HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٦

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ قَالَا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ. أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أن رسول الله ﷺ مَرَّ بِوَادِي الأَزْرَقِ فَقَالَ «أَيُّ وَادٍ هَذَا؟» فَقَالُوا: هَذَا وَادِي الأَزْرَقِ. قَالَ «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى ﵇ هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ بِالتَّلْبِيَةِ» ثُمَّ أَتَى على ثنية هرشى. فقال «أي ثنية هذا؟» قَالُوا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى. قَالَ «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى ﵇ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ. خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ. وَهُوَ يُلَبِّي». قَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ في حديثه: يعني ليفا.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص105
ج ١ ص ١٥٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن ابن ماجه, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤ ص٥٥٨
فلا تكن في شكّ من لقاء موسى الكتاب، وهذا مذهب ابن عباس، ومقاتل، والزجاج، وغيرهم، والله تعالى أعلم. انتهى . وقال القاضي عياض ﵀: وقول قتادة في آخر الحديث: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ [السجدة: ٢٣]؛ أي: أن نبيّ الله - ﷺ - لقي موسى ﵇، يعني: ليلة الإسراء، فالهاء على هذا عائدة على موسى ﵇، وقال غيره من المفسّرين: الهاء عائدة على الكتاب، أي: فلا تكن في مرية من تلقّي موسى الكتاب الذي أوتي، وعن الحسن: معناه: ولقد آتينا موسى الكتاب، فأوذي وكُذّب، فلا تكن في مرية أنك ستلقى مثل ما لقيه من الأذى والتكذيب، وقيل: في الآية تقديم وتأخير، يعود إلى الرجوع للآخرة والبعث، وما تقدّم من قوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] إلى قوله: ﴿تُرْجَعُونَ﴾، واعتَرَضت قصّة موسى بين الكلامين. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: القول الأخير ضعفه مما لا يخفى؛ إذ فيه إخراج أسلوب الكتاب عن وضعه، فلا ينبغي ذكر مثله إلا للردّ عليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٢٧] (١٦٦) - (حَدَّثنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، قَالَا: حَدَّثنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَرَّ بِوَادِي الْأَزْرَق، فَقَالَ: «أَيُّ وَادٍ هَذَا؟» فَقَالُوا: هَذَا وَادِي الْأَزْرَق، قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى ﵇ هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّة، وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَةِ»، ثُمَّ أَتَى عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى، فَقَالَ: «أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟» قَالُوا : ثَنِيَّةُ هَرْشَى، قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى ﵇ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ، وَهُوَ يُلَبِّي». قَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ فِي حَدِيثِهِ: قَالَ هُشَيْمٌ: يَعْني لِيفًا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) هو: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيبانيّ، أبو عبد الله المَروزيّ، ثم البغداديّ، خَرَجت به أمُّه من مرو وهي حاملٌ، فوَلَدته ببغداد، وبها طلب العلم، ثم طاف البلاد، أحد الأئمة الأعلام، ثقةٌ حافظٌ فقيه، مجتهدٌ، حجة، رأس الطبقة [١٠]. رَوَى عن بشر بن المفضل، وإسماعيل ابن علية، وسفيان بن عيينة، وجرير بن عبد الحميد، ويحيى بن سعيد القطان، وأبي داود الطيالسيّ، وعبد الله بن نمير، وعبد الرزاق، وعلي بن عيّاش الحمصيّ، والشافعيّ، وغُندر، ومعتمر بن سليمان، وجماعة كثيرين. ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والباقون مع البخاري أيضًا بواسطة، وأسود بن عامر شاذان، وابن مهديّ، والشافعيّ، وأبو الوليد، وعبد الرزاق، ووكيع، ويحيى بن آدم، ويزيد بن هارون، وهم من شيوخه، وقتيبة، وداود بن عمرو، وخَلَف بن هشام، وهم أكبر منه، وأحمد بن أبي الحواريّ، ويحيى بن معين، وعلي بن المدينيّ، والحسين بن منصور، وزياد بن أيوب، ودُحَيم، وأبو قُدامة السرخسيّ، ومحمد بن رافع، ومحمد بن يحيى بن أبي سُمينة، وهؤلاء من أقرانه، وابناه: عبد الله، وصالح، وتلامذته: أبو بكر الأثرم، وحرب الكرمانيّ، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وحنبل بن إسحاق، وشاهين بن السَّميْدَع، والميمونيّ، وغيرهم، وآخر مَن حدَّث عنه أبو القاسم البغويّ. قال ابن معين: ما رأيت خيرًا من أحمد، ما افتخر علينا بالعربية قطّ، وقال عارم: قلت له يومًا: يا أبا عبد الله بلغني أنك من العرب، فقال: يا أبا النعمان، نحن قومٌ مساكين، وقال صالح: سمعت أبي يقول: وُلدت في سنة (١٦٤) في أولها، في ربيع الأول، وقال عبد الله: سمعت أبي يقول: مات هُشيم سنة (١٨٣)، وخرجت إلى الكوفة في تلك الأيام، ودخلت البصرة سنة (٨٦)، وقال أيضًا: سمعته يقول: سمعت من علي بن هاشم بن البَرِيد سنة (١٧٩) في أول سنة طَلَبْتُ، وهي السنة التي مات فيها مالك، وقال أيضًا: حججت سنة (٨٧)، وقد مات فُضيل، ورأيت ابن وهب، ولم أكتب عنه، قال: وحججت خمس حِجَجٍ، منها ثلاثُ حِجج راجلًا، أنفقت في إحدى هذه الحجج ثلاثين درهمًا، وقال إبراهيم بن شماس: وكيع بن الجراح، وحفص بن غياث يقولان: ما قَدِم الكوفة مثل ذاك الفتى؛ يعنيان: أحمد، وقال القطان: ما قَدِم عليّ مثل أحمد، وقال فيه مرة: حَبْرٌ من أحبار هذه الأمة، وقال أحمد بن سنان: ما رأيت يزيد بن هارون لأحد أشدّ تعظيمًا منه لأحمد بن حنبل، وقال عبد الرزاق: ما رأيت أفقه منه ولا أورع، وقال أبو عاصم: ما جاءنا من ثمة أحد غيره يحسن الفقه، وقال يحيى بن آدم: أحمد إمامنا، وقال الشافعيّ: خرجت من بغداد، وما خَفَفت بها أفقه، ولا أزهد، ولا أورع، ولا أعلم من أحمد بن حنبل، وقال عبد الله الخُريبيّ: كان أفضل أهل زمانه، وقال أبو الوليد: ما بالمصرين أحبّ إليّ من أحمد، ولا أرفع قدرًا في نفسي منه، وقال العباس العنبريّ: حجة، وقال ابن المدينيّ: ليس في أصحابنا أحفظ منه، وقال قتيبة: أحمد إمام الدنيا، وقال أبو عبيد: لست أعلم في الإسلام مثله، وقال يحيى بن معين: لو جلسنا مجلسًا بالثناء عليه ما ذكرنا فضائله بكمالها، وقال العجليّ: ثقةٌ ثبت في الحديث، نَزِهُ النفس، فقيه في الحديث، مُتَّبع الآثار، صاحب سنة وخير، وقال أبو ثور: أحمد شيخنا وإمامنا، وقال العباس بن الوليد بن مَزْيد: قلت لأبي مسهر: هل تعرف أحدًا يحفظ على هذه الأمة أمر دينها؟ قال: لا إلا شابٌّ في ناحية المشرق، يعني: أحمد، وقال بشر بن الحارث: أُدْخِل الكير، فخرج ذهبًا أحمر، وقال حجاج بن الشاعر: ما رأت عيناي روحًا في جسد أفضل من أحمد بن حنبل، وقال أحمد الدَّوْرقيّ: من سمعتموه يذكر أحمد بسوء، فاتهموه على الإسلام، وقال أبو زرعة الرازيّ: كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: وما يُدريك؛ قال: أخذت عليه الأبواب، وقال نوح بن حبيب: رأيت أحمد في مسجد الخيف سنة (٩٨) مُستندًا إلى المنارة، فجاءه أصحاب الحديث، فجعل يُعَلِّمهم الفقه والحديث، ويفتي الناس، وقال عبد الله: كان أبي يصلي في كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة. فال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكروا هذه القصّة، وما أظنّها تصحّ، فإن أحمد إمام في السنّة لا يخالف هدي النبيّ - ﷺ - في صلاته، فإنه لم يثبت عنه - ﷺ - أنه كان يصليّ هذا المقدار من الصلاة، فتبصّر ولا تتهوّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقال هلال بن العلاء: مَنَّ الله على هذه الأمة بأربعة في زمانهم: بالشافعيّ تفقه بحديث رسول الله - ﷺ -، وبأحمد ثبت في المحنة، ولولا ذلك لكفر الناس، وبيحيى بن معين نَفَى الكذب عن حديث رسول الله - ﷺ -، وبأبي عُبيد فسّر الغريب، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه، فقال: هو إمام، وهو حجة، وقال النسائي: الثقة المأمون أحد الأئمة، وقال ابن ماكولا: كان أعلم الناس بمذاهب الصحابة والتابعين، وقال الخليليّ: كان أفقه أقرانه، وأروعهم، وأكفّهم عن الكلام في المحدثين، إلا في الاضطرار، وقد كان أمسك عن الرواية من وقت الامتحان، فما كان يروي إلا لبنيه في بيته، وقال ابن حبان في «الثقات»: كان حافظًا متقنًا فقيهًا ملازمًا للورع الخفيّ، مواظبًا على العبادة الدائمة، أغاث الله به أمة محمد - ﷺ -، وذلك أنه ثبت في المحنة، وبَذَل نفسه لله، حتى ضُرِب بالسياط للقتل، فعصمه الله تعالى عن الكفر، وجعله علمًا يُقْتَدَى به، وملجأً يُلْجَأُ إليه، وقال سليمان بن حرب لرجل سأله عن مسألة: سل عنها أحمد، فإنه إمام، وقال محمد بن إبراهيم البُوشَنْجيّ: ما رأيت أجمع في كل شيء من أحمد ولا أعقل، وهو عندي أفضل وأفقه من الثوريّ، وقال ابن سعد: ثقةٌ ثبتٌ صدوقٌ كثير الحديث، وقال أبو الحسن ابن الزاغونيّ: كُشِفَ قبرُ أحمد حين دُفن الشريفُ أبو جعفر بن أبي موسى إلى جانبه، فوُجِد كفنه صحيحًا لم يَبْلَ، وجنبه لم يتغير، وذلك بعد موته بمائتين وثلاثين سنة. قال عباس الدُّوريّ، ومُطَيَّن، والفضل بن زياد، وغيرهم: مات يوم الجمعة، لثنتي عشرة خَلَت من ربيع الأول سنة (٢٤١)، لكن قال الفضل: في ربيع الآخر، وكذلك قال عبد الله بن أحمد، وقيل: حُزِر مَن صلَّى عليه، فكانوا ثمانمائة ألف رجل وستين ألف امرأة، وقيل: أكثر من ذلك، وقال عبد الله: كان أبي يقول: قولوا لأهل البِدَع: بيننا وبينكم الجنائز. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثًا. ٢ - (وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم، أبو الحارث البغداديّ، مروزيّ الأصل، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م س) تقدم في «الإيمان» ٩/ ٢٠٢٥. [تنبيه]: من يُسمّى بسُرَيج بالجيم مصغّرًا في الرواة اثنان فقط: (أحدهما): هذا المترجم هنا. (الثاني): سُريج بن النعمان بن مروان الجوهريّ، أبو الحسن البغداديّ، خراسانيّ الأصل، ثقةٌ، يَهِم قليلًا، من كبار الطبقة [١٠] (ت ٢١٧) من رجال البخاريّ، والأربعة، ولم يروِ عنه المصنّف، والله تعالى أعلم. ٣ - (هُشَيْمُ) بن بَشِير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم - بمعجمتين - الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٤ - (دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ) القُشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت ١٤٠) وقيل قبلها (حمام ٤) تقدم في «الإيمان» ٢٧/ ٢٢١. والباقيان تقدّما في السند الماضي، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه سُريج، فتفرّد به هو والبخاريّ، والنسائيّ، وداود علّق له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخيه، فبغداديان، وهشيمًا فواسطيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ) - ﵄ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَرَّ بِوَادِي الْأَزْرَقِ) هو وادٍ خلف أَمَجٍ، بينه وبين مكّةَ ميلٌ واحدٌ، و«أَمَج» بفتح الهمزة والميم، وبالجيم: قرية ذات مزارع هناك، قاله في «الفتح» . (فَقَالَ) - ﷺ - «(أَيُّ وَادٍ هَذَا؟» فَقَالُوا) أي: الصحابة الحاضرون السؤالَ (هَذَا وَادِي الْأَزْرَق، قَالَ) - ﷺ - «(كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى ﵇) قال المهلَّب ﵀: هذا وَهَمٌ من بعض رواته؛ لأنه لم يَأْتِ أثرٌ ولا خبرٌ أن موسى حيّ وأنه سيحجّ، وإنما أتى ذلك عن عيسى، فاشتبه على الراوي، ويدل عليه قوله في الحديث الآخر:«لَيُهِلَّنَّ ابن مريم بفَجّ الرَّوْحَاء». انتهى. فتعقّبه الحافظ ﵀، فقال: وهو تغليطٌ للثقات بمجرد التوهم، فسيأتي في«كتاب اللباس»من البخاريّ بالإسناد المذكور بزيادة ذكر إبراهيم فيه، أفيقال: إن الراوي غَلِطَ، فزاده؟ وقد أخرج مسلم الحديث من طريق أبي العالية، عن ابن عباس بلفظ:«كأني أنظر إلى موسى هابطًا من الثنية، واضعًا إصبعيه في أذنيه مارًّا بهذا الوادي، وله جؤارٌ إلى الله بالتلبية»، قاله لما مَرّ بوادي الأزرق، واستفيد منه تسمية الوادي، وهو خَلْفَ أَمَجٍ بينه وبين مكة ميل واحد، قال: وفي هذا الحديث أيضًا ذكر يونس، أفيقال: إن الراوي الآخر غَلِطَ، فزاد يونس؟. انتهى، وهو تعقّبٌ نفيسٌ. وقال ابن المُنَيِّر في«الحاشية»: توهيم المهلَّب للراوي وَهَمٌ منه، وإلا فأيّ فرق بين موسى وعيسى؟ لأنه لم يثبت أن عيسى منذ رُفع نزل إلى الأرض، وإنما ثبت أنه سينزل. قال الحافظ: أراد المهلب بأن عيسى لَمّا ثبت أنه سينزل كان كالمحقق، فقال: كأني أنظر إليه، ولهذا استدلّ المهلب بحديث أبي هريرة - ﵁ - الذي فيه:«لَيُهِلَّنّ ابن مريم بالحج»، والله تعالى أعلم . وقوله: (هَابِطًا) منصوب على الحال، أي: حال كونه نازلًا (مِنَ الثَّنِيَّةِ) هي: العقَبَةُ، أو طريقها، أو الجَبَلُ، أو الطريقة فيه أو إليه، قاله المجد . (وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبيَةِ)«الجُؤَارُ»: بضم الجيم، وبالهمزة: رفع الصوت، ومنه قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]؛ أي: ترفعون أصواتكم، وتستغيثون، يقال: جأر يَجْأَرُ، قال عديّ بن زيد [من الرمل]: إِنَّنِي وَاللهِ فَاقْبَلْ حَلْفَتِي … بِأَبِيلٍ كُلَّمَا صَلَّى جَأَرْ وفيه استحباب رفع الصوت بالتلبية، وقد ورد الأمر به، فقد أخرج الترمذي عن أبي بكر الصديق - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - سئل: أيُّ الحج أفضل؟ قال:«العَجّ، والثّجّ»، وأخرج أحمد وأصحاب السنن بإسناد صحيح، عن خلاد بن السائب الأنصاريّ، عن أبيه، أن رسول الله - ﷺ - قال:«أتاني جبريل ﵇، فأمرني أن آمر أصحابي، ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية»، قال الترمذيّ: حديث حسنٌ صحيح، وسيأتي تمام البحث في محلّه من كتاب الحجّ - إن شاء الله تعالى -. (ثُمَّ أتى) - ﷺ - (عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى) بفتح الهاء، وسكون الراء، بعدها شين معجمة، مقصورًا: قال ابن الأثير: ثنيّةٌ بين مكة والمدينة، وقيل: جبلٌ قُرب الجحفة. انتهى . وقال القاضي عياض: جبلٌ من بلاد تهامة على طريق الشام، والمدينة قريبٌ من الجحفة. انتهى . (فَقَالَ) - ﷺ - («أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ لا قَالُوا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى، قَالَ) - ﷺ - (»كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى ﵇) بفتح الميم، وتشديد التاء، مقصورًا، هو اسم أبيه، قال في«الفتح»: ووقع في«تفسير عبد الرزاق»أنه اسم أمِّه، وهو مردود بما في حديث ابن عبّاس - ﵄ - عند البخاريّ: ونسبه إلى أبيه، فهذا أصحّ، قال: ولم أقف في شيء من الأخبار على اتّصال نسبه، وقد قيل: إنه كان في زمن ملوك الطوائف من الفرس. انتهى . (عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ) متعلّق بحال محذوف، أي: حال كونه راكبًا عليها، و«الناقة»: الأنثى من الإبل، قال أبو عُبيدة: ولا تُسمّى ناقةً حتى تُجْذِع، والجمع: أَيْنُقٌ بالقلب المكانيّ، بتقديم عين الكلمة على اللام، ونُوقٌ، ونِيَاق ، وقوله: (جَعْدَةٍ) بالجرّ صفة لـ«ناقة»، ومعناها: المكتنزة اللحم (عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ) جملة في محلّ نصب على الحال أيضًا، و«الجُبّة»بضمّ الجيم، وتشديد الموحّدة: من اللباس معروفة، جمعها جُبَبٌ، مثلُ غُرْفة وغُرَف ، ويُجمع أيضًا على جِبَاب . و«الصوف بالضمّ: معروفٌ، قاله في »القاموس«، وقال ابن سِيده: الصُّوف للغنم كالشعر للمعز، والوَبَر للإبل، والجمع أصواف، وقد يقال: الصوف للواحدة على تسمية الطائفة باسم الجميع، حكاه سيبويه، ويقال للواحدة: صوفة، وتُصغَّر على صُويفة، قاله في »التاج« . (خِطَامُ نَاقَتِه) مبتدأ خبره قوله: «خُلبة»، و«الخِطام» بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف الطاء المهملة، جمعه خُطُمٌ، مثل كتاب وكُتُب: هو الحبل الذي يقاد به البعير، يُجعل على خَطْمه، سُمّي بذلك لأنه يَقَع على خطم البعير، وهو مقدّم الأنف والفم ، وقال المجد: الخَطْمُ من الدابّة: مقدّم أنفها وفمها، قال: وخَطَمه بالخِطَام: جعله على أنفه، و«الخِطام ككتاب: ذلك المُعلَّقُ به. انتهى . (خُلْبَة) بضمّ الخاء المعجمة، وبالباء الموحّدة بينهما لام، فيها لغتان مشهورتان: الضمّ، والإسكان، حكاهما ابن السِّكّيت، والجوهريّ، وآخرون، وكذلك الخُلُب، والخُلْبُ، وهو الليف، كما فسّره هُشيم هنا. وقوله: (وَهُوَ يُلَبِّي») جملة في محلّ نصب على الحال أيضًا، فتكون أربعة أحوال، إما مترادفة، أو متداخلة. وفي الحديث أن التلبية في بطون الأودية من سنن المرسلين عليهم الصلاة والسلام، وأنها تتأكد عند الهبوط، كما تتأكد عند الصعود ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٨٠/ ٤٢٧ و٤٢٨ و٤٢٩] (١٦٦)، و(البخاريّ) في «الحجّ» (١٥٥٥)، و«أحاديث الأنبياء» (٣٣٥٥)، و«كتاب اللباس» (٥٩١٣)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢١٥ - ٢٧٦ - ٢٩٦)، أما فوائد الحديث فقد تقدّمت، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في معنى قوله - ﷺ -: «كأني أنظر»: (اعلم): أنه قد اختلف أهل التحقيق في معناه على أوجه: قال القاضي عياض ﵀: أكثر الروايات في وصفهم تدلّ على أنه - ﷺ - رأى ذلك ليلة أُسري به، وقد وقع ذلك مُبَيَّنًا في رواية أبي العالية، عن ابن عباس - ﵄ -، وفي رواية ابن المسيِّب، عن أبي هريرة - ﵁ -، وليس فيها ذكر التلبية. قال: [فان قيل]: كيف يَحُجّون، ويُلَبُّون، وهم أموات، وهم في الدار الآخرة، وليست دار عمل؟. [فاعلم]: أن للمشايخ، وفيما ظَهَرَ لنا عن هذا أجوبةٌ: [أحدهما]: أنه على الحقيقة؛ لأن الأنبياء كالشهداء، بل هم أفضل منهم، والشهداء أحياء عند ربهم، فلا يَبْعُد أن يَحُجُّوا ويُصَلّوا، وأن يتقربوا إلى الله تعالى بما استطاعوا؛ كما ثبت في «صحيح مسلم» من حديث أنس - ﵁ - أنه - ﷺ - رأى موسى قائمًا في قبره يصلي، فإنهم وإن كانوا قد تُوُفّوا فهم في هذه الدنيا التي هي دار العمل، حتى إذا فنيت مدتها، وتعقبتها الآخرة التي هي دار الجزاء انقطع العمل. قال القرطبيّ ﵀: حُبِّبت إليهم العبادة، فهم يتعبدون بما يجدونه من دواعي أنفسهم، لا بما يُلْزَمون به، كما يُلْهَم أهل الجنة الذكر، ويؤيّده أن عمل الآخرة ذكر ودعاء؛ لقوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ الآية [يونس: ١٠]. [الوجه الثاني]: أن عمل الآخرة ذكرٌ ودعاءٌ، قال الله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ الآية [يونس: ١٠]. [الوجه الثالث]: أن تكون هذه رؤية منام ليلة الإسراء، أو في بعض ليلة الإسراء، كما قال في رواية ابن عمر - ﵄ -: «بينا أنا نائم رأيتني أطوف بالكعبة …»، وذكر الحديث في قصة عيسى - ﷺ -. [الوجه الرابع]: أنه - ﷺ - أُرِيَ أحوالهم التي كانت في حياتهم، ومُثِّلُوا له في حال حياتهم كيف كانوا، وكيف حجُّهم وتلبيتهم، كما قال - ﷺ -: «كأني أنظر إلى موسى، وكأني أنظر إلى عيسى، وكأني أنظر إلى يونس ﵈». [الوجه الخامس]: أن يكون أَخْبَر عما أوحي إليه - ﷺ - من أمرهم، وما كان منهم، وإن لم يرَهم رؤية عين. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ بزيادة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وعندي أن الجواب الأول هو الأرجح؛ لأن معظم الروايات واضحة فيه، والروايات التي تدلّ على أنه وقع له منامًا لا تنافي هذا، فإنه لا يمتنع أن يقع له ذلك في الحالتين في اليقظة والمنام، فتأمل. وممّا يوضّح ما قلته، ويقوّي ما رجّحته ما حقّقه الإمام الحافظ أبو بكر البيهقيّ ﵀ في كتابه النافع، فقد جمع ﵀ كتابًا لطيفًا في حياة الأنبياء في قبورهم، أورد فيه حديث أنس: «الأنبياء أحياء في قبورهم يُصَلُّون»، أخرجه من طريق يحيى بن أبي كثير، وهو من رجال الصحيح، عن المستلم بن سعيد، وقد وثقه أحمد وابن حبان، عن الحجَّاج الأسود، وهو ابن أبي زياد البصريّ، وقد وثقه أحمد وابن معين، عن ثابت، عنه، وأخرجه أيضًا أبو يعلى في «مسنده» من هذا الوجه، وأخرجه البزّار، لكن وقع عنده عن حجاج الصوّاف، وهو وَهَمٌ، والصواب الحجَّاج الأسود، كما وقع التصريح به في رواية البيهقيّ، وصححه البيهقيّ. وأخرجه أيضًا من طريق الحسن بن قتيبة، عن المستلم، وكذلك أخرجه البزّار وابن عديّ، والحسن بن قتيبة ضعيف. وأخرجه البيهقيّ أيضًا من رواية محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أحد فقهاء الكوفة، عن ثابت بلفظ آخر، قال: «إن الأنبياء لا يُترَكون في قبورهم بعد أربعين ليلة، ولكنهم يصلّون بين يدي الله، حتى يُنفَخ في الصور»، ومحمد سيئ الحفظ. وذكر الغزاليّ، ثم الرافعيّ حديثًا مرفوعًا: «أنا أكرم على ربي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث، ولا أصلي له»، إلا إن أُخذ من رواية ابن أبي ليلى هذه، وليس الأخذ بجيد؛ لأن رواية ابن أبي ليلى قابلة للتأويل. قال البيهقيّ: إن صَحّ فالمراد أنهم لا يُترَكون يصلّون إلا هذا المقدار ، ثم يكونون مصلين بين يدي الله، قال البيهقيّ: وشاهد الحديث الأول ما ثبت في «صحيح مسلم» من رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، رفعه: «مررت بموسى ليلةَ أُسري بي عند الكثيب الأحمر، وهو قائم يصلي في قبره». وأخرجه أيضًا من وجه آخر عن أنس. [فإن قيل]: هذا خاصّ بموسى ﵇. [قلنا]: قد وجدنا له شاهدًا من حديث أبي هريرة - ﵁ -، أخرجه مسلم أيضًا، من طريق عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ - رفعه: «لقد رأيتني في الحِجْر، وقريش تسألني عن مسراي …» الحديث، وفيه: «وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضَرْبٌ جَعْدٌ، كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسى ابن مريم ﵇ قائم يصلي، أقرب الناس به شَبَهًا عروة بن مسعود الثقفيّ، وإذا إبراهيم؛ قائم يصلي، أشبه الناس به صاحبكم - يعني نفسه - فحانت الصلاة فأممتهم …». قال البيهقيّ: وفي حديث سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة - ﵁ - أنه لقيهم ببيت المقدس، فحضرت الصلاة، فأَمَّهم نبيّنا - ﷺ -، ثم اجتمعوا في بيت المقدس، وفي حديث أبي ذرّ، ومالك بن صعصعة في قصة الإسراء، أنه لقيهم بالسماوات، وطرق ذلك صحيحة، فيحمل على أنه رأى موسى قائمًا يصلي في قبره، ثم عُرِج به هو، ومن ذَكَر من الأنبياء إلى السماوات، فلقيهم النبيّ - ﷺ -، ثم اجتمعوا في بيت المقدس، فحضرت الصلاة فأمَّهم نبينا - ﷺ -، قال: وصلاتهم في أوقات مختلفة، وفي أماكن مختلفة لا يردّه العقل، وقد ثبت به النقل، فَدَلَّ ذلك على حياتهم. قال الحافظ ﵀ بعد نقله عن البيهقيّ ﵀ ما تقدّم: وإذا ثبت أنهم أحياء من حيث النقل، فإنه يُقَوِّيه من حيث النظر كون الشهداء أحياء بنص القرآن، والأنبياء أفضل من الشهداء. قال: ومن شواهد الحديث ما أخرجه أبو داود، من حديث أبي هريرة رفعه، وقال فيه: «وصَلُّوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم»، وسنده صحيح، وأخرجه أبو الشيخ في «كتاب الثواب» بسند جيد، بلفظ: «مَن صَلَّى عليّ عند قبري سمعته، ومن صلَّى عليّ نائيًا بُلِّغْتُهُ»، وعند أبي داود، والنسائيّ، وصححه ابن خزيمة وغيره، عن أوس بن أوس، رفعه، في فضل يوم الجمعة: «فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ»، قالوا: يا رسول الله، وكيف تُعْرَضُ صلاتنا عليك وقد أَرَمْتَ؟، قال: «إن الله حَرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء». انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد اتّضح بما ذكر أن أرجح الأجوبة هو القول بأن الحديث على ظاهر ما دلّ عليه من أن الأنبياء يصلّون ويَحجّون، فما صحّ لدينا من الأدلّة بأنهم يفعلون كذا حملناه على ظاهره، دون أي توقّف، والله تعالى قادر على كلّ شيء، وهم أهل لإكرامهم بما ذُكر، فتأمل بالإنصاف، ولا تسلك سبيل الاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: ومما يُسْتَشكل على ما تقدم ما أخرجه أبو داود بسنده عن أبي هريرة - ﵁ -، رفعه: «ما من أحد يُسَلِّم عليّ إلا رَدّ الله عليّ روحي، حتى أرد ﵇»، ورواته ثقات. ووجه الإشكال فيه أن ظاهره أن عَوْد الروح إلى الجسد يَقتضي انفصالها عنه، وهو الموت. وقد أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة: [أحدها]: أن المراد بقوله: «رَدّ الله عليّ روحي» أن ردّ روحه كانت سابقةً عقب دفنه، لا أنها تعاد، ثم تُنْزَع، ثم تعاد. [الثاني]: سَلّمنا، لكن ليس هو نزع موت، بل لا مشقة فيه. [الثالث]: أن المراد بالروح الملك الموكل بذلك. [الرابع]: المراد بالروح النطق، فتَجَوَّز فيه من جهة خطابنا بما نفهمه. [الخامس]: أنه يَستغرق في أمور الملأ الأعلى، فإذا سُلِّم عليه، رَجَعَ إليه فهمه؛ ليجيب مَن سَلَّم عليه. وقد استُشْكِل ذلك من جهة أخرى، وهو أنه يَستلزم استغراق الزمن كله في ذلك؛ لاتصال الصلاة والسلام عليه في أقطار الأرض ممن لا يُحصَى كثرةً. وأجيب بأن أمور الآخرة لا تُدْرَك بالعقل، وأحوال البرزخ أشبه بأحوال الآخرة، والله تعالى أعلم، ذكر هذا كلّه في «الفتح» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أقرب الأجوبة عندي وأرجحها هو الخامس، وما عداه فلا يخفى ضعفه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٢٨] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَة، فَمَرَرْنَا بِوَادٍ، فَقَالَ: «أَيُّ وَادٍ هَذَا؟» فَقَالُوا: وَادِي الْأَزْرَق، فَقَالَ: «كَأَنِّي أنظُرُ إِلَى مُوسَى - ﷺ -، فَذَكَرَ مِنْ لَوْنِهِ وَشَعْرِهِ شَيْئًا لَمْ يَحْفَظْهُ دَاوُدُ، وَاضِعًا إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْه، لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَة، مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي»، قَالَ: ثُمَّ سِرْنَا، حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى ثَنِيَّةٍ، فَقَالَ: «أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟»، قَالُوا: هَرْشَى، أَوْ لِفْتٌ، فَقَالَ : «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ، عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ، عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ لِيفٌ، خُلْبَةٌ، مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي، مُلَبِّيًا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ البصريّ، تقدّم قريبًا، وكذا الباقون، و«داود»: هو ابن أبي هند المذكور في السند الماضي. وقوله: (فَذَكَرَ مِنْ لَوْنِهِ وَشَعْرِهِ شَيْئًا لَمْ يَحْفَظْهُ دَاوُدُ) يعني: أن أبا العالية ذكر مما ذكر له ابن عبّاس - ﵄ - من وصف لون موسى ﵇، ووصف شعره، لكن داود بن أبي هند نسي ذلك، وقد حفظه غيره، فقد سبق في رواية قتادة، عن أبي العالية: «رجلٌ آدم، طُوالٌ جعد، كأنه من رجال شنوءة»، ونحوه من رواية مجاهد، عن ابن عبّاس - ﵄ - في الحديث التالي. وقوله: (وَاضِعًا إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ) وفي نسخة: «إصبعه في أذنه» بالإفراد، و«الإصبع» فيها عشر لغات: كسر الهمزة، وفتحها، وضمها، مع فتح الباء، وكسرها، وضمها، والعاشرة أُصبُوع، على مثال عُصْفُور. وفي هذا دليل على استحباب وضع الإصبع في الأذن عند رفع الصوت بالأذان ونحوه، مما يستحب له رفع الصوت. قال النوويّ ﵀: وهذا الاستنباط والاستحباب يجيء على مذهب من يقول من أصحابنا وغيرهم: إن شرع من قبلنا شرع لنا. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح أن شرع من قبلنا شرع لنا، كما حقّقت ذلك في «التحفة المرضيّة»، و«شرحها»، فراجعه، تستفد، والله تعالى أعلم. وقوله: (أَوْ لِفْتٌ) قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناها «لِفْتٌ» بكسر اللام، وإسكان الفاء، وبعدها تاء مثناة من فوق، وذكر القاضي، وصاحب «المطالع» فيها ثلاثة أوجه: [أحدها]: ما ذكرته. [والثاني]: فتح اللام، مع إسكان الفاء. [والثالث]: فتح اللام والفاء جميعًا. انتهى . وعبارة عياض ﵀: قوله: ثنيّة هرشى، أو لفت«هَرْشَى بفتح الهاء، وسكون الراء: جبل من بلاد تهامة على طريق الشام والمدينة، قريبٌ من الجُحْفة، و»لفت«: موضع بين مكة والمدينة، قاله الكنديّ، سمعنا هذا الحرف من القاضي الشهيد بفتح اللام والفاء، ومن الشيخ أبي بحر هنا بفتح اللام فقط، وسكون الفاء، ومن الحافظ أبي الحسين بكسر اللام، وسكون الفاء، وأنشدنا بعضهم في ذلك [من الطويل]: مَرَرْنَا بِلَفْتٍ وَالثُّرَيَّا كَأَنَّهَا … قَلَائِدُ دُرِّ حُلَّ عَنْهَا نِظَامُهَا وروينا هذا البيت في كتاب مشاهد ابن هشام عن أشياخنا التميميّ، والأسديّ، وابن سراج: وَلفْتًا سَدَدْنَاهُ وَفَجَّ صَلَاحِ كذا سمعناه بالكسر، وكذا كان في المشاهد عند أبي بحر، وكذا قيّدناه عنه. انتهى كلام عياض ﵀ . وقوله: (خِطَامُ نَاقَتِهِ لِيفٌ، خُلْبَةٌ) رُوي بتنوين «ليفٍ»، ورُوي بإضافته إلى «خُلْبة»، فمن نَوّن جعل «خلبة» بدلًا، أو عطف بيان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٢٩] (…) - (حَدَّثَنى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ، فَقَالَ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ، قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ أَسْمَعْهُ قَالَ ذَاكَ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: «أمّا إِبْرَاهِيمُ فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ، وَأَمَّا مُوسَى فَرَجُلٌ آدَمُ جَعْدٌ، عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ، مَخْطُومٍ بِخُلْبَةٍ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْه، إِذَا انْحَدَرَ فِي الْوَادِي يُلَبِّي»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أرطَبَان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٥] (ت ١٥٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٣. (مُجَاهِدُ) بن جَبْر، أبو الحجَّاج المخزوميّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام حجة [٣] (ت ١٠١) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢١. والباقون تقدّموا قريبًا. [تنبيه]: حديث مجاهد هذا وقع عند البخاريّ عنه عن ابن عمر بدل ابن عبّاس، ونصّه: (٣٤٣٨) حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا إسرائيل، أخبرنا عثمان بن المغيرة، عن مجاهد، عن ابن عمر - ﵄ - قال: قال النبيّ - ﷺ -: «رأيت عيسى، وموسى، وإبراهيم، فأما عيسى فأحمر جَعْدٌ، عَرِيض الصدر، وأما موسى فآدم، جسيمٌ، سَبِطٌ، كأنه من رجال الزط». انتهى. فتكلّم الحفّاظ فيه، وقالوا: إنه غلطٌ، والصواب: «عن ابن عبّاس - ﵄ -». قال في «الفتح»: قوله: «عن ابن عمر» كذا وقع في جميع الروايات التي وقعت لنا من نسخ البخاريّ، وقد تعقبه أبو ذرّ في روايته، فقال: كذا وقع في جميع الروايات المسموعة عن الفِرَبريّ: «مجاهد، عن ابن عمر»، قال: ولا أدري أهكذا حدّث به البخاريّ، أو غَلِط فيه الفربريّ؟ لأني رأيته في جميع الطرق عن محمد بن كثير وغيره عن مجاهد، عن ابن عباس، ثم ساقه بإسناده إلى حنبل بن إسحاق، قال: حدثنا محمد بن كثير، وقال فيه: «ابن عباس»، قال: وكذا رواه عثمان بن سعيد الدارميّ، عن محمد بن كثير، قال: وتابعه نصر بن عليّ، عن أبي أحمد الزبيريّ، عن إسرائيل، وكذا رواه يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن إسرائيل. انتهى. وأخرجه أبو نعيم في «المستخرج» عن الطبرانيّ، عن أحمد بن مسلم الخزاعيّ، عن محمد بن كثير، وقال: رواه البخاريّ، عن محمد بن كثير، فقال: مجاهد، عن ابن عمر، ثم ساقه من طريق نصر بن عليّ، عن أبي أحمد الزبيريّ، عن إسرائيل، فقال: ابن عباس. انتهى. وأخرجه ابن منده في «كتاب الإيمان» من طريق محمد بن أيوب بن الضُّرَيس، وموسى بن سعيد الدندانيّ، كلاهما عن محمد بن كثير، فقال فيه: «ابن عباس»، ثم قال: قال البخاريّ عن محمد بن كثير، عن «ابن عمر»، والصواب عن «ابن عباس». وقال أبو مسعود في «الأطراف»: إنما رواه الناس عن محمد بن كثير، فقال: «مجاهد، عن ابن عباس» ووقع في البخاريّ في سائر النسخ: «مجاهد، عن ابن عمر»، وهو غلطٌ، قال: وقد رواه أصحاب إسرائيل منهم: يحيى بن أبي زائدة، وإسحاق بن منصور، والنضر بن شُميل، وآدم بن أبي إياس، وغيرهم، عن إسرائيل، فقالوا: «ابن عباس»، قال: وكذلك رواه ابن عون، عن مجاهد، عن ابن عباس. انتهى. ورواية ابن عون تقدمت في ترجمة إبراهيم ﵇، ولكن لا ذكر لعيسى ﵇ فيها، وأخرجها مسلم، عن شيخ البخاريّ فيها، وليس فيها لعيسى ذكرٌ، إنما فيها ذكر إبراهيم وموسى، حسبُ. وقال محمد بن إسماعيل التيميّ: ويقع في خاطري أن الوهم فيه من غير البخاريّ، فإن الإسماعيليّ أخرجه من طريق نصر بن عليّ، عن أبي أحمد، وقال فيه: «عن ابن عباس»، ولم يُنَبِّه على أن البخاريّ قال فيه: «عن ابن عمر»، فلو كان وقع له كذلك لنَبّه عليه كعادته. والذي يُرَجِّح أن الحديث لابن عباس لا لابن عمر ما سيأتي من إنكار ابن عمر على من قال: إن عيسى أحمر، وحَلِفِهِ على ذلك، وفي رواية مجاهد هذه: «فأما عيسى فأحمر جَعْدٌ»، فهذا يؤيد أن الحديث لمجاهد، عن ابن عباس، لا عن ابن عمر. انتهى ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَقَالَ: إِنَّهُ مَكْتُوب بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ) قال النوويّ ﵀: كذا هو في الأصول، وهو صحيح، قوله: «فقال: إنه مكتوب»؛ أي: قال قائل من
مصادر المؤلف (٢٩)

١. «شرح النوويّ» ٢/ ٢٢٨.

٢. «إكمال المعلم» ٢/ ٧٠٧ - ٧٠٨.

٣. وفي نسخة: «فقالوا».

٤. «الفتح»٣/ ٤٨٤«كتاب الحجّ»رقم (١٥٥٦).

٥. «الفتح»٣/ ٤٨٥.

٦. «القاموس المحيط»ص ١١٤١.

٧. «الأبيل»: راهب النصارى.

٨. أخرجه الترمذيّ برقم (٧٥٧) وفي سنده انقطاع؛ لأن عبد الرحمن بن يربوع لم يلقَ أبا بكر - ﵁ -، لكن صححه الشيخ الألباني ﵀، والظاهر أنه لشواهده، والله تعالى أعلم.

٩. «النهاية»٥/ ٢٦٠.

١٠. «إكمال المعلم»٢/ ٧٠٩.

١١. «الفتح»٦/ ٥٢٠«كتاب أحاديث الأنبياء»رقم (٣٤١٦).

١٢. «المصباح المنير» ٢/ ٦٣١.

١٣. «المصباح» ١/ ٨٩.

١٤. «القاموس» ص ٦٢.

١٥. «تاج العروس» ٦/ ١٦٩.

١٦. راجع: «المصباح» ١/ ١٧٤.

١٧. «القاموس المحيط» ص ٩٩٥.

١٨. «الفتح» ٣/ ٤٨٥ «كتاب الحجّ» رقم (١٥٥٦).

١٩. هكذا عبارة «الفتح»، وفيها ركاكة؛ فليُنظر، والله تعالى أعلم.

٢٠. راجع: «الفتح» ٦/ ٥٦١ - ٥٦٣ «كتاب أحاديث الأنبياء» رقم (٣٤٤٧).

٢١. «الفتح» ٦/ ٥٦٣.

٢٢. وفي نسخة: «حدّثنا».

٢٣. وفي نسخة: «إصبعه في أذنه».

٢٤. وفي نسخة: «قال».

٢٥. «شرح النوويّ» ٢/ ٢٣٠.

٢٦. «شرح النوويّ» ٢/ ٢٣٠.

٢٧. «إكمال المعلم» ٢/ ٧٠٩ - ٧١١.

٢٨. جعله في «التقريب» من السادسة، والظاهر أنه من الخامسة؛ لأنه رأى أنسًا - ﵁ -؛ فتنبّه.

٢٩. «الفتح» ٦/ ٥٥٩ «كتاب أحاديث الأنبياء» رقم (٣٤٣٨).