HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٧

حدثني زهير بن حرب. حدثنا إسماعيل بن إِبْرَاهِيمَ عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ؛ قَالَ: كُنْتُ مُتَّكِئًا عِنْدَ عَائِشَةَ. فَقَالَت: يَا أَبَا عَائِشَةَ! ثَلَاثٌ مَنْ تَكَلَّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ. قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالَتْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ. قَالَ وَكُنْتُ مُتَّكِئًا فَجَلَسْتُ. فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ! أَنْظِرِينِي وَلَا تَعْجَلِينِي. أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بالأفق المبين﴾ [٨١/التكوير/ الآية-٢٣] ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ [٥٣/النجم/ الآية-١٣] فَقَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الأُمَّةِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ: «إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ. لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ. رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ. سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ ما بين السماء إلى الأرض» فقالت: أو لم تَسْمَعْ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يشاء إنه علي حكيم﴾ [٤٢/الشورى/ الآية ٥١] قَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ. وَاللَّهُ يقول: ﴿يا أيها الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [٥/المائدة/ الآية ٦٧] قَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ فِي غَدٍ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَة. وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾ [٢٧/النمل/ الآية-٦٥].
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص110
ج ١ ص ١٥٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٥ ص٢٩
رجال هذا الإسناد أربعة، تقدّموا في الإسنادين السابقين. [تنبيه]: رواية حفص، عن الأعمش هذه التي أحالها المصنّف على الرواية السابقة، أخرجها الحافظ ابن منده ﵀ في «كتاب الإيمان»، فقال: (٧٥٦) وأنبأ يحيى بن آدم، ثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن زياد بن الْحُصين أبي جَهْمَة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، في قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ قال: رآه بقلبه مرتين. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٤٦] (١٧٧) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: كُنْتُ مُتَكِئًا عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَائِشَةَ، ثَلَاثٌ مَنْ تَكَلَّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُن، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ، قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالَتْه: مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - رَأَى رَبَّهُ، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ، قَالَ: وَكُنْتُ مُتَّكِئًا، فَجَلَسْتُ، فَقُلْتُ: يَا أمّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْظِرِيني، وَلَا تَعْجَلِينِي، أَلمْ يَقُلِ اللهُ ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ [التكوير: ٢٣]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١٣]؟، فَقَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأمَّة، سَأَل عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا، غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْن، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاء، سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ» ، فَقَالَتْ: أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٣]؟، أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَن اللهَ يَقُولُ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾ [الشورى: ٥١]؟، قَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَتَمَ شَيْئًا مِنْ كتَابِ الله، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ، وَاللهُ يَقُولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]، قَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَ أنَّهُ يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ فِي غَدٍ، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ، وَاللهُ يَقُولُ: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) المذكور في الباب الماضي. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مِقْسَم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ المعروف بابن عُلَيّة، وهي أمه، ثقةٌ ثبتٌ حافظ [٨] (ت ١٩٣) وهو ابن (٨٣) سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٣ - (دَاوُدَ) بن أبي هند القشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ، ثقةٌ متقن [٥] (ت ١٤٠) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٢٧/ ٢٢١. ٤ - (الشَّعْبِيُّ) هو: عامر بن شَرَاحيل الْهَمْدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه فاضلٌ مشهور [٣] مات بعد المائة، وله نحو من (٨٠) سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٥ - (مَسْرُوق) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابد مخضرمٌ [٢] (ت ٢ أو ٦٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٧/ ٢٢٧. ٦ - (عَائِشَة) بنت الصدّيق، أم المؤمنين - ﵄ -، ماتت سنة (٥٧) على الصحيح (ع) تقدمت في «شرح المقدمة» جـ ١ ص ٣١٥، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: داود، والشعبيّ، ومسروق. ٤ - (ومنها): أن مسروقًا، سُمي به؛ لأنه سرقه إنسان في صغره، ثم وُجد، وغيّر عمر بن الخطّاب - ﵁ - اسم الأجدع إلى عبد الرحمن، قال: الأجدع شيطان، فأُثبت في الديوان مسروق بن عبد الرحمن . ٥ - (ومنها): أن عائشة - ﵂ - أفقه النساء مطلقًا، وأفضل أزواج النبيّ - ﷺ -، إلا خديجة ﵀، ففيها خلاف شهير، وهي من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، ومن المشهورين بالفتوى، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ مَسْرُوقٍ) في رواية الترمذي زيادة قصة في سياقه، فقد أخرج من طريق مُجالد، عن الشعبيّ، قال: لَقِيَ ابن عباس كعبًا بعرفة، فسأله عن شيء، فَكَبَّرَ كعبٌ حتى جاوبته الجبال، فقال ابن عباس: إنا بنو هاشم، فقال له كعب: إن الله قسم رؤيته وكلامه، هكذا في سياق الترمذيّ، وعند عبد الرزاق من هذا الوجه: فقال ابن عباس: إنا بنو هاشم نقول: إن محمدًا رأى ربه مرتين، فكَبَّر كعب، وقال: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين موسى ومحمد، فكلّم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين، قال مسروق: فدخلت على عائشة، فقلت: هل رأى محمد ربه … الحديث، ولابن مردويه من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبيّ، عن عبد الله بن الحارث بن نَوْفل، عن كعب مثله، قال - يعني الشعبيّ -: فأتى مسروق عائشة، فذكر الحديث، فظهر بذلك سبب سؤال مسروق لعائشة - ﵂ - عن ذلك، قاله في «الفتح» . (قَالَ: كُنْتُ مُتَكِئًا) قال الأبيّ ﵀: يحتمل أنه لعذر. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لا حاجة إلى هذا الاحتمال، لأن الاتّكاء من الأمور المباحة، فهي جائزة بدون عذر، فقد كان النبيّ - ﷺ - يجلس متّكئًا، فقد ثبتٌ في «الصحيحين» حديث أبي بكرة - ﵁ -: وكان - ﷺ - متّكئًا، فجلس، فقال: «ألا وقول الزور»، فما زال يكرّرها، وإنما كره الاتّكاء في حال الأكل، فقال: «لا آكل متّكئًا»، رواه البخاريّ، وقد فُسّر المتكئ هنا بالجالس المتمكّن في جلوسه، كالذي يتربّع ، والله تعالى أعلم. (عِنْدَ عَائِشَةَ) - ﵂ - (فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَائِشَةَ) كنية مسروق (ثَلَاثٌ) مبتدأ سوّغ الابتداء به مع كونه نكرةً مراعاة الوصف، أو الإضافة، أي: من الخصال، أو ثلاث خصال، (مَنْ) بفتح الميم شرطيّة (تَكَلَّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ) بكسر الفاء، وسكون الراء: هي الكذب، يقال: فَرَى الشيءَ يَفْري فَرْيًا، من باب رَمَى، وافترى يفتري افتراء: إذا اختلقه، وجَمْعُ الفِرْية فِرى بكسر، ففتح، قال مسروق (قُلْتُ: مَا هُنَّ؟) وفي نسخة: «وما هنّ» بالواو (قَالَتْ) عائشة - ﵂ - (مَنْ) شرطيّة (زَعَمَ) من باب قَتَلَ، وأكثر ما يُطلق فيما كان باطلًا، أو فيه ارتياب، كما هنا، فإن بعض هذه الأشياء من الأمور الباطلة بلا خلاف، وهي ما عدا الرؤيةَ، والرؤية منها على ما رأته عائشة - ﵂ - (أَنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - رَأَى رَبَّهُ) أي يقظةً، ببصره؛ لأنه الذي نفته عائشة - ﵂ -، فأما ما كان منامًا فلم تنفه فقد ثبتٌ ذلك عن النبيّ - ﷺ -، فقد أخرج الترمذيّ بسند صحيح عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أتاني الليلةَ ربي ﵎، في أحسن صورة - قال: أحسبه قال: في المنام - فقال: يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: لا، قال: فوضع يده بين كتفيّ حتى وجدت بَرْدَها بين ثدييّ - أو قال: في نحري - فعلمت: ما في السماوات وما في الأرض، قال: يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم، قال: في الكفارات، والكفارات: المكثُ في المساجد بعد الصلوات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في المكاره، ومن فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه، وقال: يا محمد، إذا صليتَ فقل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحبَّ المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنةً، فاقبضني إليك غير مفتون، قال: والدرجات: إفشاءُ السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل، والناس نيام». (فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ) أي الكذب (قَالَ) مسروق (وَكُنْتُ مُتَّكِئًا، فَجَلَسْتُ) أي حتى يتمكّن من مراجعتها (فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْظِرِينِي) بقطع الهمزة، أمر من الإنظار، وهو الإمهال، أي أمهليني، يقال: أنظرته الدَّين بالألف: إذا أخّرته، والنَّظِرَةُ مثلُ كَلِمَةٍ بالكسر: اسم منه، وفي التنزيل العزيز: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، أي فتأخيرٌ، ونَظَرته الدينَ ثلاثيًّا لغة، قاله الفيّوميّ . وقال المجد ﵀: نَظَرَه، وانتظره، وتنظّره، تَأَنَّى عليه، قال: وأنظره: أخّره، والنَّظِرة كفَرِحة: التأخير في الأمر. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد أفاد ما ذُكر أنه يجوز في«أنظريني»قطع الهمزة، ووصلها، فالقطع على أنه من«أنظر»الرباعيّ بمعنى أخّر، فيكون المعنى أخّريني حتّى أتمكّن من سؤالي إياك، والوصلُ على أنه من«نظر»الثلاثيّ بمعنى تأنّى، ويكون المعنى تأَنّيْ، وتمهّلي في شأني، وعلى كلّ فقوله: (وَلَا تُعْجِلِيني) عطف مؤكِّد على مؤكَّد. [تنبيه]:«تُعْجِليني» هنا بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإعجال رباعيًّا، يقال: أعجله، وعجّله: إذا استحثه على الإسراع، وحمله عليه، هذا هو الصواب في ضبطه، وأما ما وقع في النسخ المطبوعة من ضبطه بالقلم بفتح أوّله، وثالثه، مضارعًا لعَجِلَ الثلاثيّ، كفَرِحَ، فغلطٌ؛ لأن عَجِل الثلاثيّ لازم، لا يتعدّى، وما هنا متعدّ إلى المفعول به، وهو ياء المتكلّم، فراجع كتب اللغة ، تعلم صحَّة ما قلت لك، والله تعالى أعلم. (ألَمْ يَقُلِ اللهُ ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾؟) ذكر مسروق هذا استدلالًا على أن النبيّ - ﷺ - رأى ربه ﷾ ليلة المعراج، وذلك لظنّه أن الضمير المنصوب في ﴿رَآهُ﴾ لله ﷾، مع أن الصواب في معناه: أنه رأى جبريل ﵇ في صورته التي خلقه الله تعالى عليها، كما هو واضح من سياق الآيات، وهي ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ [التكوير: ١٩ - ٢٣] الآيات. قال الحافظ ابن كثير ﵀: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ يعني ولقد رأى محمد جبريل الذي يأتيه بالرسالة عن الله ﷿ على الصورة التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح ﴿رَآهُ بِالْأُفُقِ﴾ وأي البيّن، وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء، وهي المذكورة في قوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم: ٥ - ١٠]، قال: والدليل على أن المراد بذلك جبريل - ﵇ -، والظاهر - والله أعلم - أن هذه السورة نزلت قبل ليلة الإسراء؛ لأنه لَمْ يُذكر فيها إلَّا هذه الرؤية، وهي الأولي، وأما الثانية، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ [النجم: ١٣ - ١٦]، فتلك إنما ذُكرت في سورة النجم، وقد نزلت بعد الإسراء. انتهى كلام ابن كثير - ﵀ - . وقال الألوسيّ - ﵀ -: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ وأي وبالله تعالى لقد رأى صاحبُكم رسولُ الله - ﷺ - الرسولَ الكريم جبريل - ﵇ - على كُرسيّ بين السماء والأرض بالصورة التي خلقه الله تعالى عليها، له ستمائة جناح ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ وهو الأفق الأعلى من ناحية المشرق، كما روي عن الحسن، وقتادة، ومجاهد، وسفيان، وفي رواية عن مجاهد: أنه - ﷺ - رآه نحو جياد، وهو مشرق مكة، وقيل: المراد به مطلع رأس السرطان، فإنه أعلى المطالع لأهل مكة، وهذه الرؤية كانت فيما بعد أمر غار حراء، وحكى ابن شجرة: أنه أفق السماء الغربيّ، وليس بشيء، وأخرج الطبرانيّ، وابن مردويه عن ابن عبّاس أنه قال في الآية: رآه في صورته عند سدرة المنتهي، والأفق على هذا قيل: بمعنى الناحية، وقيل: سُمّي ذلك أفقًا مجازًا. انتهى كلام الألوسيّ - ﵀ - . (﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾) هذا أيضًا مما استدلّ به مسروق على رؤيته - ﷺ - ربّه حيث ظنّ أيضًا أن الضمير لله - ﷾ -، مع أن الصواب أنه لجبريل - ﵇ -، كما بيّنه النبيّ - ﷺ - لعائشة - ﵂ - لَمّا سألته عنه، كما أوضحه بقوله: (فَقَالَتْ) عائشة - ﵂ - (أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأَمّة، سَأَل عَنْ ذَلِكَ) أي عن المعنى المراد بالآية (رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ) - ﷺ -: («إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ) أي إن الذي أريد بالضمير في ﴿رَآهُ﴾ وهو جبريل - ﵇ - (لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ) بالبناء للمفعول، أي خلقه الله تعالى (عَلَيْهَا، غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ) أي المرة التي وقعت له في الأرض قبل الإسراء، والمرة التي وقعت له في السماء عند سدرة المنتهي، كما بيّنته الآية (رَأَيْتُهُ) وفي نسخة:«ورأيته»بالواو، والظاهر أن الأولى هي الصحيحة (مُنْهَبِطًا) أي حال كونه نازلًا (مِنَ السَّمَاء، سَادًّا) أي مغطّيًا (عِظَمُ خَلْقِهِ) قال النوويّ - ﵀ -: ضُبط بوجهين: أحدهما بضمّ العين، وإسكان الظاء، والثاني بكسر العين، وفتح الظاء، وكلاهما صحيح. انتهى . والمعنى: قد غطّى كبر ذاته (مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ») قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في الأصول: «ما بين السماء إلى الأرض»، وهو صحيح. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر النوويّ صحّة هذا الوجه، ولم يُبيّن ما فيه من الإشكال، ووجهه أن لفظ «بين» يقتضي الدخول على متعدد، فتقول: جلست بين زيد وعمرو، ولا تقول: جلست بين زيد، فكيف قال: «ما بين السماء إلى الأرض»، مع أن القياس أن يقول: ما بين السماء والأرض؟. والجواب: أن في الكلام محذوفًا؟ لدلالة السياق عليه، تقديره: «في تحتها»، أي سادًّا عظم خلقه ما بين السماء، في تحتها إلى الأرض، وسيأتي نظير هذا في «الصلاة» في حديث أبي بَرْزَة الأسلميّ - ﵁ -: «كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في الفجر ما بين الستين إلى المائة آية»، أي في فوقها إلى المائة، وسنتكلّم عليه هناك - إن شاء الله تعالى -. وأشار في هامش نسخة محمد ذهني بلفظ: «ما بين السماء والأرض»، وهو واضح. (فَقَالَتْ) عائشة - ﵂ - محتجّةً على تأكيد ما نفته من رؤيته - ﷺ - ربه ببصره (أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٣]؟) قال النوويّ تبعًا لغيره: لَمْ تَنْفِ عائشة وقوع الرؤية بحديث مرفوع، ولو كان معها لذكرته، وإنما اعتمدت الاستنباط على ما ذكرته من ظاهر الآية، وقد خالفها غيرها من الصحابة، والصحابيّ إذا قال قولًا، وخالفه غيره منهم، لَمْ يكن ذلك القول حجةًا تفاقًا، والمراد بالإدراك في الآية الإحاطة، وذلك لا ينافي الرؤية. انتهى. وتعقّبه في «الفتح»، فقال: جزمه بأن عائشة لَمْ تَنْفِ الرؤية بحديث مرفوع تبع فيه ابن خزيمة، فإنه قال في «كتاب التوحيد»: النفي لا يوجب علمًا، ولم تَحْك عائشة أن النبيّ - ﷺ - أخبرها أنه لَمْ يَرَ ربه، وإنما تأولت الآية. انتهى. وهو عجيبٌ، فقد ثبت ذلك عنها في «صحيح مسلم» الذي شرحه الشيخ - يعني النوويّ - فعنده من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، عن مسروق في الطريق المذكورة، قال مسروق: وكنت متكئًا، فجلست، فقلت: ألم يقل الله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾؟ قالت: أنا أول هذه الأمة، سأل رسول الله - ﷺ - عن ذلك، فقال: «إنما هو جبريل»، وأخرجه ابن مردويه، من طريق أخرى، عن داود بهذا الإسناد، فقالت: أنا أوَّلُ من سأل رسول الله - ﷺ - عن هذا، فقلت: يا رسول الله، هل رأيت ربك؟ فقال: «لا، إنما رأيت جبريل، منهبطًا». قال الإمام ابن كثير - ﵀ -: ومن قال: إنه - ﷺ - خاطبها - يعني عائشة - ﵂ - على قدر عقلها، أو حاول تخطئتها فيما ذهبت إليه، كابن خزيمة في «كتاب التوحيد»، فإنه هو المخطيّ، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بهذا أن المحاولة في الردّ على عائشة - ﵂ - بأنها لَمْ تسمع في هذا من النبيّ - ﷺ - شيئًا غير صحيحة؛ لأنَّها ما نفت إلَّا بما ثبت لديها، وسمعته من النبيّ - ﷺ - «، فبطل ما ذكره النوويّ وغيره من نفيهم سماعها منه - ﷺ -، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقال الإمام ابن كثير - ﵀ -: في هذه الآية - يعني ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ الآية - أقوال للسلف: [أحدهما]: لا تدركه في الدنيا، وإن كانت تراه في الآخرة، كما تواترت به الأخبار عن رسول الله - ﷺ - من غير ما طريق ثابت في«الصحاح»، و«المسانيد»، و«السنن»، كما قال مسروق، عن عائشة أنَّها قالت:«من زعم أن محمدًا - ﷺ - أبصر ربه، فقد كذب»، وفي رواية:«على الله، فإن الله تعالى قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾، رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر بن عَيّاش، عن عاصم بن أبي النَّجُود، عن أبي الضُّحَي، عن مسروق، وغير واحد عن مسروق، وثبت في الصحيح وغيره عن عائشة من غير وجه. وخالفها ابن عباس، فعنه إطلاق الرؤية، وعنه: «رآه بفؤاده مرتين». وقال ابن أبي حاتم: ذكر محمد بن مسلم، حدثنا أحمد بن إبراهيم الدَّوْرقيّ، حدثنا يحيى بن معين، قال: سمعت إسماعيل ابن علية، يقول في قول الله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ قال: هذا في الدنيا، وذكر أبي عن هشام بن عبيد الله أنه قال نحو ذلك. [وقال آخرون]: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ وهذا مُخَصَّصٌ بما ثبت من رؤية المؤمنين له في الدار الآخرة. [وقال آخرون] من المعتزلة بمقتضى ما فَهِمُوه من الآية: إنه لا يُرَى في الدنيا ولا في الآخرة، فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك، مع ما ارتكبوه من الجهل بما دَلَّ عليه كتاب الله - ﷿ -، وسنة رسوله - ﷺ -، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، وقال تعالى عن الكافرين: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥] قال الإمام الشافعيّ - ﵀ -: فدَلَّ هذا على أن المؤمنين لا يُحجبون عنه ﵎. وأما السنة: فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس، وجَرِير، وصُهَيب، وبلال، وغير واحد من الصحابة - ﵃ -، عن النبيّ - ﷺ -: أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة، في العَرَصات، وفي رَوْضَات الجنات، جعلنا الله تعالى منهم بمنّه وكرمه آمين. [وقيل]: المراد بقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾: أي العقول، رواه ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين، عن الفلاس، عن ابن مهديّ، عن أبي الحصين يحيى بن الحصين، قارئ أهل مكة، أنه قال ذلك. وهذا غريبٌ جدًّا، وخلاف ظاهر الآية، وكأنه اعتَقَد أن الإدراك في معنى الرؤية، والله تعالى أعلم. [وقال آخرون]: لا منافاة بين إثبات الرؤية، ونفي الإدراك، فإن الإدراك أخصّ من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم، ثم اختَلَفَ هؤلاء في الإدراك المنفي ما هو؟ فقيل: معرفة الحقيقة، فإن هذا لا يعلمه إلَّا هو، وإن رآه المؤمنون، كما أن مَنْ رَأَى القمر، فإنه لا يُدرك حقيقته، وكُنْهه، وماهيّته، فالعظيم أولى بذلك، وله المثل الأعلى. [وقال آخرون]: المراد بالإدراك الإحاطة، قالوا: ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية، كما لا يلزم من عدم إحاطة العلم عدم العلم، قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، وفي «صحيح مسلم»: «لا أُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك»، ولا يلزم منه عدم الثناء، فكذلك هذا. قال الْعَوْفِيّ، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ قال: لا يحيط بصر أحد بالْمَلِك . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة الْقَنّاد، حدثنا أسباط، عن سماك، عن عكرمة، أنه قيل له: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ قال: ألست ترى السماء؟ قال: بلي، قال: فكلَّها تَرَى؟، وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في الآية: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ وهو أعظم من أن تدركه الأبصار. وقال ابن جرير: حدثنا سَعْد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا خالد بن عبد الرَّحمن، حدثنا أبو عرفجة، عن عطية العوفي، في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ قال: هم ينظرون إلى الله، لا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره محيط بهم، فذلك قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾. [وقال آخرون] في الآية بما رواه الترمذي في «جامعه» (٣٢٧٩) وابن أبي عاصم في «كتاب السنة» (٤٣٧)، وابن أبي حاتم في «تفسيره»، وابن مردويه أيضًا، والحاكم في «مستدركه» (٢٣٠٦) من حديث الحكم بن أبان، قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت ابن عباس يقول: رأى محمد ربه ﵎، فقلت: أليس الله يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ الآية؟ فقال لي: لا أُمَّ لك، ذلك نوره الذي هو نوره، إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء، وفي رواية: لا يقوم له شيء، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وفي معنى هذا الأثر ما ثبت في «صحيح مسلم» (١٧٩) من حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -، مرفوعًا: «إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يَخفض القسط، ويرفعه، يُرفَع إليه عمل النهار قبل الليل، وعمل الليل قبل النهار، حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه». قال الإمام ابن كثير - ﵀ - ما حاصله: نفيُ الإدراكِ الخاصِّ لا ينفي الرؤية يوم القيامة، يتجلى لعباده المؤمنين كما يشاء، فأما جلاله وعظمته على ما هو عليه تعالى وتقدس وتنزه، فلا تدركه الأبصار، ولهذا كانت أم المؤمنين عائشة - ﵂ - تثبت الرؤية في الدار الآخرة، وتنفيها في الدنيا، وتحتج بهذه الآية ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ فالذي نفته الإدراك الذي بمعنى رؤية العظمة والجلال على ما هو عليه، فإن ذلك غير ممكن للبشر، ولا للملائكة، ولا لشيء. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ أي يحيط بها، ويعلمها على ما هي عليه؛ لأنه خلقها، كما قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤]، وقد يكون عَبَّر بالأبصار عن المبصرين، كما قال السُّدّيّ في قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾: لا يراه شيء، وهو يرى الخلائق. وقال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ قال: اللطيف باستخراجها، الخبير بمكانها، والله أعلم. وهذا كما قال تعالى إخبارًا عن لقمان فيما وعظ به ابنه: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ [لقمان: ١٦]. انتهى كلام ابن كثير - ﵀ - ، وهو نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. ثم استدلّت عائشة - ﵂ - أيضًا بآية أخرى على ما قالته من نفي الرؤية، فقالت: (أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾ [الشورى: ٥١] هكذا في النسخ التي عندي، ﴿وَمَا كَانَ﴾ بالواو كما هو التلاوة، وقال النوويّ في «شرحه»: قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ وهكذا هو في معظم الأصول بحذف الواو، والتلاوةُ: ﴿وَمَا كَانَ﴾ بإثبات الواو، ولكن لا يضرّ هذا في الرواية، والاستدلال؛ لأن المستدل ليس مقصوده التلاوة على وجهها، وإنما مقصوده بيان موضع الدلالة، ولا يؤثِّر حذف الواو في ذلك، وقد جاء لهذا نظائر كثيرة في الحديث، منها: قوله: «فأنزل الله تعالى:»وأقم الصلاة طرفي النهار، وقوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ «. هكذا هو في روايات الحديثين في»الصحيحين«، والتلاوة بالواو فيهما. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال النوويّ: في معظم النسخ، لكن الواقع في النسخ الموجودة عندي بالواو كما هو التلاوة، حتى في النسخة التي عليها شرح النوويّ، والنسخ التي شرحها الأبيّ، والسنوسيّ، ونسخة محمد ذهني، وهي أحسن النسخ التي اعتمدت عليها في هذا الشرح غالبًا، فكلها وقع فيها كالتلاوة، فتبصّر، والله تعالى أعلم. قال الإمام ابن كثير - ﵀ - في تفسير هذه الآية ما نصّه: هذه مقامات الوحي بالنسبة إلى جناب الله - ﷿ -، وهو أنه ﵎ تارةً يَقْذِف في رُوع النبيّ - ﷺ - شيئًا، لا يتمارى فيه أنه من الله - ﷿ -، كما جاء في «صحيح ابن حبان» عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «إن رُوح القدس نَفَثَ في رُوعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله، وأجملوا الطلب». وقوله تعالى: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ كما كان لموسى ﵊، فإنه سأل الرؤية بعد التكليم، فحُجِب عنها، وفي «الصحيح»: أن رسول الله - ﷺ - قال لجابر بن عبد الله - ﵄ -: «ما كلَّم الله أحدًا إلَّا من وراء حجاب، وإنه كلَّم أباك كِفَاحًا »، كذا جاء في الحديث، وكان قد قُتل يوم أُحُد، ولكن هذا في عالم البرزخ، والآية إنما هي في الدار الدنيا. وقوله - ﷿ -: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ كما ينزل جبريل - ﵇ - وغيره من الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ فهو علي عليم خبير حكيم. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ - والآية، هذا دليل ثانٍ استَدَلّت به عائشة - ﵂ - على ما ذهبت إليه من نفي الرؤية، وتقريره أنه - ﷾ - حصر تكليمه لغيره في ثلاثة أوجه: وهي الوحي بأن يُلْقِي في رُوعه ما يشاء، أو يكلِّمة بواسطة من وراء حجاب، أو يرسل إليه رسولًا، فيبلغه عنه، فيستلزم ذلك انتفاء الرؤية عنه حالة التكلم. والجواب أن ذلك لا يستلزم نفي الرؤية مطلقًا، قاله القرطبيّ، قال: وعامة ما يقتضي نفي تكليم الله على غير هذه الأحوال الثلاثة، فيجوز أن التكليم لَمْ يقع حالة الرؤية. انتهى . (قَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَ أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَتَمَ شَيْئًا مِنْ كِتَابِ الله، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ، وَاللهُ يَقُولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] قال في «الفتح»: ظاهره اتّحاد الشرط والجزاء؛ لأن معنى ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ لم تبلّغ، لكن المراد من الجزاء لازمه، فهو كحديث: «ومن كانت هجرته إلى دنيا يُصيبها، فهجرته إلى ما هاجر إليه». واختُلِف في المراد بهذا الأمر، فقيل: المراد بلِّغْ كما أُنزل، وهو على ما فهِمت عائشة وغيرها، وقيل: المراد بلّغه ظاهرًا، ولا تخشَ من أحد، فإن الله يَعصمك من الناس، والثاني أخصّ من الأول، وعلى هذا لا يتّحد الشرط والجزاء، لكن الأول قول الأكثر؛ لظهور العموم في قوله: ﴿ومَا أَنْزَلَ﴾، والأمر للوجوب، فيجب عليه تبليغ كلّ ما أُنزل إليه، ورجّح الأخير ابن التين، ونسبه لأكثر أهل اللغة. وقد احتجّ أحمد بن حنبل بهذه الآية على أن القرآن غير مخلوق؛ لأنه لَمْ يَرِد في القرآن، ولا من الأحاديث أنه مخلوقٌ، ولا ما يدُلّ على أنه مخلوقٌ، ثم ذكر عن الحسن البصريّ أنه قال: لو كان ما يقوله الجعد حقًّا لبلّغه النبيّ - ﷺ -. انتهى . وقال الألوسيّ - ﵀ -: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ إلى الثقلين كافّةً، وهو نداء تشريف؛ لأن الرسالة منّة الله تعالى الْعُظمي، وكرامته الكبرى، وفي هذا العنوان إيذانٌ أيضًا بما يوجب الإتيان بما أُمر به - ﷺ - من تبليغ ما أُوحي إليه، ﴿بَلِّغْ﴾ أي أوصِل ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي جميع ما أُنزل كائنًا ما كان ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ أي مالك أمرك، ومبلّغك إلى كمالك اللائق بك، وفيه عِدَةٌ ضِمنيّةٌ بحفظه - ﷺ -، وكلاءته، أي بلّغه غير مراقب في ذلك أحدًا، ولا خائف أن ينالك مكروه أبدًا، ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ أي ما أُمرت به من تبليغ الجميع ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ أي في أدّيت شيئًا من رسالته؛ لما أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض، فإذا لَمْ تؤدّ بعضها، فكأنك أغفلت أداءها جميعًا، كما أن من لَمْ يؤمن ببعضها كان كمن لَمْ يؤمن بكلّها؛ لإدلاء كلّ منها بما يُدليه غيرها، وكونها لذلك في حكم شيء واحد، والشيء الواحد لا يكون مبلَّغًا غير مبلَّغ، مؤمَنًا به، غيرَ مؤمَنٍ به، ولأن كتمان بعضها يضيّع ما أُدّي منها، كترك بعض أركان الصلاة، فإن غرض الدعوة ينتقض به. قال: ومما ذكرنا في تفسير الشرطيّة يُعلَم أن لا اتّحاد بين الشرط والجزاء، ومن ادّعاه بناءً على أن المآل: إن لَمْ تُبلّغ الرسالة لَمْ تُبلِّغ الرسالة، جعله نظير: أَنَا أَبُو النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِي حيث جَعل فيه الخبر عين المبتدأ بلا مزيد في اللفظ، وأراد: وشعري شعري المشهور بلاغته، والمستفيضة فصاحته، ولكنه أخبر بالسكوت عن هذه الصفات التي بها تحصل الفائدة أنَّها من لوازم شعره في أفهام الناس السامعين؛ لاشتهاره بها، وأنه غنيّ عن ذكرها؛ لشهرتها وذِياعها، وكذلك - كما قال ابن الْمُنَيّر - أريد في الآية؛ لأن عدم تبليغ الرسالة أمرٌ معلومٌ عند الناس مستقرّ في الأفهام أنه عظيم، شنيعٌ، ينعى على مرتكبه، ألا ترى أن عدم نشر العلم من العالم أمرٌ فظيع، فكيف كتمان الرسالة من الرسول؟، فاستغنى عن ذكر الزيادات التي يتفاوت بها الشرط والجزاء؛ للصوقها بالجزاء في الأفهام، وأن كلَّ من سمع عدم تبليغ الرسالة فَهِم ما وراءه من الوعيد والتهديد، وحسن هذا الأسلوب في الكتاب العزيز بذكر الشرط عامًّا، حيث قال - ﷾ -: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾، ولم يقل: وإن لَمْ تبلّغ الرسالة في بلّغت الرسالة؛ ليتغايرا لفظًا، وإن اتّحدا معني، وهذا أحسن رونقًا، وأظهر طلاوةً من - تكرار اللفظ الواحد في الشرط والجزاء، وهذه الذروة انحطّ عنها أبو النجم بذكر المبتدأ بلفظ الخبر، وحُقّ له أن تتضاءل فصاحته عند فصاحة المعجز، فلا معاب عليه في ذلك. انتهى كلام الألوسيّ - ﵀ - . (قَالَتْ) عائشة - ﵂ - (وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ فِي غَدٍ، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ) هكذا في رواية المصنّف: «ومن زعم أنه يُخبر … إلخ» بالضمير، وهو عائد على محمد - ﷺ -. ومن الغريب أن ابن التين نقل عن الداوديّ أنه قال: قوله في هذا الطريق: «من حدثك أن محمدًا يعلم الغيب» ما أظنه محفوظًا، وما أحد يَدَّعِي أن رسول الله - ﷺ - كان يعلم من الغيب إلَّا ما عُلِّم. انتهى. قال الحافظ: وليس في الطريق المذكورة هنا التصريح بذكر محمد - ﷺ -، وإنما وقع فيه بلفظ: «من حدَّثك أنه يَعْلَم»، وأظنه بَنَى على أن الضمير في قول عائشة: «من حدثك أنه» لمحمد - ﷺ - لتقدم ذكره في الذي قبله، حيث قالت: «مَن حدَّثك أن محمدًا - ﷺ - رأى ربه، ثم قالت: من حَدَّثك أنه يعلم ما في غد». ووقع في رواية إبراهيم النخعيّ، عن مسروق، عن عائشة - ﵂ - قالت: «ثلاث من قال واحدةً منهنّ، فقد أعظم على الله الفرية: من زعم أنه يعلم ما في غد …»الحديث، أخرجه النسائيّ، وظاهر هذا السياق أن الضمير للزاعم، ولكن وَرَدَ التصريح بأنه لمحمد - ﷺ - فيما أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان، من طريق عبد ربه بن سعيد، عن داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، بلفظ: «أعظمُ الفرية على الله مَن قال: إن محمدًا رأى ربه، وإن محمدًا كَتَمَ شيئًا من الوحي -، وإن محمدًا يَعْلَم ما في غد»، وهو عند مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن داود، وسياقه أتمّ، ولكن قال فيه: «ومَن زَعَم أنه يُخبر بما يكون في غد»، هكذا بالضمير، كما في رواية إسماعيل معطوفًا على مَن زعم أن رسول الله - ﷺ - كَتَم شيئًا. قال: وما ادعاه من النفي مُتَعَقَّب، فإن بعض مَن لَمْ يَرْسَخ في الإيمان، كان يظنّ ذلك، حتى كان يَرَى أن صحة النبوة تستلزم اطّلاع النبيّ - ﷺ - على جميع المغيبات، كما وقع في المغازي لابن إسحاق أن ناقة النبيّ - ﷺ - ضَلَّت، فقال زيد بن اللَّصِيت - بصاد مهملة، وآخره مثناة، وِزن عَظِيم -: يزعم محمد أنه نبيّ، ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته، فقال النبيّ - ﷺ -: «إن رجلًا يقول: كذا وكذا، وإني والله لا أعلم إلَّا ما علمني الله، وقد دلَّني الله عليها، وهي في شعب كذا، قد حبستها شجرة» فذهبوا، فجاؤوه بها، فأعلم النبيّ - ﷺ - أنه لا يعلم من الغيب إلَّا ما علّمه الله، وهو مطابق لقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦، ٢٧] الآية. انتهى . (وَاللهُ يَقُولُ: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، يقول الله - ﷾ - آمرًا رسوله - ﷺ - أن يقول معلِّمًا لجميع الخلق: إنه لا يعلم أحدٌ من أهل السماوات والأرض من الملائكة والإنس والجنّ وغيرهم الغيب إلَّا الله - ﷿ -، فإنه المنفرد بذلك وحده لا شريك له . فـ ﴿مَنْ﴾ فاعل ﴿يَعْلَمُ﴾، والظرف صلتها، و﴿الْغَيْبَ﴾ ومفعول به، ﴿اللَّهُ﴾ بدل من ﴿مَنْ﴾، أو ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ وخبره محذوف، والاستثناء منقطع ، أي: لكن الله يعلمه، والمعنى: أنه لا يعلم أحد الغيب إلَّا الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٨٣/ ٤٤٦ و٤٤٧ و٤٤٨ و٤٤٩] (١٧٧)، و(البخاريّ) في «التفسير» (٤٦١٢ و٤٨٥٥)، و«التوحيد» (٧٣٨٠ و٧٥٣١)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣٠٦٨ و٣٢٧٨)، و(النسائيّ) في «التفسير» من «الكبرى» (١١٤٠٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٤٩ و٥٠ و٢٣٦ و٢٤١)، و(ابن خزيمة) في «التوحيد» (ص ٢٢٤ و٢٢٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٠)، و(البيهقي) في «الأسماء والصفات» (ص ٤٣٥)، و(ابن منده) في «الإيمان» (٧٦٣ و٧٦٤ و٧٦٥ و٧٦٦ و٧٦٧ و٧٦٨)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (٢٧/ ٥٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤٠٥ و٤٠٦ و٤٠٧ و٤٠٨ و٤٠٩ و٤١٠)، و(أبو عوانة) في «مستخرجه» (٤٤١ و٤٤٢ و٤٤٣ و٤٤٤ و٤٤٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): نفي رؤية النبيّ - ﷺ - ربّه، وقد سبق أن المراد رؤيته في الدنيا؛ لأنه لا خلاف بين أهل السنة والجماعة في إثبات رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة، فلا تخالف عائشة - ﵂ - في هذا، وأيضًا المنفيّ هو الرؤية بالبصر، فلا يُخالف ما ثبت عن ابن عبّاس - ﵄ - وغيره من أنه - ﷺ - رأى ربّه بقلبه، وقد سبق تحقيق هذا كلّه، فلا تكن من الغافلين. ٢ - (ومنها): اهتمام عائشة - ﵂ - بالبحث عن المسائل العلميّة، حيث سبقت غيرها في سؤال المراد بآية ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾. ٣ - (ومنها): بيان كرامة النبيّ - ﷺ - برؤية جبريل - ﵇ - على صورته التي خلقه الله تعالى عليها، وقد سدّ أفق السماء مرّتين، وهذا أمر غريب؛ لأن القوى البشريّة لا تَقْوى على مثل هذا، إلَّا بعونه - ﷾ -. ٤ - (ومنها): أن الله - ﷾ - لا تُحيط به أبصار المخلوقين، وهو محيط بها - ﷾ -. ٥ - (ومنها): أنه لا يمكن في هذه الدنيا لأيّ بشر أن يخاطبه الله تعالى معاينة، وإنما يوحي وحيًا، أو يكلِّمه من وراء الحجاب، أو يُرسل إليه ملكًا، ولا ينافي هذا ما تقدّم من قول النبيّ - ﷺ - في والد جابر بن عبد الله - ﵄ -: إن الله تعالى كلّمه كفاحًا؛ لأن ذلك في البرزخ، وحكم الآخرة يختلف عن حكم الدنيا، كما ثبتت رؤيته للمؤمنين هناك، بخلافها في الدنيا. ٦ - (ومنها): بيان أن رسول الله - ﷺ - بلّغ جميع ما أُرسل بتبليغه، وقال البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»: قال الزهريّ: من الله الرسالة، وعلى الرسول التبليغ، وعلينا التسليم. انتهى. وقد شهدت له - ﷺ - أمته بتبليغه، وأدائه الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم عرفة في حجة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه نحو أربعين ألفًا، أو أكثر، فقد أخرج مسلم في «صحيحه» من حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - الطويل، وفيه: قال رسول الله - ﷺ -: «أيها الناس إنكم مسؤولون عنّي في أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلّغتَ، وأدّيت، ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء، وَينْكُتها إلى الناس: «اللهم اشهد، اللهم اشهد»، ثلاث مرات. ٧ - (ومنها): أدب طالب العلم، فإن مسروقًا كان متّكئًا، فلما أراد أن يسأل عائشة - ﵂ - جلس؛ لأن الايماء يخالف تواضع طالب العلم. ٨ - (ومنها): ما قاله النوويّ - ﵀ -: في قول عائشة - ﵂ -: «والله يقول»، وقول مسروق: «ألم يقل الله» بصيغة المضارع تصريح من عائشة ومسروق - ﵄ - بجواز قول المستدل بآية من القرآن: إن الله - ﷾ - «يقول»، وقد كَرِه ذلك مُطَرِّف بن عبد الله بن الشخّير التابعيّ المشهور، فرَوَى ابن أبي داود بإسناده عنه، أنه قال: لا تقولوا: إن الله يقول، ولكن قولوا: إن الله قال، وهذا الذي أنكره مُطَرِّف - ﵀ - خلاف ما فعلته الصحابة والتابعون، ومن بعدهم من أئمة المسلمين، فالصحيح المختار جواز الأمرين، كما استعملته عائشة - ﵂ -، ومن في عصرها وبعدها من السلف والخلف، وليس لمن أنكره حجةٌ، ومما يَدُلُّ على جوازه من النصوص قول الله - ﷾ - ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]، وفي «صحيح مسلم» - ﵀ -، عن أبي ذر - ﵁ - قال: قال النبيّ - ﷺ -: «يقول الله - ﷾ -: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها». انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٤٧] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّاب، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَزَادَ: قَالَتْ: وَلَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ - ﷺ - كَاتِمًا شَيْئًا، مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْه، لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ المعروف بالزَّمِن، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢، وهو أحد المشايخ التسعة الذين يَروِي عنهم أصحاب الكتب الستّة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (١٩٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٧/ ١٧٣. [تنبيه]: كون عبد الوهّاب هذا هو الثقفيّ هو الذي صرّح به الحافظ المزيّ في «تحفة الأشراف» (١١/ ٧٢٥)، وأخرج الحديث أبو عوانة في «مسنده» (١/ ١٣٥) رقم (٤٠٦) من طريق آخر، فصرّح بأنه عبد الوهّاب بن عطاء، ودونك نصّه: «حدّثنا الصغانيّ، وأبو أميّة، قالا: ثنا عبد الوهّاب بن عطاء، قال: حدّثنا داود، عن الشعبيّ …» إلخ. فلا يستبعد أن يكون هو المراد في سند المصنّف هنا؛ لأنهما يرويان عن داود بن أبي هند، لكن مما يؤيّد كونه هنا عبد الوهّاب الثقفيّ أنه لَمْ يذكر في «التهذيبين» محمد بن المثنّى فيمن روى عن ابن عطاء، بل عن الثقفيّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. و«داود» هو ابن أبي هند تقدّم في السند الماضي. وقوله: (هَذَا الْإِسْنَادِ) يعني الإسناد الذي قبله. وقوله: (وَزَادَ) الضمير لعبد الوهّاب. وقوله: (لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ) أي لأن هذه الآية فيها بيان المعاتبة له، ومع ذلك لَمْ يكتمها، بل بلّغها للأمة، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية عبد الوهّاب هذه التي أحالها المصنّف - ﵀ - على رواية ابن عُليّة الماضية، أخرجها الإمام النسائيّ - ﵀ - في «السنن الكبرى» (٦/ ٤٣٢)، فقال: (١١٤٠٨) أنا محمد بن المثنى، قال: حدثني عبد الوهاب، نا داود، عن عامر، عن مسروق، أن عائشة قالت: ثم يا أبا عائشة، ثلاثٌ من قال بواحدة منهنّ، فقد أعظم على الله الفِرْية، قال: وكنت متكئًا، فجلست، فقلت: يا أم المؤمنين أنظريني، ولا تُعْجِليني، أرأيت قول الله - ﷿ -: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ [التكوير: ٢٣]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١٣]؟ قالت: إنما هو جبريل - ﵇ - رآه مرةً على خَلْقه، وصورته التي خُلِق عليها، ورآه مرةً أخرى حين هَبَطَ من السماء إلى الأرض سادًّا عِظَم خَلْقه ما بين السماء والأرض، قالت: أنا أول من سأل نبي الله - ﷺ - عن هذه الآية، فقال: «هو جبريل»، ومن زعم أنه يَعْلَم ما يكون في غد، فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥]، ومن زعم أن محمدًا كتم شيئًا، مما أنزل الله عليه، فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧]، قالت: لو كان محمدٌ - ﷺ - كاتِمًا شيئًا مما أُنزل عليه، لَكَتَم هذه الْآيَةَ: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. انتهى. مسائل تتعلّق بهذا الحديث زيادةً على المسائل السابقة: (المسألة الأولى): في تفسير هذه الآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾: قال الإمام ابن كثير - ﵀ -: يقول تعالى مخبرًا عن نبيه - ﷺ - أنه قال لمولاه زيد بن حارثة - ﵁ -، وهو الذي أنعم الله عليه: أي بالإسلام، ومتابعة الرسول - ﷺ -، وأنعمت عليه: أي بالعتق من الرقّ وكان سيدًا، كبير الشأن، جليل القدر، حبيبًا إلى النبيّ - ﷺ -، يقال له: الْحِبّ، ويقال لابنه أسامة: الْحِبّ ابن الْحِبّ. قالت عائشة - ﵄ -: ما بعثه رسول الله - ﷺ - في سرية إلَّا أَمَّره عليهم، ولو عاش بعده لاستخلفه، رواه الإمام أحمد، عن سعيد بن محمد الوراق، ومحمد بن عبيد، عن وائل بن داود، عن عبد الله الْبَهِيّ، عنها . وقال البزاز في «مسنده» بسند صحيح، عن عُمَر بن أبي سلمة، عن أبيه، قال: حدثني أسامة بن زيد - ﵁ - قال: كنت في المسجد، فأتاني العباس، وعليّ بن أبي طالب - ﵄ - فقالا: يا أسامة، استأذن لنا على رسول الله - ﷺ -، قال: فأتيت رسول الله - ﷺ -، فأخبرته، فقلت: علي والعباس يستأذنان، فقال - ﷺ -: «أتدري ما حاجتهما؟» قلت: لا يا رسول الله، قال - ﷺ -: «لكني أدري»، قال: فأذن لهما، قالا: يا رسول الله جئناك لتخبرنا: أيُّ أهلك أحبُّ إليك؟ قال - ﷺ -: «أحب أهلي إليّ فاطمة بنت محمد»، قالا: يا رسول الله ما نسألك عن فاطمة، قال - ﷺ -: «فأسامة بن زيد بن حارثة الذي أنعم الله عليه، وأنعمت عليه». وكان رسول الله - ﷺ - قد زوّجه بابنة عمته، زينب بنت جحش الأسدية - ﵄ -، وأمها أمية بنت عبد المطلب، وأصدقها عشرة دنانير، وستين درهمًا، وحمارًا، وملحفةً، ودِرعًا، وخمسين مدًّا من طعام، وعشرة أمداد من تمر، قاله مقاتل بن حيان، فمكثت عنده قريبًا من سنة، أو فوقها، ثم وقع بينهما، فجاء زيد يشكوها إلى رسول الله، فجعل رسول الله - ﷺ - يقول له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ وقال الله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾. وذكر ابن أبي حاتم، وابن جرير ها هنا آثارًا عن بعض السلف، أحببنا أن نضرب عنها صَفْحًا؛ لعدم صحتها، فلا نوردها . انتهى المقصود من كلام ابن كثير - ﵀ -. (﴿وَإِذْ﴾) ظرف متعلّق بـ «اذكُر» مقدَّرًا (﴿تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِ﴾) بالإسلام (﴿وَأَنعَمْتَ عَلَيْهِ﴾) بالإعتاق، وهو زيد بن حارثة، كان من سبي الجاهليّة، اشتراه رسول الله - ﷺ - قبل البعثة، وأعتقه، وتبنّاه (﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾) في أمر طلاقها (﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾) هو ما أعلمه الله تعالى به من أن زيدًا سيُطلّقها، ويَنكحها النبيّ - ﷺ -، فعاتبه الله تعالى، قال: لَمْ قُلتَ: أمسك عليك زوجك، وقد أعلمتك أنَّها ستكون من أزواجك؟ وهذا القول هو المنصور المعوّل عليه عند الجمهور (﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾) أي أن يقولوا: تزوّج زوجة ابنه (﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾) في كلّ شيء. وقال في «الفتح»: قوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ نزلت في شأن زينب بنت جحش، وزيد بن حارثة، أخرج البخاريّ في «التوحيد» من صحيحه«عن أنس - ﵁ - قال: جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبيّ - ﷺ - يقول:»اتَّقِ اللهَ، وأمسك عليك زوجك«، قال أنس: لو كان رسول الله - ﷺ - كاتِمًا شيئًا لكتم هذه الآية، قال: وكانت تفتخر على أزواج النبيّ - ﷺ - … الحديث، وأخرجه أحمد بلفظ:»أتى رسولَ الله زيدُ بن حارثة، فجاءه زيد يشكوها إليه، فقال له: أمسك عليك زوجك، واتق الله«، فنزلت إلى قوله ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ قال: يعني زينب بنت جحش، وقد أخرج ابن أبي حاتم هذه القصة، من طريق السُّدّيّ، فساقها سياقًا واضحًا حسنًا، ولفظه: بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمها أُميمة بنت عبد المطلب، عمة رسول الله - ﷺ -، وكان رسول الله - ﷺ - أراد أن يزوجها زيد بن حارثة مولاه، فكَرِهت ذلك، ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله - ﷺ -، فزوّجها إياه، ثم أعلم الله - ﷿ - نبيّه - ﷺ - بعدُ أنَّها من أزواجه، فكان يستحي أن يأمر بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس، فأمره رسول الله - ﷺ - أن يمسك عليه زوجه، وأن يَتَّقِيَ الله، وكان يَخْشَى الناس أن يعيبوا عليه، ويقولوا: تزوج امرأة ابنه، وقد كان قد تبنى زيدًا. وعند ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن زيد، عن عليّ بن الحسين بن عليّ، قال: أعلم الله نبيّه - ﷺ - أن زينب ستكون من أزواجه، قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد يشكوها إليه، وقال له: اتق الله، وأمسك عليك زوجك، قال الله: قد أخبرتك أني مزوجكها، وتخفي في نفسك ما الله مبديه. قال الحافظ: وقد أطنب الترمذيّ الحكيم في تحسين هذه الرواية، وقال: إنها من جواهر العلم المكنون، وكأنه لَمْ يقف على تفسير السديّ الذي أوردته، وهو أوضح سياقًا وأصح إسنادًا إليه؛ لضعف عليّ بن زيد بن جُدْعان. ورَوَى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: جاء زيد بن حارثة، فقال: يا رسول الله، إن زينب اشتدّ عليّ لسانها، وأنا أريد أن أطلقها، فقال له: اتق الله، وأمسك عليك زوجك، قال: والنبيّ - ﷺ - يُحِبُّ أن يُطَلِّقها، وَيخشَى قالة الناس. ووردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم، والطبريّ، ونقلها كثير من المفسرين، لا ينبغي التشاغل بها، والذي أوردته منها هو المعتمد. والحاصل أن الذي كان يخفيه النبيّ - ﷺ - هو إخبار الله إياه أنَّها ستصير زوجته، والذي كان يَحْمِله على إخفاء ذلك خشية قول الناس: تزوج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه، من أحكام التبني، بأمر لا أَبْلَغ في الإبطال منه، وهو تزوج امرأة الذي يُدْعَى ابنًا، ووقوع ذلك من إمام المسلمين؛ ليكون أدعى لقبولهم، وإنما وقع الخبط في تأويل متعلق الخشية والله أعلم. وقال ابن العربيّ: إنما قال - ﷺ - لزيد: أمسك عليك زوجك اختبارًا لما عنده من الرغبة فيها، أو عنها، فلما أطلعه زيد على ما عنده منها من النَّفْرَة التي نشأت من تعاظمها عليه، وبَذَاءة لسانها، أَذِنَ له في طلاقها، وليس في مخالفة مُتَعلَّق الأمر لمتعلق العلم ما يمنع من الأمر به، والله أعلم. وروى أحمد، ومسلم، والنسائيّ، من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، قال: لَمّا انقضت عدة زينب، قال رسول الله - ﷺ - لزيد: «اذكرها عليّ»، قال: فانطلقتُ، فقلت: يا زينب أبشري، أرسل رسول الله - ﷺ - يذكرك، فقالت: ما أنا بصانعةٍ شيئًا، حتى أُؤَامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله - ﷺ - حتى دخل عليها بغير إذن. وهذا أيضًا من أبلغ ما وقع في ذلك، وهو أن يكون الذي كان زَوْجُها هو الخاطبَ؛ لئلا يَظُنَّ أحدٌ أن ذلك وقع قهرًا بغير رضاه. وفيه أيضًا اختبار ما كان عنده منها، هل بقي منه شيء أم لا؟. وفيه استحباب فعل المرأة الاستخارة، ودعائها عند الْخِطبة قبل الإجابة، وأن من وَكَل أمره إلى الله - ﷿ - يسر الله له ما هو الأحظ له، والأنفع دنيا وأخرى. انتهى ما في «الفتح» ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. وقال القرطبيّ - ﵀ -: ورُوي عن علي بن الحسين: أن النبي - ﷺ - كان قد أوحى الله تعالى إليه أن زيدًا يطلق زينب، وأنه يتزوجها بتزويج الله إياها، فلما تشكَّى زيد للنبيّ - ﷺ - خُلُق زينب، وأنها لا تطيعه، وأعلمه أنه يريد طلاقها، قال له رسول الله - ﷺ - على جهة الأدب، والوصية: اتق الله في قولك، وأمسك عليك زوجك، وهو يعلم أنه سيفارقها، ويتزوجها، وهذا هو الذي أخفى في نفسه، ولم يُرِد أن يأمره بالطلاق لِمَا عَلِم أنه سيتزوجها، وخشي رسول الله - ﷺ - أن يلحقه قولٌ من الناس في أن يتزوج زينبَ بعد زيد، وهو مولاه، وقد أمره بطلاقها، فعاتبه الله تعالى على هذا القدر، من أن خشي الناسَ في شيء قد أباحه الله له، بأن قال: أمسك مع علمه بأنه يطلق، وأعلمه أن الله أحقّ بالخشية، أي في كلّ حال. قال علماؤنا رحمة الله عليهم: وهذا القول أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية، وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين، والعلماء الراسخين، كالزهريّ، والقاضي بكر بن العلاء القشيريّ، والقاضي أبي بكر بن العربيّ، وغيرهم، والمراد بقوله تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ إنما هو إرجاف المنافقين بأنه نَهَى عن تزويج نساء الأبناء، وتَزَوَّج بزوجة ابنه، فأما ما رُوي: أن النبي - ﷺ - هَوِيَ زينب امرأة زيد، وربما أَطْلق بعض الْمُجّان لفظ عَشِقَ، فهذا إنما يَصْدُر عن جاهل بعصمة النبي - ﷺ - عن مثل هذا، أو مُسْتَخِفّ بحرمته، قال الترمذيّ الحكيم في «نوادر الأصول»، وأسند إلى علي بن الحسين قوله: فعليُّ بن الحسين جاء بهذا من خزانة العلم جوهرًا من الجواهر، ودرًّا من الدرر، أنه إنما عَتَب الله عليه في أنه قد أعلمه أن ستكون هذه من أزواجك، فكيف قال بعد ذلك لزيد: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ وأخذتك خشية الناس أن يقولوا: تزوج امرأة ابنه، ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾؟. وقال النحاس: قال بعض العلماء: ليس هذا من النبي - ﷺ - خطيئة، ألا ترى أنه لَمْ يؤمر بالتوبة، ولا بالاستغفار منه؟ وقد يكون الشيء ليس بخطيئة، إلَّا أن غيره أحسن منه، وأخفى ذلك في نفسه خشية أن يَفْتَتِن الناس. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): قال أبو عبد الله القرطبيّ - ﵀ -: المنعَم عليه في هذه الآية، هو زيد بن حارثة - ﵁ - كما بيّناه، ورُوي أن عمه لقيه يومًا، وكان قد ورد مكة في شُغل له، فقال: ما اسمك يا غلام؟ قال: زيد، قال: ابن مَن؟ قال: ابن حارثة، قال: ابن من؟ قال: ابن شَرَاحيل، قال: في اسم أمك؟ قال: سعدي، وكنت في أخوالي طيّ، فضمه إلى صدره، وأرسل إلى أخيه وقومه، فحَضَروا، وأرادوا منه أن يقيم معهم، فقالوا: لمن أنت؟ قال: لمحمد بن عبد الله، فأتوه، وقالوا: هذا ابننا، فَرُدّه علينا، فقال: أَعْرِضُ عليه، فإن اختاركم فخذوا بيده، فبَعَث إلى زيد، وقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم، هذا أبي، وهذا أخي، وهذا عمي، فقال له النبيّ - ﷺ -: فأيَّ صاحب كنت لك؟ فبكي، وقال: لِمَ سألتني عن ذلك؟ قال: أخيّرك، فإن أحببت أن تَلْحق بهم فالحقْ، وإن أردت أن تقيم، فأنا مَن قد عرفت، فقال: ما أختار عليك أحدًا، فجذبه عمه، وقال: يا زيد اخترت العبودية على أبيك وعمك؟ فقال: إي والله، العبودية عند محمد أحبّ إليّ من أكون عندكم، فقال رسول الله - ﷺ -: (اشهَدُوا أني وارث وموروث»، فلم يزل يقال: زيد بن محمد، إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، ونزل ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): قال الإمام أبو القاسم، عبد الرَّحمن السهيليّ - ﵀ -: كان يقال: زيد بن محمد حتى نزل: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، فقال: أنا زيد بن حارثة، وحُرِّم عليه أن يقول: أنا زيد بن محمد، فلما نَزَعَ عنه هذا الشرف، وهذا الفخر، وعَلِمَ الله وحشته من ذلك، شَرَّفه بخِصِّيصة لَمْ يكن يَخُصَّ بها أحدًا من أصحاب النبيّ - ﷺ -، وهي أنه سماه في القرآن، فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، يعني من زينب، ومَن ذكره الله تعالى باسمه في الذكر الحكيم، حتى صار اسمه قرآنًا يُتْلَى في المحاريب، نَوَّه به غاية التنويه، فكان في هذا تأنيس له، وعِوَضٌ من الفخر بأبوة محمد - ﷺ - له، ألا ترى إلى قول أُبَيّ بن كعب - ﵁ - حين قال له النبيّ - ﷺ -: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١]»، قال: وسمّاني؟ قال: «نعم»، فبكى، متّفق عليه، وكان بكاؤه من الفرح، حين أُخبر أن الله تعالى ذكره؟، فكيف بمن صار اسمه قرآنًا يُتلى مُخَلَّدًا لا يَبِيد، يتلوه أهل الدنيا إذا قرؤوا القرآن، وأهل الجَنَّة كذلك أبدًا، لا يزال على السنة المؤمنين، كما لَمْ يزل مذكورًا على الخصوص عند رب العالمين؛ إذ القرآن كلام الله القديم، وهو باقٍ، لا يبيد؟، فاسم زيد هذا في المصحف المكرمة المرفوعة المطهرة، تذكرهُ في التلاوة السفرة الكرام البررة، وليس ذلك لاسم من أسماء المؤمنين، إلَّا لنبي من الأنبياء، ولزيد بن حارثة؛ تعويضًا من الله تعالى له مما نَزَع عنه. وزاد في الآية أن قال: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] أي بالإيمان، فدَلّ على أنه من أهل الجَنَّة، عَلِمَ ذلك قبل أن يموت، وهذه فضيلة أخرى. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٤٨] (…) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ - ﷺ - رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ: سُبْحَانَ الله، لَقَدْ قَفَّ شَعَرِي لِمَا قُلْتَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِه، وَحَدِيثُ دَاوُدَ أَتَمُّ وَأَطْوَلُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله الهَمْدانيّ الكوفيّ المذكور قبل باب. ٢ - (أَبُوهُ) هو: عبد الله بن نُمير الهمدانيّ الكوفي المذكور قبل باب أيضًا. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالد البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٩. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللهِ) أي تعجّبًا من قوله هذا، واستنكارًا لجهله مثل هذا. وقوله: (لَقَدْ قَفَّ شَعَرِي) أي قام من الفَزَع لِمَا حَصَل عندها من هيبة الله، واعتقدته من تنزيهه، واستحالة وقوع ذلك، قال النضر بن شُميل: الْقَفّ - بفتح القاف، وتشديد الفاء - كالْقُشَعْريرة، وأصله التقبّض والاجتماع؛ لأن الجلد ينقبض عند الفزع، فيقوم الشعر لذلك، قاله في «الفتح» . وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ) الضمير لإسماعيل، أي ساق إسماعيل بن أبي خالد متن الحديث مع بيان القصّة التي جرت بين عائشة - ﵄ - ومسروق - ﵀ -. وقوله: (وَحَدِيثُ دَاوُدَ أتمُّ) يعني أن حديث داود بن أبي هند أتمّ سيَاقًا. وقوله: (وَأَطْوَلُ) عطف تفسير لـ«أتمّ». [تنبيه]: رواية إسماعيل التي أحالها المصنّف - ﵀ - على رواية داود بن أبي هند، ساقها البخاريّ في «صحيحه»، فقال: (٤٨٥٥) حدثنا يحيي، حدثنا وكيعٌ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن مسروق، قال: قلت لعائشة - ﵄ -: يا أمتاه، هل رأى محمد - ﷺ - ربه؟ فقالت: لقد قَفّ شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدَّثكهن فقد كَذَب؟: من حدثك أن محمدًا - ﷺ - رأى ربه، فقد كذَبَ، ثم قرأت: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]، ومن حدّثك أنه يعلم ما في غد، فقد كَذَب، ثم قرأت: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]، ومن حدَّثك أنه كَتَمَ، فقد كذَبَ، ثم قرأت: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] الآية، ولكنه رأى جبريل - ﵇ - في صورته مرتين. انتهى. وقوله: «يا أمتاه» أصله يا أمّ، والهاء للسكت، فأضيف إليها ألف الاستغاثة، فأبدلت تاء، وزيدت هاء السكت بعد الألف، ووقع في كلام الخطابيّ: إذا نادوا قالوا: يا أمه عند السكت، وعند الوصل: يا أمتاه بالمثنّاة، فإذا فتحوا للندبة قالوا: يا أمتاه، والهاء للسكت، وتعقّبه الكرمانيّ بأن قول مسروق: يا أمتاه ليس للندبة؛ إذ ليس هو تفجّعًا عليها، قال الحافظ: وهو كما قال. انتهى. وقولها: «أين أنت من ثلاث»: أي كيف يغيب فهمك عن هذه الثلاث، وكان ينبغي لك أن تكون مستحضرها، ومعتقدًا كَذِب من يَدَّعِي وقوعها؟. وقولها: «ولكن رأى جبريل في صورته مرتين»، وفي رواية الكشميهنيّ: «ولكنه»، وهذا جواب عن أصل السؤال الذي سأل عنه مسروق، كما تقدم بيانه، وهو قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾، وقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٤٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنِ ابْنِ أَشْوَعَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: فَأَيْنَ قَوْله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾؟ قَالَتْ: إِنَّمَا ذَاكَ جِبْرِيلُ - ﷺ -، كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَةِ الرِّجَال، وَإِنَّهُ أَتَاهُ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ فِي صُورَتِهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ، فَسَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو أُسَامَةَ) هو: حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥١. ٢ - (زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة، واسمه خالد بن ميمون بن فيروز، وقال بَحْشَل: اسم أبي زائدة هُبَيرة الْهَمْدانيّ الْوَادعيّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ، يدلّس [٦]. رَوَى عن أبي إسحاق السبيعيّ، وعامر الشعبيّ، وفِرَاس، وسماك بن حَرْب، وسعد بن إبراهيم، وخالد بن سلمة، ومُصْعَب بن شيبة، وعبد الملك بن عُمَير، وغيرهم. ورَوى عنه ابنه يحيي، والثوريّ، وشعبة، وابن المبارك، وعيسى بن يونس، والقطان، ووكيع، وأبو أسامة، وأبو نعيم، وغيرهم. قال القطان: ليس به بأس، وليس عندي مثل إسماعيل بن أبي خالد، وقال صالح بن أحمد، عن أبيه: إذا اختلف زكريا وإسرائيل، فإن زكريا أحبّ إليّ في أبي إسحاق، ثم قال: ما أقربهما، وحديثهم عن أبي إسحاق لَيِّن، سمعا منه بآخره، وقال عبد الله، عن أبيه: ثقةٌ حلو الحديث، ما أقربه من إسماعيل بن خالد، وقال عباس، عن ابن معين: صالح، وقال عثمان، عنه: زكريا أحبّ إليّ في كلّ شيء، وابن أبي ليلى ضعيف، وقال العجليّ: كان ثقةً، إلَّا أن سماعه من أبي إسحاق بآخره، ويقال: إن شَريكًا أقدم سماعًا منه، وقال أبو زرعة: صُويلح، يُدَلِّس كثيرًا عن الشعبيُّ، وقال أبو حاتم: لَيِّن الحديث، كان يُدَلِّس، وإسرائيل أحبّ إليّ منه، ويقال: إن المسائل التي كان يرويها عن الشعبيّ لَمْ يسمعها منه، إنما أخذها عن أبي حَرِيز، وقال الآجريّ، عن أبي داود: زكريا أرفع منه، يعني من أجلح مائة درجة، قال أبو داود: وزكريا ثقة، إلَّا أنه يُدَلِّس، قال يحيى بن زكريا: لو شئت سَمَّيت لك مَن بين أبي وبين الشعبيّ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو بكر الْبَرْديجيّ: ليس به بأس، وقال يعقوب بن سفيان، وأبو بكر البزار: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثيرَ الحديث، وقال ابن قانع: كان قاضيًا في الكوفة. قال ابن نمير: مات سنة (١٤٧)، وقال أبو نعيم: مات سنة (١٤٨)، وقال محمد بن سعد، وعمرو بن عليّ: سنة (١٤٩). وقال ابن حبان في «الثقات»: اسم أبي زائدة: فيروز، وقيل: خالد، مات سنة (١٤٨) أو (١٤٩). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٢) حديثًا. ٣ - (ابْنُ أَشْوَعَ) - بفتح الهمزة، وإسكان الشين المعجمة، وفتح الواو، وبالعين المهملة - هو: سعيد بن عمرو بن أشوع الْهَمْدانيّ الكوفيّ، قاضيها، ثقةٌ رُمي بالتشيّع [٦]. رَوَى عن شُريح بن النعمان الصائديّ، وشُريح بن هانئ، وحسن بن ربيعة، والشعبيّ، وأبي بُرْدة بن أبي موسى، ويزيد بن سَلَمة الْجُعْفيّ، ولم يدركه، وغيرهم. ورَوَى عنه سعيد بن مسروق الثوريّ، وابنه سفيان بن سعيد، وخالد الحذّاء، وزكرياء بن أبي زائدة، وليث بن أبي سُليم، وحبيب بن أبي ثابت، وسلمة بن كهيل، وعِدّةٌ، وحَدّث عنه أبو إسحاق السبيعيّ، وعبد الملك بن عُمير، وهما أكبر منه. قال ابن معين: مشهورٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال البخاري في «التاريخ الأوسط»: رأيت إسحاق بن راهويه يَحتجّ بحديثه، وقال الحاكم: هو شيخ من ثقات الكوفيين، يُجْمَع حديثه، وقال الْجُوزَجانيّ: غالٍ زائغٌ، يعني: في التشيع. قال ابن سعد: تُوُفّي في ولاية خالد بن عبد الله، وأَرَّخه ابنُ قانع سنة (١٢٠). أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا الحديث (١٧٧)، وحديث (١٦٨٠): «القاتل والمقتول في النار …»، و(٥٩٣): «إن الله كَرِه لكم ثلاثًا: قيل، وقال …». والباقون تقدّموا قبله، و«عامرٌ» هو الشعبيّ. وقَوْله: (﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾) أي ثم دنا جبريل؛ من رسول الله - ﷺ -، فتدلَّى: أي زاد في القرب، التدلّي هو النزول بقرب الشيء، فالترتيب على هذا طبيعيّ، وقيل: التدلّي هو الامتداد إلى جهة السفل، والكلام على التقديم والتأخير، قال النوويّ: قال الإمام أبو الحسن الواحديّ: معنى التدلّي: الامتداد إلى جهة السفل، هكذا هو الأصل، ثم استُعْمِل في القرب من العلوّ، هذا قول الفرّاء، وقال صاحب «النظم»: هذا على التقديم والتأخير؛ لأن المعنى: «ثم تَدَلَّى، فدنا»، لأن التدلي سبب الدنوّ، قال ابن الأعرابيّ: تَدَلَّى: إذا قَرُب بعد علوّ، قال الكلبيّ: المعنى دنا جبريل من محمد - ﷺ -، فقرُب منه، وقال الحسن، وقتادة: ثم دنا جبريل بعد استوائه في الأُفق الأعلى من الأرض، فنزل إلى النبيّ - ﷺ -. وقوله: (﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾) «القاب»: ما بين القَبْضَة، والسِّيَة، ولكل قَوْس قابان، والقاب في اللغة أيضًا: القدر، وهذا هو المراد بالآية عند جميع المفسرين، والمراد القوس التي يُرْمَى عنها، وهي القوس العرببة، وخُصّت بالذكر على عادتهم. وذهب جماعة إلى أن المراد بالقوس الذراع، هذا قول عبد الله بن مسعود، وشقيق بن سَلَمة، وسعيد بن جبير، وأبي إسحاق السبيعي، وعلى هذا معنى القوس ما يُقاس به الشيء، أي يُذْرَع، قالت عائشة - ﵂ -، وابن عباس، والحسن، وقتادة، وغيرهم: هذه المسافة كانت بين جبريل والنبيّ - ﷺ -. وقول الله تعالى: ﴿أَوْ أَدْنَى﴾ معناه: أو أقرب، قال مقاتل: بل أقرب، وقال الزجاج: خاطب الله تعالى العباد على لغتهم، ومقدار فهمهم، والمعنى: أو أدنى فيما تُقَدِّرون أنتم، والله تعالى عالم بحقائق الأشياء من غير شَكّ، ولكنه خاطبنا على ما جَرَت به عادتنا، ومعنى الآية: أن جبريل - ﵇ - مع عِظَم خلقه، وكثرة أجزائه، دنا من النبيّ - ﷺ - هذا الدُّنُوّ، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - ، وقد تقدّم البحث بأوسع من هذا، فارجع إليه، والله تعالى أعلم. وقوله: (﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾) المراد من العبد محمد - ﷺ -، وقيل: جبريل، وفي تقدير المعنى أَراء للمفسّرين، أشهرها وأكثرها: فأوحى جبريل؛ إلى عبد الله محمد - ﷺ -، وإن لَمْ يجر له ذكرٌ؛ لأنه لا يلتبس، كقوله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ [فاطر: ٤٥]. ﴿مَا أَوْحَى﴾ أي ما أوحى الله تعالى إليه، وأبهمه؛ تفخيمًا لشأن الموحى به. وقيل: المعنى: فأوحى الله تعالى إلى عبده محمد - ﷺ - ما أوحى، وقيل: فأوحى الله إلى عبده جبريل؛ ما أوحى، فبلّغ جبريل محمدً - ﷺ - ما أوحى إليه، وكلّ هذه الأقوال صالحة على أن الذي دنا فتدلّى جبريل - ﵇ -، أما على قول من يرى أنه رب العزّة، فلا يناسبه إلَّا القول الثاني، ولكن سبق أن هذا القول ضعيف جدًّا؛ لأن النبيّ - ﷺ - فسّر الآية لعائشة بأن المراد بها أنه رأى جبريل - ﵇ -، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، فماذا بعد تفسير النبيّ - ﷺ -؟، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقوله: (فِي صُورَةِ الرِّجَالِ) تقدّم منهم دِحية بن خليفة الكلبيّ. وقوله: (فَسَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ) «الأُفُق» بضمّتين: الناحية من الأرض، ومن السماء، والجمع آفاق، والنسبة إليه أُفُقيّ، ردًّا إلى الواحد، وربّما قيل: أَفَقيّ بفتحتين؛ تخفيفًا على غير قياس، حكاهما ابن السّكّيت، وغيره ، وقد تقدَّم تمام شرح الحديث، وبيان مسائله قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
مصادر المؤلف (٣٨)

١. «كتاب الإيمان» لابن منده ٢/ ٧٥٩.

٢. وفي نسخة: «قلت: وما هنّ؟».

٣. وفي نسخة: «ورأيته» بالواو.

٤. وفي نسخة: «ما بين السماء والأرض».

٥. راجع: «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٤٥٢ - ٤٥٤.

٦. «الفتح» ٨/ ٤٧٢ - ٤٧٣.

٧. «شرح الأبيّ» ١/ ٣٢٧.

٨. راجع: «النهاية» ١/ ١٩٣.

٩. حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ في«جامعه»(٣١٥٧).

١٠. «المصباح المنير» ٢/ ٦١٢.

١١. «القاموس المحيط» ص ٤٣٦.

١٢. راجع: «الصحاح» ٤/ ١٤٣٥ - ١٤٣٦، و«القاموس» ص ٩٢٧، و«المصباح» ٢/ ٣٩٤.

١٣. «تفسير ابن كثير»١٤/ ٢٧١.

١٤. «روح المعاني»٣٠/ ٦٠ - ٦١.

١٥. «شرح النوويّ» ٣/ ٩ - ١٠.

١٦. سيأتي برقم (٤٦١).

١٧. «تفسير ابن كثير» ١٣/ ٢٦٣.

١٨. أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (١٢/ ١٣٦٩٤)، وعطيّة العوفيّ ضعيف.

١٩. «تفسير ابن كثير» ٦/ ١٢٢ - ١٢٨.

٢٠. أي مواجهة، ليس بينهما حجاب، ولا رسول. اهـ. «النهاية» ٤/ ١٨٥.

٢١. «تفسير ابن كثير» ١٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥.

٢٢. «الفتح» ٨/ ٤٧٥ «كتاب التفسير» رقم (٤٨٥٦).

٢٣. «الفتح» ١٣/ ٥١٣ «كتاب التوحيد» رقم الحديث (٧٥٣١).

٢٤. «روح المعاني»٦/ ١٨٨ - ١٨٩.

٢٥. «الفتح» ١٣/ ٣٧٦ «كتاب التوحيد» رقم (٧٣٧٨).

٢٦. «تفسير ابن كثير» ١٠/ ٤٢٥.

٢٧. قاله ابن كثير وغيره، راجع «تفسير ابن كثير» ١٠/ ٤٢٥، «تفسير سورة النمل».

٢٨. «شرح النوويّ» ٣/ ٩.

٢٩. راجع: «تهذيب الكمال» ١٨/ ٥٠٣ و٥٠٩، و«تهذيب التهذيب» ٢/ ٦٣٨.

٣٠. أخرجه أحمد في «مسنده» برقم (٢٢٦ و٢٥٤ و٦٢٨١).

٣١. أشار به إلى القصّة التي يذكرها كثير من المفسّرين، من أنه - ﷺ - أحبّ زينب، وتمنّى أن يفارقها زيد حتى يتزوّجها، وهو منكر من القول، وزور، فلا ينبغي لمسلم أن يتفوّه به؛ لأن فيه هضمًا لجانب الرسول - ﷺ -، وحطًّا عن قدر النبوّة، نسأل الله تعالى السلامة والعافية من ذلك.

٣٢. «الفتح» ٨/ ٣٨٣ - ٣٨٥ «كتاب التفسير» رقم (٤٧٨٧ - ٤٧٨٩).

٣٣. «تفسير القرطبيّ» ١٤/ ١٩٠ - ١٩١.

٣٤. راجع: «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبيّ ١٤/ ١٩٤.

٣٥. قيل: اسم أبيه سعد، وقيل: هُرْمُز، وقيل: كثير.

٣٦. «الفتح» ٨/ ٤٧٣.

٣٧. «شرح النوويّ» ٣/ ١١.

٣٨. «المصباح المنير» ١/ ١٧.