷺ -». (فَقَالَ: «هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟» وفي رواية جرير التالية: «شاهداك، أو يمينه»، وفي رواية عند البخاريّ: «فقال: بيّنتك أو يمينه» (فَقُلْتُ: لَا) أي: ليست لي بيّنة (قَالَ) - ﷺ -«(فَيَمِينُهُ») الفاء في جواب شرط مقدَّر، أي: إذا لَمْ تكن لك بيّنةٌ، فيمينه، و«يمينه» مبتدأ خبره محذوف: أي فلك يمينه، ويحتمل أن يكون خبرًا لمحذوف، أي: المثبتُ لك ما تدّعيه يمينه. (قُلْتُ: إِذَنْ) حرف نصب وجواب، وفي كتابتها اختلاف، فالجمهور يكتبونها بالألف، وكذا رُسمت في المصاحف، والمازنيّ والمبرّد يكتبانها بالنون، وعن الفرّاء: إن عَمِلت كُتبت بالألف، وإلا كُتبت بالنون؛ للفرق بينها وبين «إذا»الشرطية، وتبعه ابن خروف. وقوله: (يَحْلِفُ) قال السهيليّ: بالنصب لا غير؛ لوجود شرائطه، من الاستقبال والاتصال، كما قال في «الخلاصة»: وَنَصَبُوا بِـ «إِذًا» الْمُسْتَقْبَلَا … إِنْ صُدِّرَتْ وَالْفِعْلُ بَعْدُ مُوصَلَا أَوْ قَبْلَهُ الْيَمِينُ وَانْصِبْ وَارْفَعَا … إِذَا «إِذًا» مِنْ بَعْدِ عَطْفٍ وَقَعَا وحَكى ابن خروف جواز الرفع في مثل هذا على إهمال «إذن»، أو على تقدير «هو إذن يحلفُ» ، وقال النوويّ في «شرحه»: وذكر أبو الحسن بن خروف في «شرح الجُمَل» أن الرواية فيه بالرفع . وزاد في رواية أبي معاوية عن البخاريّ: «إذًا يَحلِفَ، ويذهبَ بمالي»، ووقع في حديث وائل بن حُجْر - ﵁ - الآتي من الزيادة بعد قوله: «ألك بينة؟»، قال: لا: قال: «فلك يمينه»، قال: إنه فاجر، ليس يبالي ما حلف عليه، وليس يَتَوَرَّع من شيء، قال: «ليس لك منه إلَّا ذلك»، ووقع في رواية الشعبيّ، عن الأشعث: قال: أرضي أعظم شأنًا من أن يحلف عليها، فقال: «إن يمين المسلم يدرأُ بها أعظم من ذلك». (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عِنْدَ ذَلِكَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ) أي كاذب، هذه زيادة على حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - المتقدّم، لكنها وقعت في حديثه في بعض الطرق (لَقِيَ اللهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ») جملة حاليّة من المفعول، (فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إِلَى آخِرِ الآيةِ [آل عمران: ٧٧]. تفسير الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ أي: يعتاضون، ويستبدلون، فكأنهم يعطون ما أوجب الله عليهم من رعاية العُهُود والأيمان، ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ أي: ميثاقه، وهو إيجابه على المكلّفين أن يقوموا بالحق، ويعملوا بالعدل ﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾ جمع يمين، وهو الحلف بالله تعالى، ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي: بشيء قليل حقيرٍ من عَرَض الدنيا، من الترؤّس، والارتشاء، ونحو ذلك. وقال الإمام ابن كثير - ﵀ -: يقول الله تعالى: إن الذين يعتاضون عمَّا عاهدوا الله عليه، من اتّباع محمد - ﷺ -، وذكر صفته للناس، وبيان أمره، وعن أيمانهم الكاذبة الفاجرة الآثمة بالأثمان القليلة الزهيدة، وهي عُرُوض هذه الحياة الدنيا الفانية الزائلة، ﴿لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ أي: لا حَظّ، ولا نصيب لهم يوم القيامة، ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ أي: بما يسرّهم؛ إذ لا يكلّمهم إعراضًا عنهم، واحتقارًا لهم، ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: نظرَ رحمة، ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ أي: لا يُثني عليهم كما يُثني على من تَزَكَّي، وقيل: لا يُطهّرهم من الذنوب، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧] أي موجع شديد الألم. وقال ابن كثير - ﵀ -: يعني: أن الله تعالى لا يكلمهم كلام لُطْفٍ بهم، ولا ينظر إليهم بعين الرحمة، ولا يزكيهم من الذنوب، بل يأمر بهم إلى النار . [تنبيه]: هذا الحديث صريح في أن سبب نزول هذه الآية هو قصّة الأشعث بن قيس مع خصمه حين تحاكما في أرض، أو بئر، ويعارضه حديث عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ -، وهو ما أخرجه البخاريّ في «صحيحه» عن العوّام بن حوشب، عن إبراهيم بن عبد الرَّحمن، عن عبد الله بن أبي أوفى - ﵄ -: أن رجلًا أقام سلعةً في السوق، فَحَلَف فيها، لقد أَعْطَى بها ما لَمْ يُعْطِه؛ ليوقع فيها رجلًا من المسلمين، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخر الآية [آل عمران: ٧٧]، فهذا مخالف لحديث الباب. ويُجمع بأن نزول الآية كان للسببين جميعًا، ولفظ الآية أعمّ من ذلك، ولهذا وقع في حدر حديث الباب ما يقتضي ذلك، حيث قال: «من حلف يمينَ صبرٍ؛ ليقتطع بها مال امرئ مسلم …»الحديث، وذكر أبو جعفر الطبريّ - ﵀ - من طريق عكرمة أن الآية نزلت في حُيَيّ بن أخطب، وكعب بن الأشرف، وغيرهما من اليهود الذين كتموا ما أنزل الله في التوراة من شأن النبيّ - ﷺ -، وقالوا، وحَلَفُوا أنه من عند الله، وقصّ الكلبيّ في «تفسيره» في ذلك قصّةً طويلةً، وهي محتملةٌ أيضًا، لكن المعتمد في ذلك ما ثبت في «الصحيح»، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أنه لا تعارض في تعدّد الأسباب لنزول آية واحدة، إن صحّت الرواية بذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٦٤/ ٣٦٢ و٣٦٣ و٣٦٤] (١٣٨)، و(البخاريّ) في «الشُّرْب والمساقاة» (٢٣٥٦ و٢٣٥٧)، و(الرهن) (٢٥١٥ و٢٥١٦)، و«الشهادات» (٢٦٦٩ و٢٦٧٠ و٢٦٧٣ و٢٦٧٦ و٢٦٧٧)، و«التفسير» (٤٥٤٩ و٤٥٥٠)، و«الإيمان والنذور» (٦٦٥٩ و٦٦٦٠ و٦٦٧٦ و٦٦٧٧)، و«الأحكام» (٧١٨٣ و٧١٨٤)، و«التوحيد» (٧٤٤٥ و٧٤٤٦)، و(ابن ماجة) في «كتاب الإحكام» (٢٣٢٣)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٦٢ و١٠٥٠ و١٠٥١)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٤٤ - ٣٧٧ - ٤١٦ - ٤٦٠)، و(٥/ ٢١١ - ٢١٢)، و(ابن حبّان) (٥٠٨٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٠٨ و١٠٩ و١١٠) و(أبو نُعيم) في «مستخرجه» (٣٥٥ و٣٥٦ و٣٥٧)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢٥٠٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١٠/ ١٧٨ - ٢٥٣)، و(الطحاويّ) في «مشكل الآثار» (٤٤٢)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٠٢٤٨ و١٠٣٠٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): تحريم اقتطاع حقّ المسلم باليمين الفاجرة، وأن ذلك مما ينافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراده هنا. ٢ - (ومنها): جواز سماع الحاكم الدعوى فيما لَمْ يَرَه إذا وُصِفَ وحُدِّدَ، وعَرَفَهُ المتداعيان، لكن لَمْ يقع في الحديث تصريح بوصف، ولا تحديد، فاستدَلَّ به القرطبيّ على أن الوصف والتحديد ليس بلازم لذاته، بل يكفي في صحة الدعوى تمييز المدَّعَى به تمييزًا، ينضبط به، وتعقّبه الحافظ - ﵀ - بأنه لا يلزم من ترك ذكر التحديد، والوصف في الحديث، أن لا يكون ذلك وقع، ولا يُسْتَدَل بسكوت الراوي عنه بأنه لَمْ يقع، بل يطالَب من جَعَلَ ذلك شرطًا بدليله، فإذا ثَبَتَ حُمِل على أنه ذُكِر في الحديث، ولم ينقله الراوي. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: تعقّب الحافظ على القرطبيّ فيه نظرٌ؛ لأن خلاصته تسليم لما قاله؛ إذ حاصله أنه لَمْ يوجد دليل إيجابه، فلما لَمْ يوجد بقي على عدم لزومه، وهو ما دلّ عليه ظاهر الحديث، فعاد الأمر إلى موافقة قول القرطبيّ - ﵀ -. والحاصل أنه لا دليل لمن شرط، فلا يلزم الوصف والتحديد، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): أن الحاكم يَسأَل المدعي، هل له بينةٌ؟ وقد ترجم بذلك الإمام البخاريّ في «كتاب الشهادات». ٤ - (ومنها): أن البينة على المدعِي في الأموال كلِّها. ٥ - (ومنها): أنه استُدِلّ به لمالك - ﵀ - في قوله: إن مَن رَضِي بيمين غريمه، ثم أراد إقامة البينة بعد حلفه أنَّها لا تسمع، إلَّا إن أتى بعذر، يتوجه له في ترك إقامتها قبل استحلافه. قال ابن دقيق العيد - ﵀ -: ووجهه أن «أو» تقتضي أحد الشيئين، فلو جاز إقامة البينة بعد الاستحلاف، لكان له الأمران معًا، والحديث يقتضي أنه ليس له إلَّا أحدهما، قال: وقد يجاب بأن المقصود من هذا الكلام نفيُ طريق أخرى لإثبات الحقّ، فيعود المعنى إلى حصر الحجة في البينة واليمين، ثم أشار إلى أن النظر إلى اعتبار مقاصد الكلام وفهمه، يُضَعِّف هذا الجواب. ٦ - (ومنها): ما قاله ابن دقيق العيد - ﵀ - أيضًا: إنه قد يَستَدِلُّ الحنفية به في ترك العمل بالشاهد واليمين في الأموال. وأجاد الحافظ - ﵀ - حيث قال: والجواب عنه بعد ثبوت دليل العمل بالشاهد واليمين أنَّها زيادة صحيحةٌ، يَجِبُ المصير إليها؛ لثبوت ذلك بالمنطوق، وإنما يستفاد نفيه من حديث الباب بالمفهوم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لقد أحسن الحافظ - ﵀ - في الردّ على الحنفيّة في استدلالهم هذا، فإن الحديث صحيح، أخرجه المصنّف - ﵀ - في «صحيحه»، وسيأتي برقم (١٧١٢) من طريق قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس - ﵄ -: «أن رسول الله - ﷺ - قَضَى بيمين وشاهد»، فبعد صحّة المنطوق بطل الاستدلال بالمفهوم، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد. قال العلامة الصنعانيّ - ﵀ -: قد ثبتت أدلّة العمل بالشاهد واليمين، ثم ذكر حديث ابن عباس - ﵄ - المذكور، ثم قال: قال في «التمييز»: إنه حديث صحيحٌ، لا يُرتاب في ححّته، وقال ابن عبد البرّ: لا مطعن لأحد في ححّته، ومنها حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - قضى باليمين والشاهد«، وهو عند أصحاب»السنن«، ورجاله مدنيّون ثقات، ولا يضرّه أن سُهيل بن أبي صالح نسيه بعد أن حدّث به ربيعة؛ لأنه بعد ذلك كان يروي به عن ربيعة، عن نفسه، عن أبيه، وقصّته في ذلك مشهورة في»سنن أبي داود« وغيرها، ومنها حديث جابر - ﵁ - مثل حديث أبي هريرة - ﵁ -، أخرجه الترمذيّ، وابن ماجة، وصحّحه أبو عوانة، وابن خُزيمة، وفي الباب عن نحو من عشرين من الصحابة - ﵃ -، منها الضعاف، والحسان، وبذلك ثبتت الشهرة. قال الصنعانيّ: أشار بقوله: الشهرة إلى ردّ الحنفيّة لحديث العمل بالشاهد واليمين بأنه زيادة على ما في القرآن، ولا تُقبل الزيادة من الأحاديث إلَّا إذا كان الخبر مشهورًا، وقد عَمِلوا بأحاديث فيها الزيادة على ما في القرآن، لا تبلغ شهرتها شهرة ما نحن فيه، مثل حديث إيجابهم الوضوء من القهقهة، والمضمضة والاستنشاق في الغسل دون الوضوء، وغير ذلك، قال الإمام الشافعيّ - ﵀ -: القضاء بشاهد ويمين لا يُخالف نصّ القرآن؛ لأنه لَمْ يمنع أن يجوز أقلّ مما نَصَّ عليه، يعني والمخالف لذلك لا يقول بالمفهوم، فضلًا عن مفهوم العدد. انتهى ما كتبه الصنعاني - ﵀ - ، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على توجيه اليمين في الدَّعَاوَى كلّها على من ليست له بينة. ٨ - (ومنها): أن فيه بناءَ الإحكام على الظاهر، وإن كان المحكوم له في نفس الأمر مبطلًا. ٩ - (ومنها): أن فيه دليلًا للجمهور على أن حكم الحاكم لا يُبيح للإنسان ما لَمْ يكن حلالأ له، خلافًا لأبي حنيفة، كذا أطلقه النوويّ. وتُعُقّب بأن ابن عبد البر نَقَلَ الإجماع على أن الحكم لا يُحِلّ حرامًا في الباطن في الأموال، قال: واختلفوا في حِلّ عصمة نكاح مَنْ عَقَد عليها بظاهر الحكم، وهي في الباطن بخلافه، فقال الجمهور: الفروج كالأموال، وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، وبعض المالكية: إن ذلك إنما هو في الأموال دون الفروج، وحجتهم في ذلك اللعان. انتهى. وقد طَرَدَ ذلك بعضُ الحنفية في بعض المسائل في الأموال، والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الجمهور من أن الحكم لا يُحلّ شيئًا من الأموال، والفروج، وغيرها هو الحقّ؛ لظهور حجته، والفرق بين الأموال والفروج غير صحيح، بل أمر الفروج أشدّ من الأموال، وسيأتي تفصيل المسألة في موضعها من «كتاب الأقضية»، حيث يذكر المصنّف - ﵀ - حديث أم سلمة - ﵂ - هناك - إن شاء الله تعالى -. ١٠ - (ومنها): أن فيه التشديدَ على من حَلَف مُبطلًا؛ ليأخذ حقَّ مسلم، وهو عند الجميع محمول على من مات من غير توبة صحيحة، وعند أهل السنة محمول على من شاء الله أن يعذبه، كما تقدم تقريره مرارًا. ١١ - (ومنها): ما قاله المازريّ: ذَكَرَ بعض أصحابنا أن فيه دلالةً على أنّ صاحب اليد أولى بالمدعَّى فيه. ١٢ - (ومنها): أن فيه التنبيهَ على سورة الحكم في هذه الأشياء؛ لأنه بدأ بالطالب، فقال: «ليس لك إلَّا يمين الآخر»، ولم يَحْكُم بها للمدَّعَى عليه، إذا حَلَفَ، بل إنما جَعَلَ اليمين تَصْرِف دعوى المُدَّعِي، ولذلك ينبغي للحاكم إذا حَلَفَ المدَّعَى عليه أن لا يحكم له بملك المدَّعَى فيه، ولا بحيازته، بل يُقِرُّه على حُكْم يمينه. ١٣ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على أنه لا يُشْتَرط في المتداعيين أن يكون بينهما اختلاط، أو يكونا ممن يُتَّهَم بذلك، ويليق به؛ لأن النبيّ - ﷺ - أَمَرَ المدَّعَى عليه هنا بالحَلِفِ بعد أن سمع الدعوي، ولم يسأل عن حالهما. وتُعُقّب بأنه ليس فيه التصريح بخلاف ما ذهب إليه مَن قال به من المالكية؛ لاحتمال أن يكون النبيّ - ﷺ - عَلِمَ من حاله ما أغناه عن السؤال فيه، وقد قال خصمه عنه: إنه فاجرٌ، لا يبالي، ولا يَتَوَرَّع عن شيء، ولم يُنْكِر عليه ذلك، ولو كان بَرِيئًا مما قال لبادر بالإنكار عليه، بل في بعض طُرُق الحديث ما يدُلّ على أن الغصب المُدَّعَى به وقع في الجاهلية، ومثل ذلك تُسْمَع الدعوى بيمينه فيه عندهم، قاله الحافظ - ﵀ -. ١٤ - (ومنها): أنّ يمين الفاجر تُسْقِط عنه الدعوي، وأن فُجُوره في دينه لا يوجب الحجر عليه، ولا إبطال إقراره، ولولا ذلك لَمْ يكن لليمين معنًى. ١٥ - (ومنها): أن المُدَّعَى عليه إن أقر أن أصل المُدَّعَى لغيره، لا يُكَلَّف بيان وجه مصيره إليه، ما لَمْ يُعْلَم إنكارُهُ لذلك، يعني: تسليم المطلوب له ما قال. ١٦ - (ومنها): أن من جاء بالبينة قُضِي له بحقه من غيريمين؛ لأنه مُحَالٌ أن يسأله عن البينة، دون ما يجب له الحكم به، ولو كانت اليمين من تمام الحكم له، لقال له: بيِّنتك ويمينك على صدقها. وتُعُقّب بأنه لا يلزم من كونه لا يُحَلَّف مع بيِّنته على صدقها فيما شهدت أن الحكم له لا يتوقف بعد البينة على حلفه بأنه ما خَرَجَ عن ملكه، ولا وهبه مثلًا، وأنه يستحق قبضه، فهذا وإن كان لَمْ يُذكَر في الحديث، فليس في الحديث ما ينفيه، بل فيه ما يُشْعِر بالاستغناء عن ذكر ذلك؛ لأن في بعض طرقه أن الخصم اعتَرَفَ، وسَلَّم المُدَّعَى به للمُدَّعِي، فأغنى ذلك عن طلبه يمينه، والغرض أن المدَّعِي ذَكَر أنه لا بينة له، فلم تكن اليمين إلَّا في جانب المدَّعَى عليه فقط. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا تعقّب هذه الفائدة في «الفتح»، ولكن في تعقّبه نظر لا يخفى، فأين الدليل الذي يدلّ على أنه لا يُقضَى لمن جاء بالبيّنة بمجرّدها، بل مع اليمين؟، فالحقّ أن البيّنة تكفي وحدها للقضاء بها؛ لظاهر النصّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ١٧ - (ومنها): البداءة بالسماع من الطالب، ثم من المطلوب، هل يُقِرّ، أو ينكر؟ ثم طلب البينة من الطالب، إن أنكر المطلوب، ثم توجيه اليمين على المطلوب، إذا لَمْ يَجِد الطالب البينة. ١٨ - (ومنها): أن الطالب إذا ادَّعَى أن المُدَّعَى به في يد المطلوب، فاعترف استُغْنِي عن إقامة البينة بأن يد المطلوب عليه. ١٩ - (ومنها): ما قاله بعض العلماء: إن كلَّ ما يَجْرِي بين المتداعيين من تسابٍّ بخيانة، وفجور، هَدَرٌ؟ لهذا الحديث. وتُعُقّب بأنه إنما نسبه إلى الغصب في الجاهلية، وإلى الفجور، وعدم التوقِّي في الإيمان في حال اليهودية، فلا يَطَّرِدُ ذلك في حقّ كلّ أحد. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر في «الفتح» هذا التعقّب، ولم يتعقّبه، وفيه نظر، بل الذي يظهر من الأدلّة ما قاله البعض، وقد ترجم الإمام البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه» على هذا، فقال: «بَابُ كلام الخُصُوم بعضِهِم في بعض»، ثم أورد هذا الحديث مستدلًّا على ما ترجم له . ومن الأدلّة عليه ما ثبت في «الصحيحين» من قول العبّاس - ﵁ - حين كان بينه وبين عليّ - ﵁ - خصومة لعمر بن الخطاب - ﵁ -، وعنده عثمان بن عفّان، وعبد الرَّحمن بن عوف، والزبير بن العوّام، وسعد بن أبي وقّاص - ﵁ -، فقال عباس: يا أمير المؤمنين اقضِ بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن؛ يعني: عليًّا - ﵁ -، فقد جرى هذا الكلام، ووصف عليًّا بهذه الأوصاف المستكرهة، بين يدي أمير المؤمنين عمر - ﵁ -، بمحضر من هؤلاء الأفاضل، ولم يُنكر ذلك أحد منهم، لا عمر، ولا هم، بل قالوا: أجل يا أمير المؤمنين فاقضِ بينهم، وأَرِحْهُم، والقصّة مشهورة في «الصحيحين»، وغيرهما، وهذا لفظ مسلم. والحاصل أن الصواب أن صدور مثل هذا بين المتخاصمين يُتسامح فيه؛ لصدوره غالبًا في حال الغضب، والله تعالى أعلم. ٢٠ - (ومنها): موعظة الحاكم المطلوب إذا أراد أن يَحْلِف خوفًا من أن يَحْلِف باطلًا، فيرجع إلى الحقّ بالموعظة. ٢١ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به القاضي أبو بكر بن الطيب في سؤال أحد المتناظرين صاحبه عن مذهبه، فيقول له: ألك دليل على ذلك؟، فإن قال: نعم، سأله عنه، ولا يقول له ابتداءً: ما دليلك على ذلك؟، ووجه الدلالة أنه - ﷺ - قال للطالب: «ألك بينة؟»، ولم يقل له: قَرِّب بيِّنتك. ٢٢ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن لليمين مكانًا يَختصّ به؛ لقوله في بعض طرقه: «فانطلق ليحلفَ»، وقد عُهِدَ في عهده - ﷺ - الحلف عند منبره، وبذلك احْتَجَّ الخطابيّ، فقال: كانت المحاكمة، والنبيّ - ﷺ - في المسجد، فانطَلَق المطلوب ليحلف، فلم يكن انطلاقه إلَّا إلى المنبر؛ لأنه كان في المسجد، فلا بد أن يكون انطلاقه إلى موضع أخص منه. ٢٣ - (ومنها): أن فيه أن الحالف يَحْلِف قائمًا؛ لقوله: «فلما قام ليحلف»، وفيه نظرٌ؛ لأن المراد بقوله: «قام»، ما تقدّم من قوله: «انطلق ليحلف». ٢٤ - (ومنها): أن الإمام الشافعي - ﵀ - استَدَلّ به على أن مَن أسلم وبيده مال لغيره، أنه يَرْجِع إلى مالكه إذا أثبته، وعن المالكيّة اختصاصه بما إذا كان المال لكافر، وأما إذا كان لمسلم، وأسلم عليه الذي هو بيده، فإنه يُقَرّ بيده، والحديث حجة عليهم. ٢٥ - (ومنها): «أن ابن المُنَيِّر - ﵀ - قال: يُستفاد من الحديث أن الآية المذكورة في هذا الحديث، نَزَلت في نقض العهد، وأن اليمين الغَمُوس لا كفارة فيها؛ لأن نقض العهد لا كفارة فيه، كذا قال، وفيه نظرٌ؛ لأن غايته أنَّها دلالة اقتران. ٢٦ - (ومنها): أن النوويّ - ﵀ - قال: يدخل في قوله:«من اقتَطَعَ حقَّ امرئ مسلم»مَن حَلَف على غير مال، كجِلْد الميتة، والسِّرْجين، وغيرهما، مما يُنْتَفَع به، وكذا سائر الحقوق، كنصيب الزوجة بالقَسْم، وأما التقييد بالمسلم، فلا يَدُلّ على عدم تحريم حقِّ الذميّ، بل هو حرام أيضًا، لكن لا يلزم أن تكون فيه هذه العقوبة العظيمة. قال في«الفتح»: وهو تأويل حسنٌ، لكن ليس في الحديث المذكور دلالة على تحريم حَقِّ الذميّ، بل ثبت بدليل آخر، والحاصل أن المسلم والذميّ لا يفترق الحكم في الأمر فيهما في اليمين الغَمُوس، والوعيد عليها، وفي أخذ حقّهما باطلًا، وإنما يفترق بالنسبة إليهما. ٢٧ - (ومنها): أن فيه بيان غِلَظ تحريم حقوق المسلمين، وأنه لا فرق بين قليل الحقّ وكثيره في ذلك، قاله النوويّ أيضًا. قال في«الفتح»: وكأنّ مراده عدم الفرق في غِلَظ التحريم، لا في مراتب الغِلَظ، وقد صَرَّح ابن عبد السلام في«القواعد»بالفرق بين القليل والكثير، وكذا بَيْنَ ما يترتب عليه كثير المفسدة وحقيرها، وقد وَرَدَ الوعيد في الحالف الكاذب في حقّ الغير مطلقًا، في حديث أبي ذَرّ - ﵁ -، مرفوعًا:«ثلاثةٌ لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم … »الحديث، وفيه:«والمنفق سِلْعته بالحلف الكاذب»، أخرجه مسلم، وله شاهد عند أحمد، وأبي داود، والترمذيّ من حديث أبي هريرة - ﷺ - بلفظ:«ورجلٌ حَلَفَ على سِلْعته، بعد العصر كاذبًا». انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قوله: (وَلَا ينظر الله إليه) قال في«الكشاف»: هو كناية عن عدم الإحسان إليه عند مَنْ يُجَوِّز عليه النظر، مجازٌ عند من لا يُجَوِّزه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: كلا التأويلين باطلان، أما الأول فإنه مذهب متأخري الأشاعرة الذين يؤولون الصفات، وأما الثاني فإنه مذهب المعتزلة الذين جمعوا بين نفي نظر المؤمنين لربهم، وبين تأويل الصفات، وهو مذهب الزمخشريّ، وكلاهما باطل. قال القاضي عياض: الإعراض، والغضب، والسخط من الله تعالى هو إرادته إبعاد ذلك المغضوب عليه من رحمته، وتعذيبه، وإنكار فعله وذمّه، قال: فيكون ذلك من صفات الذات، ويرجع إلى الإرادة، أو الكلام، أو أن يَفعل بهم فعل المسخوط عليه المُعرِض عنه المغضوب عليه من النقمة والعذاب والإبعاد عن الرحمة، فيكون من صفات الفعل، وهي في المخلوق تغيُّر حاله لإرادة السوء، أو فعله بمن غَضِبَ عليه، والله جلّ اسمه يتعالى عن التغيّر، واختلاف الحال. انتهى كلام عياض، وتبعه النوويّ، وأقرّه عليه . قال الجامع عفا الله عنه: هذه القاعدة التي ذكرها القاضي، وتبعه النوويّ عليها هي من المسائل التي خالف فيها متأخرو الأشاعرة مذهب السلف، وهي تأويل الصفات، وهي تحتاج إلى بيان، فأقول: (اعلم أَوّلًا): أن صفات الله - ﷾ - تنقسم إلى قسمين: ثبوتيّةٌ، وسلبيّةٌ، فأما الثبوتيّة، فهي ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه، أو فيما صحّ على لسان رسوله - ﷺ - من صفات الكمال والجلال، فيجب إثباتها له - ﷾ - حقيقةً على الوجه اللائق به - ﷾ -. وأما الصفات السلبيّة، فهي ما نفاه الله - ﷾ - عن نفسه في كتابه، أو فيما صحّ عن رسوله - ﷺ -، وكلّها صفات نقص في حقّه - ﷾ -، كالموت، والنوم، والنسيان، فيجب نفيها عن الله تعالى مع إثبات ضدّها له على الوجه الأكمل. ثم إن الصفات الثبوتيّة تنقسم إلى ذاتيّة وفعليّة، فالذاتيّة هي التي لَمْ يزل الله تعالى متّصفًا بها، كالعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، وغيرها، ويدخل في هذا القسم الصفات الخبريّة، كالوجه، واليدين، والعينين. والصفات الفعليّة هي التي تتعلّق بمشيئته - ﷾ -، إن شاء فعلها، وإن شاء لَمْ يفعلها، وهو - ﷾ - متّصفٌ بها منذ الأزل، ولا يجوز اعتقاد أنه تعالى قد وُصِف بها بعد أن لَمْ يكن متّصفًا بها، مثل النزول إلى السماء الدنيا، والغضب، والرضا، والإحياء، والإماتة، ونحوها. وكلُّ صفة تعلّقت بمشيئة الله تعالى، فإنها تابعة لحكمته، وقد تكون الحكمة معلومة لنا، وقد نَعجَز عن إدراكها، لكن نعلم علم اليقين أنه - ﷾ - لا يشاء إلَّا وهو موافقٌ للحكمة. وقد تكون الصفة ذاتيّة باعتبار، وفعليّة باعتبار آخر، كالكلام، فإنه صفة من صفات الذات؛ لأن الله - ﷾ - لَمْ يزل متكلّمًا، ولا يزال متكلّمًا، وأما باعتبار آحاد الكلام، فهو صفة فعليّة. (ثم اعلم ثانيًا): أن التأويل الذي ذكره عياض والنوويّ للإعراض، والغضب والسخط بإرادة الانتقام، ونحو ذلك هو مذهب الأشاعرة، وأما مذهب السلف، فهو إثبات هذه الصفات لله - ﷾ - على حقيقتها، فيُثبتون له الغضب حقيقةً على كيفيّة تليق بجلاله، وأما قول القائل: إن الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، ونحو ذلك، والله تعالى منزّه عن هذا، فيقال له: هذا قد يصحّ في المخلوق، ولا يجوز تشبيه الخالق بالمخلوق؛ لأن - ﷾ - أثبت هذه الصفات لنفسه، وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. ثم إن المعنى الذي صرفوا إليه اللفظ كالمعنى الذي صرفوه عنه، فإن الإرادة تتضمّن الميل، وهو مما يتّصف به المخلوق، فوجب إثبات الأمرين، أو نفيهما معًا . والحاصل أن الفرق بين معاني صفات الله - ﷾ - وصفات المخلوقين فيما يقع فيه الشركة في اللفظ والتسمية واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، لا يخفى إلَّا على من أعمى الهوى والتقليد بصيرته، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرِنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٦٣] (…) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْأَعْمَش، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَة فِي بِئْرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (جَرِير) هو ابن عبد الحميد المذكور في الباب الماضي. ٢ - (مَنْصُور) هو: ابن المعتمر بن عبد الله السُّلَميّ، أبو عَتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبت [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٦. والباقون تقدّموا في الذي قبله. وقوله: (عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ) هو ابن مسعود - ﵁ -، ثم إن روادة جرير، عن منصور هذه هكذا وقعت موقوفة في «الصحيحين»، ولم يقع فيها الرفع، وقد سبق الحديث الماضي من رواية الأعمش مرفوعًا، ولفظه: «عن عبد الله، عن رسول الله - ﷺ - قال»، وكذا وقع التصريح برفعه في رواية شعبة عن الأعمش، ومنصور عند البخاريّ في «الإيمان والنذور»، ولفظه: «عن شعبة، عن سليمان، ومنصور، عن أبي وائل، عن عبد الله - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال»، وكذلك وقع التصريح، بالرفع عنده في «كتاب الإحكام» من رواية سفيان، عن منصور، والأعمش. والظاهر أن منصورًا كان يرويه بالوجهين، أحيانًا مرفوعًا، وأحيانًا موقوفًا. والحاصل أن حديث ابن مسعود - ﵁ - هذا مرفوعًا صحيح، لا يضرّه وقفه في بعض طرقه؛ لأن الرفع فيه أكثر، على أن الموقوف في مثل هذا له حكم الرفع، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ) أي متعمّد للكذب، وتسمّى هذه اليمين الغَمُوس. وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ) فاعل «ذَكَرَ» ضمير منصور، يعني: أن منصورًا ساق الحديث نحو رواية الأعمش. وقوله: (غَيْرَ أنَّهُ قَالَ: كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي بِئْرٍ) يعني: أن منصورًا خالف الأعمش في قوله: «كانت بيني وبين رجل … إلخ»، فإن الأعمش ساقه بلفظ: «كان بيني وبين رجل أرض باليمن»، وقد سبق أن قلنا: إنه لا تخالف بين الروايتين لإمكان كون البئر كانت في تلك الأرض، وأراد بالأرض المتنازع فيها أرض البئر، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَقَالَ) أي: النبيّ - ﷺ - («شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ») معناه: لك ما يشهد به شاهداك، أو يمينه، فـ«شاهداك» خبر لمحذوف: أي الحجّة، أو المثبتُ لك شاهداك، أو مبتدأ وخبره محذوف: أي شاهداك، يثبتان لك حقّك، وقيل: إن رفعه على تقدير فعل، أي يُثبتُ لك شاهداك، وقيل: إنه على تقدير مضاف، أي لك إقامة شاهديك، فحذف المضاف، وأُقيم المضاف إليه مُقامه، فارتفع ارتفاعه، وقوله: «أو يمينه» معطوف عليه في كلّ ما له. [تنبيه]: رواية جرير، عن منصور التي أحالها المصنّف - ﵀ - على رواية الأعمش، ساقها الإمام البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»، فقال: (٢٥١٦) حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل، قال: قال عبد الله - ﵁ -: «من حَلَفَ على يمين، يَستَحِقّ بها مالًا، وهو فيها فاجر، لقي الله، وهو عليه غضبان، فأنزل الله تصديق ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فقرأ إلى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]، ثم إن الأشعث بن قيس، خَرَجَ إلينا، فقال: ما يُحَدِّثكم أبو عبد الرَّحمن؟ قال: فحدثناه، قال: فقال: صَدَقَ، لَفِيَّ والله أُنْزِلت، كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: «شاهداك، أو يمينه»، قلت: إنه إذًا يحلفَ، ولا يبالي، فقال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ حَلَفَ على يمين، يستحقّ بها مالًا، وهو فيها فاجر، لقي الله، وهو عليه غضبان»، فأنزل الله تصديق ذلك، ثم اقترأ هذه الآية« ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فقرأ إلى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٦٤] (…) - (وَحَدَّثنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثنَا سُفْيَانُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ، سَمِعَا شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، بِغَيْرِ حَقِّه، لَقِيَ اللهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»، قَالَ عَبْدُ اللهِ: ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِصْدَاقَهُ مِنْ كتَابِ اللهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيةِ [آل عمران: ٧٧]. رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العَدَنيّ، نزيل مكة، ويقال: إن أبا عمر كنية يحيي، ثقةٌ ، صنّف «المسند»، وكان يلازم ابن عيينة [١٠] (٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ٢ - (سُفْيَانُ) هو: ابن عيينة الإمام المشهور، تقدّم قريبًا. ٣ - (جَامِعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ) الكاهليّ الصيرفيّ الكوفيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٥]. رَوَى عن أبي الطُّفَيل، ومنذر الثوريّ، وأبي وائل، وغيرهم. ورَوى عنه الأعمش، وزُبَيد الياميّ، وهما من أقرانه، والسفيانان، ومحمد بن طلحة بن مُصَرِّف، وشريك. قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: شيخٌ ثقةٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: ثقة ثبتٌ صالحٌ، وأخوه ربيع يقال: إنه لَمْ يكن بالكوفة في زمانه أفضل منه، وهما في عِدَاد الشيوخ، ليس حديثهم بكثير، وقال يعقوب بن سفيان: كوفيٌّ ثقةٌ، وقال البخاري في «التاريخ»: قال عليّ، عن سفيان: جامعٌ أحبُّ إليّ من عبد الملك بن أعين، وقال ابن حبان في «الثقات»: جامع بن أبي راشد، ورُبّما رَوَى عنه شريك، فقال: جامع بن راشد، والصحيح ما قاله سفيان - يعني - وغيره: ابن أبي راشد. أخرج له الجماعة، - وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١٣٨)، وحديث (١٤٤): «فتنة الرجل في أهله …». ٤ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَعْيَنَ) الكوفيّ، مولى بني شيبان، صدوقٌ شيعيّ، له حديث متابعةً [٦]. رَوَى عن أبي عبد الرَّحمن السُّلَميّ، وعبد الله بن شَدَّاد بن الهاد، وأبي وائل، وأبي حرب الأسود، وعبد الرَّحمن بن أُذَينة. ورَوَى عنه ابن إسحاق، وإسماعيل بن سُمَيع، وعبد الملك بن أبي سليمان، والسفيانان، قال محمد بن المثنى: ما سمعتط ابن مهديّ يحدّث عن سفيان، عن عبد الملك بن أعين، وكان يُحدِّث عنه فيما أُخبرتُ، ثم أمسك، وقال الحميديّ، عن سفيان: حدثنا عبد الملك بن أعين شيعيّ، كان عندنا، رافضيّ، صاحب رأي، وقال الدُّورِيّ، عن ابن معين: ليس بشيء، وقال حامد، عن سفيان: هم ثلاثة إخوة: عبد الملك، وزُرَارة، وحُمْران، رَوَافِضُ كلهم، أخبثهم قولًا عبد الملك، وقال أبو حاتم: هو من أَعْتَى الشيعة، محله الصدق، صالح الحديث، يُكْتَب حديثه، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وكان يتشيع، وقال الساجيّ: كان يتشيع، ويُحْتَمَلُ في الحديث، وقال العجليّ: كوفيّ، تابعيّ، ثقة.
مصادر المؤلف (١٧)

١. «شرح النوويّ» ٢/ ١٦٠.

٢. «الفتح» ١١/ ٥٦٨.

٣. «شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح» ص ١٦٩.

٤. قال في «كتاب الإيمان والنذور» عند شرح هذا الحديث ما نصّه: واسم ابن عمّه المذكور الخفشيش بن معدان بن معدي كرب، وبيّنت الخلاف في ضبط الخفشيش، وأنه لقب، واسمه جرير، وقيل: معدان، حكاه ابن طاهر، والمعروف أنه اسم، وكنيته أبو الخير. انتهى. فوقع في «الخفشيش» بالخاء.

٥. «الفتح» ١١/ ٥٦٩ - ٥٧٠ «كتاب الإيمان والنذور» رقم (٦٦٧٧).

٦. وقال في «الإصابة» (١/ ٤٩١): جَفْشِيش بن النعمان الكِنديّ، كذا سَمَّى ابن منده أباه، وقال: يقال: اسمه مَعْدَان يُكنى أبا الخير، ويقال: جرير بن مَعْدَان، ووقع في بعض الروايات خَفْشيش - بالخاء المعجمة - وكذا قال أبو عمر: إنه قيل فيه: بالجيم، والمعجمة، وزاد أنه قيل فيه: بالمهملة أيضًا، وذكر بكسر أوله، وضمه، وقال ابن الكلبيّ، وابنُ سعد: اسمه مَعْدان بن الأسود بن مَعْد يكَرِب بن ثُمَامة بن الأسود، وذكر أبو عمر بن عبد البر من طريق مجالد، عن الشعبيّ، قال: قال الأشعث بن قيس: كان بين رجل منا، وبين رجل من الحضرميين، يقال له: الجفشيش خصومة في أرض … الحديث، وأصل الخبر في «سنن أبي داود» من رواية مُسْلِمٌ بن هَيْضَم، عن الأشعث، لكن لَمْ يُسَمِّ الجفشيش، وأخرج أبو عمر من طريق ابن عون، عن الشعبيّ، عن جرير بن مَعْدان، وكان يُلَقَّب الجفشيش، أنه خاصم رجلًا إلى النبيّ - ﷺ - … فذكر الحديث. قال الحافظ: وهذا ظاهره أن اسم الجفشيش جرير، وأنه الصحابيّ، وهو غريب. ويمكن أن يكون الضمير في قوله: «وكان يُلَقَّب» لمعدان والد جرير، ويكون الخبر من رواية جرير، عن أبيه، وأرسله جرير، وهذا أقرب عندي إلى الصواب، وذكر أبو سَعْد النيسابوريّ، من طريق مَسْلَمة بن مُحَارب، عن السديّ، عن أبي مالك، عن ابن عباس، قال: قَدِمَ ملوك حضرموت، فقَدِمَ وَفْدُ كنْدَة، فيهم الأشعث بن قيس … فذكر القصة، قال: وفي ذلك يقول الجفشيش، واسمه معدان بن الأسود الكِنْدِيّ [من البسيط]:

٧. قال الجامع: عمل «إذًا» إذا استوفت الشروط واجب عند جمهور النحاة، وجوّز بعضهم إهمالها مع استيفاء الشروط، وهي لغة نادرة، لكن تلقّاها البصريون بالقبول؛ لأنَّها حرف غير مختصٍّ، فقياسه الإهمال، فلا التفات إلى من أنكرها، ذكره الخضريّ في «حاشيته على شرح ابن عقيل» ٢/ ١٧٣.

٨. راجع: «شرح النوويّ» ٢/ ١٦٠.

٩. راجع: «تفسير ابن كثير» ٣/ ٩٢ - ٩٣، و«تفسير النسفيّ» ١/ ١٦٥، و«المفهم» ١/ ٣٥١.

١٠. «الفتح» ٨/ ٦١ «كتاب التفسير» رقم (٤٥٤٩ - ٤٥٥٠).

١١. «العدّة حاشية العمدة» ٤/ ٤٠٢ - ٤٠٣.

١٢. هو ما سيأتي للمصنّف - ﵀ - في «كتاب الأقضية» برقم (١٧١٣) من طريق زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إنكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو مما أسمع منه، فمن قطعت له من حق أخيه شيئًا، فلا يأخذه، فإنما أقطع له به قطعةً من النار».

١٣. راجع: «صحيح البخاريّ» (٥/ ٨٨ - ٨٩) بنسخة «الفتح».

١٤. «الفتح» ١١/ ٥٧١ - ٥٧٣ «كتاب الإيمان والنذور» رقم الحديث (٦٦٧٦ - ٦٦٧٧).

١٥. راجع: «إكمال المعلم» ١/ ٥٣٦ - ٥٣٨، و«شرح النوويّ» ٢/ ١٦٢.

١٦. راجع ما كتبه محقق: «إكمال المعلم» ١/ ٥٣٧ - ٥٣٨.

١٧. قال في «التقريب»: صدوق، والظاهر أنه ثقة، فقد روى عنه جماعة، ووثقه الأئمة، راجع ترجمته في: «تهذيب التهذيب» ٣/ ٧٣١ - ٧٣٢.