HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٠٩

وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المقدمي، ومحمد بن عبد الملك الأموي. قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؛ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ «نَعَمْ. هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ نَارٍ. وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ من النار».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص134
ج ١ ص ١٩٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٥ ص٤٤٧
صباحاه»، فاجتمعت قريش إليه، فقالوا: ما لك؟ فقال:«لو أني أخبرتكم أن العدو مُصبِّحكم أو مُمَسِّيكم، أكنتم تصدقوني؟ »قالوا: نعم، قال:«فإني نذير لكم من عذاب شديد»، فقال أبو لهب: تبًّا لك الهذا جمعتنا؟ فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. وإلى آخر السورة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٩٦) - (بَابُ شَفَاعَةِ النَّبِيِّ - ﷺ - لأَبِي طَالِبٍ، فِي تَخْفِيفِ الْعَذَابِ عَنْهُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٦] (٢٠٩) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِب، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ الله، هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبِ بِشَيْءٍ؟ فَإنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ ، وَيَغْضَبُ لَكَ، قَالَ: «نَعَمْ، هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، ثم البغداديّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) هو: محمد بن أبي بكر بن عليّ بن عَطَاء بن مُقَدَّم الْمُقَدَّمِيُّ، أبو عبد الله الثقفيّ مولاهم البصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م س) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٥. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ) هو: محمد بن عبد الملك بن أبي الشَّوَارب، واسم أبي الشوارب محمد بن عبد الله بن أبي عثمان بن عبد الله بن خالد بن أسد بن أبي العِيص بن أمية القرشيّ الأُمويّ، أبو عبد الله الأُبُلّيّ البصريّ، صدوقٌ من كبار [١٠]. رَوَى عن كَثِير بن سُليم المدائني، وعبد العزيز بن المختار، وأبي عوانة، ويزيد بن زُريع، وبشر بن المفضل، وعبد الواحد بن زياد، وعبد الوارث بن سعيد، وأبي عاصم العبادانيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجة، وروى النسائي عن زكريا السِّجزيّ عنه، وأبو إسماعيل الترمذيّ، وابن أبي الدنيا، وغيرهم. قال أبو علي بن خاقان، عن أحمد: ما بلغني عنه إلَّا خير، وقال صالح بن محمد الأسدي: شيخٌ جليلٌ، صدوق، وقال النسائيّ: لا بأس به، وقال النسائي في «مشيخته»: ثقة، وقال مَسلمَة: بصري ثقة، وقال ابن شاهين في «الثقات»: قال عثمان بن أبي شيبة: شيخ صدوق، لا بأس به. وقال ابن قانع: مات بالبصرة لعشر بَقِين من جُمادى الآخرة، سنة أربع وأربعين ومائتين، وفيها أرّخه البغوي، وذكره أبو علي الجيّاني في شيوخ أبي داود، ولم يذكره غيره، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط . ٤ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) الفَرَسيّ الكوفيّ، تقدّم في الباب الماضي أيَضًا. ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ) بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشميّ، أبو محمد المدنيّ، لَقَبهَ بَبَّه، وأمه هند بنت أبي سفيان، وُلِد على عهد النبيّ - ﷺ -، فَحَنَّكه النبيّ - ﷺ -، ولأبيه وجدّه صحبة، وتَحَوَّل إلى البصرة، واصطلَحَ عليه أهل البصرة، حين مات يزيد بن معاوية، مُجمعٌ على توثيقه [٢]. رَوَى عن النبيِّ - ﷺ - مرسلًا، وعن عمر، وعثمان، وعليّ، وعن أبيه، وعَمّ جدّه العباس بن عبد المطلب، وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وابن مسعود، وحكيم بن حزام، وصفوان بن أمية، وابن عباس، وغيرهم. ورَوَى عنه أبناؤه: عُبيد الله، وإسحاق، وعبد الله، وعبد الملك بن عمير، وأبو إسحاق السَّبيعيّ، وسليمان بن يسار، والزهريّ، وأبو التَّيّاح الضُّبَعيّ، ومولاه يزيد بن أَبي زياد، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن المدينيّ: ثقةٌ، ولم يَسْمَع من ابن مسعود، وقال الآجريّ: قلت لأبي داود: الزهري سمع من عبد الله بن الحارث؟ قال: لا، سَمِعَ من بَنِيه، وحَكَى ابن سعد في «الطبقات» أنه لَمّا وُلد أتت أمه هند إلى أختها أم حبيبة، فدَخَل عليها رسول الله - ﷺ -، فقال: من هذا يا أم حبيبة؟ قالت: هذا ابنُ عَمِّك، وابن أختي، فَتَفَل في فيه، ودعا له، قال: وكان بَبَّه على مكة زمن عثمان، قال محمد بن عمر: كان ثقةً، كثير الحديث، وقال ابن عبد البرّ في «الاستيعاب»: أجمعوا على أنه ثقةٌ، وقال العجليّ: مدنيّ، تابعيّ، ثقةٌ، وقال يعقوب بن شيبة: ثقةٌ ثقةٌ ظاهر الصلاح، وله رِضًى في العامّة، وقال ابن حبان: هو من فقهاء أهل المدينة. قال ابن حبان في «الثقات»: تُوُفّي سنة (٧٩) قتلته السَّمُوم، ودُفِنَ بالأبواء، وقال ابن سعد: تُوُفّي بعُمان سنة أربع وثمانين، عند انقضاء فتنة ابن الأشعث، وكان خرج إليها هاربًا من الحجاج. قال الحافظ - ﵀ -: والثاني هو المعتمد، والذي مات بالسَّمُوم هو ولده عبد الله بن عبد الله بن الحارث. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا. ٧ - (الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) بن هاشم، عمّ المصطفى - ﷺ -، مات سنة (٣٢) أو بعدها، وهو ابن (٨٨) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قَرَن بينهم. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه الثلاثة، كما أسلفناه آنفًا. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عبد الملك بن عُمير، عن عبد الله بن الحارث. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه، من مشاهير الصحابة - ﵃ -، عمّ النبيّ - ﷺ -، وأبو الخلفاء العبّاسيين، ذو مناقب جمّة - ﵁ -، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) - ﵁ - (أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ الله، هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ؟) وفي رواية البخاريّ: «ما أغنيتَ عن عمّك؟». [تَنبيه]: اسم أبي طالب عند الجميع عبد مناف، وشَذّ مَن قال: عمران، بل هو قول باطل، نقله ابن تيمية - ﵀ - في «كتاب الردّ على الرافضيّ»: أن بعض الروافض زعم أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾ [آل عمران: ٣٣] هم آل أبي طالب، وأن اسم أبي طالب عمران، واشتهر بكنيته، وكان شقيق عبد الله، والد رسول الله - ﷺ -، ولذلك أوصى به عبد المطلب عند موته إليه، فكفله إلى أن كَبِر، واستمَرّ على نصره بعد أن بُعِث إلى أن مات أبو طالب، وكان موته بعد خروجهم من الشعب، وذلك في آخر السنة العاشرة من المبحث، وكان يَذُبّ عن النبيّ - ﷺ -، ويرُدّ عنه كلَّ مَن يؤذيه، وهو مقيم مع ذلك على دين قومه، وفي حديث ابن مسعود - ﵁ -: «وأما رسول الله - ﷺ -، فمنعه الله بعمه»، وأخباره في حياطته، والذبّ عنه معروفة مشهورة، ومما اشتهر من شعره في ذلك قوله [من الكامل]: وَاللهِ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ … حَتَّى أُوَسَّدَ فِي التُّرَابِ دَفِينَا وقوله [من الطويل]: كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللهِ نَبْزِي مُحَمَّدًا … وَلَمَّا نُقَاتِلْ حَوْلَهُ وَنُنَاضِلُ وحديث عباس - ﵁ - في هذا الباب يشهد لذلك، قاله في «الفتح» . (فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ) بفتح أوله، وضم الحاء المهملة، من الحياطة، وهي المراعاة، وفيه تلميح إلى ما ذكره ابن إسحاق، قال: ثم إن خديجة، وأبا طالب هلكا في عام واحد، قبل الهجرة بثلاث سنين، وكانت خديجة له وزيرةَ صِدْقٍ على الإسلام، يَسْكُن إليها، وكان أبو طالب له عَضُدًا وناصرًا على قومه، فلما هَلَك أبو طالب نالت قريش من رسول الله - ﷺ - من الأذى ما لَمْ تَطْمَع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سَفِيهٌ من سُفَهاء قريش، فَنَثَرَ على رأسه ترابًا، فحدثني هشام بن عروة، عن أبيه، قال: فدخل رسول الله - ﷺ - بيته يقول: «ما نالتني قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب». (وَيَغْضَبُ لَكَ) يشير به إلى ما كان يَرُدّ به عنه من قول وفعل، فقد قام في نصرته، وذبّ عنه مَن عاداه، ومدحه عِدّة مدائح، منها قوله - لَمّا استَسْقَى أهل مكة، فسقوا -[من الطويل]: وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلأَرَامِلِ ومنها قوله من قصيدة [من الطويل]: وَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ … فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ قال ابن عيينة، عن علي بن زيد: ما سمعت أحسن من هذا البيت. وقوله [من الكامل]: وَدَعَوْتَنِي وَعَلِمْتُ أَنَّكَ صَادِقٌ … وَلَقَدْ صَدَقْتَ فَكُنْتَ قَبْلُ أَمِينَا وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ … مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا (قَالَ) - ﷺ - («نَعَمْ) أي نفعته (هُوَ) أي أبو طالب (فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ) - بضادين معجمتين، مفتوحتين، وحاءين مهملتين - هو في الأصل: ما رقّ من الماء على وجه الأرض إلى نحو الكعبين، ثم استُعير هنا للنار، ويُطلق أيضًا على مَا قَرُب من الماء، وهو ضِدّ الْغَمْرة. والمعنى: أنه خُفِّف عنه العذاب، وقد ذكر في حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - الآتي:«فيُجْعَل في ضحضاح من نار، يَبْلُغ كعبيه، يَغْلِي منه دماغه»، ويأتي في حديث ابن عباس - ﵄ - الآتي:«إن أهون أهل النار عذابًا أبو طالب، وهو منتعلٌ بنعلين يَغْلِي منهما دماغه»، وللبزار من حديث جابر - ﵁ -: قيل للنبيّ - ﷺ -:«هل نفعت أبا طالب؟ قال: أخرجته من النار إلى ضحضاح منها». (وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ») قال أهل اللغة: في «الدرك» لغتان فصيحتان، مشهورتان: فتحُ الراء، وإسكانها، وقُرِئ بهما في القراءات السبع، قال الفَرّاء: هما لغتان، جَمْعُهُما أَدْراك، وقال الزجاج: اللغتان جميعًا حكاهما أهل اللغة، إلَّا أن الاختيار فتح الراء؛ لأنه أكثر في الاستعمال، وقال أبو حاتم اللغويّ: جمع الدَّرَك بالفتح أَدْراك، كجَمَل وأَجْمَال، وجمع الدَّرْك بالإسكان أَدْرُك، كفَلْس وأَفْلُس. قال جميع أهل اللغة، والمعاني، والغريب، وجماهير المفسرين: الدَّرْكُ الأسفل: قَعْرُ جهنم، وأقصى أسفلها، قالوا: ولجهنم أَدْراكٌ، فكل طبقة من أطباقها تُسَمَّى دَرَكًا، ذكره النوويّ - ﵀ - . وقال القرطبيّ - ﵀ -: الدّرك في مراتب التسفّل والنزول، كالدّرَج في مراتب العلوّ والاتفاع، وُيراد به آخر طَبَق في أسفل النار، وهو أشدّ أطباق جهنّم عذابًا، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥]، وكان أبو طالب يستحقّ ذلك؛ إذ كان قد عَلِمَ صدقَ النبيّ - ﷺ - في جميع حالاته، ولم يَخْفَ عليه شيء من أموره، من مولده إلى حين اكتهاله، ولذلك كان يقول لعليّ ابنه: اتّبعه، فإنه لا يُرشدك إلَّا إلى خير، أو حقّ، أو كما قيل عنه. انتهى . [تنبيه]: في سؤال العباس - ﵁ - عن حال أبي طالب المذكور في هذا الحديث ما يَدُلّ على ضعف ما أخرجه ابن إسحاق، من حديث ابن عباس رفي بسند فيه مَن لَمْ يُسَمَّ: أن أبا طالب لَمّا تقارب منه الموت، بعد أن عَرَض عليه النبيّ - ﷺ - أن يقول: «لا إله إلَّا الله»، فأبي، قال: فنظر العباس إليه، وهو يُحَرِّك شفتيه، فأصغى إليه، فقال: يا ابن أخي، والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها. وهذا الحديث لو كان طريقه صحيحًا لعارضه هذا الحديث الذي هو أصح منه، فضلًا عن أنه لا يصح. ورَوَى أبو داود، والنسائيّ، وابن خزيمة، وابن الجارود، من حديث عليّ - ﵁ - قال: لَمّا مات أبو طالب، قلت: يا رسول الله، إن عمك الشيخ الضالّ قد مات، قال:«اذهب، فَوَارِهِ»، قلت: إنه مات مشركًا، فقال:«اذهب، فواره … »الحديث. وقد جمع بعض الروافض جزءًا أكثر فيه من الأحاديث الواهية الدالة على إسلام أبي طالب، ولا يثبت من ذلك شيء، وسيأتي الردّ عليه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث العبّاس بن عبد المطّلب - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في«الإيمان»[٩٦/ ٥١٦ و٥١٧ و٥١٨] (٢٠٩)، و(البخاري) في«المناقب»(٣٨٨٣ و٣٨٨٥)، و«الأدب»(٦٢٠٨)، و«صفة الجنّة والنار»(٦٥٧٢)، و(الحميديّ) في«مسنده»(٤٦٠)، و(أحمد) في«مسنده»(١/ ٢٠٦ و٢٠٧ و٢١٠)، و(أبو عوانة) في«مسنده، (٢٧٨ و٢٧٩ و٢٨٠)، و(أبو نعيم) في »مستخرجه« (٥١٠ و٥١١ و٥١٢)، واللُّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما اختصّ الله تعالى به نبيّه - ﷺ - من رفعة قدره، وجاهه عنده، حيث قبل شفاعته - ﷺ - في عمّه أبي طالب، فخفّف عنه، فجُعِل في ضحضاخ من نار. ٢ - (ومنها): بيان أن عذاب الكفار متفاوت. ٣ - (ومنها): بيان أن النفع الذي حصل لأبي طالب من خصائصه، ببركة النبيّ - ﷺ -. ٤ - (ومنها): بيان أنه لا تنفع محبّة النبيّ - ﷺ - «المحبّة الطبيعيّة، وإنما تنفع المحبّة الدينيّة الإيمانيّة التي تتمثّل في اتّباع سنّته، والاقتداء به عقيدة، وسلوكًا. فمن هنا يتبيّن ضلال من يدّعي محبّته - ﷺ -، ويرى ذلك في صنع المولد له، وجمع الناس على ذلك، وقراءة القصائد في مدحه - ﷺ -، في أكثر هذا المصنّف - ﵀ - من الناس، وربّما لا يصلي بعضهم الصلوات الخمس، ولا يقيم شعائر الإسلام أصلًا، أو يقيم بعضها، ويهجُر بعضها، ويزعم أن ذلك يُنجيه، ويكفيه لذنوبه شفاعة النبيّ - ﷺ - والذي صنع من أجله المولد، في أشدّ غربة الإسلام، فيا لله للإسلام الجريح المظلوم من أهله، والمنبوذ المطروح في زوايا إهماله، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والله المستعان على ما تصفون. ٥ - (ومنها): بيان أن القرابة المجرّدة لا تنفع، وإن كانت قريبة، وإنما ينفع القرب الدينيّ، وإن كانت الأنساب غريبة، فقد ذلّ أبو لهب وذووه مع القرابة، وعزّ سلمان وأضرابه - ﵃ - مع الغرابة، ولقد أجاد القائل [من الطويل]: لَقَدْ رَفَعَ الإِسْلَامُ سَلْمَانَ فَارسٍ … وَقَدْ وَضَعَ الْكُفْرُ الشَّرِيفَ أَبَا لَهَبْ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قد اتّضح بما ذُكر في هذا الباب من الأحاديث الصحاح أن أبا طالب مات على الكفر، وأنه لَمْ ينتفع بمحبّته - ﷺ -؛ لأنَّها لَمْ تكن دينيّة، ومع هذا كلّه فقد حاول بعض الروافض في ادّعاء النجاة له، فزعموا أنه مات مسلمًا، وتمسّكوا بما نُسِب إليه من قوله [من الكامل]: وَدَعَوْتَنِي وَعَلِمْتُ أَنَّكَ صَادِقٌ … وَلقَدْ صَدَقْتَ فَكُنْتَ قَبْلُ أَمِينَا وَلقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ … مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا قال الحافظ - ﵀ -: ولقد وقفت على تصنيف لبعض الشيعة أثبت فيه إسلام أبي طالب، منها ما أخرجه من طريق يونس بن بكرٍ، عن محمد بن إسحاق، عن العباس بن عبد الله بن سعيد بن عباس، عن بعض أهله، عن ابن عباس، قال: لَمّا أَتَى رسول الله - ﷺ - أبا طالب في مرضه، قال له: «يا عَمّ، قل: لا إله إلَّا الله، كلمةً أستحلّ بها لك الشفاعة يوم القيامة»، قال: يا ابن أخي، والله لولا أن تكون سُبَّةً عليّ، وعلى أهلي من أني قلتها جَزَعًا عند الموت، لقلتها، لا أقولها، إلَّا لأَسُرَّك بها، فلما ثَقُل أبو طالب، رُؤي يحرك شفتيه، فأصغى إليه العباس، فسمع قوله، فرفع رأسه عنه، فقال: قد قال، والله الكلمة التي سأله عنها. ومن طريق إسحاق بن عيسى الهاشميّ، عن أبيه، سمعت المهاجر مولى بني نُفَيل يقول: سمعت أبا رافع يقول: سمعت أبا طالب يقول: سمعت ابن أخي محمد بن عبد الله يقول: إن ربه بعثه بصِلَة الأرحام، وأن يُعْبَد الله وحده، لا يعبد معه غيره، ومحمد الصدوق الأمين. ومن طريق ابن المبارك، عن صفوان بن عمرو، عن أبي عامر الْهَوْزنيّ: أن رسول الله - ﷺ - خَرَج معارضًا جنازة أبي طالب، وهو يقول: «وصلتك رحمٌ». ومن طريق عبد الله بن ضميرة، عن أبيه، عن عليّ، أنه لما أسلم، قال له أبو طالب: الزم ابن عمك. ومن طريق أبي عبيدة، معمر بن المثنى، عن رؤبة بن العجاج، عن أبيه، عن عمران بن حصين، أن أبا طالب، قال لجعفر بن أبي طالب لَمّا أسلم: قبِّل جناح ابن عمك، فصلى جعفر مع النبيّ - ﷺ -. ومن طريق محمد بن زكريا الغلابي، عن العباس بن بكار، عن أبي بكر الْهُذليّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: جاء أبو بكر بأبي قحافة، وهو شيخٌ قد عَمِيَ، فقال رسول الله - ﷺ -: «ألا تركت الشيخ حتى آتيه؟» قال: أردت أن يأجره الله، والذي بعثك بالحقّ، لأنا كنت أشدّ فرحًا بإسلام أبي طالب مني بإسلام أبي، التمس بذلك قرة عينك. قال الحافظ - ﵀ -: وأسانيد هذه الأحاديث واهية، وليس المراد بقوله في الحديث الأخير إثبات إسلام أبي طالب، فقد أخرج عُمَر بن شَبّة في «كتاب مكة»، وأبو يعلى، وأبو بشر سمويه في «فوائده» كلهم من طريق محمد بن سلمة، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أنس في قصة إسلام أبي قحافة، قال: فلما مَدَّ يده يبايعه، بَكَى أبو بكر، فقال النبيّ - ﷺ -: «ما يُبكيك؟» قال: لأن تكون يَدُ عمك مكان يده، ويُسلِم، ويُقِرّ الله عينك أحب إليّ من أين يكون. وسنده صحيح، وأخرجه الحاكم من هذا الوجه، وقال: صحيح على شرط الشيخين. وعلى تقدير ثوبتها، فقد عارضها ما هو أصح منها. أما الأول: ففي «الصحيحين» من طريق الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبيّ - ﷺ -، وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية، فقال: «يا عم قل: لا إله إلَّا الله كلمةً أُحاجّ لك بها الله»، فقال له أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا به، حتى قال آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، فقال النبيُّ - ﷺ -: «لأستغفرنّ لك، ما لَمْ أُنْهَ عنك»، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة: ١١٣]، ونزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [القصص: ٥٦]. فهذا الصحيح يردّ الرواية التي ذكرها ابن إسحاق؛ إذ لو كان قال كلمة التوحيد، ما نَهَى اللهُ تعالى نبيه - ﷺ - عن الاستغفار له، وهذا الجواب أولى من قول من أجاب: بأن العباس ما أَدَّى هذه الشهادة، وهو مسلم، وإنما ذكرها قبل أن يسلم، فلا يُعتدّ بها، وقد أجاب الرافضي المذكور عن قوله: «هو على ملة عبد المطلب» بأن عبد المطلب مات على الإسلام، واستدَل بأثر مقطوع، عن جعفر الصادق، وسنذكره بعدُ، ولا حجة فيه؛ لانقطاعه، وضعف رجاله. وأما الثاني: وفيه شهادة أبي طالب بتصديق النبيّ - ﷺ -، فالجواب عنه، وعما وَرَدَ من شعر أبي طالب في ذلك، أنه نظير ما حَكَى الله تعالى عن كفار قريش: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ الآية [النمل: ١٤]، فكان كفرهم عنادًا، ومنشؤه من الأَنَفَة والكبر، وإلى ذلك أشار أبو طالب بقوله: لولا أن تُعَيِّرني قريش. وأما الثالث: وهو أثر الْهَوْزنيّ، فهو مرسلٌ، ومع ذلك فليس في قوله: «وصلتك رحم» ما يدُلّ على إسلامه، بل فيه ما يدلّ على عدمه، وهو معارضته لجنازته، ولو كان أسلم لمشى معه، وصلى عليه. وقد ورد ما هو أصحّ منه، وهو ما أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وصححه ابن خزيمة، من طريق ناجية بن كعب، عن عليّ - ﵁ - قال: لما مات أبو طالب، أتيت النبيّ - ﷺ -، فقلت: إن عمك الضالّ قد مات، فقال لي: «اذهب، فواره، ولا تُحْدِثْ شيئًا حتى تأتيني»، ففعلت: ثم جئت، فدعا لي بدعوات. وقد أخرجه الرافضي المذكور من وجه آخر، عن ناجية بن كعب، عن عليّ بدون قوله: «الضالّ». وأما الرابع، والخامس، وهو أمر أبي طالب ولديه باتباعه، فتركُهُ ذلك، هو من جملة العناد، وهو أيضًا من حسن نصرته له، وذَبِّه عنه، ومعاداته قومه بسببه. وأما قول أبي بكر فمراده: لأنا كنت أشدّ فرحًا بإسلام أبي طالب مني بإسلام أبي، أي لو أسلم، ويبَيِّن ذلك ما أخرجه أبو قُرّة، موسى بن طارق، عن موسى بن عُبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: جاء أبو بكر بأبي قحافة، يقوده يوم فتح مكة، فقال رسول الله - ﷺ -: «ألا تركت الشيخ حتى نأتيه؟» قال أبو بكر: أردت أن يأجره الله، والذي بعثك بالحقّ لأنا كنت أشدّ فرحًا بإسلام أبي طالب، لو كان أسلم مني بأبي. وذكر ابن إسحاق أن عُمَر لما عارض العباس في أبي سفيان لَمّا أقبل به ليلة الفتح، فقال له العباس: لو كان من بني عديّ ما أحببت أن يُقْتَل، فقال عمر: أنا بإسلامك إذ أسلمت أفرح مني بإسلام الخطاب، يعني: لو كان أسلم. ثم ذَكَر الرافضيّ من طريق راشد الْحِمّاني، قال: سئل أبو عبد الله، يعني جعفر بن محمد الصادق: مَنْ أهلُ الجَنَّة؟، فقال: الأنبياء في الجَنَّة، والصالحون في الجَنَّة، والأسباط في الجَنَّة، وأجلُّ العالمين مجدًا محمد - ﷺ - يقدُم آدم، فمن بعده من آبائه، وهذه الأصناف يحدثون به، ويحشر عبد المطلب به نور الأنبياء، وجمال الملوك، ويحشر أبو طالب في زمرته، فإذا ساروا بحضرة الحساب، وتبوأ أهل الجَنَّة منازلهم، ودُحر أهل النار ارتفع شهاب عظيم، لا يَشُكّ من رآه أنه غيم من النار، فيحضر كلّ من عرف ربه من جميع الملل، ولم يعرف نبيه، ومن حُشِر أمة وحده، والشيخ الفاني، والطفل، فيقال لهم: إن الجبار ﵎ يأمركم أن تدخلوا هذه النار، فكل من اقتحمها خَلَص إلى أعلى الجَنَّة، ومن كعَّ عنها غشيته. أخرجه عن أبي بشر، أحمد بن إبراهيم بن يعلى بن أسد، عن أبي صالح الحمادي، عن أبيه، عن جده، سمعت راشد الحماني، فذكره. وهذه سلسلة شيعية غُلاة في رفضهم، والحديث الأخير وَرَد من عدة طُرُق في حق الشيخ الهَرِم، ومن مات في الفترة، ومن وُلد أكمه، أعمى أصم، ومن وُلد مجنونًا، أو طرأ عليه الجنون قبل أن يبلغ، ونحو ذلك، وأن كلًّا منهم يُدلي بحجة، ويقول: لو عقلت، أو ذكرت لآمنت، فتُرفَع لهم نار، ويقال لهم: ادخلوها، فمن دَخَلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن امتنع أُدخلها كرهًا، هذا معنى ما ورد من ذلك. وما ورد في الصحيح عن العباس بن عبد المطلب، أنه قال للنبيّ - ﷺ -: ما أغنيت عن عمك أبي طالب؟ فإنه كان يحوطك، ويغضب لك؟ فقال: «هو في ضحضاح من النار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل»، فهذا شأن من مات على الكفر، فلو كان مات على التوحيد لنجا من النار أصلًا، والأحاديث الصحيحة، والأخبار المتكاثرة طافحة بذلك. وقد فَخَر المنصور على محمد بن عبد الله بن الحسن، لَمّا خَرَج بالمدينة، وكاتبه المكاتبات المشهورة، ومنها في كتاب المنصور: وقد بُعِثَ النبيّ - ﷺ -، وله أربعة أعمام، فآمن به اثنان، أحدهما أبي، وكفر به اثنان، أحدهما أبوك. ومن شعر عبد الله بن المعتز، يخاطب الفاطميين [من المتقارب]: وَأَنْتُمْ بَنُو بِنْتِهِ دُونَنَا … وَنَحْنُ بَنُو عَمِّهِ الْمُسْلِمِ وأخرج الرافضي أيضًا في تصنيفه قصة وفاة أبي طالب، من طريق علي بن محمد بن متيم، سمعت أبي يقول: سمعت جدي يقول: سمعت علي بن أبي طالب يقول: تَبعَ أبو طالب عبد المطلب في كلّ أحواله، حتى خرج من الدنيا، وهو على ملته، وأوصاني أن أدفنه في قبره، فأخبرت رسول الله - ﷺ -، فقال: «اذهب فواره»، وأتيته لَمّا أُنزل به، فغسلته، وكفنته، وحملته إلى الحجون، فنَبَشت عن قبر عبد المطلب، فوجدته متوجهًا إلى القبلة، فدفنته معه، قال متيم: ما عَبَدَ عليّ، ولا أحد من آبائه إلَّا الله إلى أن ماتوا. أخرجه عن أبي بشر المتقدم ذكره، عن أبي بردة السلميّ، عن الحسن بن ما شاء الله، عن أبيه، عن علي بن محمد بن متيم، وهذه سلسلة شيعية، من الغُلاة في الرفض، فلا يُفْرَح به، وقد عارضه ما هو أصح منه مما تقدم، فهو المعتمد. ثم استدل الرافضيّ بقول الله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] قال: وقد عَزَّره أبو طالب بما اشتَهَر، وعُلِم، ونابذ قريشًا، وعاداهم بسببه، مما لا يدفعه أحد من نقلة الأخبار، فيكون من المفلحين. انتهى. وهذا مبلغهم من العلم، وإنا نُسَلِّم أنه نصره، وبالغ في ذلك، لكنه لَمْ يتبع النور الذي أنزل معه، وهو الكتاب العزيز الداعي إلى التوحيد، ولا يحصل الفلاح إلَّا بحصول ما رُتِّب عليه كلها. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وتحرير أنيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥١٧] (…) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِث، قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ، يَقُولُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يَحُوطُكَ، وَيَنْصُرُك، فَهَلْ نَفَعَهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَجَدْتُهُ فِي غَمَرَاتٍ مِنَ النَّار، فَأَخْرَجْتُهُ إِلَى ضَحْضَاحٍ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ، صنّف «المسند»، ولازم ابن عيينة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الإمام الحجة المشهور [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ١ ص ٣٨٣. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (يَحُوطُكَ) أي يحفظك. وقوله: (وَيَنْصُرُكَ) أي يعينك، والنُّصرة: العَوْنُ، تقول العرب: أرضٌ منصورةٌ: أي مُعانة بإتيان المطر، ونزوله عليها . وقوله: (فِي غَمَرَاتٍ مِنَ النَّارِ) بفتح الغين المعجمة، والميم: جمع غَمْرة بإسكان الميم، وهي المعظَم من الشيء، قاله النوويّ - ﵀ - . وقال القرطبيّ: هي ما يُغطي الإنسان، وَيغْمُرُه، مأخوذ من الماء الْغَمْر، وهو الكثير، وقد وقع في بعض النسخ: «غبرات»، وهو تصحيفٌ، ولا معنى للغبرات هنا. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥١٨] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، قَال: حَدَّثَني عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِث، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون البغداديّ، مروزيّ الأصل، المعروف بالسمين، صدوقٌ فاضلٌ، ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٤. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الناقد البصير [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ١ ص ٣٨٥. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ الإمام الحجة الفقيه المشهور، رأس الطبقة [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. والباقون تقدّموا قريبًا. [تنبيه]: لَمْ يسق المصنّف - ﵀ - رواية القطّان هذه، بل أخرج سندها فقط، وقد ساقها الحافظ ابن منده - ﵀ - في «كتاب الإيمان» (٢/ ٨٨٧)، فقال: (٩٥٨) أخبرنا محمد بن يعقوب بن يوسف الشيباني، ثنا يحيى بن محمد بن يحيى أبو زكرياء النيسابوري (ع) وأخبرنا علي بن محمد بن نصر، ثنا معاذ بن المثنى، قالا: ثنا مسدد، ثنا يحيى بن سعيد القطان، ثنا سفيان بن سعيد الثوريّ، ثنا عبد الملك بن عمير، ثنا عبد الله بن الحارث، ثنا العباس بن عبد المطلب، قال: قلت للنبيّ - ﷺ -: ما أغنيت عن عمك، فقد كان يَحُوطك، وينصرك؟ قال: «هو في ضحضاح من النار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: […] (…) - (ع) (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: وكلّهم تقدّموا قريبًا، وسفيان هو الثوريّ المذكور قبله. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد سفيان قبله، وهو عن عبد الملك بن عُمير، عن عبد الله بن الحارث، عن العبّاس بن عبد المطّلب. وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ) يعني أن حديث سفيان المذكور بهذا الإسناد نحوُ حديث أبي عوانة الذي تقدّم في أول الباب. [تنبيه]: رواية سفيان من طريق وكيع هذه التي أحالها المصنّف - ﵀ - على رواية أبي عوانة، أخرجها الحافظ أبو نُعيم في «مستخرجه» (١/ ٢٧٩)، فقال: (٥١٢) حدثنا أبو بكر الطَّلْحيّ، نا عُبيد بن غَنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن سفيان (ع)، وحدثنا أبو محمد بن حيان، نا محمد بن يحيى، ثنا عمرو بن عليّ، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا سفيان، عن عبد الملك بن عُمير، عن عبد الله بن الحارث، عن العباس، أنه قال للنبيّ - ﷺ -: عمك أبو طالب، كان يَحُوطك، ويمنعك، ويفعل بك؟ قال: فقال رسول الله - ﷺ -: «إنه لفي ضحضاح من النار، لولا أنا لكان في الدرك الأسفل»، قال: لفظ وكيع. انتهى. [تنبيه آخر]: إنما فرّق المصنّف - ﵀ - بالتحويل بين روايتي سفيان
مصادر المؤلف (١١)

١. وفي نسخة: «وينصرك، ويغضب لك».

٢. ونقل في «تهذيب التهذيب» عن «الزهرة»: رَوَى عنه مسلم عشرة أحاديث. انتهى.

٣. «الفتح» ٧/ ٢٣٣ «كتاب المناقب» رقم (٣٨٨٣).

٤. راجع: «الإصابة» ٧/ ١٩٦ - ١٩٨.

٥. «شرح النوويّ في ٣/ ٨٤.

٦. «المفهم»١/ ٤٥٦.

٧. راجع: «الإصابة في تمييز الصحابة» ٧/ ١٩٦ - ٢٠٢.

٨. «المفهم» ١/ ٤٥٦.

٩. «شرح النوويّ» ٣/ ٨٤.

١٠. «المفهم» ١/ ٤٥٦.

١١. وفي نسخة: «حدّثنا».