HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٨٤

وحدثني هارون بن سعيد الأيلي. حدثنا ابن وهب؛ قال: أخبرني مالك بن أنس عن عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ؛ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال «يدخل اللَّهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ. يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ بِرَحْمَتِهِ. وَيُدْخِلُ أَهْلَ النَّارِ النَّارَ. ثُمَّ يَقُولُ: انْظُرُوا مَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنَ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ. فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا حُمَمًا قَدِ امْتَحَشُوا. فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَاةِ أَوِ الْحَيَا. فَيَنْبُتُونَ فِيهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ إِلَى جَانِبِ السَّيْلِ. أَلَمْ تَرَوْهَا كَيْفَ تَخْرُجُ صفراء ملتوية».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص117
ج ١ ص ١٧٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٥ ص٢٠٤
وقوله: «ثلاث مرات» بعد قوله: «فيقولون: نعم، أنت ربنا». وقوله: «بأبينا أنت وأمنا» بعد قوله: «وما الجسر يا رسول الله؟». وقوله: «ويُجاهدون معنا» بعد قوله: «ويحجون معنا». وقوله: «وإلى حِقْويه» بعد قوله: «وإلى ركبتيه». وقوله: «إذا حَدّث بهذا الحديث» بعد قوله: «وكان أبو سعيد». وقوله: «والذي نفسي بيده» بعد قوله: «فينبتون». وقوله: «فيأخذون حتى ينتهون» بعد قوله: «خذوا فلكم ما أخذتم» . ومما نقصه: قوله: «لا نشرك بالله شيئًا، مرتين أو ثلاثًا، حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب» بعد قوله: «نعوذ بالله منك». وقوله: «حتى إذا خلص المؤمنون من النار» بعد قوله: «ومكدوس في نار جهنم». ومما غيّره قوله: «مثقال قِيراط خير» بدل قوله: «مثقال دينار من خير»، هذا ملخّص التفاوت بين روايتي حفص بن ميسرة، وهشام بن سعد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٨٨) - (بَابُ إِثْبَاتِ الشَّفَاعَة، وَإِخْرَاجِ الْمُوَحِّدِينَ مِنَ النَّارِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٦٤] (١٨٤) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيَلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَس، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «يُدْخِلُ اللهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ بِرَحْمَتِه، وَيُدْخِلُ أَهْلَ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ: انْظُرُوا مَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا حُمَمًا، قَدِ امْتَحَشُوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَاة، أَوِ الْحَيَا، فَيَنْبُتُونَ فِيهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ إِلَى جَانِبِ السَّيْل، أَلمْ تَرَوْهَا كَيْفَ تَخْرُجُ؟ صَفْرَاءَ مُلْتَوَيةً»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السَّعْديّ مولاهم، أبو جعفر نزيل مصر، ثقة فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) وله (٨٣) سنة (م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٥. ٢ - (ابْنُ وَهْب) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٣ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٧٨. ٤ - (عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ) بن أبي حسن الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، واسم أبي حسن: تميم بن عمرو، فيما قيل، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن أبيه، وعبّاد بن تميم، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، وعباس بن سهل بن سعد، ودينار القَرّاط، وأبي الحباب سعيد بن يسار، ويوسف بن محمد بن ثابت بن قيس بن شَمّاس، وأبي زيد مولى بني ثعلبة، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وغيرهم. ورَوَى عنه يحيى بن أبي كثير، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهما من أقرانه، وأيوب، ومالك، وابن جريج، ووهيب بن خالد، وإبراهيم بن طَهْمان، ورَوْح بن القاسم، وزائدة، وداود بن عبد الرحمن العطار، وعبد العزيز الماجشون، والدراورديّ، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقةٌ صالحٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، وقال العجليّ، وابن نمير: ثقةٌ، نقله ابن خَلْفُون. وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة إلا أنه اختُلِف عنه في حديثين: «الأرض كلها مسجد»، و«كان يسلّم عن يمينه»، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: صُويلح، وليس بالقويّ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن عبد البرّ: مات سنة (١٤٠). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا. [تنبيه]: ذكر الحافظ المزيّ - ﵀ - في «تهذيب الكمال»: أن عمرو بن يحيى هذا ابنُ بنت عبد الله بن زيد، فتعقّبه الحافظ - ﵀ -، فقال: هذا وَهَمٌ تَبعَ فيه صاحب «الكمال»، وسببه ما في رواية مالك، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه: «أن رجلًا سأل عبد الله بن زيد، وهو جدُّ عمرو بن يحيى»، فظَنُّوا أن الضمير يعود على عبد الله، وليس كذلك، بل إنما يعود على الرجل، وهو عمرو بن أبي حَسَن عَمُّ يحيى، وقيل له: جَدّ عمرو بن يحيى تَجَوُّزًا؛ لأن العم صِنْوُ الأب، وأما عمرو بن يحمى: فأمُّهُ فيما ذكر محمد بن سعد في «الطبقات» حُمَيدة بنت محمد بن إياس بن الْبُكَيْر، وقال غيره: أم النعمان بنت أبي حَيّة، فالله أعلم. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - . ٥ - (أَبُوهُ) هو: يحيى بن عُمارة بن أبي حسن الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن عبد الله بن زيد بن عاصم، وأنس بن مالك، وأبي سعيد الخدريّ. وروى عنه ابنه عمرو، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعة، وعُمار بن غَزِيّة، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، والزهريّ، وأبو طُوَالة. قال ابن إسحاق: كان ثقةً، وقال النسائيّ، وابنُ خِرَاش: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا. ٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) - ﵁ - تقدّم في الباب الماضي، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، وابن وهب، فمصريّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن صحابيه أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «يُدْخِلُ اللهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ) هكذا روى يحيى بن عُمارة حديث أبي سعيد - ﵁ - هذا بالاختصار، اختصره من الحديث الماضي، وهو من حديث مالك - ﵀ -، وليس في»الموطّا«، قال الدارقطنيّ: هو غريمث صحيحٌ . (يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ بِرَحْمَتِهِ) فيه إشارة إلى أن دخول الجنّة برحمة الله - ﷾ -، لا بالعمل، وإن كان سببًا له، فقد أخرج الشيخان في»صحيحيهما«عن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:»لن يُدخل أحدًا عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: لا، ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة، فسَدِّدوا، وقاربوا، ولا يتمنين أحدكم الموت، إما محسنًا فلعله أن يزداد خيرًا، وإما مسيئًا فلعله أن يَستعتب«. وأخرجا أيضًا عن عائشة - ﵂ - عن النبيّ - ﷺ - قال:«سَدِّدوا، وقاربوا، وأبشروا، فإنه لا يُدْخِل أحدًاا لجنة عَمَلُهُ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة». (وَيُدْخِلُ أَهْلَ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ: انْظُرُوا مَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ) بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة: أي مقدار حبّة، و«المثقال: كالمقدار لفظًا ومعنى، مِفْعَال من الثقل، وفي »العباب«: مثقال الشيء: ميزانه من مثله، فقوله تعالى: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]: أي وزن ذرّة، قال: وَكُلٌّ يُوَافِيهِ الْجَزَاءُ بِمِثْقَالِ أي بوزن . (مِنْ خَرْدَلٍ) بفتح الخاء المعجمة، وسكون الراء: نباتٌ معروفٌ يُشَبّه به الشيء القليل البليغ في القلّة، وقوله: (مِنْ إِيمَانٍ) بيان لمثقال حبّة، وهو إشارة إلى ما لا أقلّ منه، قال الخطابيّ: هو مَثَلٌ ليكون عِيَارًا في المعرفة، لا في الوزن؛ لأن ما يُشكِل في المعقول يُرَدّ إلى المحسوس لِيُفهم، وقال إمام الحرمين: الوزن للصُّحُف المشتملة على الأعمال، ويَقَع وزنها على قدر أجور الأعمال، وقال غيره: يجوز أن تُجَسَّد الأعراض، فتوزن، وما ثبت من أمور الآخرة بالشرع، لا دخل للعقل فيه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أن الوزن ثبت للصحُف، وللأعمال نفسها، وللشخص نفسه، والذي يظهر أن في بعض الأحوال توزن الأعمال، كما هو صريح معظم النصوص، وفي بعضها توزن الصحائف، كما في حديث البطاقة، وفي بعضها يوزن الشخص نفسه، كما في حديث: «يجاء بالرجل العظيم، فلا يزن عند الله جناح بعوضة»، والله تعالى أعلم. والمراد بحبّة الخردل هنا ما زاد من الأعمال على أصل التوحيد؛ لقوله في الرواية الأخرى: «أخرجوا من قال: لا إله إلا الله، وعَمِلَ من الخير ما يَزِنُ ذَرّة» . (فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرَجُونَ) بالبناء للمفعول (مِنْهَا) أي من النار (حُمَمًا) بضمّ الحاء المهملة، وفتح الميم المخفّفة، وهو الْفَحْم (قَدِ امْتَحَشُوا) بفتح التاء، مبنيًّا للفاعل، على المختار، وقيل: بضمّها، مبنيًّا للمفعول، ومعناه: احتَرَقُوا (فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَاة، أَوِ الْحَيَا) بالشك، وقد تبيّن الشاكّ في رواية البخاريّ في «الإيمان» حيث قال: «شكّ مالك»، و«الحيا» مقصور، وهو المطر، سُمّي حيًّا؛ لأنه تحيا به الأرض، ولذلك هذا الماء يحيا به هؤلاء المحترقون، وتَحْدُث فيهم النضارة، كما يحدُث ذلك بالمطر في الأرض. ووقع في رواية غير كريمة في البخاريّ بلفظ «الحياء» بالمدّ، قال في «الفتح»: كذا في هذه الرواية بالمدّ، ولكريمة وغيرها بالقصر، وبه جزم الخطابيّ، وعليه المعنى؛ لأن المراد: كلُّ ما تَحْصُل به الحياة، والحيا بالقصر هو المطر، وبه تحصل حياة النبات، فهو أليق بمعنى الحياة، من الحياء الممدود الذي هو بمعنى الْخَجَل. انتهى . (فَيَنْبُتُونَ فِيهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ) بكسر أوله، قال أبو حنيفة الدِّينَوريّ: الْحِبّة جمع بُزُور النبات، واحدتها حَبّة بالفتح، وأما الْحَبّ: فهو الحنطة والشعير، واحدتها حَبّة بالفتح أيضًا، وإنما افترقا في الجمع، وقال أبو المعالي في «المنتهى»: الْحِبَّة بالكسر: بُزُور الصحراء، مما ليس بقوت. انتهى. وقيل: اللام في «الْحِبّة» للعهد، ويراد به حِبّة الحمقاء، وهي الرِّجْلة بالكسر، سميت بالحمقاء؛ لأنها تنبت في جانب السيل، فيُتلفها، ثم تنبت، فيُتلفها، وهكذا . (إِلَى جَانِبِ السَّيْلِ) بفتح، فسكون، قال الفيّوميّ - ﵀ -: «السيل»: معروف، وجمعه سُيُول، وهو مصدر في الأصل، مِن سال الماء يَسِيل سَيْلًا، من باب باع، وسَيَلانًا: إذا طغا، وجرى، ثم غَلَبَ السيل في الْمُجْتَمِعِ من المطر الجاري في الأودية. انتهى . وفي رواية: «حميل السيل»، وهو فعيل بمعنى مفعول: أي محمول السيل، وهو ما جاء به من طين، أو غُثَاء، وفي رواية «حمأة السيل» وهو ما تغيّر لونه من الطين، وكلّه بمعنًى، فإذا اتّفق فيه حبّة على شطّ مجراه، فإنها تنبت سريعًا . (أَلَمْ تَرَوْهَا) خطاب لكلّ من يتأتى منه الخطاب (كَيْفَ تَخْرُجُ؟ صَفْرَاءَ) تأنيث الأصفر، من الصفرة، وهو لون دون الحمرة، والأصفر أيضًا الأسود، فالذكر أصفر، والأنثى صفراء، قاله الفيّوميّ . (مُلْتَوَيةً) أي منعطفة منثنيةً، وانتصاب «صفراء»، و«ملتوية» على الحال، وهما إما متداخلان، أو مترادفان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٨٨/ ٤٦٤ و٤٦٥] (١٨٤)، و(البخاريّ) في «الإيمان» (٢٢)، و«التفسير» (٤٥٨١)، و«الرقاق» (٦٥٦٠)، و(الترمذيّ) في «صفة جهنم» (٢٥٩٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٥ و١١ و١٩ و٢٠ و٢٥ و٤٨ و٥٦ و٧٨ و٩٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤٥٤ و٤٥٥)، و(أبو نعيم) في «المستخرج» (٤٦١ و٤٦٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٨٢ و٢٢٢)، و(ابن منده) في «الإيمان» (٨٢١ و٨٢٢ و٨٢٣ و٨٣٦)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٤٣٥٧). والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): إثبات الشفاعة، وهو مجمع عليه بين أهل السنّة والجماعة، وإنما أنكره المبتدعة، كما سيأتي في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): الرّدّ على المرجئة حيث دلّ على دخول طائفة من عصاة المؤمنين النار؛ إذ مذهبهم أنه لا يضرّ مع الإيمان معصية، فلا يدخل العاصي النار، وهو مذهب باطل بدلائل الكتاب والسنّة، وإجماع أهل السنة. ٣ - (ومنها): الرّدّ على المعتزلة حيث دلّ على عدم تخليد أصحاب الكبائر في النار، خلافًا لهم، وهو مذهب باطلٌ أيضًا بدلائل الكتاب والسنّة، وإجماع أهل السنّة. ٤ - (ومنها): بيان تفاضل أهل الإيمان في الأعمال. ٥ - (ومنها): بيان أن الأعمال من الإيمان؛ لقوله: «حبة خردل من إيمان»؛ إذ المراد ما زاد على أصل التوحيد، كما سبق بيانه. ٦ - (ومنها): أنه استدلّ به الغزاليّ بقوله: «من كان في قلبه» على نجاة من أيقن بذلك، وحال بينه وبين النطق به الموت، وقال في حقّ من قدر على ذلك، فأخّر، فمات: يحتمل أن يكون امتناعه عن النطق بمنزلة امتناعه عن الصلاة، فيكون غير مخلّد في النار، ويحتمل غير ذلك، ورجّح غيره الثاني، فيحتاج إلى تأويل قوله: «في قلبه»، فيقدّر فيه محذوفٌ، تقديره منضمّ إلى النطق به مع القدرة عليه، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: اشتراط النطق للقادر عليه مع الاعتقاد هو الحقّ؛ لظواهر النصوص الكثيرة، فلا يكفي مجرّد الاعتقاد، إلا لغير القادر، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في البحث عن الشفاعة: قال القاضي عياض - ﵀ -: مذهب أهل السنة جواز الشفاعة عقلًا، ووجوبها سمعًا بصريح قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ [طه: ١٠٩]، ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وأمثالهما، وبخبر الصادق - ﷺ -، وقد جاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر بصحة الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمنين، وأجمع السلف والخلف، ومن بعدهم من أهل السنة عليها، ومَنَعَت الخوارج، وبعض المعتزلة منها، وتعلقوا بمذاهبهم في تخليد المذنبين في النار، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٨]، وبقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]، وهذه الآيات في الكفار، وأما تأويلهم أحاديث الشفاعة بكونها في زيادة الدرجات فباطل، وألفاظ الأحاديث في «صحيح مسلم» وغيره صريحة في بطلان مذهبهم، وأنها في المذنبين، وفي إخراج مَنِ استوجب النار، لكن الشفاعة بمجموعها على خمسة أقسام : [أولها]: مختصة بنبينا - ﷺ -، وهي الإراحة من هول الموقف، وتعجيل الحساب، كما سيأتي بيانها عند ذكرها في «صحيح مسلم». [الثانية]: في إدخال قوم الجنة بغير حساب، وهذه وردت أيضًا لنبينا - ﷺ -، وقد ذكرها مسلم - ﵀ -، وسننبه عليها في موضعها. [الثالثة]: الشفاعة لقوم استوجبوا النار ، فيَشْفَع فيهم النبيّ - ﷺ -، ومن شاء الله تعالى، وسننبه على موضعها قريبًا - إن شاء الله تعالى -. [الرابعة]: فيمن دَخَل النار من المذنبين، فقد جاءت هذه الأحاديث بإخراجهم من النار بشفاعة نبيّنا - ﷺ -، والملائكة، وإخوانهم من المؤمنين، ثم يخرج الله تعالى كل من قال: لا إله إلا الله، كما جاء في الحديث، حتى لا يبقى فيها إلا الكافرون، ومن حبسه القرآن، ووجب عليه الخلود، كما جاء في الحديث. [الخامسة]: في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها، وهذه لا ينكرها المعتزلة، ولا ينكرون أيضًا شفاعة الحشر الأَوّل. قال القاضي عياض - ﵀ -: وقد عُرِف بالنقل المستفيض سؤال السلف الصالح - ﵃ - شفاعة نبيّنا - ﷺ -، ورغبتهم فيها، وعلى هذا لا يُلْتَفت إلى قول من قال: إنه يكره أن يسأل الإنسان الله تعالى أن يرزقه الله شفاعة محمد - ﷺ -؛ لكونها لا تكون إلا للمذنبين، فإنها قد تكون كما قدّمنا لتخفيف الحساب، وزيادة الدرجات، ثم كل عاقل معترف بالتقصير، محتاج إلى العفو، غير مُعْتَدٍّ بعمله، مُشفق من أن يكون من الهالكين، ويلزم هذا القائلَ أن لا يدعو بالمغفرة والرحمة؛ لأنها لأصحاب الذنوب، وهذا كله خلاف ما عُرِف من دعاء السلف والخلف. هذا آخر كلام القاضي - ﵀ - ، وهو كلام نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وقال في «الفتح» ما حاصله: إن الخوارج الطائفة المشهورة المبتدعة كانوا ينكرون الشفاعة، وكان الصحابة ينكرون إنكارهم، ويحدّثون بما سمعوا من النبيّ - ﷺ - في ذلك، فأخرج البيهقيّ في «البعث» من طريق شَبِيب بن أبي فَضَالة: ذَكَروا عند عمران بن حصين - ﵄ - الشفاعة، فقال رجل: إنكم لتحدثوننا بأحاديث لا نجد لها في القرآن أصلًا، فغَضِب، وذكر له ما معناه: إن الحديث يُفَسّر القرآن. وأخرج سعيد بن منصور بسند صحيح، عن أنس - ﵁ - قال: «مَن كَذّب بالشفاعة، فلا نصيب له فيها». = شفاعة النبيّ - ﷺ - في قوم استوجبوا النار، فيشفع فيهم، فلا يدخلونها. انتهى. قال الجامع: هكذا قال، ولكن سيأتي بيان دليلها قريبًا - إن شاء الله تعالى -. وأخرج البيهقيّ في «البعث» من طريق يوسف بن مِهْران، عن ابن عباس - ﵄ -: خَطَب عمر - ﵁ -، فقال: إنه سيكون في هذه الأمة قوم يُكَذّبون بالرجم، ويكذبون بالدّجّال ويكذبون بعذاب القبر، ويكذبون بالشفاعة، ويكذبون بقوم يخرجون من النار. ومن طريق أبي هلال، عن قتادة قال: قال أنس: يخرج قوم من النار، ولا نُكَذِّب بها كما يكذب بها أهل حَرُوراء - يعني الخوارج -. قال ابن بطال - ﵀ -: أنكرت المعتزلة، والخوارج الشفاعة في إخراج مَن أُدخل النار من المذنبين، وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٨]، وغير ذلك من الآيات، وأجاب أهل السنة: بأنها في الكفار، وجاءت الأحاديث في إثبات الشفاعة المحمدية متواترةً، ودَلّ عليها قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، والجمهور على أن المراد به الشفاعة، وبالغ الواحديّ، فنقل فيه الإجماع، ولكنه أشار إلى ما جاء عن مجاهد، وزَيَّفَهُ، وقال الطبريّ: قال أكثر أهل التأويل: المقام المحمود هو الذي يقومه النبيّ - ﷺ - ليريحهم من كَرْب الموقف، ثم أَخرَج عِدّة أحاديث في بعضها التصريح بذلك، وفي بعضها مُطْلَقَ الشفاعة. [فمنها]: حديث سلمان - ﵁ - قال: «فيُشَفِّعه الله في أمته، فهو المقام المحمود»، ومن طريق رِشْدين بن كُرَيب، عن أبيه، عن ابن عباس - ﵄ -: «المقام المحمود: الشفاعة»، ومن طريق داود بن يزيد الأوديّ، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قال: سئل عنها النبيّ - ﷺ -، فقال: هي الشفاعة، ومن حديث كعب بن مالك - ﵁ - رفعه: «أكون أنا وأمتي على تَلّ، فيكسوني ربي حُلّةً خضراء، ثم يؤذن لي، فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود»، ومن طريق يزيد بن زريع، عن قتادة: ذُكِر لنا أن نبي الله - ﷺ - أول شافع، وكان أهل العلم يقولون: إنه المقام المحمود، ومن حديث أبي مسعود - ﵁ - رفعه: «إني لأقوم يوم القيامة المقام المحمود، إذا جيء بكم حُفَاةً عُرَاةً، وفيه: ثم يكسوني ربي حُلّةً، فألبسها، فأقوم عن يمين العرش مقامًا لا يقومه أحدٌ، يغبطني به الأولون والآخرون»، ومن طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد: «المقام المحمود: الشفاعة»، ومن طريق الحسن البصري مثله، قال الطبريّ: وقال ليث، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا﴾: يُجلسه معه على عرشه، ثم أسنده، وقال: الأول أولى على أن الثاني ليس بمدفوع، لا من جهة النقل، ولا من جهة النظر. وقال ابن عطية: هو كذلك إذا حُمِلَ على ما يليق به، وبالغ الواحدي في رَدّ هذا القول، وأما النّقّاش فنقل عن أبي داود، صاحب «السنن» أنه قال: من أنكر هذا فهو مُتَّهَمٌ، وقد جاء عن ابن مسعود - ﵁ - عند الثعلبيّ، وعن ابن عباس - ﵄ - عند أبي الشيخ، وعن عبد الله بن سلام - ﵁ - قال: «إن محمدًا يوم القيامة على كرسيّ الربّ بين يدي الربّ»، أخرجه الطبريّ. قال الحافظ - ﵀ -: فيحتمل أن تكون الإضافة إضافة تشريف، وعلى ذلك يُحْمَل ما جاء عن مجاهد وغيره. والراجح أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة، لكن الشفاعة التي وَرَدت في الأحاديث المذكورة في المقام المحمود نوعان: [الأول]: العامّة في فصل القضاء. [والثاني]: الشفاعة في إخراج المذنبين من النار، وحديث سلمان الذي ذكره الطبريّ أخرجه ابن أبي شيبة أيضًّا، وحديث أبي هريرة أخرجه أحمد والترمذيّ، وحديث كعب أخرجه ابن حبان، والحاكم، وأصله في مسلم، وحديث ابن مسعود أخرجه أحمد، والنسائيّ، والحاكم، وجاء فيه أيضًا عن أنس، وعن ابن عمر، وعن جابر عند الحاكم من رواية الزهريّ، عن علي بن الحسين عنه، واختُلِف فيه على الزهريّ، فالمشهور عنه أنه من مرسل علي بن الحسين، كذا أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، وقال إبراهيم بن سعد، عن الزهريّ، عن عليّ، عن رجال من أهل العلم. أخرجه ابن أبي حاتم، وحديث جابر في ذلك عند مسلم من وجه آخر عنه، وفيه عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه عند ابن مردويه، وعنده أيضًا من حديث سعد بن أبي وقاص، ولفظه؛ سئل النبيّ - ﷺ - عن المقام المحمود، فقال: «هو الشفاعة»، وعن أبي سعيد عند الترمذيّ، وابن ماجه. وقال الماوردي في «تفسيره»: اختُلِف في المقام المحمود على ثلاثة أقوال، فذكر القولين: الشفاعة والإجلاس، والثالث: إعطاؤه لواء الحمد يوم القيامة، قال القرطبيّ: هذا لا يغاير القول الأول، وأثبت غيره رابعًا، وهو ما أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح، عن سعيد بن أبي هلال، أحدِ صغار التابعين أنه بلغه أن المقام المحمود أن رسول الله - ﷺ - يكون يوم القيامة بين الجبار وبين جبريل، فيغبطه بمقامه ذلك أهلُ الجمع، قال الحافظ: وخامسًا، هو ما اقتضاه حديث حُذيفة - ﵁ -، وهو ثناؤه على ربه، ولكنه لا يغاير الأول أيضًا، وحَكَى القرطبيّ سادسًا، وهو ما اقتضاه حديث ابن مسعود الذي أخرجه أحمد، والنسائيّ، والحاكم، قال: «يشفع نبيكم رابعَ أربعة: جبريل، ثم إبراهيم، ثم موسى، أو عيسى، ثم نبيكم، لا يشفع أحدٌ في أكثر مما يشفع فيه …» الحديث، وهذا الحديث لم يُصَرَّح برفعه، وقد ضعفه البخاريّ، وقال: المشهور قوله - ﷺ -: «أنا أول شافع». قال الحافظ: وعلى تقدير ثبوته، فليس في شيء من طرقه التصريح بأنه المقام المحمود، مع أنه لا يغاير حديث الشفاعة في المذنبين، وجَوّز المحب الطبري سابعًا، وهو ما اقتضاه حديث كعب بن مالك، فقال بعد أن أورده: هذا يشعر بأن المقام الشفاعة، ثم قال: ويجوز أن تكون الإشارة بقوله: «فأقول» إلى المراجعة في الشفاعة، قال الحافظ: وهذا هو الذي يتجه، ويمكن رد الأقوال كلها إلى الشفاعة العامّة، فإن إعطاءه لواء الحمد، وثناءه على ربه، وكلامه بين يديه، وجلوسه على كرسيه، وقيامه أقرب من جبريل، كلُّ ذلك صفات للمقام المحمود الذي يشفع فيه؛ ليُقْضَى بين الخلق، وأما شفاعته في إخراج المذنبين من النار، فمن توابع ذلك. واختُلِف في فاعل الحمد من قوله: ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ فالأكثر على أن المراد به أهلُ الموقف، وقيل: النبيّ - ﷺ -، أي أنه هو يحمد عاقبة ذلك المقام بتهجده في الليل، والأول أرجح؛ لما ثَبَت من حديث ابن عمر بلفظ: ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ يحمده أهل الجمع كلهم، ويجوز أن يُحْمَل على أعمّ من ذلك: أي مقامًا يحمده القائم فيه، وكل مَن عرفه، وهو مطلق في كل ما يَجْلِب الحمد، من أنواع الكرامات، واستَحْسَن هذا أبو حيان، وأيّده بأنه نكرةٌ، فدَلّ على أنه ليس المراد مقامًا مخصوصًا. وقال ابن بطال - ﵀ -: سَلَّم بعضُ المعتزلة وقوع الشفاعة، لكن خَصّها بصاحب الكبيرة الذي تاب منها، وبصاحب الصغيرة الذي مات مصرًّا عليها. وتُعُقِّب بأن من قاعدتهم أن التائب من الذنب لا يُعَذَّب، وأن اجتناب الكبائر يُكَفِّر الصغائر، فيلزم قائله أن يخالف أصله. وأُجيب بأنه لا مغايرة بين القولين؛ إذ لا مانع من أن حصول ذلك للفريقين إنما حصل بالشفاعة، لكن يحتاج مَن قَصرها على ذلك إلى دليل التخصيص، وقد ثبت قوله - ﷺ -: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»، ولم يخص بذلك من تاب. وقال عياض - ﵀ -: أثبتت المعتزلة الشفاعة العامة في الإراحة من كرب الموقف، وهي الخاصة بنبينا - ﷺ -، والشفاعة في رفع الدرجات، وأنكرت ما عداهما. قال الحافظ: وفي تسليم المعتزلة الثانية نظرٌ، وقال النوويّ تبعًا لعياض: الشفاعة خمس: في الإراحة من هول الموقف، وفي إدخال قوم الجنة بغير حساب، وفي إدخال قوم حوسبوا، فاستحقوا العذاب أن لا يعذبوا، وفي إخراج من أدخل النار من العصاة، وفي رفع الدرجات. ودليل الأولى سيأتي التنبيه عليه في شرح حديث أنس - ﵁ - الطويل في الشفاعة الآتي قريبًا. ودليل الثانية قوله تعالى في جواب قوله - ﷺ -: «أمتي، أمتي»: «أَدْخِل الجنة من أمتك مَن لا حساب عليهم»، قال الحافظ: كذا قيل، ويظهر لي أن دليله سؤاله - ﷺ - الزيادة على السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، فأجيب. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه لا تنافي في الاستدلال بالحديثين، فتأمله، والله تعالى أعلم. ودليل الثالثة قوله في حديث حُذيفة - ﵁ - عند مسلم: «ونبيّكم على الصراط يقول: رب سلِّم»، وله شواهد سيأتي ذكرها في شرح حديث أنس - ﵁ - في الشفاعة. ودليل الرابعة سيأتي أيضًا في شرح حديث أنس - ﵁ - عنه مبسوطًا. ودليل الخامسة قوله في حديث أنس - ﵁ - عند مسلم: «أنا أول شفيع في الجنة»، قال الحافظ - ﵀ -: كذا قاله بعض مَن لقيناه، وقال: وجه الدلالة منه أنه جَعَلَ الجنة ظرفًا لشفاعته، قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأني سأبيّن أنها ظرف في شفاعته الأولى المختصة به، والذي يُطْلَب هنا أن يشفع من لم يبلغ عمله درجة عالية أن يبلغها بشفاعته. قال الجامع عفا الله عنه: حديث أنس - ﵁ - الآتي بلفظ: «أنا أول الناس يشفع في الجنّة» ظاهر فيما قاله هذا البعض، وما تعقّبه به الحافظ، ففيه نظر لا يخفى، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وأشار النووي في «الروضة» إلى أن هذه الشفاعة من خصائصه - ﷺ -، مع أنه لم يذكر مستندها. وأشار عياض إلى استدراك شفاعة سادسة، وهي التخفيف عن أبي طالب في العذاب، كما سيأتي بيانه في موضعه - إن شاء الله تعالى -. وزاد بعضهم شفاعة سابعة، وهي الشفاعة لأهل المدينة؛ لحديث سعد - ﵁ - رفعه: «لا يَثْبُت على لأوائها أحد إلا كنت له شهيدًا، أو شفيعًا»، أخرجه مسلم، ولحديث أبي هريرة - ﵁ - رفعه: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليفعل، فإني أشفع من مات بها»، أخرجه الترمذيّ. قال الحافظ - ﵀ -: وهذه غير واردة؛ لأن متعلقها لا يخرج عن واحدة من الخمس الأُوَل، ولو عُدّ مثل ذلك لَعُدّ حديث عبد الملك بن عباد، سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: «أول من أشفع له أهل المدينة، ثم أهل مكة، ثم أهل الطائف» ، أخرجه البزار، والطبرانيّ. وأخرج الطبرانيّ، من حديث ابن عمر - ﵄ - رفعه: «أول من أشفع له أهل بيتي، ثم الأقرب، فالأقرب، ثم سائر العرب، ثم الأعاجم» . وذكر القزويني في العروة الوثقى شفاعته لجماعة من الصلحاء في التجاوز عن تقصيرهم، ولم يذكر مستندها، قال الحافظ: ويظهر لي أنها تندرج في الخامسة. وزاد القرطبيّ أنه أول شافع في دخول أمته الجنة قبل الناس، وهذه أفردها النقاش بالذكر، وهي واردة، ودليلها يأتي في حديث الشفاعة الطويل الآتي - إن شاء الله تعالى -. وزاد النقاش أيضًا شفاعته في أهل الكبائر من أمته، وليست واردة؛ لأنها تدخل في الثالثة، أو الرابعة. قال الحافظ - ﵀ -: وظهر لي بالتتبع شفاعة أخرى، وهي الشفاعة فيمن استوت حسناته وسيئاته أن يدخل الجنة، ومستندها ما أخرجه الطبرانيّ، عن ابن عباس - ﵄ - قال: «السابق يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد برحمة الله، والظالم لنفسه، وأصحاب الأعراف يدخلونها بشفاعة النبيّ - ﷺ -»، وأرجح الأقوال في أصحاب الأعراف: إنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا موضوع؛ لأن في سنده موسى بن عبد الرحمن الصنعانيّ، وهو وضّاع ، كما قال الهيثميّ - ﵀ - في «مجمع الزوائد» ١٠/ ٣٧٨، فلا يصلح لإثبات ما ادّعاه الحافظ من هذا القسم في الشفاعة، فتنبّه ، والله تعالى أعلم. قال: وشفاعة أخرى، وهي شفاعته - ﷺ - فيمن قال: لا إله إلا الله، ولم يعمل خيرًا قطّ، ومستندها رواية الحسن، عن أنس - ﵁ - كما سيأتي بيانه، ولا يمنع مِن عَدّها قول الله تعالى له: «ليس ذلك إليك»؛ لأن النفي يتعلق بمباشرة الإخراج، وإلا فنفس الشفاعة منه قد صَدَرت، وقبولها قد وقع، وترتب عليها أثرها. قال الجامع عفا الله عنه: استدلال الحافظ - ﵀ - على هذا النوع من الشفاعة بحديث أنس - ﵁ - المذكور، غير ظاهر، كما لا يخفى على من تأمّله، والله تعالى أعلم. قال: فالوارد على الخمسة أربعة، وما عداها لا يَرِدُ كما تَرِد الشفاعة في التخفيف عن صاحبي القبرين، وغير ذلك؛ لكونه من جملة أحوال الدنيا. انتهى كلام الحافظ - ﵀ -، وهو بحث نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيسٌ، مع ما أسلفته من التعقّب في بعضه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٦٥] (…) - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ (ح)، وَحَدَّثنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، حَدَّثنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، بِهَذَا الاسْنَاد، وَقَالَا: «فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرٍ، يُقَالَ لَهُ: الْحَيَاةُ»، وَلَمْ يَشُكَّا، وَفِي حَدِيثِ خَالِدٍ: «كَمَا تَنْبُتُ الْغُثَاءَةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ»، وَفِي حَدِيثِ وُهَيْبٍ: «كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِئَةٍ، أَوْ حَمِيلَةِ السَّيْلِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في الباب الماضي. ٢ - (عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ، ثقةٌ ثبت، من كبار [١٠] (ت ٢٢٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٤. ٣ - (وُهَيْب) بن خالد بن عَجْلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبت [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٣. ٤ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: ابن أبي يعقوب يوسف بن حجاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٠. ٥ - (عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ) بن أوس بن الْجَعْد، أبو عثمان الواسطيّ البزار الحافظ، مولى أبي الْعَجْفاء السلميّ، سكن البصرة، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]. رَوَى عن الحمادين، وهُشيم، وشَرِيك، وأبي عوانة، وخالد بن عبد الله، وعبد السلام بن حرب، وأبي معاوية، وشعيب بن إسحاق، ووكيع، وابن أبي زائدة، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاريّ، وأبو داود، وروى البخاريّ أيضًا والباقون له بواسطة عبد الله بن محمد الْمُسْنَديّ، وحجاج بن الشاعر، وعبد الله الدارميّ وأحمد بن سليمان الرُّهَاويّ، وعُثمان بن خُرَّزاذ، والعباس بن جعفر بن الزِّبْرِقان، وغيرهم. قال إبراهيم بن الجنيد: سمعت يحيى بن معين يقول: حدثنا عمرو بن عون، وأطنب في الثناء عليه، وقال العجلئ: ثقة، كان رجلًا صالحًا، وقال الدُّوريّ: سمعت يزيد بن هارون يقول: عمرو بن عون ممن يزداد كل يوم خيرًا، وقال أبو زرعة: قَلّ من رأيت أثبت منه، وقال أبو حاتم: ثقةٌ حجةٌ، وكان يَحفظ حديثه، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: مات سنة خمس وعشرين ومائتين، كذا قال أبو حاتم بن الليث الجوهريّ، وكذا قاله البخاريّ، وأبو داود ظنًّا، وكذا جزم به ابن قانع نقلًا عن حفيده، وزاد: في شعبان، وقال مسلمة في «الصلة»: ثقةٌ، وفي «الزهرة»: رَوَى عنه البخاريّ أحد عشر حديثًا . أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٨٤)، وحديث (١٦٠٥): «لا يحتكر إلا خاطئ». ٦ - (خَالِد) بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان الواسطيّ المزنيّ مولاهم، ثقة ثبت [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧٨/ ٤٠٧. وعمرو بن يحيى المازنيّ تقدّم في السند الماضي. وقوله: (كِلَاهُمَا) أي وُهيبٌ، وخالد الطحان. وقوله: (بِهَذَا الإسْنَادِ) أي بإسناد عمرو السابق، وهو: عن أبيه يحيى بن عمارة، عن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -. وقوله: (وَقَالَا: «فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرٍ، يُقَالَ لَهُ: الْحَيَاةُ»، وَلَمْ يَشُكَّا) يعني أن وُهيبًا وخالدًا روياه بلفظ: «الحياة» ولم يشكّا كما شك مالك، فقال: «في نهر الحياة، أو الحيا». وقوله: (وَفِي حَدِيثِ خَالِدٍ: «كَمَا تَنْبُتُ الْغُثَاءَةُ في جَانِبِ السَّيْلِ») يعني أن خالدًا الطحان رواه بلفظ: «كما تنبت الغُثَاءة» بدل قول مالك: «كما تنبت الْحِبّة»، و«الْغُثَاءَةُ» بضم الغين المعجمة، وبالثاء المثلّثة المخفّفة، وبالمدّ، وآخره هاء: هو كلّ ما جاء به السيل، وقيل: المراد ما احتمله السيل من البذور، وجاء في غير «صحيح مسلم» بلفظ: «كما تنبت الْحِبّة في غُثاء السيل» بحذف الهاء من آخره، وهو ما احتمله السيل من الزبَد، والْعِيدَان، ونحوهما من الأقذاء، قاله النوويّ - ﵀ - . وقوله: (وَفِي حَدِيثِ وُهَيْبٍ: «كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِئَةٍ، أَوْ حَمِيلَةِ السَّيْلِ») يعني أن وهيب بن خالد رواه بلفظ: «كما تنبت الحِبّة في حمئة السيل، أو حميلة السيل» بالشكّ. أما الأول: فهو «حَمِئَةٌ» بفتح الحاء، وكسر الميم، وبعدها همزة، وهي الطين الأسود الذي يكون في أطراف النهر. وأما الثاني: فهو «حَمِيلة»، وهي واحد الْحَمِيل المذكور في الروايات الأُخَر، بمعنى المحمول، وهو الغثاء الذي يَحتمله السيل، والله تعالى أعلم . [تنبيه]: رواية وُهيب التي أحالها المصنّف - ﵀ - هنا على رواية مالك، أخرجها الإمام البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»، فقال: (٦٥٦٠) حدثنا موسى، حدثنا وهيب، حدثنا عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، أن النبيّ - ﷺ - قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يقول الله: من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فأخرجوه، فيُخْرَجون قد امْتَحَشُوا، وعادوا حُمَمًا، فيُلْقَون في نهر الحياةُ، فينبتون كما تنبت الْحِبّة في حَمِيل السيل، أو قال: حَمِية السيل»، وقال النبيّ - ﷺ -: «ألم تَرَوْا أنها تَنْبُتُ صفراء مُلْتَوِيَةً؟». انتهى. وأما رواية خالد الطحّان التي أحالها هنا أيضًا، فقد أخرجها الحافظ ابن منده - ﵀ - في «الإيمان» (٢/ ٨٠٧)، فقال: (٨٢٣) وأنبأ محمد بن عبيد الله بن أبي رجاء، ثنا موسى بن هارون، ثنا
مصادر المؤلف (٢٢)

١. ولفظ مسلم:«فما رأيتموه فهو لكم»، فتنبّه.

٢. وفي نسخة:«أخبرنا».

٣. «تهذيب التهذيب» ٣/ ٣١٢ - ٣١٣.

٤. «الفتح» ١١/ ٤٣٨ «كتاب الإيمان» رقم (٢٢).

٥. «عمدة القاري» ١/ ٢٧٢.

٦. راجع: «الفتح» ١/ ٩٢.

٧. «الفتح» ١/ ٩٢ «كتاب الإيمان» رقم (٢٢).

٨. راجع: «عمدة القاري» ١/ ٢٧٣.

٩. «المصباح المنير» ١/ ٢٩٩.

١٠. «عمدة القاري» ١/ ٢٧٣.

١١. «المصباح المنير» ١/ ٣٤٢.

١٢. «الفتح» ١١/ ٤٣٨ «كتاب الرقاق» رقم (٦٥٧١ - ٦٥٧٢).

١٣. سيأتي له أنه زاد سادسة، وهي شفاعته - ﷺ - في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب، وزاد غيره أنواعًا أخرى من الشفاعة، سيأتي قريبًا بيانها - إن شاء الله تعالى -.

١٤. ذكر ابن القيّم - ﵀ - أنه لم يظفر بدليل على ما شاع لدى كثير من الناس من ذكرهم =

١٥. «إكمال المعلم» ٢/ ٨٢١ - ٨٢٦.

١٦. حديث ضعيف، راجع «ضعيف الجامع» للشيخ الألبانيّ - ﵀ - رقم (٢١٤٢).

١٧. موضوع، راجع «السلسلة الضعيفة» للشيخ الألبانيّ - ﵀ - ٢/ ١٦١.

١٨. قال ابن حبّان: دجال وضع على ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس كتابًا في التفسير، وقال ابن عديّ: منكر الحديث، وأورد له هذا الحديث، وأحاديث أخرى، ثم قال: هذه الأحاديث بواطيل، انظر «ميزان الاعتدال» ٤/ ٢١١ - ٢١٢.

١٩. وأورد الشيخ الألبانيّ - ﵀ - في «ضعيف الجامع الصغير» برقم (٣٣٣١) حديث أبي الدرداء - ﵁ - بلفظ: «السابقُ والمقتصدُ يدخلان الجنة بغير حساب، والظالم لنفسه يحاسب حسابًا يسيرًا، ثم يدخل الجنة»، وحكم عليه بأنه ضعيف، فتنبّه.

٢٠. الذي في برنامج الحديث (صخر) أنه له في «صحيح البخاريّ» (١٢) حديثًا.

٢١. «شرح النوويّ» ٣/ ٣٧.

٢٢. «شرح النوويّ» ٣/ ٣٧.