HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٥٨

وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بْنُ حَرْبٍ. قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ. جَمِيعًا عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «ثلاث إِذَا خَرَجْنَ، لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا. وَالدَّجَّالُ. ودابة الأرض».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص95
ج ١ ص ١٣٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤ ص٣٢٤
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٠٥] (١٥٨) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، (ح) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزرَقُ، جَمِيعًا عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، (ح) وَحَدَّثنَا أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبيِ حَازِمٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «ثَلَاثٌ، إِذَا خَرَجْنَ، ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]: طُلُوعُ الشمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الْأَرْضِ»). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزرَقُ) الواسطيّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩١. ٢ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ، حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٣ - (فُضَيْلِ بْنِ غزْوَانَ) - بفتح الغين المعجمة، وسكون الزاي - ابن جرير الضبيّ مولاهم، أبو الفضل الكوفيّ، من كبار [٧]. رَوَى عن أبي حازم الأشجعيّ، وسالم بن عبد الله بن عمر، ونافع مولى ابن عمر، وأبي إسحاق السبيعي، وعكرمة، وأبي زرعة بن عمرو بن جرير، وغيرهم. وروى عنه ابنه محمد، والثوريّ، وابن المبارك، والقطان، ووكيع، وجرير، وحفص بن غياث، وعبد الله بن نمير، والفضل بن موسى السِّينانيّ، وإسحاق بن يوسف الأزرق، وأبو أسامة، ويعلى بن عُبيد، وآخرون. قال أحمد، وابن معين: ثقةٌ، ووثقه محمد بن عبد الله بن عمار، ويعقوب بن سفيان، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: حدثنا أبي، حدثنا ابن فضيل، عن أبيه، قال: كنا نَجلِس أنا وابن شُبْرُمة، والقعقاع بن يزيد، والحارث العُكْليّ نتذاكر الفقه، فربّما لم نقم حتى نسمع النداء لصلاة الفجر، وذكر الخالديّ الشاعر أنه قُتِل في أيام المنصور ، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا. ٤ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات على رأس المائة (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤٢. والباقون تقدّموا قريبًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، فإن معظمهم كوفيّون، كما مرّ آنفًا. ٣ - (ومنها): أن فيه أبا حازم ممن لازم أبا هريرة خمس سنين. ٤ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى التحويل، وقد مرّ البحث فيها غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن فيه قوله: «واللفظ له» يعني: أن لفظ الحديث المذكور هنا لفظ محمد بن العلاء، وأما شيخاه أبو بكر، وزهير، فروياه بالمعنى. ٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «ثَلَاثٌ) ذكّر العدد على تقدير ثلاثُ آيات، وللترمذيّ:»ثلاثة«بالتاء على تقدير ثلاثة أشياء، أو أمور (إِذَا خَرَجْنَ) أي: ظهرن في الدنيا وشاهدهنّ الناس ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا﴾ أي: كافرةً ﴿إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ﴾ نفسًا مؤمنة لم تكن ﴿كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]) أي: في حال كونها مؤمنة لم تعمل عملًا صالحًا غير الإيمان (طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا) بدل تفصيل من»ثلاث«، أو بدل كلّ إن اعتُبر مع ما بعده، أو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: أحدها طلوع الشمس من موضع غروبها (وَالدَّجَّالُ) هكذا الرواية عند المصنّف، وغيره، ووقع في«مسند أحمد»:«والدخان»بالخاء المعجمة، وآخره نون. و«الدجّال»بفتح الدال، وتشديد الجيم، هو: الكذّاب، قال ثعلبٌ: الدّجّال: هو المُمَوِّه، يقال: سيفٌ مُدَجَّلٌ: إذا طُلِي بذهب، وقال ابن دُريد: كلُّ شيء غَطَّيتَهُ: فقد دَجَّلْتَهُ، واشتقاق الدّجّال من هذا؛ لأنه يُغطيّ الأرض بالجمع الكثير، وجمعه دجّالون، قاله الفيّوميّ . وقال في«الفتح»:«الدَّجّال»: فَعّالٌ بفتح أوله، والتشديد من الدَّجْل، وهو التغطية، وسُمِّي الكذّاب دجّالًا؛ لأنه يُغَطّي الحقَّ بباطله، ويقال: دَجَلَ البعيرَ بالقَطِران: إذا غَطّاه، والإناءَ بالذهب: إذا طلاه، وقال ثعلب: الدجّال: المُمَوِّه، سيف مُدَجَّلٌ: إذا طُلِي، وقال ابن دُريد: سُمّي دجّالًا؛ لأنه يُغَطِّي الحقَّ بالكذب، وقيل: لضربه نواحي الأرض، يقال: دَجَلَ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا: إذا فَعَلَ ذلك، وقيل: بل قيل ذلك؛ لأنه يُغَطِّي الأرض، فرجع إلى الأول. وقال القرطبيّ في «التذكرة»: اختُلِفَ في تسميته دجّالًا على عشرة أقوال. وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثالثة، والرابعة - إن شاء الله تعالى -. (وَدَابَّةُ الْأَرْضِ») أُضيفت إلى الأرض مع أن الأصل في الدابّة ما تَدِبُّ على الأرض؛ للإشارة إلى أن خَلْقها ليس بطريق التوالد كبقيّة الدواب المعروفة، بل بالخروج من الأرض على هيئتها المكتملة، وسيأتي البحث فيها في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا تفرّد به المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا في «الإيمان» [٧٨/ ٤٠٥] (١٥٨)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣٠٧٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٥/ ١٧٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٩٧٥٢)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٦١٧٠ و٦١٧٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣١٨)، و(أبو نُعيم) في «مستخرجه» (٣٩٦)، و(ابن منده) في «الإيمان» (١٠٢٣)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (٨/ ١٠٣)، و(البيهقيّ) في «الاعتقاد» (ص ٢١٣)، وفوائده تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في ذكر ما قيل في الدجّال: (اعلم): أن مما يُحتاج إليه في أمر الدجال: أصله، وهل هو ابنُ صيّاد، أو غيره؟، وعلى الثاني فهل كان موجودًا في عهد رسول الله - ﷺ - أو لا؟ ومتى يَخرُج؟ وما سبب خروجه؟ ومن أين يخرج؟ وما صفته؟ وما الذي يَدَّعيه؟ وما الذي يَظْهَر عند خروجه من الخوارق، حتى تَكْثُر أتباعه؟ ومتى يَهلِك؟ ومن يقتله؟. فأما الأول؛ فقد ثبت في الصحيح من حديث جابر - ﵁ - أنه كان يَحْلِف أن ابن صيّاد هو الدجّال. وأما الثاني؛ فمقتضى حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم الداريّ الذي أخرجه مسلم أنه كان موجودًا في العهد النبوي، وأنه محبوس في بعض الجزائر. وأما الثالث؛ ففي حديث النّوّاس عند مسلم أنه يخرج عند فتح المسلمين القسطنطينية. وأما سبب خروجه، فأخرج مسلم في حديث ابن عمر عن حفصة - ﵃ - أنه يخرج من غَضبَة يَغْضَبها. وأما من أين يَخرُج؟ فمن قِبَل المشرق جزمًا، ثم جاء في رواية أنه يَخرُج من خراسان، أخرج ذلك أحمد، والحاكم، من حديث أبي بكر، وفي أخرى أنه يخرج من أصبهان، أخرجها مسلم. وأما صفته، فقد ثبت في الصحيح أنه - ﷺ - وصفه بأنه رجل جسيمٌ أحمر جعد الرأس، أعور العين، كأن عينه عِنَبة طافية، أقرب الناس شبهًا به ابن قَطَن، رجل من خُزاعة، وإن بين عينيه مكتوب كافر. وأما الذي يَدَّعيه، فإنه يخرج أوّلًا، فيَدَّعي الإيمان والصلاح، ثم يَدّعي النبوة، ثم يدعى الإلهية، كما أخرج الطبرانيّ، من طريق سليمان بن شهاب، قال: نَزَل عليّ عبدُ الله، وكان صحابيًّا، فحدّثني عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «الدجال ليس به خَفَاءٌ، يجيء من قِبَل المشرق، فيدعو إلى الدين، فيُتَّبَعُ، ويَظهَر، فلا يزال حتى يَقْدَم الكوفة، فيُظهِر الدين، ويعمل به فيُتَّبَعُ، وَيحُثّ على ذلك، ثم يَدَّعي أنه نبي، فيَفْزَع من ذلك كلُّ ذي لُبّ، ويفارقه، فيمكث بعد ذلك، فيقول: أنا الله، فتُغْشَى عينه، وتقطع أذنه، ويُكتب بين عينيه كافرٌ، فلا يخفى على كل مسلم، فيفارقه كل أحد من الخلق، في قلبه مثقالُ حبة من خردل من إيمان»، وسنده ضعيف. (المسألة الرابعة): أنه اشتَهَرَ السؤال عن الحكمة في عدم التصريح بذكر الدجال في القرآن، مع ما ذُكر عنه من الشرّ، وعظم الفتنة به، وتحذير الأنبياء منه، والأمرِ بالاستعاذة منه حتى في الصلاة. [وأجيب بأجوبة]: (أحدها): أنه ذُكِر في قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨]، فقد أخرج مسلم، عن أبي هريرة - ﵁ - رفعه: «ثلاثٌ إذا خَرَجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبلُ، أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض»، وأخرجه الترمذيّ أيضًا، وصححه. (الثاني): قد وقعت الإشارة في القرآن إلى نزول عيسى ابن مريم في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآية [النساء: ١٥٩]، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ الآية [الزخرف: ٦١]، وصَحّ أنه الذي يقتل الدجال، فاكتُفِي بذكر أحد الضدين عن الآخر، ولكونه يُلَقَّب بالمسيح، كعيسى ﵇، لكن الدجال مَسِيح الضلالة، وعيسى ﵇ مسيح الهدى. (الثالث): أنه تُرِك ذكره احتقارًا. وتُعُقِّب بذكر يأجوج ومأجوج، وليست الفتنة بهم بأشدّ من الفتنة بالدجال. وأجاب البلقيني بأنه اعتَبَر كلَّ من ذُكر في القرآن من المفسدين، فوجَدَ كلَّ من ذُكر إنما هم ممن مضى، وانقضى أمره، وأما من لم يجئ بعدُ، فلم يُذكَر منهم أحدٌ. انتهى. وتُعُقّب بأنه ينتقض بيأجوج ومأجوج. وقد وقع في «تفسير البغويّ» أن الدجال مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ الآية [غافر: ٥٧]، وأن المراد بالناس هنا الدجال، من إطلاق الكلّ على البعض، وهذا إن ثبت أحسن الأجوبة، فيكون من جملة ما تَكَفَّل النبيّ - ﷺ - ببيانه والعلم عند الله تعالى. قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأجوبة كلها ليست مُقنعة، فالأولى أن نَكِلَ علمه في عدم ذكره في القرآن إلى العليم الخبير، فالله تعالى أعلم. وأما ما يظهر على يده من الخوارق، فقد ثبت في الصحيح من حديث حذيفة - ﵁ - مرفوعًا: «إن معه ماءً ونارًا، فناره ماء بارد، وماؤه نار»، وأخرج نعيم بن حماد في «كتاب الفتن» من طريق كعب الأحبار، قال: «يتوجه الدجال، فينزل عند باب دمشق الشرقيّ، ثم يُلتَمَس، فلا يُقْدَر عليه، ثم يُرَى عند المياه التي عند نهر الكسوة، ثم يُطلب فلا يدرى أين توجه؟ ثم يظهر بالمشرق، فيُعطَى الخلافة، ثم يُظْهِر السحر، ثم يدعي النبوة، فتتفرق الناس عنه، فيأتي النهر فيأمره أن يسيل إليه فيسيل، ثم يأمره أن يرجع فيرجع، ثم يأمره أن ييبس فييبس، ويأمر جبل طور وجبل زيتا أن ينتطحا فينتطحا، ويأمر الريح أن تثير سحابًا من البحر، فتمطر الأرض، ويخوض البحر في يوم ثلاث خوضات، فلا يبلغ حقويه، وإحدى يديه أطول من الأخرى، فيمد الطويلة في البحر، فتبلغ قعره، فيخرج من الحيتان ما يريد». وفي حديث هشام بن عامر: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:«ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من الدجال»، أخرجه الحاكم، وعند الحاكم من طريق قتادة، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أَسِيد رفعه:«أنه يخرج - يعني: الدجال - في نقص من الدنيا، وخِفّة من الدين، وسوء ذات بَيْن، فيرد كل منهل، وتُطوَى له الأرض … »الحديث. وأما متى يهلك؟ ومن يقتله؟ فإنه يَهلك بعد ظهوره على الأرض كلها، إلا مكة والمدينة، ثم يقصد بيت المقدس، فينزل عيسى ﵇ فيقتله؛ أخرجه مسلم أيضًا. وأخرج أبو نعيم في ترجمة حسان بن عطية أحد ثقات التابعين من الحلية بسند حسن صحيح إليه قال:«لا ينجو من فتنة الدجال إلا اثنا عشر ألف رجل، وسبعة آلاف امرأة»، وهذا لا يقال من قبل الرأي، فيحتمل أن يكون مرفوعًا أرسله، ويحتمل أن يكون أخذه عن بعض أهل الكتاب، ذكر هذا كلّه في«الفتح»، وسيأتي تمام البحث في«كتاب الفتن»- إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في ذكر بعض ما ورد في دابّة الأرض: (اعلم): أنه وردت أحاديث في تعيينها، وصفتها، ومن أين تخرج؟: (فمنها): ما سيأتي للمصنّف في«كتاب الفتن »(٢٩٠١) من طريق فُرَات القَزّاز، عن أبي الطُّفَيل، عن حُذيفة بن أَسِيد الغِفَاريّ، قال: اطَّلَع النبيّ - ﷺ - علينا، ونحن نتذاكر، فقال:«ما تذاكرون؟ »، قالوا: نَذْكُرُ الساعة، قال:«إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات»، فذكر«الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم ﵇، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تَخرُج من اليمن، تَطْرُد الناس إلى محشرهم». (ومنها): ما أخرجه أبو داود الطيالسيّ في«مسنده»(١١٦٥) عن طلحة بن عمرو، وجرير بن حازم، فأما طلحة فقال: أخبرني عبد الله بن عبيد الله بن عُمير الليثيّ، أن أبا الطُّفَيل حَدَّثه، عن حُذيفة بن أَسِيد الغِفَاريّ أبي سَرِيحة، وأما جرير فقال: عن عبد الله بن عُبيد، عن رجل من آل عبد الله بن مسعود، وحديث طلحة أَتَمُّهما وأحسن، قال: ذكر رسول الله - ﷺ - الدابة، فقال:«لها ثلاث خَرَجَات من الدهر، فتخرج من أقصى البادية، ولا يدخل ذِكرُها القرية - يعني مكة - ثم تَكْمُن زمانًا طويلًا، ثم تخرج خَرْجةً أخرى دون ذلك، فيعلو ذكرها في أهل البادية، ويدخل ذكرها القرية - يعني مكة -». قال رسول الله - ﷺ -:«ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمةً، خيرِها وأكرمِها المسجدِ الحرام، لم يَرُعْهم إلا وهي تَرْغُو بين الركن والمقام، تنفُضُ عن رأسها التراب، فارْفَضَّ الناس معها شَتّى ومَعًا، وتثبت عصابة من المؤمنين، وعَرَفُوا أنهم لن يُعجِزوا الله، فبدأت بهم، فجَلَّت وجوههم حتى تجعلها كأنها الكوكب الدُّرّيّ، ووَلَّت في الأرض، لا يدركها طالب، ولا ينجو منها هارب، حتى إن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة، فتأتيه من خلفه، فتقول: يا فلان الآن تصلي؛ فيُقبِل عليها، فَتَسِمُهُ في وجهه، ثم تنطلق، ويشترك الناس في الأموال، ويصطحبون في الأمصار، يُعْرَف المؤمن من الكافر، حتى إن المؤمن يقول: يا كافر اقضني حقي، وحتى إنّ الكافر يقول: يا مؤمن اقضني حقّي»، وهو حديث ضعيفٌ . ورواه ابن جرير في«تفسيره »(٢٠/ ١٤ - ١٥) من طريقين عن حذيفة بن أَسِيد موقوفًا، والله أعلم. ورواه من رواية حُذيفة بن اليمان مرفوعًا، وأن ذلك في زمان عيسى ابن مريم، وهو يطوف بالبيت، ولكن إسناده لا يصح، قاله الحافظ ابن كثير ﵀. (ومنها): ما أخرجه المصنّف أيضًا في«كتاب الفتن»(٢٩٤١) من طريق والحاصل أن الحديث صحيح موقوفًا، والله تعالى أعلم. أبي زرعة، عن عبد الله بن عمرو، قال: حفظت من رسول الله - ﷺ - حديثًا لم أنسَه بعد؛ سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن أوّل الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضُحًى، وأَيَّتُهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبًا». (ومنها): ما أخرجه فيه أيضًا (٢٩٤٧) من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «بادروا بالأعمال ستًّا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدجال، والدائة، وخاصّةَ أحدكم، وأمر العامة». (ومنها): ما أخرجه أيضًا (٢٩٤٧) من حديث قتادة، عن الحسن، عن زياد بن رَبَاح، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «بادروا بالأعمال ستًّا: الدجال، والدخان، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخويصة أحدكم». (ومنها): ما أخرجه ابن ماجه في «كتاب الفتن» من «سننه» (٤٠٥٦) بإسناد حسن من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سَعْد، عن أنس بن مالك - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ - قال: «بادروا بالأعمال ستًّا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، والدجال، أو خاصة أحدكم، وأمر العامة» . (ومنها): ما أخرجه أبو داود الطيالسيّ في «مسنده» (٢٦٨٧) من طريق أوس بن خالد، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تخرج دابة الأرض، ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان ﵇ فتَخْطِم أنف الكافر بالعصا، وتُجَلِّي وجه المؤمن بالخاتم، حتى يجتمع الناس على الخِوَان يُعْرَف المؤمن من الكافر». وفي سنده علي بن زيد بن جُدْعان، وهو ضعيف. ورواه أحمد في «مسنده» (٧٨٧٧)، وقال: «فتَخْطِم أنف الكافر بالخاتم، وتجلو وجه المؤمن بالعصا، حتى إن أهل الخِوَان الواحد ليجتمعون، فيقول هذا: يا مؤمن، وبقول هذا: يا كافر». وفيه ما في سابقه. (ومنها): ما أخرجه ابن ماجه أيضًا في «سننه» (٤٠٦٧)، من طريق خالد بن عبيد، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبيه - ﵁ -، قال: ذهب بي رسول الله - ﷺ - إلى موضع بالبادية، قريبٍ من مكة، فإذا أرض يابسة، حولها رَمْلٌ، فقال رسول الله - ﷺ -: «تَخرُج الدابة من هذا الموضع»، فإذا فِتْرٌ في شِبْرٍ، قال ابن بريدة: فحججت بعد ذلك بسنين، فأرانا عَصًا له، فإذا هو بعصاي هذه هكذا وهكذا. وهو حديث ضعيف؛ لأن في سنده خالد بن عبيد متروك الحديث . (ومنها): ما أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره»، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: أن ابن عباس قال: هي دابة ذات زَغَب، لها أربع قوائم، تَخرُج من بعض أودية تهامة . (منها): ما أخرجه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن عبد الله بن رجاء، عن فُضيل بن مرزوق، عن عطية، قال: قال عبد اللهِ: «تخرُج الدابة من صَدْعٍ من الصفا، كجَرْيِ الفرس ثلاثة أيام، لم يخرج ثلثها». وفيه عطية العوفيّ، وهو ضعيف. وقال محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، قال: سئل عبد الله بن عمرو عن الدابة، فقال: تَخْرُج من تحت صخرة بجياد، والله لو كنت معهم، أو لو شئت لقرعت بعصاي الصخرة التي تخرج الدابة من تحتها، قيل: فتصنع ماذا يا عبد الله بن عمرو؟ قال: تستقبل المشرق، فتصرخ صَرْخَة تُنْفِذُه، ثم تستقبل الشام، فتصرُخ صرخةً تُنْفِذه، ثم تستقبل المغرب، فتصرُخ صرخة تُنفِذه، ثم تستقبل اليمن، فتصرخ صرخة تُنفِذه، ثم تروح من مكة، فتصبح بعُسْفان، قيل: ثم ماذا؛ قال: ثم لا أعلم. رواه ابن أبي حاتم . وعن عبد الله بن عُمَر أنه قال: تخرج الدابة ليلة جمع، رواه ابن أبي حاتم، وفي إسناده ابن البيلماني، وهو ضعيف. وعن وهب بن منبه أنه حَكَى من كلام عزير - ﵁ - أنه قال: تخرج من تحت سَدُوم دابة تُكلِّم الناس كلّ يسمعها، وتَضَع الحبالى قبل التمام، ويعود الماء العذب أُجاجًا، ويتعادى الأخلاء، وتُخْرَق الحكمة، ويُرفَع العلم، وتُكلِّم الأرضُ التي تليها، وفي ذلك الزمان يرجو الناس ما لا يبلغون، ويتعنّون فيما لا ينالون، ويعملون فيما لا يأكلون. رواه ابن أبي حاتم عنه . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني معاوية بن صالح، عن أبي مريم أنه سمع أبا هريرة - ﵁ - يقول: إن الدابة فيها من كلّ لون، ما بين قرنيها فَرْسخٌ للراكب. وقال ابن عباس: هي مثل الحَرْبة الضخمة. وعن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: إنها دابة لها ريشٌ، وزَغَبٌ، وحافر، وما لها ذنبٌ ، ولها لِحْيَةٌ، وإنها لتخرج حُضرَ الفرس الجواد ثلاثًا، وما خَرَج ثلثها. رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن جريج، عن أبي الزبير، أنه وصف الدابة، فقال: رأسها رأس الثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أَيّل، وعنقها عنق نَعَامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نَمِر، وخاصرتها خاصرة هِرّ، وذنبها ذنب كَبْش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعًا، تخرج معها عصا موسى، وخاتم سليمان، فلا يبقى مؤمن إلا نَكَّتت في وجهه بعصا موسى نُكْتَةً بيضاء، فتفشو تلك النكتة حتى يبيض لها وجهه، ولا يبقى كافر إلا نَكَّتت في وجهه نكتةً سوداء بخاتم سليمان، فتفشو تلك النكتة حتى يَسْوَدّ بها وجهه، حتى إن الناس يتبايعون في الأسواق: بكم ذا يا مؤمن؟ بكم ذا يا كافر؟ وحتى إن أهل البيت يجلسون على مائدتهم، فيعرفون مؤمنهم من كافرهم، ثم تقول لهم الدابة: يا فلان أبْشر أنت من أهل الجنة، ويا فلان أنت من أهل النار، فذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ [النمل: ٨٢]. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أن هذه الدابّة هي دابّة تكلِّم الناس بكلام فصيح، كما أخبر الله تعالى بذلك، وأما ما سبق من هذه الآثار في صفتها، وكيفية خروجها، ومكانه، فلا يصحّ شيء من ذلك؛ لضعف أسانيدها، وكون أكثرها إسرائيليّات، فلا ينبغي الاعتماد عليها. وأما ما قاله القرطبيّ في «تفسيره» من أن أصحّ الأقوال في تعيين الدابّة أنها فصيل ناقة صالح، واستشهد بما سبق من حديث حذيفة بن أَسِيد المتقدّم وفيه قوله: «وهي ترغو بين الركن والمقام»، قال: والرّغاء إنما هو للإبل، ففيه نظرٌ من وجوه: (الأول): أن قوله: «والرغاء إنما هو للإبل» غير صحيح؛ لأنه يكون لغيرها أيضًا، قال في «القاموس»: رَغَا البعيرُ، والضَّبُعُ، والنَّعَامُ رُغَاءً بالضمّ: صَوّتت، فضَجّت، والصبيّ: بَكَى أشدّ البُكاء. انتهى . (والثاني): أن الحديث ليس فيه تصريح بكونه ولد ناقة صالح ﵇. (والثالث): أن الحديث ضعيف، فلا يصحّ الاحتجاج به. قال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: وقد اختُلف في صورتها، وفي أيّ موضع تخرُج على أقوال كثيرة، وليس في شيء من ذلك خبرٌ صحيحٌ مرفوع. انتهى . وهو كلام نفيسٌ.
مصادر المؤلف (١٧)

١. وقال في«التقريب»: مات بعد سنة أربعين؛ أي ومائة.

٢. «المصباح المنير» ١/ ١٨٩ - ١٩٠.

٣. يحتاج إلى النظر في سنده، فالله أعلم بصحته.

٤. راجع: «الفتح» ١٣/ ٩٧ - ٩٩ «كتاب الفتن» رقم (٧١٢٢ - ٧١٣١).

٥. وأخرجه أحمد في «مسنده» ٤/ ٦ - ٧، وأبو داود في «سننه» (٤٣١١)، والترمذيّ (٢١٨٣)، وابن ماجه (٤٠٤١).

٦. هكذا لفظ«المسند»، وفي تفسير القرطبيّ:«منها»، وعند ابن كثير:«عنها»، والظاهر أن الصواب إما«منها»، أو«عنها»، فليُحرّر.

٧. الحديث أخرجه الطيالسيّ بإسنادين، وكلاهما ضعيف؛ لأن في أحدهما طلحة بن عمرو، وهو متروك، وفي الآخر مجهول، وفيه أيضًا اختلاف في الرفع والوقف، ووقفه أصحّ، وقال الحافظ ابن كثير في«البداية والنهاية» ١٠/ ١٥٢: هكذا رواه مرفوعًا من هذا الوجه بهذا السياق، وفيه غرابة. انتهى. وأخرجه الحاكم ٤/ ٤٨٤ وصححه، وتعقّبه الذهبيّ بضعف طلحة، وأخرجه الحاكم أيضًا ٤/ ٤٨٤ من طريق عبد الأعلى، عن هشام بن حسّان، عن قيس بن سعد، عن أبي الطفيل، عن حُذيفة بن أَسِيد - ﵁ - موقوفًا، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبيّ.

٨. سنان بن سعد، ويقال: سعد بن سنان، مختلف فيه، وقال عنه في«التقريب»: صدوقٌ، فهو حسن الحديث، لكن الحديث يشهد له ما تقدّم من رواية مسلم، فهو صحيح.

٩. قال في «التقريب» ص (٨٩): خالد بن عُبيد العَتَكيّ - بفتح العين المهملة، والمثنّاة - أبو عصام البصريّ، نزيل مَرْوَ متروك الحديث، مع جلالته من الخامسة، وهو من أفراد ابن ماجه. انتهى.

١٠. فيه قتادة، وقد عنعن، وهو مدلّسٌ، ولم يثبُت سماعه من ابن عباس - ﵄ -، قال الحاكم في «علوم الحديث»: لم يسمع قتادة من صحابيّ غير أنس. ذكره في «تهذيب التهذيب» ٣/ ٤٣٠.

١١. رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٩/ ٢٩٢٥، وفيه عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلّس.

١٢. بفتح السين: مدينة قوم لوط ﵇.

١٣. هذا من الإسرائيليّات.

١٤. وفي «البداية والنهاية» لابن كثير ١٠/ ١٥٣: ولها ذنب، فليحرّر.

١٥. «الحُضر» والإحضار: اشتداد الفرس في العدو.

١٦. «القاموس المحيط» ص ١١٦٠.

١٧. راجع: «المفهم» ٧/ ٢٤٠ «كتاب الفتن».