HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٠٨

وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عشيرتك الأقربين﴾ [٢٦/الشعراء/ الآية-٢١٤] وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ. خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا. فَهَتَفَ «يَا صَبَاحَاهْ!» فَقَالُوا: مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ؟ قَالُوا: مُحَمَّدٌ. فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ «يَا بَنِي فُلَانٍ! يَا بَنِي فُلَانٍ! يَا بَنِي فُلَانٍ! يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ!» فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَقَالَ «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟» قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا. قَالَ «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ». قَالَ فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ! أَمَا جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا؟ ثُمَّ قَامَ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ السورة: ﴿تبت يدا أبي لهب وقد تب﴾ [١١١/المسد/ الآية-١]. كذا قرأ الأعمش إلى آخر السورة.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص134
ج ١ ص ١٩٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٥ ص٤٣٣
فتوضّأ … «، و(٩٢٠):»إن الروح إذا قُبض تبعه البصر … «، و(٢٥٤٩):»أحيٌّ والداك؟ قال: نعم … «. ٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصلت الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ ذَكْوَانَ) هو: أبو الزناد القرشيّ المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في«المقدمة»٥/ ٣٠. ٥ - (الْأَعْرَجُ) هو: عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقية [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في«الإيمان»٢٣/ ١٩٢. وقوله: (نحو هذا) أي نحو حديث ابن المسيِّب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -. [تنبيه]: رواية الأعرج هذه التي أحالها المصنّف ﵀ على رواية ابن المسيِّب، وأبي سلمة، أخرجها الحافظ أبو عوانة ﵀ في«مسنده» (١/ ٩٠)، فقال: (٢٧٤) حدثنا محمد بن حيويه بن موسى، قال: أنبا أبو اليمان، قال: أنبا شعيب، قال: حدثني أبو الزناد (ح)، وحدثنا محمد بن كثير، قال: ثنا إسماعيل بن أبي كَرِيمة، قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن عبد الوهاب، عن عبد الله بن ذكوان (ح) وحدثنا طاهر بن خالد بن نِزار، قال: ثنا أبي، قال: ثنا إبراهيم بن طَهْمان، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يا بني عبد مناف، اشتروا أنفسكم من الله، يا بني عبد المطلب، اشتروا أنفسكم من الله، يا أم الزبير، يا عمة النبي - ﷺ -، يا فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -، اشتَرِيَا أنفسكما من الله، لا أملك لكما من الله شيئًا، سلاني من مالي ما شئتما». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥١٢] (٢٠٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، حَدَّثنا التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِق، وَزُهَيْرِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَا: لَمَّا نَزَلَت« ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] قَالَ: انْطَلَقَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - إِلَى رَضْمَةٍ مِنْ جَبَلٍ، فَعَلَا أَعْلَاهَا حَجَرًا، ثُمَّ نَادَى:»يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافَاهْ، إِنِّي نَذِيرٌ، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ رَأَى الْعَدُوَّ، فَانْطَلَقَ يَرْبَأُ أَهْلَهُ، فَخَشِيَ أَنْ يَسْبِقُوهُ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ يَا صَبَاحَاهْ«). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) هو: فضيل بن حسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د، س) تقدم في«المقدمة»٦/ ٥٧. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) الْعَيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ، ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في«الإيمان»٧/ ١٣٢. ٣ - (التَّيْمِيُّ) هو: سليمان بن طرخان، أبو المعتمر البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (١٤٣) (ع) تقدم في«المقدمة»٣/ ٩. ٤ - (أَبُو عُثْمَانَ) هو: عبد الرَّحمن بن مِلّ بن عمرو النَّهْديّ، أبو عثمان الكوفيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ مخضرمٌ، من كبار [٢] (ت ٩٥) أو بعدها، وهو ابن (١٣٠) أو أكثر (ع) تقدم في«المقدمة» ٣/ ٩. ٥ - (قَبِيصَةُ بْنُ الْمُخَارِقِ) - بضمّ الميم، وتخفيف المعجمة - بن عبد الله بن شَدّاد بن معاوية بن أبي رَبِيعة بن نَهِيك بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلاليّ البصريّ، وَفَدَ على النبيّ - ﷺ -، ورَوَى عنه، ورَوَى عنه ابنه قَطَن، وكِنَانة بن نُعَيم، وهلال بن عامر البصريّ، وأبو عثمان النَّهْديّ، وأبو قِلابة الْجَرْميّ، وكنيته أبو بِشْر فيما ذكر ابن عبد البرّ، وقال البخاريّ: له صحبةٌ، ويقال له: الْعِجْليّ، وقال ابن أبي حاتم: بصريّ من قيس عَيْلان، له صحبة، وقال ابن حبّان: له صحبةٌ، سكن البصرة، وقال خليفة في «الطبقات»: كانت له دار بالبصرة، وقال ابن الكلبيّ: كان قَطَنُ بن قَبِيصة شَرِيفًا، وقد وَليَ سِجِسْتان . أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (٢٠٧)، وحديث (١٠٤٤): «إن المسألة لا تحلّ إلَّا لأحد ثلاثة …». ٦ - (زُهَيْرُ بْنُ عَمْرٍو) الهلاليّ، رَوَى عن النبيّ - ﷺ - هذا الحديث فقط، ورَوَى عنه أبو عثمان النَّهْديّ، مقرونًا بقبيصة بن المخارق، قال الأزديّ: تفرَّد عنه أبو عثمان، وقال العسكريّ: نزل البصرة، له بها دارٌ، وقال البغويّ: لا أعلم له إلَّا حديث الإنذار، ونقل ابن السكن عن البخاريّ أنه لَمْ يُصَحِّح صحبته؛ لأنه لَمْ يذكر السماع. انتهى. تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرَم، عن صحابيين. ٤ - (ومنها): أن صحابيَّيْه من المقلّين في الرواية، فأما زهير، فليس له إلَّا هذا الحديث فقط عند المصنّف، والنسائيّ في «الكبرى» ، وأما قَبِيصة، فله نحو خمسة أحاديث فقط، وليس له في البخاريّ وابن ماجة شيء ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِق، وَزُهَيْرِ بْنِ عَمْرٍو) - ﵄ - أنهما (قَالَا: لَمَّا نَزَلَت« ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] قَالَ)، قال النوويّ - ﵀ -: معناه: قالا؛ لأن المراد أن قبيصة وزهيرًا قالا، ولكن لما كانا متفقين، وهما كالرجل الواحد أفرد فعلهما، ولو حَذَفَ لفظة»قال«كان الكلام واضحًا منتظمًا، ولكن لما حَصَلَ في الكلام بعض الطول حَسُنَ إعادة«قال»؛ للتأكيد، ومثله في القرآن العزيز: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)﴾ [المؤمنون: ٣٥]، فأعاد: ﴿أَنَّكُمْ﴾، وله نظائر كثيرة في القرآن العزيز والحديث، وقد تَقَدَّم بيانه في مواضع من هذا الكتاب. انتهى كلامه - ﵀ -، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (انْطَلَقَ) أي ذهب (نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - إِلَى رَضْمَةٍ مِنْ جَبَلٍ)«الرَّضْمَةُ»بفتح الراء، وإسكان الضاد المعجمة، وبفتحها، لغتان، حكاهما صاحب«المطالع»وغيره، واقتصر صاحب«العين»، والجوهريّ، والْهَرَويّ، وغيرهم على الإسكان، وابنُ فارس، وبعضُهم على الفتح، قالوا:«الرَّضْمَة»: واحدة الرَّضْم، والرِّضَام، وهي: صخورٌ عِظامٌ، بعضها فوق بعض، وقيل: هي دون الْهِضَاب، وقال صاحب«العين»: الرَّضْمَةُ: حِجارة مجتمعةٌ، ليست بثابتة في الأرض، كأنها منثورة. انتهى . وقال المازريّ: الرَّضْمةُ: هي صُخُور بعضها على بعض، يقال: بَنَى داره يَرْضِمُ فيه الحجارةَ رَضْمًا، ومنه الحديث:«وكان البناءُ الأول من الكعبة رَضْمًا». انتهى . (فَعَلَا أَعْلَاهَا) أي صَعِدَ - ﷺ - أعلى تلك الرضمة (حَجَرًا) منصوب على التمييز المحوّل من الفاعل، كما قال في«الخلاصة»: وَالْفَاعِلَ الْمَعْنَى انْصِبَنْ بِـ«أَفْعَلَا»… مُفَضِّلًا كَـ«أَنْتَ أَعْلَى مَنْزِلَا»وَيحْتَمل أن يكون«حجرًا»مفعولًا به لـ«علا»، و«أعلاها»حال منه، وأصله صفة، فلما قُدّم أُعرب حالًا؛ لأن القاعدة أن نعت النكرة إذا قُدّمت تُعرَب حالًا، والوجه الأول أولى، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ نَادَى:«يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافَاهْ»هذا هو المسمَّى عند النحاة بالندبة، وهو نوع من النداء يزيد عليه بكون المنادى فيه متفجِّعًا عليه، كـ«وا زيداه»، أو متوجَّعًا منه، كـ«وا ظهراه»، وتلحق آخره ألف الندبة، ويجوز إلحاق هاء السكت، للوقف، قال في«الخلاصة»: وَوَاقِفًا زِدْ هَاءَ سَكْتٍ إِنْ تُرِدْ … وَإِنْ تَشَأْ فَالْمَدُّ وَالْهَا لَا تَزِدْ (إِنِّي نَذِيرٌ، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ رَأَى الْعَدُوَّ، فَانْطَلَقَ يَرْبَأُ أَهْلَهُ) بفتح الياء، وإسكان الراء، وبعدها باء موحدة، ثم همزة، على وزن«يَقْرَأُ»ومعناه: يحفظهم، ويَتَطَلَّع لهم، ويقال لفاعل ذلك: رَبِيئَة، وهو العين، والطَّلِيعة الذي يَنظُر للقوم؛ لئلا يَدْهَمهم العدوّ، ولا يكون في الغالب إلَّا على جبلٍ، أو شَرَفٍ، أو شيءٍ مرتفعٍ؛ لينظر إلى أبْعَدَ، قاله النوويّ - ﵀ -. انتهى. وقال المازريّ - ﵀ -:«الرَّبِيئة»: الطَّلِيعةُ والعينُ، وأنشد أبو عمرو: فَأَرْسَلْنَا أَبَا عَمْرٍ رَبِيئًا وقال القاضي عياض - ﵀ -: هكذا الرواية الصحيحة، كما ضبطه، وفَسَّره المازريّ، وكذا كان عند شيخنا الْخُشَنيّ، وكان عند الْعُذريّ وغيره من الرواة:«يَرْتَأُ»، ولا وجه له هنا. انتهى كلام القاضي - ﵀ - . وقال في«القاموس»: رَبَأَهم، ولهم، كمَنَعَ: صار ربيئةً لهم، أي طَلِيعةً، وعلا، وارتفع، ورَفَعَ، وأصلح، وأذهب، وجَمَعَ من كلّ طعام، وتثاقل في مِشْيته، وأشرف، كارْتبَأَ. انتهى . (فَخَشِيَ أَنْ يَسْبِقُوهُ) أي أن يسبق الأعداء ذلك الرجل (فَجَعَلَ) أي أخذ، وشرع (يَهْتِفُ) - بفتح الياء، وكسر التاء - ومعناه: يَصِيح، وَيصْرُخ، وقوله: (يَا صَبَاحَاهْ»)، مقول لقول مقدَّر منصوب على الحال، أي حال كونه قائلًا: يا صباحاه، كلمة يعتادونها عند وقوع أمر عظيم، فيقولونها؛ ليجتمعوا، ويتأهّبوا له . وهي مضافة إلى ياء المتكلّم، فأصلها: يا صباحي، فقلبت الياء ألفًا في النداء، أو حُذفت من أجل ألف الندبة، والهاء للسكت، كما تقدّم في «يا عبد منافاه». وقال ابن الأثير - ﵀ -: هذه كلمةٌ يقولها المستغيث، وأصلها إذا صاحوا للغارة؛ لأنهم أكثرَ ما يُغيرون عند الصباح، ويُسمُّون يوم الغارةِ يوم الصباح، فكأن القائل: يا صباحاه يقول: قد غَشِيَنا العدوّ، وقيل: إن المتقاتلين كانوا إذا جاء الليل يرجعون عن القتال، فإذا عاد النهار عاودوه، فكأنه يريد بقوله: يا صباحاه: قد جاء وقت الصباح، فتأهّبوا للقتال. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث قَبِيصة بن الْمُخارق، وزُهير بن عمرو - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٩٥/ ٥١٢ و٥١٣] (٢٠٧)، و(النسائيّ) في «عمل اليوم والليلة» (٩٧٩ و٩٨١ و٩٨٢)، و«التفسير» (١١٣٧٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٦٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٦٥ و٢٦٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٥٠٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥١٣] (…) - (وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيه، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ عَمْرٍو، وَقَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِنَحْوِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الصنعانيّ البصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ البصريّ، تقدّم قريبًا. والباقون تقدّموا في السند السابق، وأبو المعتمر هو سليمان بن طَرْخان. وقوله: (بِنَحْوِهِ) يعني أن رواية المعتمر عن أبيه، نحو رواية يزيد بن زُريع، عنه. [تنبيه]: رواية المعتمر هذه التي أحالها المصنّف على رواية يزيد بن زُريع، أخرجها أبو نُعيم - ﵀ - في «مستخرجه» (١/ ٢٧٧)، فقال: (٥٠٨) وحدثنا أبو محمد بن حبان، ثنا ابن أبي عاصم، ثنا عبيد الله بن معاذ، ثنا المعتمر بن سليمان، ثنا أبي، ثنا أبو عثمان النَّهْديّ، عن زُهير بن عمرو، وقَبِيصة بن الْمُخَارق، قال: لَمّا نَزَلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] انطَلَق نبي الله - ﷺ - إلى رَضْمَةٍ من جَبَل على أعلاها حجر، فجَعَل ينادي: «يا بني عبد مناف، إنما أنا نذيرٌ، إنما مَثَلِي ومَثَلُكم، كرَجُل رأى العدوّ، فذَهَب يَرْبَأُ على أهله، فَخَشِي أن يُسْبَقَ، فجَعَل ينادي، أو يَهْتِف: يا صباحاه». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥١٤] (٢٥٨) - (وَحَدَّثنَا أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، حَدَّثنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]، وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ، خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا، فَهَتَفَ: «يَا صَبَاحَاهْ»، فَقَالُوا: مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ؟ قَالُوا: مُحَمَّدٌ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْه، فَقَالَ: «يَا بَني فُلَانٍ، يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ»، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْه، فَقَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَل، كُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟» قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا، قَالَ: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ»، قَالَ: فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ، أَمَا جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا؟ ثُمَّ قَامَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبِ وَقَدْ تَبَّ﴾، كَذَا قَرَأَ الْأَعْمَشُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الإمام المشهور، تقدّم قريبًا. ٤ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ الْمُراديّ، أبو عبد الله الكوفيّ الأعمي، ثقةٌ عابدٌ، لا يُدلّسُ، رُمي بالإرجاء [٥] (ت ١١٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٥/ ٤٥٢. ٥ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بن هشام الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ ٣١، (ت ٩٥) ولم يكمل الخمسين من عمره (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٧/ ٣٢٩. ٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله الحبر البحر - ﵄ - (ت ٦٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أنّ رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الكتب الستّة بلا واسطة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين، سوى الصحابيّ - ﵁ -، فمدنيّ، ثم بصريّ، ثم مكيّ، ثم طائفيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن سعيد بن جبير، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأن كلًّا منهما من الطبقة الخامسة. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ - أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، وأحد المشهورين بالفتوى، وكان يلقّب بالحبر، والبحر؛ لسعة علمه، وهو آخر من مات بالطائف من الصحابة - ﵃ -، مات سنة (٦٨)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ -، أنه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذ الْآيَةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] وَرَهْطَكَ) قال المجد - ﵀ -: «الرَّهْطُ» بفتح، فسكون، ويُحرَّك: قوم الرجل، وقبيلته، ومن ثلاثة، أو سبعة، إلى العشرة، أو ما دون العشرة، وما فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه، جمعه: أَرْهُطٌ، وأَراهطُ، وأَرْهاط، وأَراهيط. انتهى . (مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) - بفتح اللام - قال النوويّ - ﵀ -: ظاهر هذه العبارة أن قوله: «ورهطك منهم المخلَصين» كان قرآنًا أُنزل، ثم نُسِخت تلاوته، ولم تقع هذه الزيادة في روايات البخاري. انتهى . وتعقّب في «الفتح» قول النوويّ: إنها لَمْ تقع عند البخاريّ، بأنها وقعت عنده في «تفسير سورة ﴿تَبَّتْ﴾، فتنبّه. وقال القرطبيّ - ﵀ -: لعل هذه الزيادة كانت قرآنًا، فنُسخت تلاوتها، ثم استشكل بأن المراد إنذار الكفّار، والمخلَص صفة المؤمن، والجواب: أنه لا يمتنع عطف الخاصّ على العامّ، فقوله: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيَرتَكَ﴾ عامّ فيمن آمن منهم، ومن لَمْ يؤمن، ثم عَطَف عليه الرهط المخلصين؛ تنويهًا بهم، وتأكيدا . قال الجامح عفا الله عنه: الذي يظهر لي أنه ليس المراد بكونهم المخلَصين الإخلاص الإيمانيّ، وإنما هو إخلاص الودُّ والعطف والقرابة، فإن من كان أقرب إلى الشخص نسبًا يكون أخلص في موالاته، ومناصرته ومحبّته، وهو أيضًا يخلص لهم الودّ والمحبّة، فتأمل، والله تعالى أعلم. (خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي من بيته (حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا) بكسر العين، أي رَقِي على الجبل المعروف (فَهَتَفَ: «يَا صَبَاحَاهْ») تقدّم الكلام على هذه الجملة قريبًا (فَقَالُوا) أي بعض قريشٍ لبعضهم (مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ؟ قَالُوا) أي البعض الآخرون (مُحَمَّد) خبر لمحذوف دلّ عليه السؤال، أي هو محمد - ﷺ - (فَاجْتَمَعُوا إِلَيْه، فَقَالَ) - ﷺ - «(»يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي فُلَانٍ) تقدّم في حديث أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: يا بني كعب بن لُؤيّ، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرّة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار»، (يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ«، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْه، فَقَالَ) - ﷺ - (»أَرَأَيْتُمْ) معناه: أخبروني، قال الطيبيّ - ﵀ -: الضمير المتّصل المرفوع من الخطاب العامّ، والضمير الثاني لا محلّ له، فهو كالبيان للأول؛ لأن الأول بمنزلة الجنس الشائع في المخاطبين، فيستوي فيه التأنيث والتذكير، والإفراد والجمع، فإذا أريد بيانه بإحدى هذه الأنواع بُيّن به، فأَتَى في الحديث بعلامة الجمع بيانًا للمراد. انتهى . (لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ) أراد بذلك تقريرهم بأنهم يعلمون صدقه إذا أخبر عن الأمر الغائب، ووقع في حديث عليّ - ﵁ -: «ما أعلم شابًّا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة» ، (أَنَّ خَيْلًا): أي أصحاب خيل، أُطلق عليهم اسم الخيل؛ لملازمتهم لها (تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ) - بفتح السين - وهو أسفله، وقيل: عَرْضه، والمشار إليه جبل أبي قُبيس حيث كان واقفًا على طرفه (كُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ «) - بتشديد الدال والياء - أصله: مصدِّقين لي، فحُذفت النون واللام؟ للإضافة، ثم أُدغمت الياء في الياء، هذا في حالة النصب، كما هنا؛ لأنه خبر لـ»كان«، وكذا في حالة الجرّ، وأما في حالة الرفع، فأصله: مصدّقون لي، فلما حُذفت النون، واللام، اجتَمَعَت الواو والياء، وسَبَقت إحداهما بالسكون، فقُلبت الواو ياء، وأدغمت في ياء المتكلِّم، ثم كُسرت القاف؛ لمناسبة الياء، وإلى هذا أشار في»الخلاصة«حيث قال: آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْكَسْرِ إِذَا … لَمْ يَكُ مُعْتَلًّا كَـ«رَامٍ وَقَذَا»أَوْ يَكُ كَـ«ابْنَيْنِ»وَ«زَيْدِينَ»فَذِي … جَمِيعُهَا الْيَا بَعْدُ فَتْحُهَا احْتُذِي وَتُدْغَمُ الْيَا فِيهِ وَالْوَاوُ وَإِنْ … مَا قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ فَاكْسِرْهُ يَهُنْ (قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا) قال المجد - ﵀ -: جَرّبه تَجْربةً: اخْتَبَره، ورجلٌ مُجَرَّبٌ، كمُعَظَّم: بُلِي ما كان عنده، ومُجَرِّب: عَرَفَ الأمور. انتهى . وقال الطيبيّ - ﵀ -: ضَمَّن«جَرَّب»معنى الإلقاء، فعدّاه بـ«على»، أي: ما ألقينا عليك قولًا، مجرِّبين لك، هل تكذب، أم لا؟ فما سمِعنا منك إلَّا صدقًا. انتهى. (قَالَ) - ﷺ - (فَإِنِّي نَذِيرٌ) فعيلٌ بمعنى فاعل: أي منذر، قال الفيّوميّ - ﵀ -: أنذرتُ الرجلَ كذا إنذارًا: أبلغته، يتعدّى إلى مفعولين، وأكثر ما يُستعمَلُ في التخويف، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ [غافر: ١٨]: أي خَوِّفهم عذابه، والفاعل مُنذِرٌ، ونذيرٌ، والجمع نُذُر بضمّتين، وأنذرته بكذا، فَنَذِرَ به، مثلُ أعلمته به، فعَلِم وزنًا ومعنًى، فالصلة فارقة بين الفعلين. انتهى . وقال المجد - ﵀ -: ونَذِرَ بالشيء، كفَرِح: عَلِمه، فَحَذِره، وأنذره بالأمر إنذارًا ونَذْرًا، ويُضمّ، وبضمّتين، ونَذِيرًا: أعلمه، وحَذَّره، وخَوَّفه في إبلاغه، والاسم النُّذْرَى بالضمّ، والنُّذُرُ بضمّتين، ومنه قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦)﴾ [القمر: ١٦] أي إنذاري، والنذير: الإنذارُ، كالنِّذَارة بالكسر. انتهى . (لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ»)«بين»ظرفٌ لقوله:«نذير»، وهو بمعنى: قُدّام؛ لأن كلَّ من يكون قُدَّام أحد يكون بين الجهتين السابقتين ليمينه وشماله، وفيه تمثيل، مثّل إنذاره القوم بعذاب الله تعالى النازل على القوم بنذير قوم يتقدّم جيش العدوّ، فيُنذرهم، قاله الطيبيّ - ﵀ - . وفي رواية لأحمد:«أنا النذير، والساعة الْمَوْعِدُ»، وعند الطبريّ من مرسل قسامة بن زُهير قال: بلغني أنه - ﷺ - وضع أصابعه في أذنه، ورفع صوته، وقال:«يا صباحاه»، ووصله مرّة أخرى عن قسامة، عن أبي موسى الأشعريّ، وأخرجه الترمذيّ موصولًا أيضًا، قاله في«الفتح». [تنبيه]: قال الطيبيّ - ﵀ -: أسلوب هذا الحديث يُسمَّى في علم البديع بـ«المذهب الكلاميّ»؛ لأنه - ﷺ - استنطقهم أَوّلًا بما أقرّوا به أنه صادِق، فلمّا اعترفوا، ألزمهم بقوله:«فإني نذير لكم … إلخ»، أي إذا عرفتم بصدقي، فاتّبعوا لما أقول لكم. انتهى . (قَالَ) الراوي، وهو ابن عبّاس - ﵄ - ناقلًا عمن روى له هذه القصّة؛ لأنه لَمْ يحضرها، كما أسلفناه، فهو من مرسل الصحابيّ (فَقَالَ أَبُو لَهَب) فيه لغتان، قُرِئ بهما: فتح الهاء، وإسكانها، واسمه عبد الْعُزَّى (تَبًّا لَكَ) أي خُسرانًا وهلاكًا، ونصبه بعامل مضمر، وفي رواية أبي عوانة في«مسنده»:«تبًّا لك سائر اليوم»، أي جميع الأيام (أَمَا) أداة استفتاح، وتنبيه، كـ«إلا»(جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا؟ ثُمَّ قَامَ) أي أبو لهب من مجلس رسول الله - ﷺ - كراهية له (فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ) فيها لغتان: الهمز، وتركه، حكاهما ابن قتيبة، والمشهور بغير همز، كسُور البلد؛ لارتفاعها، ومَن هَمَزَه قال: هي قطعة من القرآن، كسؤر الطعام والشراب، وهي البقية منه. وقوله: (﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾) بدل من«هذه السورة»محكيّ؛ لقصد لفظه، قال المجد:«تَبَّت يداه»: ضلَّتا، وخسرتا، وقال السمين الحلبيّ: وأُسند الفعل إلى اليدين مجازًا؛ لأن أكثر الأعمال تزاول بهما، وإن كان المراد جملة المدعوّ عليه، وقوله: ﴿تَبَّتْ﴾ دعاء، و﴿تبّ] إخبار: أي قد وقع ما دُعي به عليه، كقول الشاعر [من الطويل]: جَزَانِي جَزَاهُ اللهُ شَرَّ جَزَائِهِ جَزَاءَ … الْكِلَابِ الْعَاوِياتِ وَقَدْ فَعَلْ ويؤيّده قراءة عبد الله - ﵁ -:«وقد تَبّ»، والظاهر أن كليهما دعاء، ويكون في هذا شَبَهٌ من مجيء العامّ بعد الخاصّ؛ لأن اليدين بعضٌ، وإن كان حقيقة اليدين غير مراد، وإنما عَبّر باليدين؛ لأن الأعمال غالبًا تُزاول بهما. انتهى . وقال الفرّاء: الأول دعاء بهلاك جملته، على أن اليدين إما كناية عن الذات، والنفس؛ لما بينهما من اللزوم في الجملة، أو مجاز مرسل، من إطلاق الجزء، وإرادة الكل، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، والثاني إخبار بالحصول: أي وكان ذلك، وحصل. انتهى. وقوله: (﴿وَقَدْ تَبَّ﴾) أي وقد هلك، وخَسِرَ أبو لهب (كَذَا قَرَأَ الْأَعْمَشُ) قال النوويّ - ﵀ -: معناه أن الأعمش زاد لفظة: «قد» بخلاف القراءة المشهورة، وفي رواية البخاريّ: «هكذا قرأها الأعمش يومئذ»، قال في «الفتح»: وليست هذه القراءة فيما نَقَل الفرّاء عن الأعمش، فالذي يظهر أنه قرأها حاكيًا، لا قارئا، ويؤيِّده قوله في هذا السياق: «يومئذ»، فإنه يُشعر بأنه كان لا يستمرّ على قراءتها كذلك، والمحفوظ أنَّها قراءة ابن مسعود - ﵁ - وحده. انتهى . وقوله: (إِلَى آخِرِ السُّورَةِ) يعني أنه أتمّ القراءة إلى آخر السورة، كما يقرؤها الناس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٩٥/ ٥١٤ و٥١٥] (٢٠٨)، و(البخاريّ) في «الجنائز» (١٣٩٤)، و«الأنبياء» (٣٥٢٥)، و«التفسير» (٤٧٧٠ و٤٨٠١ و٤٩٧١ و٤٩٧٢ و٤٩٧٣)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣٣٦٣)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٨١ و٣٠٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٦٢ و٢٦٣ و٢٦٤)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٥٠٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٥٥٠)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (١٩/ ١٢٠ - ١٢١)، و(ابن منده) في «الإيمان» (٩٤٩ و٩٥٠ و٩٥١)، و(البيهقيّ) في «دلائل النبوّة» (٢/ ١٨١ - ١٨٢)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٣٧٤٢)، وفي «تفسيره» (٣/ ٤٠٠ - ٤٠١). وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت في مسائل حديث أبي هريرة - ﵁ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥١٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، بِهَذَا الْإِسْنَاد، قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ذَاتَ يَوْمٍ الصَّفَا، فَقَالَ: «يَا صَبَاحَاهْ»، بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي أسَامَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ نُزُولَ الْآيَةِ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) هو: محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، تقدّم قريبًا، والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ) يعني أن أبا معاوية روى هذا الحديث عن الأعمش بنحو ما رواه أبو أسامة عنه. [تنبيه]: رواية أبي معاوية هذه التي أحالها المصنّف على رواية أبي أسامة، أخرجها الإمام البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»، فقال: (٤٩٧٢) حدثنا محمد بن سلام، أخبرنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مُرّة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن النبيّ - ﷺ - خرج إلى البطحاء، فَصَعِد إلى الجبل، فنادى: يا صباحاه، فاجتمعت إليه قريش، فقال: «أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مُصَبِّحكم، أو ممسيكم، أكنتم تصدقوني؟» قالوا: نعم، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»، فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تبًّا لك، فأنزل الله - ﷿ -: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ إلى آخرها .. انتهى. وأخرجها أيضًا الحافظ ابن منده - ﵀ - في «الإيمان» (٢/ ٨٨٤)، فقال: (٩٥١) وأخبرنا محمد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن إسحاق، ثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: صَعِد رسول الله - ﷺ - على الصفا، فنادى: «يا
مصادر المؤلف (٢٩)

١. وفي نسخة: «لَمّا أنزلت».

٢. «الإصابة» ٥/ ٣١٢ - ٣١٣.

٣. راجع:«تحفة الأشراف»٣/ ١٣١ - ١٣٢.

٤. راجع:«تحفة الأشراف»٧/ ٥١٢ - ٥١٤.

٥. وفي نسخة:«لَمّا أنزلت».

٦. «شرح النوويّ»٣/ ٨٢.

٧. أخرجه عبد الرزاق في«مصنّفه»٥/ ١٠٢ ضمن حديث طويل، وأحمد ٥/ ٤٥٥ مختصرًا، وحسّن إسناده بعضهم.

٨. راجع:«إكمال المعلم»٢/ ٨٨٣.

٩. «إكمال المعلم» ٢/ ٨٨٣ - ٨٨٤.

١٠. راجع: «القاموس المحيط» ص ٤٠.

١١. راجع: «شرح النوويّ» ٣/ ٨٢.

١٢. «النهاية» ٣/ ٦ - ٧.

١٣. وفي نسخة: «أخبرنا».

١٤. وقع في الأصل: «يربؤ» والظاهر أنه تصحيف، والله تعالى أعلم.

١٥. «القاموس المحيط» ص ٦٠١.

١٦. «شرح مسلم» ٣/ ٨٢.

١٧. راجع: «الفتح» ٨/ ٣٦١.

١٨. «الكاشف عن حقائق السنن»١١/ ٣٣٩٧.

١٩. «الفتح»٨/ ٣٦١«كتاب التفسير»رقم (٤٧٧٠).

٢٠. «القاموس المحيط»ص ٦٤.

٢١. «المصباح المنير»٢/ ٥٩٩.

٢٢. «القاموس المحيط»ص ٤٣٤.

٢٣. «الكاشف عن حقائق السنن»١١/ ٣٣٩٧.

٢٤. ٨/ ٣٦٢.

٢٥. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٣٩٧.

٢٦. «الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون» ١١/ ١٤١ - ١٤٢.

٢٧. «الفتح» ٨/ ٣٦٢ «كتاب التفسير» رقم (٤٧٧٠).

٢٨. إنما أوردت رواية ابن منده مع رواية البخاريّ؛ لكونها أقرب إلى لفظ المصنّف، فتنبّه.

٢٩. كان في الأصل:«حدثنا معاوية»، وهو غلط فاحش، فتنبّه، والله تعالى أعلم.