HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٣

وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بمكة. فنزل جبريل ﷺ. فَفَرَجَ صَدْرِي. ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ. ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا. فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي. ثُمَّ أَطْبَقَهُ. ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ. فَلَمَّا جِئْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا قَالَ جِبْرِيلُ ﵇ لِخَازِنِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا: افْتَحْ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ. قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. مَعِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ. قَالَ: فَأُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَفَتَحَ قَالَ، فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَإِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ. وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ. قَالَ، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ. وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى. قَالَ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ. قَالَ قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ! من هذا؟ قال: هذا آدم ﷺ. وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ. فَأَهْلُ الْيَمِينِ أَهْلُ الْجَنَّةِ. وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ. فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ. وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى. قَالَ ثُمَّ عَرَجَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ. فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ. قَالَ فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ خَازِنُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا. فَفَتَحَ. فَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَاوَاتِ آدَمَ وَإِدْرِيسَ وَعِيسَى وَمُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ. صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ. غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ آدَمَ ﵇ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا. وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ. قَالَ فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِدْرِيسَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ. قَالَ ثُمَّ مَرَّ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ. قَالَ ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى ﵇. فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ. قَالَ قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ؟: هَذَا مُوسَى. قَالَ ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى. فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ. قلت: من هذا؟ قال: هذا عيسى بن مَرْيَمَ. قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ ﵇. فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ. قَالَ قلت: من هذا؟ قال: هذا إبْرَاهِيمُ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ثُمَّ عَرَجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلَامِ». قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى أَمُرَّ بِمُوسَى فَقَالَ مُوسَى ﵇: مَاذَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قَالَ قُلْتُ: فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ لِي مُوسَى ﵇: فَرَاجِعْ رَبَّكَ. فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ. قَالَ فَرَاجَعْتُ رَبِّي فَوَضَعَ شَطْرَهَا. قَالَ فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى ﵇ فَأَخْبَرْتُهُ. قَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ. فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ. قَالَ فَرَاجَعْتُ رَبِّي. فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ. لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ. قَالَ فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى. فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ. فَقُلْتُ: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي. قَالَ ثُمَّ انْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى نَأْتِيَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى. فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ. قَالَ: ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤَ. وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص102
ج ١ ص ١٤٨

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤ ص٤٨٩
وقوله: «فاستيقظ وهو في المسجد الحرام»، قال القرطبيّ: يحتمل أن يكون استيقاظًا من نومة نامها بعد الإسراء؛ لأن إسراءه لم يكن طول ليلته، وإنما كان في بعضها، ويحتمل أن يكون المعنى: أفقت مما كنتُ فيه مما خامر باطنه من مشاهدة الملأ الأعلى؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٨]، فلم يرجع إلى حال بشريته - ﷺ - إلا وهو بالمسجد الحرام، وأما قوله في أوله: «بينا أنا نائم»، فمراده في أول القصة، وذلك أنه كان قد ابتدأ نومه، فأتاه الملك فأيقظه، وفي قوله في الرواية الأخرى: «بينا أنا بين النائم واليقظان أتاني الملك» إشارة إلى أنه لم يكن استَحْكَم في نومه. انتهى. قال الحافظ: وهذا كله ينبني على توحيد القصة، وإلا فمتى حُمِلت على التعدد، بأن كان المعراج مرة في المنام وأخرى في اليقظة فلا يحتاج لذلك. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالتعدّد ليس بسديد، على ما يأتي بيانه، فالأولى التأويل إن أمكن، أو الترجيح، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٢٢] (١٦٣) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: «فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي، وَأنا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ - ﵇ -، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَب مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلى السَّمَاء، فَلَمَّا جِئْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، قَالَ جِبْرِيلُ؛ لِخَازِنِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا: افْتَحْ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ، قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ مَعِيَ مُحَمَّدٌ - ﷺ -، قَالَ: فَاُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَفَتَحَ، قَالَ: فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَإِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، قَالَ: فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، قَالَ: فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالابْنِ الصَّالِح، قَالَ: قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ - ﷺ -، وَهَذِهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيه، فَأَهْلُ الْيَمِينِ أَهْلُ الْجَنَّة، وَالْأَسْوِدَةُ الَّتي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّار، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، قَالَ: ثُمَّ عَرَجَ بِي جِبْرِيلُ، حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ خَازِنُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَفَتَحَ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَاوَاتِ آدَمَ، وَإِدْرِيسَ، وَعِيسَى، وَمُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَلَمْ يُثْبِتْ كيْفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أدهُ قَدْ وَجَدَ آدَمَ؛ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَة، قَالَ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِإِدْرِيسَ - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - قَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِح، وَالْأخَ الصَّالِح، قَالَ: ثُمَّ مَرَّ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ، قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى - ﵇ -، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأخَ الصَّالِح، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُوسَى، قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِح، وَالْأخَ الصَّالِح، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ - ﵇ -، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالابْنِ الصَّالِح، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ». قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسِ وَأَبَا حَبَّةَ الْأنصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:«ثُمَّ عَرَجَ بِي، حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأَقلَامِ»، قَالَ ابْنُ حَزْمِ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:«فَفَرَضَ اللهُ عَلَى أمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً»، قَالَ:«فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ، حَتَّى أَمُرَّ بِمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى - ﵇ -: مَاذَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ لِي مُوسَى - ﵇ -، فَرَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، قَالَ: فَرَاجَعْتُ رَبِّي، فَوَضَعَ شَطْرَهَا، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى - ﵇ -، فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، قَالَ: فَرَاجَعْتُ رَبِّي، فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلْتُ: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ، حَتَّى نَأْتِيَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى، فَغَشِيَهَا أَلْوَان لَا أَدْرِي مَا هِيَ؟ قَالَ: ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ) - بضمّ التاء وفتحها - المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوق [١١] (ت ٢٤٣) (م س ق) تقدم في«المقدمة» ٣/ ١٤. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله المذكور في السند الماضي. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ المذكور قبل باب. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو: محمد بن مسلم الزهريّ الإمام المذكور في الباب الماضي. ٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) الصحابيّ الشهير المذكور في السند الماضي. ٦ - (أبو ذرّ) جندب بن جُنادة على الأصحّ، وقيل غير ذلك في اسمه، الصحابيّ الشهير، تقدّم إسلامه وتأخّرت هجرته فلم يشهد بدرًا، مات سنة (٣٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فقد تفرّد به هو، والنسائيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، ويونس وإن كان أيليًّا إلا أنه سكن مصر، ونصفه الثاني مسلسل بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ - ﵄ -. ٥ - (ومنها): أن أنسًا - ﵁ - هو الخادم المشهور، أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا. ٦ - (ومنها): أن أبا ذرّ - ﵁ - من مشاهير الصحابة - ﵃ -، ذو مناقب جمّة، كان من أزهد الصحابة، وقد صحّ عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء أصدق من أبي ذرّ»، رواه أحمد والترمذيّ ، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: هذا الحديث رواه عن النبيّ - ﷺ - جماعة من الصحابة - ﵃ -، لكن طرقه في «الصحيحين» تدور على أنس - ﵁ - مع اختلاف أصحابه عنه، فرواه الزهري عنه، عن أبي ذر كما في هذه الرواية، ورواه قتادة عنه، عن مالك بن صعصعة، كما في الرواية الآتية، ورواه شريك بن أبي نمر، وثابت البناني عنه، عن النبيّ - ﷺ - بلا واسطة، كما سبقت روايتهما، وفي سياق كل منهم عنه ما ليس عند الآخر ، وقد بيّنّا بعضه، وسنبيّن ما بقي فيما يأتي إن شاء الله تعالى. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - أنه (قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ) جندب بن جنادة الصحابيّ المشهور - ﵁ -، تقدّمت ترجمته في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٤، (يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَالَ: فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي) - بضم الفاء، وبالجيم - أي: فُتِح، والحكمة فيه أن الملك انصَبّ إليه من السماء انصبابة واحدة، ولم يُعَرِّج على شيء سواه مبالغةً في المناجاة، وتنبيهًا على أن الطلب وقع على غير ميعاد. ويحتمل أن يكون السرّ في ذلك التمهيد لِمَا وقع من شقّ صدره، فكأن الملك أراه بانفراج السقف والتئامه في الحال كيفيةَ ما سيصنع به لطفًا به وتثبيتًا له، والله تعالى أعلم. وقال العينيّ - ﵀ -: فإن قلت: كان البيت لأم هانئ، فكيف قال: بيتي بإضافته إلى نفسه؟ قلت: إضافته إليه بأدنى ملابسة، وهذا كثير في كلام العرب، كما يقول أحد حاملي الخشبة للآخر: خذ طرَفَك. فإن قلت: روي أيضًا أنه كان في الحطيم، فكيف الجمع بينهما؟. قلت: أما على كون العروج مرّتين فظاهرٌ، وأما على كونه مرّة واحدةً، فلعلّه - ﷺ - بعد غسل صدره دخل بيت أم هانئ ومنه عُرِج به إلى السماء. والحكمة في دخول الملائكة من وسط السقف ولم يدخلوا من الباب، كون ذلك أوقع صدقًا في القلب فيما جاؤوا به. انتهى . (وَأَنَا بِمَكَّةَ) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال (فَنَزَلَ جِبْرِيلُ - ﵇ -، فَفَرَجَ صَدْرِي) هو بفتح الفاء، وبالجيم أيضًا؛ أي: شقَّه، ورجَّح القاضي عياض أنّ شقّ الصدر كان وهو صغير، عند مرضعته حليمة، وتعقّبه السهيلي بأن ذلك وقع مرتين، وهو الصواب، والحكمة في الشق الأول، كان لاستعداده لنزع العلقة التي قيل له عندها: هذا حظ الشيطان منك، والشق الثاني كان لاستعداده للتلقي الحاصل له في تلك الليلة، وقد رَوَى الطيالسيّ والحارث في «مسنديهما» من حديث عائشة - ﵄ -، أن الشق وقع مرة أخرى عند مجيء جبريل له بالوحي في غار حراء، - والله تعالى أعلم - ومناسبته ظاهرة، ورُوي الشَّقّ أيضًا وهو ابن عشر أو نحوها في قصة له مع عبد المطلب، أخرجها أبو نعيم في «الدلائل»، وروى مرة أخرى خامسة ولا تثبت، قاله في «الفتح» . (ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ) تقدّم ضبطه ومعناه قريبًا، وإنما خُص بذلك لأنه آلة الغسل عرفًا، وكان من ذهب لأنه أعلى أواني الجنة، وهو رأس الأثمان، وله خواصّ، منها: أنه لا تأكله النار في حال التعليق، ولا تأكله الأرض ولا تغيّره، وهو أنقى كلّ شيء وأصفاه ويقال في المثل: أنقى من الذهب، وهو بيت الفرح والسرور، وقال الشاعر [من البسيط]: صَفْرَاءُ لَا تَنْزِلُ الأَحْزَانُ سَاحَتَهَا … لَوْ مَسَّهَا حَجَر مَسَّتْهُ سَرَّاءُ وهو أثقل الأشياء، فيُجعل في الزئبق الذي هو أثقل الأشياء فيَرسُبُ، وهو موافق لثقل الوحي، وهو عزيز، وبه يتمّ الملك. وقد أبعد من استدَلّ به على جواز تحلية المصحف وغيره بالذهب؛ لأن المستعمِل له الملك، فيحتاج إلى ثبوت كونهم مكلفين بما كُلِّفنا به، ووراء ذلك أنّ ذلك كان على أصل الإباحة؛ لأن تحريم الذهب إنما وقع بالمدينة، كما سيأتي واضحًا في محلّه من «كتاب اللباس» - إن شاء الله تعالى -. (مُمْتَلِئٍ) كذا وقع بالتذكير على معنى الإناء، لا على لفظ الطست؛ لأنها مؤنثه. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال في «الفتح»، وفيه أنه وإن كان التأنيث فيها أكثر، إلا أنه يجوز تذكيرها، فلا حاجة إلى ما ذكره، وقد سبق تحقيقه في شرح الحديث الذي قبل حديث، فارجع إليه، والله تعالى أعلم. وقوله: (حِكْمَةً وَإِيمَانًا) بالنصب على التمييز، قال في «الفتح»: والمعنى أن الطست جُعِل فيها شيءٌ يحصل به كمال الإيمان والحكمة، فسُمِّيَ حكمةً وإيمانًا مجازًا، أو مُثِّلا له بناءً على جواز تمثيل المعاني، كما يُمَثَّل الموت كبشًا. قال الجامع عفا الله عنه: الصواب حمل الحديث على ظاهر المعنى، فما الحامل على دعوى المجاز؟، فالحقّ أن الحكمة والإيمان جُعلا في الطست، وأُفرغا في صدر النبيّ - ﷺ -، على ظاهر ما دلّ عليه الحديث، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. و«الحكمة»: اسم من حَكُم بضمّ عين الفعل؛ أي: صار حكيمًا، وصاحب الحكمة: هو المتقن للأمور، وأما حَكَمَ بفتح عين الفعل، فمعناه: قضى، ومصدره الحُكْم بالضمّ، والحُكْم أيضًا الحكمة بمعنى العلم، والحكيم: العالم . وقال ابن منظور - ﵀ -: الحكمة: عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال من يُحسِنُ دقائق الصناعات ويُتقنها: حكيم، قال: والْحَكَمَة - بفتحتين -: حديدة في اللجام تكون على أنف الفرس وحَنَكِه، تمنعه عن مخالفة راكبه. انتهى . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: الحَكمَة وزان قَصَبَة للدابّة، سُمّيت بذلك لأنها تذلّلها لراكبها حتى تمنعها الجِمَاح ونحوَهُ، ومنه اشتقاق الحِكْمَة؛ لأنها تمنع صاحبها من أخلاق الأرذال. انتهى . وقال ابن دريد - ﵀ -: كلّ كلمة وعظتك، أو زجرتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نَهَتك عن قبيح فهي: حكمة . وقال النوويّ - ﵀ -: في تفسير الحكمة أقوال كثيرة مضطربة، صَفَا لنا منها أن الحكمة: العلم المشتمل على المعرفة بالله مع نفاذ البصيرة، وتهذيب النفس، وتحقيق الحقّ للعمل به، والكفّ عن ضدّه، والحكيمُ من حاز ذلك. انتهى ملخصًا. وقد تُطلَق الحكمة على القرآن، وهو مشتمل على ذلك كلِّه، وعلى النبوة كذلك، وقد تُطلَق على العلم فقط، وعلى المعرفة فقط، ونحو ذلك . (فَأفرَغَهَا) قال النوويّ - ﵀ -: الضمير للطست، فجاء «ممتلئ» على معناها، وهو الإناء، و«أفرغها» على لفظها، وحَكَى صاحب «التحرير» قولًا أنه يعود على الحكمة، وهذا القول، وإن كان له وجهٌ، فالأظهر ما قدّمناه؛ لأن عوده على الطست يكون تصريحًا بإفراغ الإيمان والحكمة، وعلى قوله يكون إفراغ الإيمان مسكوتًا عنه. انتهى . (فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ) أي: أطبق صدره، يقال: أطبقت الشيء: إذا غطيته وجعلته مطبقًا، (ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي) قال في «الفتح»: استَدَلّ به بعضهم على أن المعراج وقع غير مرّة؛ لكون الإسراء إلى بيت المقدس لم يُذْكَر هنا، ويمكن أن يقال: هو من اختصار الراوي، والإتيان بـ «ثُمّ» المقتضية للتراخي لا ينافي وقوع أمر الإسراء بين الأمرين المذكورين، وهما الإطباق والعروج، بل يشير إليه، وحاصله أن بعض الرواة ذَكَر ما لم يذكره الآخر. انتهى. قال الجامح عفا الله عنه: كونه من اختصار الراوي هو الأقرب؛ لأن حمله على التعدّد مما لا يخفى بعده، والله تعالى أعلم. (فَعَرَجَ بِي) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير الملك، ووقع عند البخاريّ من رواية الكشميهني: «فعرج به» على الالتفات أو التجريد، و«العُرُوج»: الصعود، يقال: عَرَج يَعرُج من باب نصر إذا صَعِدَ، وقال ابن سِيدهْ: عَرَج في الشيء وعليه يَعْرُجُ عُرُوجًا: رَقِيَ، وعَرَجَ الشيءُ فهو عَرِيجٌ: ارتفع وعلا، والمعراج: شبه سُلّم، مِفْعال من العروج. انتهى. (إِلَى السَّمَاءِ) وللبخاريّ: «إلى السماء الدنيا»، (فَلَمَّا جِئْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، قَالَ جِبْرِيلُ - ﵇ - لِخَازِنِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا) فُعْلَى من الدنوّ؛ أي: القريبة من الأرض (افْتَحْ) هذا يدُلّ على أن الباب كان مغلقًا، قال ابن المُنَيِّر: حكمته التحقق أن السماء لم تُفْتَح إلا من أجله، بخلاف ما لو وجده مفتوحًا (قَالَ) أي: الخازن (مَنْ هَذَا؟) مَن استفهاميّة مبتدأ، خبرها اسم الإشارة، ويجوز العكس (قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ) أي: المستأذن هو جبريل - ﵇ -، وفيه أن من أدب الاستئذان أن يُسَمِّيَ المستأذن نفسه؛ لئلا يلتبس بغيره (قَالَ) الخازن (هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ) جبريل (نَعَمْ مَعِيَ مُحَمَّدٌ - ﷺ -، قَالَ) الخازن (فَأُرْسِلَ إِلَيْهِ؟) بتقدير همزة الاستفهام، أي أفأرسل إليه؟. وفي رواية البخاريّ: «أَأُرْسَل إليه» بهمزتين، أولاهما للاستفهام وهي مفتوحة، والثانية همزة التعدية وهي مضمومة. واستفهام الخازن هذا يحتمل أن يكون خَفِي عليه أصل إرساله لاشتغاله بعبادته، ويحتمل أن يكون استفهم عن الإرسال إليه للعروج إلى السماء، وهو الأظهر؛ لقوله: «إليه»، ويؤيد الاحتمال الأول قوله في رواية شريك: «أوَ قد بُعِث»، لكنها من المواضع التي تُعُقِّبت كما سبق الكلام عليها، أفاده في «الفتح». قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الاحتمال الأول بعيد، يبعده عدم استفهامه لِمَا قاله جبريل: معي محمد، حيث لم يقل: من محمد؟ فإنه دليل واضح على أَنَّ نبوته - ﷺ - معلومة لدى أهل السماء، وإنما الاستفهام: هل هو مأمور الآن بالعروج إلى السماء أم لا؟، والله تعالى أعلم. (قَالَ) جبريل (نَعَمْ، فَفَتَحَ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير الخازن (قَالَ) - ﷺ - (فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا) قال العينيّ: ضمير الجمع فيه يدلّ على أنهما كان معهما ملائكة آخرون، فكأنهما كلّما تعدّيا سماء تشيّعهما الملائكة إلى أن يصلا إلى سماء أخرى. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله العينيّ فيه نظر؛ لأن «نا» ضمير للمتكلّم ومعه غيره، سواء كان واحدًا أو أكثر، فالنبيّ - ﷺ - وجبريل - ﵇ - يُطلق عليهما «نا»، فلا حاجة إلى وجود غيرهما معهما، وأيضًا تشييع ملائكة كلّ سماء لهما يحتاج إلى دليل، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (فَإِذَا) هي الفجائيّة، وتختصّ بالجملة الاسميّة، ولا تحتاج إلى جواب، وهي حرف عند الأخفش، وظرف مكان عند المبرّد، وزمان عند الزجّاج . (رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ) جمع سَوَاد، كالأزمنة جمع زمان، والسواد: الشخص، وقيل: الجماعات، وسواد الناس: عوامّهم، وكلّ عدد كثير، ويقال: هي الأشخاص من كلّ شيء، قال أبو عبيد: هو شخص كلّ شيء من متاع أو غيره، والجمع أسودة، وأساودة جمع الجمع. انتهى . (وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، قَالَ) - ﷺ - (فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ) بكسر القاف، وفتح الموحّدة: بمعنى الجهة، وظرف متعلّق بـ «نظر» (ضَحِكَ) استبشارًا بأهل اليمين حيث إنهم من أهل الجنّة (وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى) حزنًا على أهل الشمال حيث إنهم من أهل النار، وهم من ذريّته (قَالَ: فَقَالَ) أي: ذلك الرجل (مَرْحَبًا) أي: أصبتَ رُحْبًا وسهلًا، فاستأنس ولا تستوحش (بِالنَّبِي الصَّالِح وَالابْنِ الصَّالِحِ) «الصالح»: هو القائم بحقوق الله تعالى وحقوق العباد، وكلَّهم قالوا له: «بالنبيّ الصالح»؛ لشموله سائر الخلال المحمودة الممدوحة من الصدق والأمانة والعَفَاف والفضل، ولم يقل أحد منهم: مرحبًا بالنبيّ الصادق ولا «بالنبيّ الأمين»؛ لِمَا ذكرنا من أن الصلاح شامل لسائر أنواع الخير (قَالَ) - ﷺ - (قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَذَا؟) ظاهره أنه سأل عنه بعد أن قال له آدم - ﵇ -: «مَرْحَبًا»، ورواية مالك بن صَعْصَعة بعكس ذلك، وهي المعتمدة، فتُحْمَل هذه عليها؛ إذ ليس في هذه أداة ترتيب . (قَالَ) جبريل - ﵇ - (هَذَا آدَمُ - ﷺ -، وَهَذِهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ) بفتح النون والسين المهملة: جمع نَسَمة، وهي الروح، وحَكَى ابن التين أنه رواه بكسر الشين المعجمة، وفتح الياء آخر الحروف، بعدها ميم، وهو تصحيف، وظاهره أن أرواح بني آدم من أهل الجنة والنار في السماء، وهو مشكل. قال القاضي عياض - ﵀ -: قد جاء أن أرواح الكفار في سِجِّين، وأن أرواح المؤمنين مُنَعَّمة في الجنة، يعني: فكيف تكون مجتمعة في سماء الدنيا؟. وأجاب بأنه يَحتَمِل أنها تُعْرَض على آدم أوقاتًا، فصادف وقتُ عرضها مرورَ النبيّ - ﷺ -، ويدُلّ على أن كونهم في الجنة والنار إنما هو في أوقات دون أوقات قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]. واعتُرِض بأن أرواح الكفار لا تُفَتَّحُ لها أبواب السماء، كما هو نَصُّ القرآن. والجواب عنه ما أبداه هو احتمالًا أن الجنة كانت في جهة يمين آدم، والنار في جهة شماله، وكان يُكْشَف له عنهما. انتهى. ويَحْتَمِل أن يقال: إن النَّسَم المرئية هي التي لم تدخل الأجساد بعدُ، وهي مخلوقة قبل الأجساد، ومُستَقَرُّها عن يمين آدم وشماله، وقد أُعْلِم بما سيصيرون إليه، فلذلك كان يستبشر إذا نظر إلى مَن عن يمينه، ويَحْزَن إذا نظر إلى مَن عن يساره، بخلاف التي في الأجساد، فليست مرادةً قطعًا، وبخلاف التي انتقلت من الأجساد إلى مستقرِّها من جنة أو نار، فليست مرادةً أيضًا فيما يظهر، وبهذا يندفع الإيراد، ويُعْرَف أن قوله: «نسم بنيه» عام مخصوص، أو أريد به الخصوص. وأما ما أخرجه ابن إسحاق والبيهقيّ من طريقه في حديث الإسراء: «فإذا أنا بآدم، تُعْرَض عليه أرواح ذريته المؤمنين، فيقول: رُوح طيبة، ونفس طيبة، اجعلوها في عليين، ثم تُعْرَض عليه أرواح ذريته الفُجّار، فيقول: روح خبيثة، ونفس خبيثة، اجعلوها في سِجّين»، وفي حديث أبي هريرة عند الطبرانيّ والبزَّار: «فإذا عن يمينه باب يَخرُج منه ريح طيبة، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، إذا نظر عن يمينه استبشر، وإذا نظر عن شماله حَزِن»، فهذا لو صَحّ لكان المصير إليه أولى من جميع ما تقدم، ولكن سنده ضعيف، قاله في «الفتح» . (فَأَهْلُ الْيَمِينِ أَهْلُ الْجَنَّة، وَالْأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّار، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، قَالَ) - ﷺ - (ثُمَّ عَرَجَ بِي جِبْرِيلُ) - ﵇ - (حَتَّى أتى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ) البابَ (قَالَ) - ﷺ - (فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ خَازِنُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا) أي: من قوله: «من هذا؟ هل معك أحد؟ أفأرسل إليه؟» (فَفَتَحَ) الخازن الباب. (فَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) - ﵁ - (فَدكَرَ) أي: أبو ذرّ - ﵁ - (أَنَّهُ) أي: النبيّ - ﷺ - (وَجَدَ فِي السَّمَاوَاتِ آدَمَ، وَإِدْرِيسَ، وَعِيسَى، وَمُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَلَمْ يُثْبِتْ) بضم أوله، من الإثبات: أي: لم يُعيِّن أبو ذرّ - ﵁ - (كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ) أي: منازل هؤلاء الأنبياء - ﵈ - التي تخصّ كلّ واحد منهم (غَيْرَ أنَّهُ ذَكَرَ أنهُ قَدْ وَجَدَ آدَمَ - ﵇ - فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ) هذا موافق لرواية شريك، عن أنس - ﵁ -، والثابت في جميع الروايات غير هاتين أنه في السابعة، فإن قلنا بتعدد المعراج، فلا تعارض، وإلا فالأرجح رواية الجماعة؛ لقوله فيها: «إنه رآه مسندًا ظهره إلى البيت المعمور»، وهو في السابعة بلا خلاف، وأما ما جاء عن عليّ - ﵁ - أنه في السادسة عند شجرة طوبى، فإن ثبت حُمِل على أنه البيت الذي في السادسة بجانب شجرة طوبى؛ لأنه جاء عنه أن في كل سماء بيتًا يُحاذي الكعبة، وكلّ منها معمور بالملائكة، وكذا القول فيما جاء عن الربيع بن أنس وغيره أن البيت المعمور في السماء الدنيا، فإنه محمول على أول بيت يحاذي الكعبة من بيوت السماوات، ويقال: إن اسم البيت المعمور الضُّرَاح، بضم المعجمة، وتخفيف الراء، وآخره حاء مهملة، ويقال: بل هو اسم سماء الدنيا، ولأنه قال هنا: إنه لم يُثْبِت كيف منازلهم؟ فرواية مَن أثبتها أرجح، قاله في «الفتح». قال الجامع: هذا الذي ذكره من أن في كلّ سماء بيتًا يُحاذي الكعبة يحتاج إلى دليل يَثبتُ به، فما هو؟ والله تعالى أعلم. (قَالَ) لفظ البخاريّ: «قال أنسٌ»، فقال في «الفتح»: ظاهره أن هذه اللفظة لم يسمعها أنسٌ من أبي ذرّ (فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِإِدْرِيسَ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) ولفظ البخاريّ: «مرّ جبريل بالنبيّ - ﷺ - بإدريس»، فالباء الأولى للمصاحبة، والثانية للإلصاق، أو بمعنى «على» (قَالَ) أي: إدريس (مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ) قال القاضي عياض - ﵀ -: هذا مخالف لِمَا يقوله أهل النسب والتاريخ، من أن إدريس - ﵇ - أبٌ من آباء النبيّ - ﷺ -، وأنه جَدٌّ أعلى لنوح - ﵇ -، وأن نوحًا هو ابن لامك بن مَتُّوشَلَخ بن خَنُوخ، وهو عندهم إدريس بن يرد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم - ﵇ -، ولا خلاف عندهم في عدد هذه الأسماء وسَرْدها على ما ذكرناه، وإنما يختلفون في ضبط بعضها وصورة لفظه، وجاء جواب الآباء هنا إبراهيم وآدم مرحبًا بالابن الصالح، وقال إدريس: مرحبًا بالأخ الصالح، كما قال موسى، وعيسى، وهارون، ويوسف، ويحيى، وليسوا بآباءٍ صلوات الله وسلامه عليهم، وقد قيل عن إدريس: إنه إلياس، وإنه ليس بجدّ لنوح، فإن إلياس من ذرية إبراهيم، وإنه من المرسلين، وأن أول المرسلين نوح - ﵇ -، كما جاء في حديث الشفاعة. انتهى كلام القاضي عياض - ﵀ -. قال النوويّ - ﵀ - بعد نقله كلام القاضي هذا: وليس في هذا الحديث ما يمنع كون إدريس أبًا لنبينا محمد - ﷺ -، فإن قوله: «والأخ الصالح» يَحْتَمِل أن يكون قاله تلطُّفًا وتأدُّبًا، وهو أخٌ وإن كان ابنًا، فالأنبياء إخوة، والمؤمنون إخوة. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله القاضي هو الظاهر، فلو صحّ ما قاله أهل النسب بدليل صحيح، لتكلّفنا لِمَا قاله النوويّ، وإلا فلا داعي إلى التكلّف، فتأمل، والله تعالى أعلم. (قَالَ: ثُمَّ مَرَّ) أي: جاوز جبريل مع النبيّ - ﷺ - إدريس (فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ، قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى - ﵇ -، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأخِ الصَّالِح، قَالَ) - ﷺ - (قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ) جبريل (هَذَا مُوسَى، قَالَ) - ﷺ - (ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى) «ثم» هنا ليست على بابها في الترتيب؛ إذ الروايات الكثيرة متفقة على أن مروره بموسى بعد عيسى، والحمل على التعدّد بعيد، كما لا يخفى (فَقَالَ) عيسى (مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخَ الصَّالِح، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ - ﵇ -، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِح، وَالابْنِ الصَّالِحِ) إنما قال: «والابن الصالح» كما قال آدم - ﵇ -؛ لأن لهما أبوّة بخلاف سائر الأنبياء، فإنهم قالوا: «والأخ الصالح» (قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ) - ﵇ -. (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ (وَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ) هو: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم الأنصاريّ الخزرجيّ، ثم النجّارَيّ المدنيّ القاضي، يقال: اسمه أبو بكر، وكنيته أبو محمد، وقيل: اسمه كنيته، ثقة عابدٌ [٥]. رَوَى عن أبيه وأرسل عن جدّه وعبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاريّ، وروى عن خالته عمرة بنت عبد الرحمن، وأبي حبّة البدريّ، وخالدة بنت أنس، ولها صحبة، والسائب بن يزيد، وعباد بن تميم، وسلمان الأغر، وغيرهم. ورَوَى عنه ابناه: عبد الله، ومحمد، وابن عمه، محمد بن عُمارة بن عمرو بن حزم، وعمرو بن دينار وهو أكبر منه، والزهريّ، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وغيرهم. قال ابن سعد: فَوَلَد محمدُ بن عمرو بن حزم: عثمانَ، وأبا بكر الفقيهَ، وأم كلثوم، وأمهم كبشة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة، وقال ابن معين، وابنُ خِرَاش: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال عَطّاف بن خالد، عن أمه، عن امرأة أبي بكر بن محمد بن حزم، قالت: ما اضطجع أبو بكر على فراشه منذ أربعين سنة بالليل، وقال محمد بن علي بن شافع: قالوا لعمر بن عبد العزيز: استَعْمَلت أبا بكر بن حزم غَرَّك بصلاته، فقال: إذا لم يَغُرَّني المصلون، فمَنْ يَغُرُّني؟ قال: وكانت سجدته قد أخذت جبهته وأنفه، وذكره الهيثم بن عديّ في محدثي أهل المدينة، والواقديّ في ثقاتهم، وقال أبو ثابت، عن ابن وهب، عن مالك: لم يكن عندنا أحدٌ بالمدينة عنده من علم القضاء ما كان عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وكان ولَّاه عمر بن عبد العزيز، وكَتَب إليه أن يكتب له من العلم من عند عمرة بنت عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، ولم يكن بالمدينة أنصاريّ أميرٌ غير أبي بكر بن حزم، وكان قاضيًا، زاد غيره: فسألت ابنه عبد الله بن أبي بكر، عن تلك الكتب، فقال: ضاعت، وقال سعيد بن عُفير عن ابن وهب: قال لي مالك: ما رأيت مثل أبي بكر بن حزم أعظم مُرُوءة، ولا أتمَّ حالًا، ولا رأيت مثل ما أُوتي، وَليَ المدينة والقضاء والموسم. قال خليفه بن خياط: سنة مائة أقام الحج أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وفيها مات، وقال عمر بن عبد الله التميميّ: تُوُفّي سنة عشر ومائة، وقال الهيثم بن عديّ، وأبو موسى، وابن بكير: مات سنة سبع عشرة ومائة، وقال الواقديّ، وابن المدينيّ، وغيرهما: مات سنة عشرين، زاد الواقديّ: وكان ثقةً كثيرَ الحديث، ويقال عن الهيثم بن عديّ: مات سنة ست وعشرين، وهو خطأ. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا. (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا حَبَّةَ الْأَنْصَارِيَّ) قال النوويّ - ﵀ -: «أبو حَبّة» - بالحاء المهملة، والباء الموحدة - هكذا ضبطناه هنا، وفي ضبطه واسمه اختلاف، فالأصح الذي عليه الأكثرون «حَبّة» - بالباء الموحدة - كما ذكرنا، وقيل: «حَيَّة» بالياء المثنّاة تحتُ، وقيل: «حَنّة» - بالنون - وهذا قول الواقديّ، ورُوي عن ابن شهاب الزهريّ، وقد اختُلِف في اسم أبي حبة، فقيل: عامر، وقيل: مالك، وقيل: ثابت، وهو بدريّ باتفاقهم، واستُشْهِد يوم أحد، وقد جَمَع الإمام أبو الحسن ابن الأثير الجزريّ - ﵀ - الأقوال الثلاثة في ضبطه والاختلاف في اسمه في كتابه «معرفة الصحابة - ﵃ -»، وبَيّنها بيانًا شافيًا - ﵀ -. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . وقال الحافظ - ﵀ - في «التقريب» (ص ١١٣١): أبو حبّة بتشديد الموحدة الأنصاريّ البدريّ، قيل: اسمه عامر بن عمرو، وقيل: ابن عبد عمرو، وقيل: اسمه عمرو، قال ابن إسحاق: استُشهد بأحد، وزعم الواقديّ أن الذي شَهِدَ بدرًا واستُشهِدَ بأحد أبو حَنَّةَ بالنون بدل الموحّدة، والذي يظهر أن أبا حبّة الذي روى حديث الإسراء وحديث ﴿لَمْ يَكُنْ﴾ [الإنسان: ١]، وروى عنه ابن حزم، وعمّار بن أبي عمّار، وضبطه المحدّثون بالموحّدة غير الذي ذكر أهل المغازي أنه استُشهِد بأحد، واختلفوا هل هو بالموحّدة، أو النون، أو التحتانيّة؟ فإن شيخ عمّار بقي إلى خلافة معاوية لتصريح عمّار بالسماع منه، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ . قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر كلام الحافظ يقتضي أن رواية أبي بكر بن محمد بن حزم المذكورة هنا متّصلة؛ لأنه تأخّر موته إلى خلافة معاوية - ﵁ -، واحتجّ على ذلك بما رواه ابن أبي شيبة في «مصنّفه» عن عفّان، عن حماد بن سلمة، عن عليّ بن زيد، عن عمّار بن أبي عمّار، سمعت أبا حبّة البدريّ يقول: لَمّا نزلت ﴿لَمْ يَكُنْ﴾ [الإنسان: ١] … فذكر الحديث ، قال: فهذا إن كان محفوظًا يدلّ على تأخّر أبي حبّة إلى أيام معاوية - ﵁ -. انتهى . لكن الحديث الذي احتجّ به في سنده عليّ بن زيد بن جُدعان، وهو ضعيف فلا يصلح للاحتجاج به، ولذا قال في «الفتح»: لكن رواية أبي بكر عن أبي حبّة منقطعة؛ لأنه استُشهد بأُحد قبل مولد أبي بكر بدهر وقبل مولد أبيه محمد أيضًا. والحاصل أن رواية أبي بكر بن حزم عن أبي حبّة هذه مرسلة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (كَانَا يَقُولَانِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (ثُمَّ عَرَجَ بِي) بالبناء للفاعل، أي: صَعِد بي جبريل - ﵇ - (حَتَّى ظَهَرْتُ) أي: علوتُ وارتفعتُ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤]، وقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]، والفتح: ٢٨، والصفّ: ٩]، وحديث:«والشمسُ في حُجرتها لم تَظْهَر»، وقول النابغة الجعديّ [من الطويل]: عَلَوْنَا السَّمَاءَ عِفَّةً وَتَكَرُّمَا … وَإِنَّا لَنْبْغِي فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرَا (لِمُسْتَوًى) بضم الميم وفتح الواو: المَصْعَد، وقيل: المكان المستوي، وقال القاضي عياضٌ - ﵀ -:«المستوى»يكون بمعنى العلوّ والمصعد، قال ابن عبّاس - ﵄ - في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩] قال: صَعِدَ أمره. قال الجامع عفا الله عنه: هذا التفسير الذي ذكره القاضي عن ابن عباس - ﵄ - في معنى«استوى»أخرجه البيهقيّ في«الأسماء والصفات» وصرّح بضعفه، وهو كما قال؛ لأنه من رواية محمد بن مروان السدّيّ الصغير، وهو كذَّاب، عن محمد بن السائب الكلبيّ وهو كذّاب أيضًا، عن أبي صالح مولى أم هانئ وهو متروك، بل قيل بتكذيبه أيضًا، كما في«الميزان»، وهذا الإسناد معروف عندهم بسلسلة الكذب، كما في«تدريب الراوي»، فلا يصلح للاحتجاج به. والحقّ أن معنى استوى: علا وارتفع، وهو المنقول عن السلف، كما ذكره البخاريّ في«صحيحه»عن أبي العالية وغيره، فالواجب أن نقول: إن الاستواء بمعنى العلوّ ثابت لله تعالى على ما يليق بجلاله، وقد أشبعت الكلام في غير هذا الموضع، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم. قال القاضي: وقد يكون المستوى بمعنى موضع متوسّط مما شاء الله تعالى من ملكوته، وقيل في قوله تعالى: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ [طه: ٥٨] أي: متوسّطًا، وقد يكون«مستوى»أي: حيث يظهر عدل الله وحكمه لعباده هناك، ويقال للعدل:«سواء»ممدودًا ومفتوحًا، و«سوى»مكسورًا مقصورًا، وقيل ذلك في قوله تعالى: ﴿كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]. انتهى . وقال في«العمدة»: اللام في«لمستوى»للتعليل، أي: عَلَوْتُ لأجل استعلاء مستوى، أو لأجل رؤيته، أو تكون بمعنى«إلى»، كما قوله تعالى: ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] أي: إليها، ويجوز أن يكون متعلّقًا بالمصدر، أي: ظهرت ظهور المستوى. انتهى . (أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأقلَامِ») - بالصاد المهملة -؛ أي: تصويتها حال الكتابة، قال الخطابيّ: ما تكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى، ووحيه، وما ينسخونه من اللوح المحفوظ، أو ما شاء الله تعالى من ذلك أن يُكْتَب ويُرْفَع لِمَا أراده من أمره وتدبيره. (قَالَ ابْنُ حَزْمٍ) أي: عن شيخه (وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) أي: عن أبي ذرّ، كذا جزم به أصحاب الأطراف، ويحتمل أن يكون مرسلًا من جهة ابن حزم، ومن رواية أنس بلا واسطة، قاله في «الفتح» . وقال الكرمانيّ - ﵀ -: الظاهر أنه من جملة مقول ابن شهاب، ويحتمل أن يكون تعليقًا من البخاريّ، وليس بين أنس وبين رسول الله - ﷺ - ذكر أبي ذرّ، ولا بين ابن حزم ورسول الله - ﷺ - ذكر ابن عبّاس وأبي حبّة، فهو إما من قبيل المرسل، وإما أنه ترك الواسطة اعتمادًا على ما تقدّم آنفًا، مع أن الظاهر من حال الصحابيّ أنه إذا قال: قال رسول الله - ﷺ -، يكون بدون واسطة، فلعلّ أنسًا سمع هذا البعض من الحديث من رسول الله - ﷺ -، والباقي سمعه من أبي ذرّ - ﵁ -. انتهى . (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «فَفَرَضَ اللهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً) وفي رواية ثابت، عن أنس المتقدّمة:»فَرَض الله عليّ خمسين صلاةً، كلَّ يوم وليلة«، ونحوه في رواية مالك بن صعصعة الآتية، فيَحْتَمِل أن يقال: في كل من هذه الرواية، والرواية الأخرى اختصار، أو يقال: ذكر الفرض عليه يَستلزم الفرض على الأمة، وبالعكس، إلا ما يُستَثنى من خصائصه - ﷺ -، قاله في»الفتح«. قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني هو الصواب، فالحقّ أن الفرض عليه - ﷺ - فرض على أمته، وبالعكس، إلا الخصائص، ومما يؤكّد هذا قول موسى؛ للنبيّ - ﷺ - في رواية ثابت الماضية التي فيها قوله - ﷺ -:«فرض الله عليّ خمسين صلاةً»:«ماذا فَرَض ربُّك على أمتك؟ »، فقال النبيّ - ﷺ -:«خمسين صلاةً»، أي: فرض عليهم كما فرض عليّ، فتبيّن بهذا أن الفرض على أحدهما يستلزم الآخر، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (قَالَ) - ﷺ - (فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ، حَتَّى أَمُرَّ بِمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى - ﵇ -: مَاذَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ لِي مُوسَى - ﵇ -: فَرَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، قَالَ: فَرَاجَعْتُ رَبِّي، فَوَضَعَ شَطْرَهَا) وفي رواية مالك بن صعصعة عند البخاريّ: «فوضع عني عشرًا»، ومثله في رواية شريك، وفي رواية ثابت: «فحطّ عني خمسًا». قال النوويّ - ﵀ -: هذا المذكور هنا لا يخالف أنه - ﷺ - قال: «حَطّ عني خمسًا …» إلى آخره، فالمراد بحط الشطر هنا أنه حَطّ في مرات بمراجعات، وهذا هو الظاهر، وقال القاضي عياض - ﵀ -: المراد بالشطر هنا الجزء، وهو الْخَمْس، وليس المراد به النصف، وهذا الذي قاله محتمل، ولكن لا ضرورة إليه، فإن هذا الحديث الثاني مختصر، لم يُذكَر فيه كرّات المراجعة. واحتج العلماء بهذا الحديث على جواز نسخ الشيء قبل فعله، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . وقال في «الفتح»: ذكر الشطر أعمّ من كونه وقع في دفعة واحدة، وكذا العشر، فكأنه وضع العشر في دفعتين، والشطر في خمس دفعات، أو المراد بالشطر في هذا الحديث البعض، وقد حَقَّقت رواية ثابت أن التخفيف كان خمسًا خمسًا، وهي زيادة معتمدة، يتعيّن حَمْلُ باقي الروايات عليها. وأما قول الكرمانيّ: الشطر هو النصف، ففي المراجعة الأولى وَضع خمسًا وعشرين، وفي الثانية ثلاثة عشر، يعني: نصف الخمسة والعشرين بجبر الكسر، وفي الثالثة سبعًا، كذا قال، وليس في حديث الباب في المراجعة الثالثة ذكر وضع شيء، إلا أن يقال: حذف ذلك اختصارًا فيتجه، لكن الجمع بين الروايات يأبى هذا الحمل، فالمعتمد ما تقدم. وأبدى ابن المُنَيِّر هنا نكتةً لطيفةً في قوله - ﷺ - لموسى ﵇ - لَمّا أمره أن يرجع بعد أن صارت خمسًا، فقال: «استحييت من ربي»، قال ابن المنيّر: يحتمل أنه - ﷺ - تفرّس من كون التخفيف وقع خمسًا خمسًا أنه لو سأل التخفيف بعد أن صارت خمسًا، لكان سائلًا في رفعها، فلذلك استحيا. انتهى. ودَلَّت مراجعته - ﷺ - لربه في طلب التخفيف تلك المرات كلها، أنه عَلِم أن الأمر في كل مرة لم يكن على سبيل الإلزام، بخلاف المرة الأخيرة، ففيها ما يُشْعِر بذلك، لقوله - ﷾ -: «لا يبدَّل القول لديّ». ويحتمل أن يكون سبب الاستحياء أن العشرة آخر جمع القلة وأول جمع الكثرة، فخَشِي أن يدخل في الإلحاح في السؤال، لكن الإلحاح في الطلب من الله مطلوب، فكأنه خَشِي من عدم القيام بالشكر، والله أعلم. قال: وأبدى بعض الشيوخ حكمةً لاختيار موسى؛ تكرير ترداد النبيّ - ﷺ -، فقال: لَمّا كان موسى قد سأل الرؤية فمُنِعَ، وعَرَف أنها حصلت لمحمد - ﷺ - قَصَد بتكرير رجوعه تكرير رؤيته؛ لِيَرى مَن رأى، كما قيل: لعلّي أراهم أو أرى من رآهم. قال الحافظ: ويَحتاج إلى ثبوت تجدد الرؤية في كل مرة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي أبداه بعض الشيوخ وأقرّه عليه الحافظ، وإن اعترضه في التكرار ليس بسديد؛ لأن الصحيح أن النبيّ - ﷺ - لم يرَ ربّه، كما سيأتي للمصنّف أنه - ﷺ - قال لأبي ذرّ - ﵁ - لما سأله: هل رأيت ربك؟ -: «نور أنَّى أراه»، وفي رواية: «رأيتُ نورًا»، وسيأتي تمام البحث في هذا في بابه قريبًا إن شاء الله تعالى. وأما طلب موسى تكرار المراجعة فالظاهر - كما قاله بعض المحقّقين - أنه حمله على ذلك رحمته لأمة محمد - ﷺ - والشفقة عليهم، والله تعالى أعلم. (قَالَ) - ﷺ - (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى - ﵇ -، فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أمّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، قَالَ: فَرَاجَعْتُ رَبِّي، فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ) وفي رواية البخاريّ: «هنّ خمس، وهنّ خمسون»، والمراد هي خمس عددًا باعتبار الفعل، وخمسون اعتدادًا باعتبار الثواب (لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ) أي: إن هذه الخمس لا تنسخ (قَالَ) - ﷺ - (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلْتُ: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ، حَتَّى نَأْتِيَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في الأصول حتى نأتي بالنون في أوله، وفي بعض الأصول: «حتى أَتَى»، وكلاهما صحيح. انتهى. (فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ قَالَ: ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ») قال النوويّ - ﵀ -: أما«الجنابذ»فبالجيم المفتوحة وبعدها نون مفتوحة، ثم ألف، ثم باء موحدة، ثم ذال معجمة، وهي: القِبَاب، واحدتها جُنْبُذة، ووقع في«كتاب الأنبياء»، من«صحيح البخاريّ»كذلك، ووقع في أول«كتاب الصلاة»منه«حَبَائل»بالحاء المهملة، والباء الموحدة، وآخره لام، قال الخطابيّ وغيره؛ هو تصحيف. وأما«اللؤلؤ»، فمعروف، وفيه أربعة أوجه: بهمزتين وبحذفهما، وبإثبات الأولى دون الثانية وعكسه، والله أعلم. وقال في«الفتح»في شرح قوله:«حبايل اللؤلؤ»: كذا وقع لجميع رواة البخاريّ في هذا الموضع بالحاء المهملة، ثم الموحدة، وبعد الألف تحتانية، ثم لام، وذكر كثير من الأئمة أنه تصحيف، وإنما هو«جَنَابِذ»بالجيم والنون، وبعد الألف موحدة، ثم ذال معجمة، كما وقع عند البخاريّ في«أحاديث الأنبياء»من رواية ابن المبارك وغيره، عن يونس، وكذا عند غيره من الأئمة، قال: ووجدت في نسخة معتمدة من رواية أبي ذرّ في هذا الموضع:«جنابذ»على الصواب، وأظنه من إصلاح بعض الرواة. وقال ابن حزم في أجوبته على مواضع من البخاريّ: فتشت على هاتين اللفظتين، فلم أجدهما ولا واحدة منهما، ولا وقفت على معناهما. انتهى. وذكر غيره أن«الجنابذ»شِبْهُ القِبَاب، واحدها جُنْبُذة بالضمّ، وهو ما ارتفع من البناء، فهو فارسيّ معرَّب، وأصله بلسانهم كُنْبَذة بوزنه، لكن الموحدة مفتوحة والكاف ليست خالصة، ويؤيده ما رواه البخاريّ في«التفسير»من طريق شيبان، عن قتادة، عن أنس، قال: لَمَّا عُرِج بالنبيّ - ﷺ - قال:«أَتيتُ على نَهر حافتاه قباب اللؤلؤ». انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في«الإيمان»[٨٠/ ٤٢٢] (١٦٣)، و(البخاريّ) في«الصلاة»(٣٤٩)، و«الحجّ»(١٦٣٦)، و«الأنبياء»(٣٣٤٢)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٣٥٤ و٣٥٥)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٤١٧ و٤١٨)، و(الدارميّ) في«الردّ على الجهميّة»(ص ٣٤)، والآجرّيّ في«الشريعة»(٤٨١ - ٤٨٢)، و(ابن منده) في«الإيمان»(٧١٤)، و(البغويّ) في«شرح السنّة»(٣٧٥٤)، و(النسائيّ) في«الصلاة»(٣١٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده زيادة على ما سبق، وإن كان بعضها تقدّم: ١ - (منها): أن فيه دلالة لمذهب أهل السنة والجماعة، أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، وأن الجنة في السماء. ٢ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن رسول الرجل يقوم مقام إذنه؛ لأن الخازن لم يتوقف عن الفتح له على الوحي إليه بذلك، بل عَمِل بلازم الإرسال إليه، وقد أخرج البخاريّ في«الأدب المفرد»من حديث أبي رافع مرفوعًا:«إذا دُعي أحدكم، فجاء مع الرسول، فهو إذنه». ٣ - (ومنها): ما قال القاضي عياض - ﵀ -: فيه حجة لمذهب أهل السنة في الإيمان بصحة كتابة الوحي والمقادير في كتب الله تعالى، من اللوح المحفوظ، وما شاء بالأقلام التي هو تعالى يَعْلَم كيفيتها، على ما جاءت به الآيات من كتاب الله تعالى والأحاديث الصحيحة، وأن ما جاء من ذلك على ظاهره، لكن كيفية ذلك، وصورته، وجنسه، مما لا يعلمه إلا الله تعالى، أو من أطلعه على شيء من ذلك، من ملائكته، ورسله، وما يَتَأوَّل هذا، ويُحيله عن ظاهره إلا ضعيف النظر والإيمان؛ إذ جاءت به الشريعة المطهرة، ودلائل العقول لا تحيله، والله تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد حكمةً من الله تعالى وإظهارًا لما يشاء من غيبه، من يشاء من ملائكته، وسائر خلقه، وإلا فهو غنيّ عن الكَتْب والاستذكار - ﷾ -. انتهى. ٤ - (ومنها): ما قال القاضي - ﵀ - أيضًا: في علوّ منزلة نبيّنا - ﷺ -، وارتفاعه فوق منازل سائر الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وبلوغه حيث بَلَغَ من ملكوت السموات، دليلٌ على علُوّ درجته، وإبانة فضله، وقد ذكر البزَّار خبرًا في الإسراء عن عليّ - ﵁ -، «وذكر مسير جبريل - ﵇ - على البراق، حتى أتى الحجاب، وذكر كلمةً، وقال: خَرَج ملكٌ من وراء الحجاب، فقال جبريل - ﵇ -: والذي بعثك بالحقّ إن هذا الملك ما رأيته مُنذ خلقتُ، وإني أقرب الخلق مكانًا» ، وفي حديث آخر: «فارقني جبريل، وانقطعت عني الأصوات» . انتهى كلام القاضي - ﵀ -. ٥ - (ومنها): ما قال الحافظ أبو عوانة - ﵀ - في «مسنده»، مبيّنًا فوائد أحاديث الباب ومبوّبًا لها، ما معناه: فيه الردّ على الجهميّة، وبيان أن الجنّة مخلوقة، وأن النبيّ - ﷺ - دخلها، وأنها فوق السموات، وأن السدرة المنتهى فوقها، وأن النبيّ - ﷺ - انتهى إليها، وأنه دنا من ربّ العزّة، وربّ العزّة دنا منه قاب قوسين أو أدنى ، وأن ما غشي السدرة من الألوان كان من نوره ﵎، وأن الكوثر الذي أُعطيه محمد - ﷺ - هو مخلوق وموجود، وهو نهرٌ من ماء، ترابه المسك، وصفة الحوض، وماؤه، وأن من بدّل ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من أمته لم يَرِد حوضه، وأن النيل والفرات أصلهما في السماء، وإثبات صريف الأقلام فوق السماوات السبع، وأن موسى رُفع فوق الأنبياء بكلامه ﵎. انتهى . ٦ - (ومنها): أنه يدلّ على عدم فرضية ما زاد على الصلوات الخمس، كالوتر وغيره، خلافًا من أثبت ذلك. ٧ - (ومنها): جواز دخول النسخ في الإنشاءات، ولو كانت مُؤَكَّدةً، خلافًا لقوم فيما أُكِّد. ٨ - (ومنها): جواز النسخ قبل الفعل، قال ابن بطال وغيره: ألا ترى أنه - ﷿ - نَسَخَ الخمسين بالخمس قبل أن تُصَلَّى، ثم تفضّل عليهم بأن أكمل لهم الثواب؟. وتعقّبه ابن المُنَيِّر، فقال: هذا ذكره طوائف من الأصوليين والشُّرّاح، وهو مشكل على مَن أثبت النسخ قبل الفعل، كالأشاعرة، أو منعه كالمعتزلة؛ لكونهم اتفقوا جميعًا على أن النسخ لا يُتَصَوَّر قبل البلاغ، وحديث الإسراء وقع فيه النسخ قبل البلاغ، فهو مشكل عليهم جميعًا، قال: وهذه نكتة مبتكرة. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله ابن المُنيّر وابتكره فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأنه إنما نُسخ بعد بلوغه إلى النبيّ - ﷺ -، وهو أحد المكلّفين بلا شكّ، وليس بلازم بلوغ الأمة، فتبصّر بإمعان، والله تعالى أعلم. ٩ - (ومنها): ما قيل: إنما اخْتَصّ موسى - ﵇ - بتنبيه النبيّ - ﷺ - على مراجعة ربّه في التخفيف عن أمته، دون غيره ممن لقيه النبيّ - ﷺ - ليلة الإسراء من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -؛ لأن أمته أكثر من أمة غيره، ولأن كتابه أكبر الكتب المُنَزَّلة قبل القرآن تشريعًا وأحكامًا، أو لأن أمة موسى - ﵇ - كانوا كُلِّفوا من الصلاة ما ثَقُل عليهم، فخاف موسى على أمة محمد - ﷺ - مثل ذلك، وإليه الإشارة بقوله: «فإني بَلَوت بني إسرائيل»، قاله القرطبي - ﵀ -. وأما قول من قال: «إنه أول من لاقاه بعد الهبوط»، محتجًّا بقوله في هذا الحديث: «فرجعت بذلك حتى أمرّ بموسى»، فليس بصحيح؛ لأن حديث مالك بن صعصعة الآتي أقوى من هذا، وفيه أنه لقيه في السماء السادسة بعد إبراهيم - ﵇ -، فتنبّه، فإنه دقيق. وأما ما قاله في «الفتح»: وإذا جمعنا بينهما بأنه لقيه في الصعود في السادسة، وصَعِد موسى إلى السابعة، فلقيه فيها بعد الهبوط، ارتفع الإشكال، وبَطَل الردُّ المذكور. انتهى. ففيه نظر؛ إذ يحتاج إثبات هذا الصعود إلى السابعة إلى دليل صحيح، فليس هذا الأمر مما يثبت بالتخمين والاحتمال، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ١٠ - (ومنها): ما قيل: إن الحكمة في وقوع فرض الصلاة ليلة المعراج، أنه لَمّا قُدِّس ظاهرًا وباطنًا حين غُسل بماء زمزم، وملئ بالإيمان والحكمة، ومن شأن الصلاة أن يتقدمها الطهور ناسب ذلك أن تُفْرَض الصلاة في تلك الحالة، وليَظْهَر شرفه في الملأ الأعلى، ويصلّي بمن سكنه من الأنبياء والملائكة ، وليناجي ربه، ومن ثَمّ كان المصلي يناجي ربه جلَّ وعلا . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في ذكر الأسئلة والأجوبة الواردة على هذا الحديث: ١ - (منها): ما قيل: إن الإسراء كان ليلًا، فما الحكمة في ذلك؟. [أجيب] بأوجه: (الأول): أنه وقت خلوة، واختصاص، ومجالسة للملوك، وهو من أشرف مجالسهم، وهو وقت مناجاة الأحبّة. (الثاني): أن الله تعالى أكرم جماعة من الأنبياء بأنواع الكرامات ليلًا، قال تعالى في قصّة إبراهيم ﵇: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦]، وفي قصة لوط - ﵇ -: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١، والحجر: ٧٦] وفي قصّة يعقوب - ﵇ -: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] يقال: دعا لهم ليلًا، وقرّب موسى نجيًّا ليلًا، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ﴾ [النمل: ٧]، وقال: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] وقال له لما أمره بخروجه من مصر ببني إسرائيل: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣)﴾ [الدخان: ٢٣]، وأكرم نبيّنا - ﷺ - ليلًا بأمور، منها: انشقاق القمر، وإيمان الجنّ به، وخرج إلى الغار ليلًا. (الثالث): أن الله تعالى قدّم ذكر الليل على النهار في غير ما آية، فقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢]، وقال: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠] وليلة النحر تُغني عن الوقوف نهارًا. (الرابع): أن الليل أصل، ولهذا كان أولَ الشهور، وسواده يَجمع ضوء البصر، ويُحدّ كليل النظر، ويُستلذّ فيه بالسمر، ويجتلي فيه وجه القمر. (الخامس): أنه لا ليل إلا وله نهار، وقد يكون نهار بلا ليل، وهو يوم القيامة الذي مقداره خمسون ألف سنة. (السادس): أن الليل محلّ استجابة الدعاء والغفران والعطاء، كما صحّ عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «ينزل ربنا ﵎ كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له»، متّفقٌ عليه. وصحّ أنه - ﷺ - قال لعمرو بن عَبَسَة - ﵁ -: «إن أقرب ما يكون الربُّ - ﷿ - من العبد جوف الليل الآخر …» الحديث . [فإن قلت]: ورد في الحديث: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة …» الحديث. [قلت]: هذا بالنسبة إلى الأيام. (السابع): أن في جملة الليالي ليلة القدر، خير من ألف شهر. (الثامن): أنه - ﷺ - كثيرًا ما كان يسافر ليلًا، وحثّ بالسفر فيه، وقال: «عليكم بالدُّلْجَة، فإن الأرض تطوى بالليل» . ٢ - (ومنها): ما قيل: ما الحكمة في الإسراء؟. [أجيب]: بأنه إنما كان للمناجاة، ولهذا كان من غير مواعدة، وهذا أوقع وأعظم، وكان التكليم في موسى - ﵇ - عن مواعدة وموافاة، فأين ذلك من هذا؟
مصادر المؤلف (٣٩)

١. حديث صحيح، أخرجه أحمد في «مسنده» (٦٣٤١)، والترمذيّ في «جامعه» (٣٧٣٧).

٢. راجع: «الفتح» ١/ ٥٤٨ «كتاب الصلاة» (٣٤٩).

٣. «عمدة القاري» ٣/ ٦٢.

٤. «عمدة القاري» ٣/ ٦٣.

٥. «الفتح» ١/ ٥٤٩.

٦. «عمدة القاري» ٣/ ٦٣.

٧. راجع: «لسان العرب» ١٢/ ١٤٤.

٨. «المصباح المنير» ١/ ١٤٥.

٩. «عمدة القاري» ٣/ ٦٣.

١٠. «الفتح» ١/ ٥٤٩.

١١. «شرح النوويّ» ٢/ ٢١٨.

١٢. «عمدة القاري» ٣/ ٦٩.

١٣. المصدر السابق ٣/ ٦٤.

١٤. «الفتح» ١/ ٥٥٠.

١٥. «الفتح» ١/ ٥٥٠.

١٦. «شرح النوويّ» ٢/ ٢٢٠.

١٧. «شرح النوويّ» ٢/ ٢٢٠ - ٢٢١.

١٨. «التقريب» ص ١١٣١ نسخة أبي الأشبال.

١٩. أخرجه الإمام أحمد - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (١٥٤٢٧) حدثنا أبو سعيد، مولى بني هاشم، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي حبة البدري، قال: «لما نزلت ﴿لَمْ يَكُنْ﴾ قال جبريل - ﵇ -: يا محمد إن ربك يأمرك أن تقرئ هذه السورة أُبي بن كعب، فقال النبيّ - ﷺ -:»يا أُبي إن ربي - ﷿ - أمرني أن أقرئك هذه السورة«، فبكى، وقال: ذُكرت ثمة؟ قال:»نعم«.

٢٠. راجع:«الإصابة»٧/ ٧١، و«تهذيب التهذيب»٤/ ٥٠٨.

٢١. راجع:«الأسماء والصفات»٢/ ٣١٠.

٢٢. راجع:«ميزان الاعتدال»١/ ٢٩٦.

٢٣. راجع:«التدريب»١/ ١٨١.

٢٤. «إكمال المعلم»٢/ ٦٩٤ - ٦٩٥.

٢٥. «عمدة القاري» ٣/ ٧٠.

٢٦. «الفتح» ١/ ٥٥١.

٢٧. راجع: «عمدة القاري» ٣/ ٦٦.

٢٨. «الفتح» ١/ ٥٥١.

٢٩. «الفتح» ١/ ٥٥١ - ٥٥٢.

٣٠. «الفتح» ١/ ٥٥٢.

٣١. «الفتح» ١/ ٥٥٢ - ٥٥٣.

٣٢. راجع: «كشف الأستار» ١/ ١٧٨ - ١٧٩، وهو حديث ضعيف جدًّا؛ لأن في سنده زياد بن المنذر، متروك الحديث.

٣٣. عزاه القاضي في «الشفا» ١/ ٢٠٢ إلى النقاش عن ابن عباس، قال بعضهم: والنقاش صاحب غرائب ومناكير.

٣٤. قد تقدّم أن الصحيح كون الضمائر في ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ لجبريل - ﵇ -، لا للربّ، فلا تكن من الغافلين.

٣٥. «مسند أبي عوانة» ١/ ١١٨.

٣٦. هكذا قال في «الفتح»، وفيه نظر، إذ لم يُنقل أنه - ﷺ - صلى بهم في الملإ الأعلى، وإنما صلّى بهم في بيت المقدس، فتبصّر، والله تعالى أعلم.

٣٧. «الفتح» ١/ ٥٤٨.

٣٨. حديث صحيح، أخرجه أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ، وغيرهم.

٣٩. حديث صحيح، أخرجه أبو داود ٣/ ٢٨.