HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٩٤

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ (وَاتَّفَقَا فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ، إِلَّا مَا يَزِيدُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْحَرْفِ بَعْدَ الْحَرْفِ) قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: أتى رسول الله ﷺ يَوْمًا بِلَحْمٍ. فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ. فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً فَقَالَ «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَهَلْ تدرون بما ذَاكَ؟ يَجْمَعُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ. فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ. وَتَدْنُو الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مالا يطيقون. ومالا يَحْتَمِلُونَ. فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: أَلَا تَرَوْنَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ؟ أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: ائْتُوا آدَمَ. فَيَأْتُونَ آدَمَ. فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ! أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ. خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ. اشْفَعْ لَنَا في رَبِّكَ. أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ. وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ. وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ. نَفْسِي. نَفْسِي. اذهبوا إلى غيري. اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي. اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ. فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ! أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى الأَرْضِ. وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا. اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ. أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ. وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بِهَا عَلَى قَوْمِي. نَفْسِي. نَفْسِي. اذْهَبُوا إِلَى إبراهيم ﷺ. فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ. اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ. أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ. وَذَكَرَ كَذَبَاتِهِ. نَفْسِي. نَفْسِي. اذْهَبُوا إِلَى غيري، اذهبوا إلى موسى. فيأتون موسى ﷺ فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ. فَضَّلَكَ اللَّهُ، بِرِسَالَاتِهِ وَبِتَكْلِيمِهِ، عَلَى النَّاسِ. اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ. أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لهم موسى ﷺ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ. وَإِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا. نَفْسِي. نفسي. اذهبوا إلى عيسى ﷺ. فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى! أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ، وَكَلِمَةٌ مِنْهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ. فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ. أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ عيسى ﷺ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ ذَنْبًا. نَفْسِي. نَفْسِي. اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي. اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ. فَيَأْتُونِّي فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ! أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ. وَغَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ. أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي. ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ لِأَحَدٍ قَبْلِي. ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ. سَلْ تُعْطَهْ. اشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! أُمَّتِي. أُمَّتِي. فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِكَ، مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ، من الباب الأيمن من أبواب الجنة. وهو شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وهجر. أو كما بين مكة وبصرى».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص127
ج ١ ص ١٨٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٥ ص٣٤٥
فكيف يَخُصّها بقوله: «أمتي أمتي»، ثم قال: وأوّلُ هذا الحديث ليس متصلًا بآخره، بل بقي بين طلبهم الشفاعة، وبين قوله: «فأشفع» أمور كثيرة من أمور القيامة. وقد أجاب القاضي عياض عن هذا الاستشكال بأن معنى الكلام: فيؤذن له في الشفاعة الموعود بها في فصل القضاء، وقوله: «ويلهمني» ابتداءُ كلام آخر، وبيانٌ للشفاعة الأخرى الخاصة بأمته، وفي السياق اختصار، وقد تقدّم الجواب بأتمّ من هذا في شرح الحديث الطويل، فراجعه تستفد ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٨٧] (١٩٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَاتَّفَقَا فِي سِيَاقِ الْحَدِيث، إِلَّا مَا يَزِيدُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْحَرْفِ بَعْدَ الْحَرْف، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَوْمًا بِلَحْمٍ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً، فَقَالَ: «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَة، وَهَلْ تَدْرُونَ بِمَ ذَاكَ؟ يَجْمَعُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْأوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ، وَمَا لَا يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضِ: أَلَا تَرَوْنَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ؟ أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: ائْتُوا آدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُو الْبَشَر، خَلَقَكَ اللهُ بيَدِه، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِه، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ، فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا، لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَة، فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ ، فَيَأْتُونَ نُوحًا، فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى الْأَرْض، وَسَمَّاكَ اللهُ عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ، دَعَوْتُ بِهَا عَلَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ - ﷺ -، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ نَبِيُّ الله، وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْض، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَذَكَرَ كَذَبَاتِه، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى، فَيَأْتُونَ مُوسَى - ﷺ -، فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى، أَنْتَ رَسُولُ الله، فَضَّلَكَ اللهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِتَكْلِيمِهِ عَلَى النَّاس، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ مُوسَى - ﷺ -: إِنَّ رَبّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا، لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى - ﷺ -، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى، أَنْتَ رَسُولُ الله، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْد، وَكَلِمَةٌ مِنْهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ عِيسَى - ﷺ -: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ ذَنْبًا، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ -، فَيَأْتُوني، فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ، أنتَ رَسُولُ الله، وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاء، وَغَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَأَنْطَلِقُ، فَآتِي تَحْتَ الْعَرْش، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي، ثُمَّ يَفْتَحُ اللهُ عَلَيَّ، وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِه، وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْه، شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ لِأَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: يَا رَبّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنَ الْبَابِ الْأَيْمَن، مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّة، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأَبْوَاب، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِه، إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْن، مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّة، لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، واسمه إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا أيضًا. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) الْعَبْديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في«الإيمان»١/ ١٠٧. ٤ - (أَبُو حَيَّانَ) بفتح الحاء المهملة، وتشديد التحتانيّة - هو: يحيى بن سعيد بن حَيّان التيميّ، أبو حيّان الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ [٦] (ت ١٤٥) (ع) تقدم في«الإيمان»١/ ١٠٦. ٥ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: عمرو، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: جرير، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في«الإيمان»١/ ١٠٦. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابي الشهير - ﵁ - تقدم في«المقدمة»٢/ ٤. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بمن اشتَهَر بالكنى، أبو حيّان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة - ﵁ -. ٥ - (ومنها): أن قوله:«واتّفقا في سياق الحديث»فيه إشارة إلى مسألة اصطلاحيّة، قد تقدّم بيانها غير مرّة، وذكرها السيوطيّ في«ألفيّة الحديث»، حيث قال: وَلَوْ رَوَى مَتْنًا عَنَ اشْيَاخٍ وَقَدْ … تَوَافَقَا مَعْنًى وَلَفْظٌ مَا اتَّحَدْ مُقْتَصِرًا بِلَفْظِ وَاحِدٍ وَلَمْ … يُبَيِّنِ اخْتِصَاصَهُ فَلَمْ يُلَمْ أَوْ قَالَ قَدْ تَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ أَوْ … وَاتَّحَدَ الْمَعْنَى عَلَى خُلْفٍ حَكَوْا وَإِنْ يَكُنْ لِلَفْظِهِ يُبَيِّنُ … مَعْ«قَالَ»أَوْ«قَالَا»فَذَاكَ أَحْسَنُ ٦ - (ومنها): أن المراد بالحرف في قوله:«إلا ما يزيد أحدهما من الحرف بعد الحرف» ما يشمل الكلمة، والجملة؛ إذ يُطلق الحرف على ذلك كلّه، والله تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): أن أبا هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: أُتِيَ) بالبناء للمفعول (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَوْمًا بِلَحْمٍ، فَرُفِعَ) بالبناء للمفعول أيضًا (إِلَيْهِ الذِّرَاعُ) قال الفيّوميّ ﵀: الذراع: اليد من كلّ حَيَوَان، لكنها من الإنسان من الْمِرْفَق إلى أطراف الأصابع، وذراع القياس أنثى في الأكثر، ولفظ ابن السّكّيت: والذراع أُنثى، وبعض العرب يُذكر، قال ابن الأنباريّ: وأنشدنا أبو العبّاس، عن سَلَمَة، عن الفرّاء شاهدًا على التأنيث قول الشاعر: أَرْمِي عَلَيْهَا وَهْيَ فَرْعٌ أَجْمَعُ … وَهْيَ ثَلَاثُ أَذْرُعٍ وَإِصْبَعُ وعن الفرّاء أيضًا: الذراع أُنثى، وبعض عُكْلٍ يُذَكِّر، فيقول: خمسة أذرُع، قال ابن الأنباريّ: ولم يَعْرِف الأصمعيّ التذكير، وقال الزجّاج: التذكير شاذّ غير مختار، وجمعها أَذْرُع، وذُرْعَان، حكاه في «الْعُبَابِ»، وقال سيبويه: لا جمع لها غير أَذْرُع. انتهى . (وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ) قال القاضي عياض ﵀: محبته - ﷺ - للذراع، وإعجابه بها؛ لِنُضْج لحمها، وسُرْعة استمرائه له، مع زيادة لَذَّته، وحلاوة مَذَاقه على سائر لحم الشاة، وبُعْده عن مواضع الأذى الذي كان يتّقيه - ﷺ -. انتهى . وقد رَوَى الترمذيّ بإسناده عن عائشة - ﵂ - قالت: ما كانت الذراع أحب اللحم إلى رسول الله - ﷺ -، ولكن كان لا يجد اللحم إلا غِبًّا، فكان يَعْجَل إليها؛ لأنها أعجلها نُضْجًا. (فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً) هو بالسين المهملة، قال القاضي عياض ﵀: أكثر الرواة رووه بالمهملة، ووقع لابن ماهان بالمعجمة، وكلاهما صحيح، بمعنى: أَخَذَ بأطراف أسنانه، قال الهرويّ: قال أبو العباس: النَّهْسُ بالسين المهملة بأطراف الأسنان، وبالشين المعجمة بالأضراس، قال القاضي: قال غيره: هو نَشْرُ اللحم، قال النضر: نُهِشَتْ عَضُداه: أي دُقّتا. انتهى . (فَقَالَ: «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ) قال القرطبيّ ﵀: أي المقدّم عليهم، والسيّد: هو الذي يسود قومه، أي يفوقهم بما جَمَعَ من الخصال الحميدة بحيث يَلجؤون إليه، ويُعوِّلون عليه في مهمّاتهم، قال الشاعر: فَإِنْ كُنْتَ سَيِّدَنَا سُدتَنَا … وَإِنْ كُنْتَ لِلْخَالِ فَاذْهَبْ فَخُلْ وقد تحقّق كمال تلك المعاني كلّها لنبيّنا محمد - ﷺ - في ذلك المقام الذي يَحمَده، وَيغْبِطه فيه الأولون والآخرون، وَيشهَد له بذلك النبيّون والمرسلون، وهذه حكمة عَرْض الشفاعة على خيار الأنبياء ﵈، فكلُّهم تبرّأ منها، ودلّ على غيره إلى أن بلغت محلّها، واستقرّت في نصابها . وقال القاضي عياض ﵀: قيل: السيد الذي يفوق قومه، والذي يُفْزَع إليه في الشدائد، والنبيّ - ﷺ - سيدهم في الدنيا والآخرة، وإنما خص يوم القيامة؛ لارتفاع السؤدد فيها، وتسليم جميعهم له ذلك، ولكون آدم ﵇، وأولاده تحت لوائه - ﷺ - كما قال الله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]: أي انقطعت دَعَاوَى الدُّعاة في الْمُلك في ذلك اليوم، وبقي الْمُلك الحقّ لله وحده الذي قَهَر جميع الجبابرة، والمدَّعين الملكَ، وأفناهم، ثم أعادهم، وحَشَرَهم عُرَاةً فُقَراء. انتهى . وقال النوويّ ﵀: إنما قال هذا - ﷺ - تَحَدُّثًا بنعمة الله تعالى، وقد أمره الله تعالى بهذا، ونصيحةً لنا بتعريفنا حقه - ﷺ -. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ظرف لـ«سيّد»، قال في «الفتح»: وخصّه بالذكر؛ لظهور ذلك له يومئذ، حيث تكون الأنبياء كلّهم تحت لوائه، ويبعثه الله تعالى المقام المحمود. انتهى . (وَهَلْ تَدْرُونَ بِمَ ذَاكَ؟) أي هل تعلمون بأيّ شيء كنت سيّد الناس؟ وقوله: (يَجْمَعُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ) جملة استئنافيّة استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال مقدّر، والتقدير هنا: كيف ذاك؟ وقد جاء هذا السؤال مصرَّحًا به في رواية عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة الآتية: «فلما رأى أصحابه لا يسألونه، قال: أَلَا تقولون: كيفه؟ قالوا: كيفه يا رسول الله؟ قال: يقوم الناس لربّ العالمين …». (فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ) المراد بـ«الصّعِيد»: الأرض الواسعة المستوية (فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ) بفتح الياء، وبالذال المعجمة، وذكر الْهَرَويّ، وصاحب «المطالع»، وغيرهما أنه رُوي بضم الياء، وبفتحها، قال صاحب «المطالع»: رواه الأكثرون بالفتح، وبعضهم بالضم، وقال الهرويّ: قال الكسائيّ: يقال: نَفَذَني بصرُهُ: إذا بلغني، وجاوزني، قال: ويقال: أنفذتُ القومَ: إذا خَرَقْتَهُم، ومشيتَ في وسطهم، فإن جُزْتهم حتى تُخَلِّفَهم، قلت: نَفَذتهم بغير ألف، وقيل: يقال فيها: بالألف. وقال الهرويّ: قال أبو عبيد: معناه: ينفذهم بصر الرحمن ﵎، حتى يأتي عليهم كلِّهم، وقال غير أبي عبيد: أراد: تَخْرِقُهم أبصار الناظرين؛ لاستواء الصعيد، والله تعالى قد أحاط بالناس أولًا وآخرًا. انتهى. وقال صاحب «المطالع»: معناه: أنه يُحيط بهم الناظر، لا يخفى عليه منهم شيءٌ؛ لاستواء الأرض، أي ليس فيها ما يَستتر به أحدٌ عن الناظرين، قال: وهذا أولى من قول أبي عبيد: يأتي عليهم بَصَرُ الرحمن ﷾؛ لأن رؤية الله تعالى تُحيط بجميعهم في كل حال، في الصعيد المستوي وغيره. انتهى. وقال ابن الأثير الجزريّ ﵀ بعد أن ذكر الخلاف في أن المراد بصر الرحمن ﷾، أو بصر الناظر من الخلق: قال أبو حاتم السِّجستانيّ: أصحاب الحديث يَرْوُونه بالذال المعجمة، وإنما هو بالمهملة: أي يبلغ أوّلَهُم وآخرَهم حتى يراهم كلَّهم، ويستوعبهم، مِنْ نَفَدَ الشيء، وأنفدته، قال: وحمل الحديث على بَصَر الناظر أولى من حمله على بصر الرحمن. انتهى . قال النوويّ ﵀ بعد ذكر ما تقدّم: فَحَصَلَ خلافٌ في فتح الياء وضمها، وفي الذال والدال، وفي الضمير في «ينفذهم»، والأصح فتح الياء، وبالذال المعجمة، وأنه بَصرُ المخلوق. انتهى كلامه ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ ﵀: معناه أنهم مُجتمعون مهتمّون بما هم فيه، لا يخفى منهم أحدٌ، بحيث إن دعاهم داعٍ أسمعهم، وإن نظر إليهم ناظر أدركهم، وَيحْتَمِلُ أن يكون الداعي هو الذي يدعوهم إلى العرض والحساب، أو أمر آخر، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦]. انتهى . (وَتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ) بالنصب مفعولًا مقدّمًا، وفاعله «ما لا يُطيقون»، ولو رفع «الناس» على الفاعليّة، و«ما لا يطيقون» مفعوله لكان له وجه، وقوله: (مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ) بيان لـ«ما» مقدّم عليها (مَا) موصولة (لَا يُطِيقُونَ) أي لا يستطيعون الصبر عليه (وَمَا لَا يَحْتَمِلُونَ) أي لا يقدرون تحمّله، ولو بكُلفة ومشقّة (فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: أَلَا تَرَوْنَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ؟، أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟ أَلَا تَنْظُرُونَ) أي ألا تتأملون، وَتتفكّرون، أو ألا تُبصرون (مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟) وفي نسخة: «إلى من يشفع لكم إلى ربكم» بزيادة «إلى». والشفاعة أصلها الضمّ والجمع، ومنه ناقةٌ شَفُوعٌ: إذا جَمَعت بين حَلْبتين في حلبة واحدة، وناقة شافع إذا اجتمع لها حملٌ وولدٌ يتبعها، والشفع ضمّ واحد إلى واحد، والشُّفعة ضمّ ملك الشريك إلى ملكك، فالشفاعة إذن ضمّ غيرك إلى جاهك ووسيلتك، فهي على التحقيق إظهارٌ لمنزلة الشفيع عند المشفَّع، وإيصال منفعة إلى المشفوع له، قاله القرطبيّ ﵀ . (فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: ائْتُوا آدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُو الْبَشَر، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ) فيه إثبات اليد لله تعالى حقيقة، على ما يليق بجلاله ﷾، ولا نقول كما قال الشرّاح كالقرطبيّ: اللائق حملها هنا على القدرة؛ لأن هذا تأويل غير صحيح؛ لأن الله تعالى خلق آدم وغيره من المخلوقات بقدرته، فما وجه تخصيص آدم بها؟ وأيضًا فإن الذي أدّاهم إلى هذا التأويل هو ظنهم التشبيه، بالمخلوق، وهو موجود في القدرة المؤوّل بها، فإن القدرة يوصف بها المخلوق كما يوصف بها الله تعالى، فهم فرّوا من ورطة، فوقعوا في أخرى، والحقّ الذي عليه السلف إثبات ما أثبت الله تعالى من الصفات على الحقيقة، لا على المجاز، بلا تمثيل، ولا تحريف، ولا تعطيل، قال ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فتبصّر، ولا تتهوّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ) قال القرطبيّ: الروح هنا هو المذكور في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [القدر: ٤]، وقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)﴾ [الشعراء: ١٩٣]، وشرّفه بالإضافة إليه، كما قال تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢]، وهو جبريل ﵇ على قول أكثر المفسّرين: أي كان كلّ واحد منهما من نفخة الملك، فصار المنفوخ فيه ذا روح من ريح نفخته، ولا يُلتفت إلى ما يقال غير هذا. انتهى . (وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ) أي بأن يسجدوا لك (فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟) وفي نسخة: «ألا ترى ما قد بَلَغَنا» بحذف «إلى»، قال النوويّ ﵀: هو بفتح الغين، هذا هو الصحيح المعروف، وضَبَطه بعض الأئمة المتأخرين بالفتح والإسكان، وهذا له وجه، ولكن المختار ما قدمناه، ويدلّ عليه قوله في هذا الحديث قبل هذا: «ألا تَرَوْن ما قد بَلَغَكم»، ولو كان بإسكان الغين لقال: بَلَغتُمْ. انتهى . (فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا، لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ) فيه إثبات صفة الغضب لله تعالى على ما يليق بجلاله، وأما قول الشرّاح كالنوويّ وغيره: إن المراد بغضب الله تعالى ما يَظْهَر من انتقامه، ممن عصاه، وما يرونه من أليم عذابه، وما يشاهده أهل المجمع من الأهوال التي لم تكن، ولا يكون مثلها، ولا شك في أن هذا كله لم يتقدم قبل ذلك اليوم مثله، ولا يكون بعده مثله، فهذا معنى غضب الله تعالى، كما أن رضاه ظهور رحمته ولطفه، بمن أراد به الخير والكرامة؛ لأن الله تعالى يستحيل في حقه التغير في الغضب والرضاء. انتهى، فغير صحيح، فإن هذا تفسير باللازم، وليس معنى الغضب والرضا على الحقيقة، وقد تقدّم غير مرّة أن ما ثبت في الكتاب والسنّة الصحيحة مما وصف الله تعالى به نفسه، أو وصفه به رسوله - ﷺ - فمذهب السلف، وهو الحقّ أنه على ظاهره على الحقيقة، لا على المجاز، فالرضا والغضب، والرحمة والمحبّة، والكراهة، وغيرها ثابتة لله تعالى حقيقة لا مجاز فيه، على ما يليق بجلاله، بلا تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، فتمسّك بهدي السلف، تنج من التلف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ) أي عن أكلها (فَعَصَيْتُهُ) أي خالفت نهيه، فأكلتها (نَفْسِي نَفْسِي) «نفسي» الأولى مبتدأ حُذف خبره، أي نفسي هي التي تستحقّ أن يُشْفَع لها، أو خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي المستحقّ للشفاعة نفسي، و«نفسي» الثانية تأكيد عليهما، وأعربهما بعضهم بأنهما مبتدأ وخبر، من باب «شِعْري شِعْري»؛ للمبالغة، ويؤيّد الأولى تكرير «نفسي» في بعض الروايات ثلاث مرّات، والله تعالى أعلم. (اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي) وفي بعض النسخ بإسقاط هذه الجملة (اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحًا، فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى الْأَرْضِ) استُشكل هذاَ بأن آدم ﵇ كان نبيًّا، وبالضرورة يُعلم أنه كان على شريعة من العبادة، وأن أولاده أخذوا ذلك منه، فعلى هذا فهو رسول إليهم، فيكون هو أول رسول. وأجيب بأنه يحتمل أن تكون الأوليّة في قولى أهل الموقف لنوح ﵇ مقيّدةً بقولهم: إلى أهل الأرض؛ لأنه في زمن آدم لم يكن للأرض أهلٌ، أو لأن رسالة آدم ﵇ إلى بنيه كانت كالتربية للأولاد، ويحتمل أن يكون المراد أنه رسول أُرسل إلى بنيه وغيرهم من الأمم الذين أرسل إليهم مع تفرّقهم في عدّة بلاد، وآدم ﵇ إنما أُرسل إلى بنيه فقط، وكانوا مجتمعين في بلدة واحدة. واستشكله بعضهم بإدريس ﵇، وأجيب بأنه مختَلَفٌ في كونه قبل نوح، وقد تقدّم هذا البحث مستوفى في شرح حديث أنس - ﵁ -، فراجعه. (وَسَمَّاكَ اللهُ عَبْدًا شَكُورًا) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾ [الإسراء: ٣]، قال في «الفتح»: وفي الحديث ردّ على من زعم أن الضمير في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ لموسى ﵇، وقد صحح ابن حبان من حديث سلمان الفارسيّ - ﵁ -: «كان نوح إذا طَعِمَ، أو لَبِسَ حَمِدَ الله، فسُمِّي عبدًا شكورًا»، وله شاهد عند ابن مردويه، من حديث معاذ بن أنس، وآخر من حديث أبي فاطمة . وأخرج عبد الرزاق بسند مقطوع: «أن نوحًا كان إذا ذهب إلى الغائط قال: الحمد لله الذي رزقني لذّته، وأبقى فيّ قُوّته، وأذهب عنّي الأذى» . وقال القرطبيّ ﵀: الشكور: الكثير الشكر، وهو من أبنية المبالغة، وأصل الشكر: الظهور، ومنه دابّة شَكورٌ: إذا كانت يظهر عليها من السِّمَن فوق ما تأكله من الْعَلَف، وأَشْكَرَ الضرعُ: إذا ظهر امتلاؤه باللبن، والسماء بالمطر، فكأن الشاكر يُظهر القيام بحقّ المنعِم، ولذلك قيل: الشكور هو الذي ظَهَر منه الاعتراف بالنعمة، والقيام بالخدمة، وملازمة الحرمة. انتهى . (اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ، دَعَوْتُ بِهَا عَلَى قَوْمِي) قال القرطبيّ ﵀: يريد قوله: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] . (نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ - ﷺ -، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ نَبِيُّ الله، وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ) قال القرطبيّ ﵀: إبراهيم بالسريانيّة: هو الأب الرحيم، حكاه المفسّرون، و«الخليل»: الصَّدِيق المخلص، و«الْخُلّة» بضم الخاء: الصداقة والمودّة، ويقال فيها أيضًا: خُلالة بالضمّ والفتح، والكسر، و«الْخَلّةُ» بفتح الخاء: الفقر والحاجة، و«الْخِلّة» بكسرها: واحدة خِلَل السيوف، وهي بطائن أغشيتها، و«الْخَلَلُ» الفُرْجة بين الشيئين، والجمع الخلال. واختُلف في الخليل اسم إبراهيم ﵇: من أيّ هذه المعاني، والألفاظ أُخذ؟ فقيل: إنه مأخوذ من الْخُلّة بمعنى: الصداقة، وذلك أنه صَدَقَ في محبّة الله تعالى، وأخلص فيها حتى آثر محبّته على كلّ محبوباته، فبذل ماله للضيفان، وولده للقُربان، وجسده للنيران، وقيل: من الْخَلَّة التي بمعنى الفقر والحاجة، وذلك أنه افتقر إلى الله تعالى في حوائجه، ولجأ إليه في فاقته حتى لم يلتفت إلى غيره، بحيث آلت حاله إلى أن قال له جبريل، وهو في الهواء حين رُمي في المنجنيق: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا ، وقيل: من الخلل بمعنى الْفُرْجة بين الشيئين، وذلك لِمَا تخلّل قلبه من معرفة الله تعالى، ومحبّته ومراقبته حتى كأنه مُزجت أجزاء قلبه بذلك، وقد أشار إلى هذا المعنى بعض الشعراء، فقال [من الخفيف]: قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي … وَلذَا سُمِّي الْخَلِيلُ خَلِيلَا ولقد جمع إبراهيم ﵇ هذه المعاني كلّها، وأحسن من قال في الْخُلّة: إنها صَفَاءُ المودّة التي توجب الاختصاص بتخلّل الأسرار، والغنى عن الأغيار. انتهى . (اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَذَكَرَ كَذَبَاتِهِ) قال القرطبيّ ﵀: قد فسّرها في الرواية الأخرى بما ليس كذبًا على التحقيق، ونحن نذكرها، ونبيّنها - إن شاء الله تعالى - فمنها قوله في الكوكب: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦] ذكر المفسّرون أن ذلك كان في حال الطفوليّة في أول حال استدلاله، ثم إنه لَمّا تكامل نظره، وتمّ على السداد وضح له الحقّ، قال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ [الأنعام: ٧٩]. قال القرطبيّ ﵀: وهذا لا يليق بالأنبياء ﵈؛ لأن الله تعالى خصّهم بكمال العقل، والمعرفة بالله ﷿، وسلامة الفطرة، والحماية عن الجهل بالله تعالى، والكفر من أول نشأتهم، وإلى تناهي أمرهم؛ إذ لم يُسمَع عن أحد مثهم أنه اعتقد مع الله إلهًا آخر، ولا اعتقد مُحالًا على الله تعالى، ولا ارتكب شيئًا من قبائح أُممهم الذين أُرسلوا إليهم، لا قبل النبوّة، ولا بعدها، ولو كان شيء من ذلك لقَرَعهم بذلك أُممهم لَمّا دعوهم إلى التوحيد، ولاحتجّوا عليهم بذلك، ولم يُنقَل شيء من ذلك، وأما بعد إرسالهم فكلّ ذلك محالٌ عليهم عقلًا على ما نبيّنه. وقيل: إنه ﵇ قال ذلك لقومه على جهة الاستفهام الذي يُقصد به التوبيخ لهم، والإنكار عليهم، وحُذفت همزة الاستفهام؛ اتّساعًا كما قال الشاعر [من الطويل]: لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَحَاسِبٌ … بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الْجَمْرَ أَمْ بِثَمَانِ وقال آخر [الطويل]: رَفَوْنِي وَقَالُوا يَا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ … فَقُلْتُ وَأَنْكَرْتُ الْوُجُوهَ هُمُ هُمُ أي: أهُم هم؟. وقيل: إنما قال ذلك على طريق الاحتجاج على قومه؛ تنبيهًا على أن ما يتغيّر لا يصلح للربوبيّة. قال الجامع عفا الله عنه: هذا القول هو الأرجح في تأويل الآية، قال الإمام ابن كثير ﵀ في «تفسيره»: وقد اختَلَفَ المفسرون في هذا المقام: هل هو مقامُ نظر، أو مناظرة؟ فرَوَى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، ما يقتضي أنه مقام نظر، واختاره ابن جرير، مُستدلًا بقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧] الآية، ثم قال ابن كثير ﵀: والحقّ أن إبراهيم - ﵊ - كان في هذا المقام مناظرًا لقومه، مُبَيِّنًا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل، والأصنام، فَبَيَّن في المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية، التي هي على صور الملائكة السماوية؛ ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم، الذي هو عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته؛ ليشفعوا لهم عنده في الرَّزق والنصر وغير ذلك، مما يحتاجون إليه، وبَيَّن في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل، وهي الكواكب السّيّارة السبعة المتحيرة، وهي القمر، وعُطارد، والزُّهْرة، والشمس، والْمِرِّيخ، والمشتري، وزُحَل، وأشدهنّ إضاءةً وأشرفهنّ عندهم الشمس، ثم القمر، ثم الزهرة، فَبَيَّن أولًا - صلوات الله وسلامه عليه - أن هذه الزهرة لا تصلح للإلهية، فإنها مُسَخَرة مُقَدَّرة بسير معين، لا تزيغ عنه يمينًا ولا شمالًا، ولا تملك لنفسها تصرفًا، بل هي جِرْم من الأجرام، خلقها الله مُنِيرةً لما له في ذلك من الْحِكَم العظيمة، وهي تَطْلُع من المشرق، ثم تسير فيما بينه وبين المغرب، حتى تغيب عن الأبصار فيه، ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال، ومثل هذه لا تصلح للإلهية، ثم انتقل إلى القمر، فَبَيَّن فيه مثل ما بيّن في النجم، ثم انتقل إلى الشمس كذلك، فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع على الأبصار، وتَحَقَّق ذلك بالدليل القاطع، قال: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٨]: أي أنا بريء من عبادتهنّ وموالاتهنّ، فإن كانت آلِهة فكيدوني بها جميعًا، ثم لا تنظرون، ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ [الأنعام: ٧٩]: أي إنما أعبد خالق هذه الأشياء، ومُختَرِعها، ومسخرها، ومقدرها، ومدبرها الذي بيده ملكوت كل شيء، وخالق كل شيء، وربه، ومليكه، وإلهه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]، وكيف يجوز أن يكون إبراهيم ناظرًا في هذا المقام، وهو الذي قال الله في حقه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢)﴾ [الأنبياء: ٥١، ٥٢] الآيات، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٣] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ [الأنعام: ١٦١]؟ وقد ثبت في «الصحيحين» عن أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «كلُّ مولود يولد على الفطرة …» الحديث، وفي «صحيح مسلم»، عن عياض بن حمار - ﵁ -: «أن رسول الله - ﷺ - قال: قال الله: إني خلقت عبادي حنفاء …» الحديث، وقال الله في كتابه العزيز: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، ومعناه على أحد القولين كقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾. قال: فإذا كان هذا في حقّ سائر الخليقة، فكيف يكون إبراهيم الخليل الذي جعله الله أمة قانتًا لله حنيفًا، ولم يكن من المشركين ناظرًا في هذا المقام؟ بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة، والسّجِيّة المستقيمة بعد رسول الله - ﷺ - بلا شك ولا ريب. انتهى المقصود من كلام ابن كثير ﵀ ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. ومنها : قوله لآلهتهم: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، إنما قاله ممهّدًا للاستدلال على أنها ليست آلهةً، وقطعًا لقومه في قولهم: إنها تضرّ وتنفع، وهذا الاستدلال، والذي قبله يتحرّر من الشرط المتّصل، ولذلك أردف على قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ قوله: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وعند ذلك قالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥]، فقال لهم: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٦]، فحَقّت كلمته، وظهرت حجته. ومنها: قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وهذا تعريضٌ، وحقيقته أنه سيسقم، واسم الفاعل بمعنى المستقبل كثير، ويَحْتَمِل أن يُريد به أنه سقيم الحجة على الخروج معكم؛ إذ كان لا يصحّ على جواز ذلك حجّة. ومنها: ما جاء في حديث إبراهيم ﵇ أنه قال لزوجه سارة حين دخل أرض الجبّار، فسُئل عنها، فقال: إنها أختي، وصَدَقَ، فإنها أخته في الإسلام، وكذلك جاء عنه منصوصًا أنه قال: إنما أنتِ أختي في الإسلام. وبالجملة فأوجه الأمور واضحة، وصِدْقها معلومٌ على الأوجه المذكورة، فليس في شيء منها ما يقتضي عِتابًا، ولا عقابًا، لكنّ هولَ المقام، وشدّة الأمر حَمَله على الخوف منها. وأيضًا فلْنتبيَّن درجة من يقول: «نفسي نفسي» من درجة من يقول: «أمّتي أُمتي». انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . (نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى) قيل: سُمّي بذلك؛ لأنه وُجد بين «مو»، وهو بالعبرانيّة الماء، و«شى»، وهو الشجر، فعُرّب، والله تعالى أعلم. (فَيَأْتُونَ مُوسَى - ﷺ -، فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى، أَنْتَ رَسُولُ الله، فَضَّلَكَ اللهُ بِرِسَالَاتِهِ) وفي نسخة: «برسالته» (وَبِتَكْلِيمِهِ عَلَى النَّاسِ) هذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]، قال القرطبيّ: لا خلاف بين أهل السنّة في أن موسى ﵇ سمع كلام الله الذي لا يُشبهه كلام البشر الذي ليس بصوت ولا حرف، ولو سمعه بالحرف والصوت لَمَا صحّت خُصُوصيّة الفضيلة لموسى بذلك؛ إذ قد سمع كلامه تعالى بواسطة الحرف والصوت المشرِكُ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «ليس بصوت ولا حرف» غير صحيح؛ لأن مذهب أهل السنّة والجماعة من السلف الصالح أن الله تعالى يتكلّم بصوت وحرف متى شاء ، وأما خصوصيّة موسى ﵇ فليست من هذا الوجه، بل من جهة أنه سمع كلامه بلا واسطة، وأما سائر الناس، فإنما سمعوه بواسطة جبريل ﵇، ثم بواسطة النبيّ - ﷺ -، وهذا مما لا يخفى على من له أدنى فهم، فتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (اشْفَعْ لنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟) وفي نسخة: «أَلَا ترى إلى ما نحن فيه، أَلَا ترى إلى ما بلغنا» بزيادة «إلى» في موضعين، وفي أخرى بزيادتها في الأول دون الثاني (فَيَقُولُ لَهُمْ مُوسَى - ﷺ -: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا، لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى - ﷺ -، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى، أَنْتَ رَسُولُ الله، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ) أي صغيرًا في الحال التي يُمهد لك فيها موضعك؛ لتضطجع عليه؛ لصغرك (وَكَلِمَةٌ مِنْهُ) قال ابن عبّاس - ﵄ -: سمّاه كلمة؛ لأنه بكلمة «كن» من غير أن يتقلّب في أطوار الخلق كما تقلّب غيره ، (أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ) أي أبلغها إليها (وَرُوحٌ مِنْهُ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ عِيسَى - ﷺ -: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ ذَنْبًا) يعني في هذه الرواية، وإلا فقد ورد في رواية الترمذيّ من حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد - ﵁ -: «إني عُبدت من دون الله»، وفي رواية أحمد، والنسائيّ من حديث ابن عبّاس - ﵄ -: «إني اتُّخِذتُ إلهًا من دون الله»، وفي رواية ثابت عند سعيد بن منصور نحوه، وزاد: «وإن يُغفَر لي اليومَ حسبي». (نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ -، فَيَأْتُوني، فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ رَسُولُ الله، وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاء، وَغَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَأَنْطَلِقُ، فَآتِي تَحْتَ الْعَرْش، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي) قال القرطبيّ ﵀: قد زاد عليه في حديث أنس - ﵁ -: «فأنطلق، فأستأذن على ربّي، فيؤذن لي، فأقوم بين يديه، فأحمده بمحامد، ثم أخرّ ساجدًا»، قال: وبمجموع الحديثين يكمل المعنى، ويُعلَم مراعاة النبيّ - ﷺ - لآداب الحضرة العليّة . (ثُمَّ يَفْتَحُ اللهُ عَلَيَّ، وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِه، وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْه، شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ لِأَحَدٍ قَبْلِي) وفي رواية ثابت عن أنس: «فأحمد ربي بمحامد لم يحمده بها أحدٌ قبلي، ولا يحمده بها أحدٌ بعدي». قال القرطبيّ ﵀: يدلّ حديث أبي هريرة - ﵁ - على أن المحامد كانت بعد السجود، وحديث أنسّ - ﵁ - يدلّ على أنها كانت قبل السجود في حالة القيام، وذلك يدلّ على أنه - ﷺ - أكثر من التحميد والثناء في هذا المقام كلّه في قيامه وسجوده إلى أن أُسعِف في طَلِبَته. انتهى . (ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: يَا رَبّ، أَمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِكَ) قال القرطبيّ ﵀: هذا يدلّ على أنه - ﷺ - شُفِّع فيما طلبه من تعجيل حساب أهل الموقف، فإنه لَمّا أُمر بإدخال من لا حساب عليه من أمته، فقد شَرَع في حساب من عليه حساب من أمته وغيرهم، ولذلك قال في الرواية الأخرى: «فيؤذن له، وتُرسَل الأمانة والرحِمُ، فيقومان جنبتي الصراط»، هذا المساق أحسن من مساق حديث معبد، عن أنس - ﵁ -، فإنه ذكر فيه عقب استشفاعه لأهل الموقف أنه أُجيب بشفاعته لأمته، وليست الشفاعة العامّة التي طَلَب منه أهل الموقف، وكأنه هذا الحديث سُكِت فيه عن هذه الشفاعة، فذكرت شفاعته لأمته؛ لأن هذه الشفاعة هي التي طُلبت من أنس - ﵁ - أن يُحدّث بها في ذلك الوقت، وهي التي أنكرها أهل البدع، والله تعالى أعلم . (مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ) يعني به - والله أعلم - السبعين الذين لا يسترقون، ولا يتطيّرون، وعلى ربهم يتوكّلون، قاله القرطبيّ (مِنَ الْبَابِ الْأَيْمَن، مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ) هو الباب الذي يكون عن يمين القاصد إلى الجنّة بعد جواز الصراط، واختير؛ لكونه أفضل الأبواب، والله تعالى أعلم (وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأَبْوَابِ) قال القرطبيّ ﵀: يَحْتَمِل أن يعود هذا الضمير إلى السبعين الذين لا حساب عليهم، وهو الظاهر، ويكون معناه: أنهم لا يُلْجأون إلى الدخول من الباب الأيمن، بل من أيّ باب شاؤوا دخلوا، كما جاء في حديث أبي بكر - ﵁ - حيث قال: «هل يُدْعَى منها كلِّها أحدٌ يا رسول الله؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر» متّفقٌ عليه، وكما قال - ﷺ - فيمن أسبغ الوضوء، وهلّل بعده: «أدخله الله من أيّ أبواب الجنّة الثمانية شاء»، رواه مسلم. ويَحْتَمِلُ أن يعود على الأمة، وفيه بُعْدٌ. انتهى كلام القرطبيّ ﵀، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم. (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِه، إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ) بكسر الميم: جانبا الباب (مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّة، لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ) - بفتح الهاء والجيم -: مدينة عظيمة، هي قاعدة بلاد البحرين، قال الجوهريّ في «صحاحه»: هَجَر اسم بلد مُذَكَّر مصروف، قال: والنسبة إليه هاجريّ، وقال أبو القاسم الزجاجيّ في «الْجُمَل»: هَجَر يُذَكَّر ويؤنث. وقال النوويّ: هجر هذه غير هجر المذكورة في حديث: «إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر»، تلك قرية من قُرَى المدينة، كانت القلال تُصْنَع بها، معروفةٌ، وقد أوضحتها في أول «شرح المهذّب». انتهى. (أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى) - بضم الباء - وهي مدينة معروفة، بينها وبين دمشق نحو ثلاث مراحل، وهي مدينة حُوران، وبينها وبين مكة شهر، قاله النوويّ ، وهي غير البصرة المعروفة بالعراق، وقد تقدّم أنها مثلّثة الباء، والغرض من التمثيل بهذا المبالغة في سعة باب الجنّة، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ ﵀: يَحْتَمِلُ أن يكون شكًّا من بعض الرواة، وَيحْتَمِلُ أن يكون تنويعًا، كأنه - ﷺ - قال: إذا رأى ما بينهما قدّره راءٍ بكذا، وقدّره آخر بكذا، ويصحّ أن يقال: سَلَكَ بها مسلك التخيير، فكأنه قال: قدِّروها إن شئتم بكذا، وإن شئتم بكذا. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الصواب كونه للشكّ، ويردّ الاحتمال الثاني ما يأتي في رواية عُمارة بن القعقاع بلفظ: «لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ، أَوْ هَجَرٍ وَمَكَّةَ، قَالَ: لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَ؟»، فإنه صريحٌ في الشكّ، وقد وقع عند ابن منده بلفظ: «كما بين مكة وهَجَر، أو مكة وبُصْرَى، لا أدري أيهما قال؟»، فدلّ على أن «أو» للشكّ من غير شكّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٩٠/ ٤٨٧ و٤٨٨] (١٩٤)، و(البخاريّ) في «أحاديث الأنبياء» (٣٣٤٠ و٣٣٦١)، و«التفسير» (٤٧١٢)، و(الترمذيّ) في «الزهد» (٢٤٣٤)، و«الأطعمة» (١٨٣٧)، و(النسائيّ) في «الوليمة» من «الكبرى» (٦٦٦٠)، و«التفسير» (١١٢٨٦)، و(ابن ماجه) في «الأطعمة» (٣٣٠٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٣١ و٤٣٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤٣٧ و٤٣٨ و٤٣٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤٨٣ و٤٨٤)، و(ابن منده) في «الإيمان» (٨٧٩ و٨٨٠ و٨٨١ و٨٨٢)، وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت في شرح حديث أنس - ﵁ - الطويل، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٨٨] (…) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاع، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: وُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَصْعَةٌ مِنْ ثَرِيدٍ وَلَحْمٍ، فَتَنَاوَلَ الذِّرَاعَ، وَكَانَتْ أَحَبَّ الشَّاةِ إِلَيْه، فَنَهَسَ نَهْسَةً ، فَقَالَ: أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَة، ثُمَّ نَهَسَ أُخْرَى، فَقَالَ: أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَة، فَلَمَّا رَأَى أَصْحَابَهُ لَا يَسْأَلُونَهُ، قَالَ: أَلا تَقُولُونَ كَيْفَهْ؟ قَالُوا: كَيْفَهْ يَا رَسُولَ اللْهِ؟ قَالَ: يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، وَزَادَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ: فَقَالَ: وَذَكَرَ قَوْلَهُ فِي الْكَوْكَبِ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]، وقَوْله لِآلِهَتِهِمْ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وقَوْله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ: إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ إِلَى عِضَادَتَيِ الْبَاب، لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ، أَوْ هَجَرٍ وَمَكَّةَ، قَالَ: لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَ؟). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خَيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٣ - (عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ) بن شُبْرُمة الضبّيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٨. والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: (قَصْعَةٌ) - بفتح القاف، وسكون الصاد المهملة -: هي الصّحْفَة، وزنًا ومعنًى، جمعها قَصَعَات محرَّكةً وكَعِنَب، وجِبَال، قاله المجد ﵀ . وقوله: (مِنْ ثَرِيدٍ) بالفتح، قال الفيَّوميّ ﵀: فَعِيلٌ بمعنى: مفعول، ويقال أيضًا: مَثْرُودٌ، يقال: ثَرَدتُ الْخُبزَ ثَرْدًا، من باب قتل، وهو أن تَفُتّه، ثم تبلّه بمرقٍ، والاسم الثُّرْدَةُ. انتهى . وقال المجد ﵀: ثَرَدَ الخبزَ: فَتَّهُ، كاثَّرَده، واتَّرَده بالثاء والتاء، على افتعله. انتهى . وقوله: (أَلَا تَقُولُونَ كَيْفَهْ؟ قَالُوا: كَيْفَهْ يَا رَسُولَ اللهِ؟) هكذا وقع في النسخ التي بين يديّ بلفظ «كيفه» في الموضعين، ووقع عند القاضي عياض في «شرحه» الأول بلفظ «كيف هو»، ونصّه: وقوله - ﷺ - لأصحابه حين لم يسألوه حين قال: «أنا سيّد ولد آدم: ألا تقولون: كيف هو؟»، وعند العذريّ: «كيفه، قالوا: كيفه»، هذه الهاء هاء السكت عند أهل العربيّة الملْحَقة في الوقف، وهي تَلْحَقُ الأسماء والحروف، والأفعالَ؛ لثلاث عِلَل: لصحّة الحركة التي قبلها آخر الكلمة، كقولهم: غُلاميه، وكتابيه، ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩] على قول بعضهم، وأينه، وكيفه. أو لتمام الكلام المنقوص، كقوله: عمّه، ولمَه، وقِهْ. أو للحاجة عند مدّ الصوت في النداء والنُّدْبة. وفيه تنبيه العالم الطالب على موضع السؤال، وبسطه للسؤال إذا انقبض، وتعظيم القوم العالم أن يسألوه عن كلّ شيء، ولعلّ هذا كان بعد نهيهم عن السؤال إلا فيما أُذن لهم فيه. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ . وقال النوويّ ﵀ في «شرحه»: هذه الهاء هي هاء السكت، تُلْحَق في الوقف، وأما قول الصحابة - ﵃ -: كيفه يا رسول الله، فأثبتوا الهاء في حالة الدرج، ففيها وجهان، حكاهما صاحب «التحرير» وغيره: [أحدهما]: أن من العرب من يُجْري الدرج مُجْرَى الوقف. [والثاني]: أن الصحابة - ﵃ - قَصُدوا اتّباع لفظ النبيّ - ﷺ - الذي حَثَّهم عليه، فلو قالوا: «كيف» لَمَا كانوا سائلين عن اللفظ الذي حَثَّهم عليه، والله تعالى أعلم، قاله النوويّ ﵀ . وإلى هذه الهاء أشار ابن مالك ﵀ في «الخلاصة» حيث قال: وَوَصْلَ ذِي الْهَاءِ أَجِزْ فِي كُلِّ مَا … حُرِّكَ تَحْرِيكَ بِنَاءٍ لَزِمَا وَوَصْلُهَا بِغَيْرِ تَحْرِيكِ بِنَا … أُدِيمَ شَذَّ فِي الْمُدَامِ اسْتُحْسِنَا وَرُبَّمَا أُعْطِيَ لَفْظُ الْوَصْلِ مَا … لِلْوَقْفِ نَثْرًا وَفَشَا مُنْتَظِمَا وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ … إلخ) الضمير لعمارة بن القعقاع. وقوله: (وَزَادَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ) ﵇ الضمير لعمارة أيضًا، وكذا (فَقَالَ) أي قال عمارة، وقوله: (وَذَكَرَ) قَوْلَهُ فِي الْكَوْكَبِ … إلخ، مقول القول، وهو محكيّ؛ لقصد لفظه. وقوله: (قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ) ضمير «قال» للنبيّ - ﷺ -. وقوله: (إِلَى عِضَادَتَيِ الْبَابِ) هو بكسر العين، قال الجوهريّ: عِضادتا الباب: هما خشبتاه من جانبيه. انتهى. [تنبيه]: رواية عُمارة بن القعقاع التي أحالها المصنّف ﵀ هنا أخرجها الحافظ ابن منده ﵀ في «كتاب الإيمان» (٢/ ٨٥١)، فقال: (٨٨٢) أخبرنا محمد بن إبراهيم بن الفضل، وأحمد بن إسحاق بن أيوب، ومحمد بن يعقوب، قالوا: ثنا أحمد بن سلمة، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأ جرير بن عبد الحميد، عن عُمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، قال: وُضِعت بين يدي رسول الله - ﷺ - قصعة من ثريد، فتناول الذراع، وكان أحب الشاة إلى رسول الله - ﷺ -، فنَهَس نَهْسَةً، فقال: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ثم نهس أخرى، فقال: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، فلما رأى أن أصحابه لا يسألونه، قال: ألا تقولون كيف؟ قالوا: يا رسول الله كيف؟ قال: يقوم الناس لرب العالمين، يُسْمِعهم الداعي، ويَنْفُذهم البصر، وتدنو الشمس من رؤوسهم، فيشتدّ عليهم حرّها، ويشقّ عليهم دُنُوُّها منهم، قال: فينطلقون من الضَّجَر والْجَزَع مما هم فيه، فيأتون آدم، فيقولون: أنت آدم أبو البشر، خلقك الله بيده، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربنا، ألا ترى ما نحن فيه من الشرّ؟ فيقول آدم: إن ربي غَضِب اليوم غَضَبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يَغْضَب بعده مثله، وكان أمرني أمرًا فعصيته، وأطعت الشيطان، نهاني عن الشجرة، فعصيته، وأخاف أن يَطْرَحني في النار، انطلقوا إلى غيري، نفسي نفسي، قال: فينطلقون، فيأتون إلى نوح ﵇، فيقولون: يا نوح، أنت نبي الله، وأول رسل الله، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه من الشرّ؟ فيقول نوح: إن ربي غَضِب اليوم غَضَبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه كانت لي دعوة، فدعوت بها على قومي، فأُهلكوا، وإني أخاف أن يَطْرحني في النار، انطلقوا إلى غيري، نفسي نفسي، قال: فينطلقون، فيأتون إبراهيم ﵇، فيقولون: يا إبراهيم أنت خليل الله، قد سَمِع بِخُلّتك أهل السماء وأهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه من الشرّ؟ فيقول إبراهيم: إن ربي غَضِب اليوم غَضَبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وذكر الكوكب، قوله: إنه ربي، وقوله لآلهتهم: هذا كبيرهم، وقوله: إني سقيم، وأخاف أن يَطْرَحني في النار، انطلقوا إلى غيري، نفسي نفسي، فينطلقون، حتى يأتون موسى، فيقولون: يا موسى أنت نبي الله، اصطفاك الله برسالاته، وكلمك تكليمًا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه من الشرّ؟ فقال موسى: إن ربي غَضِب اليوم غَضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفسًا، لم أومر بها، فأخاف أن يَطْرَحني في النار، انطلقوا إلى غيري، نفسي نفسي، فينطلقون حتى يأتوا عيسى، فيقولون: يا عيسى أنت نبي الله، أنت كلمة الله وروحه، ألقاها إلى مريم وروح منه، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه من الشرّ؟ فيقول عيسى: إن ربي غَضِب اليوم غضبًا، لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله - قال عمارة: ولا أعلمه ذكر ذنبًا - وقال: إني أخاف أن يَطرحني في النار، انطلقوا إلى
مصادر المؤلف (٤٦)

١. راجع: فتح الباري ج: ١٣ ص: ٤٧٦.

٢. وفي نسخة: «ألا تنظرون إلى من يشفع لكم».

٣. وفي نسخة: «ألا ترى ما قد بلغنا».

٤. وفي نسخة: «نفسي نفسي اذهبوا إلى نوح».

٥. وفي نسخة: «برسالته».

٦. وفي نسخة: «ألا ترى إلى ما نحن فيه، ألا ترى إلى ما بلغنا»، بزيادة «إلى» في الموضعين، وفي نسخة بزيادتها في الأول دون الثاني.

٧. وفي نسخة:«واشفع»بالواو.

٨. المراد بالجمع ما فوق الواحد، بدليل قوله: «توافقا»، فتنبّه.

٩. «المصباح المنير» ١/ ٢٠٧ - ٢٠٨.

١٠. «إكمال المعلم» ٢/ ٨٧٤.

١١. «إكمال المعلم» ٢/ ٨٧٢ - ٨٧٣.

١٢. «المفهم» ١/ ٤٢٦.

١٣. «إكمال المعلم» ٢/ ٨٧٣ - ٨٧٤.

١٤. «الفتح» ٦/ ٤٢٩ «كتاب أحاديث الأنبياء» رقم (٣٣٤٠ - ٣٣٤١).

١٥. «النهاية» ٥/ ٩١.

١٦. «شرح مسلم» ٣/ ٦٦.

١٧. «المفهم» ١/ ٤٢٧.

١٨. «المفهم» ١/ ٤٢٨.

١٩. «المفهم» ١/ ٤٢٧ - ٤٢٨.

٢٠. «شرح مسلم» ٣/ ٦٧ - ٦٨.

٢١. راجع: «الفتح» ٨/ ٢٤٨ «كتاب التفسير» رقم (٤٧١٢).

٢٢. راجع: «الفتح» ٦/ ٤٣٠ «كتاب أحاديث الأنبياء» (٣٣٤١).

٢٣. «المفهم» ١/ ٤٢٨.

٢٤. «المفهم» ١/ ٤٢٩.

٢٥. تقدّم أن هذا حديث ضعيف.

٢٦. «المفهم» ١/ ٤٢٩.

٢٧. أي سكّنوني من الرعب.

٢٨. «تفسير ابن كثير» ٦/ ٩٧ - ٩٩.

٢٩. أي من تلك الكذبات التي قالها إبراهيم ﵇، فهو من تَتِمّة كلام القرطبيّ السابق، فتنبّه.

٣٠. «المفهم» ١/ ٤٣١ - ٤٣٣.

٣١. «المفهم» ١/ ٤٣٣.

٣٢. راجع: «شرح العقيدة الطحاويّة»، فقد أبان المذاهب كلها، وحقّقها تحقيقًا بالغًا ص ١٦٨ - ١٨٨.

٣٣. «المفهم» ١/ ٤٣٥.

٣٤. «المفهم» ١/ ٤٣٥ - ٤٣٦.

٣٥. «المفهم» ١/ ٤٣٥ - ٤٣٦.

٣٦. وفي نسخة: «واشفع» بالواو.

٣٧. «المفهم» ١/ ٤٣٧.

٣٨. «شرح مسلم» ٣/ ٦٩.

٣٩. «المفهم» ١/ ٤٣٨ - ٤٣٩.

٤٠. وفي نسخة: «فنهس منها نهسةً».

٤١. «القاموس المحيط» ص ٦٧٦.

٤٢. «المصباح المنير» ١/ ٨١.

٤٣. المصدر السابق ص ٢٤٥.

٤٤. «إكمال المعلم» ٢/ ٨٧٤ - ٨٧٦.

٤٥. «شرح النوويّ» ٣/ ٧٠.

٤٦. لكن وقع عنده في آخره بلفظ: «كما بين مكة وهجر، أو مكة وبصرى»، والظاهر أنه وقع له من شيخه هكذا، والله أعلم.