HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٤١

وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاق. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هلال بن يساف، عن أبي يحيى، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ قَالَ: رَجَعْنَا مَعَ رسول الله ﷺ من مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ. حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَاءٍ بالطريق. تعجل قوم عند العصر. فتوضؤا وَهُمْ عِجَالٌ. فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ. وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ. أَسْبِغُوا الوضوء».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص147
ج ١ ص ٢١٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٦ ص٢٦٨
ووقع في كثير من الأصول، ولكثير من الرُّواة المشارقة والمغاربة: «أبايع عائشة» بالباء الموحدة، والياء المثنّاة، من المبايعة، قال القاضي: الصواب هو الأول، قال النوويّ: وللثاني أيضًا وجه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: عندي الوجه ما قاله القاضي عياض - ﵀ -، ولا وجه لمبايعة عائشة - ﵄ - يوم موت سعد بن أبي وقّاص - ﵁ -، فلو كان في أيام وقعة الجمل لكان له وجهٌ، فتأمله، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَذَكَرَ عَنْهَا) أي ذكر سالم عن عائشة - ﵄ -. وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني أن رواية نعيم بن عبد الله، عن سالم، مثلُ رواية بُكير، ومن بعده، عنه. [تنبيه]: رواية نعيم بن عبد الله، عن سالم مولى شدّاد هذه لم أجد من ساقها بتمامها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٧٦] (٢٤١) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: رَجَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَة، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيق، تَعَجَّلَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْر، فَتَوَضَّئُوا، وَهُمْ عِجَالٌ، فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ، وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّار، أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد الْحَرَشيّ، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م دس ق) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد الضبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (١٨٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٣ - (إِسْحَاقُ) بن إبراهيم ابن راهويه المذكور في الباب الماضي. ٤ - (مَنْصُور) بن المعتمر بن عبد الله السّلَميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ١ ص ٢٩٦. ٥ - (هِلَالُ بْنُ يِسَافٍ) - بكسر التحتانيّة، ثم مهملة، ثم فاء - ويقال: ابن إِساف الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن الحسن بن علي، وأبي الدرداء، وأبي مسعود الأنصاري، وسعيد بن زيد، وسمرة بن جندب، وسالم بن عُبيد الأشجعي، وعبد الله بن ظالم، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو إسحاق السَّبيعيّ، والأعمش، وسلمة بن كُهيل، وعَبْدة بن أبي لبابة، ومنصور، وعلي بن المدرك، وعبد الأعلى بن ميسرة، وحصين بن عبد الرحمن، وغيرهم. قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل الكوفة: وكان ثقة، كثير الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له البخاري في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٢٤١) و(٧٣٥) و(١٦٥٨) و(٢١٣٧) و(٢٧١٦) وكرّره ثلاث مرات. [تنبيه]: قال النوويّ - ﵀ - في «شرحه»: أما «يَسَاف»: ففيه ثلاثُ لغات: فتح الياء، وكسرها، وإساف - بكسر الهمزة - قال صاحب «المطالع»: يقوله المحدِّثون بكسر الياء، قال: وقال بعضهم: هو بفتح الياء؛ لأنه لم يأت في كلام العرب كلمة أولها ياء مكسورة إلا يِسَار لليد. قلت: والأشهر عند أهل اللغة إِسَاف بالهمزة، وقد ذكره ابن السِّكِّيت، وابن قتيبة، وغيرهما، فيما يُغَيِّره الناس، ويلحنون فيه، فقال: هو هلال بن إساف. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . وقال المجد - ﵀ -: وهلال بن يِسَاف بالكسر، وقد يُفتح: تابعيّ كوفيّ. انتهى . ٦ - (أَبُو يَحْيَى) هو: مِصْدَع - بكسر أوله، وسكون ثانيه، وفتح ثالثه - وقيل: اسمه زياد، الأعرج الْمُعَرْقَبُ، مولى عبد الله بن عَمْرو،. ويقال: مولى مُعاذ بن عَفْراء، مقبول [٣]. رَوَى عن عليّ، والحسن، وابن عباس، وابن عمرو بن العاص، وعائشة. ورَوَى عنه سعد بن أوس العدويّ، وسعيد بن أبي الحسن البصريّ، وعمار الدُّهْنيّ، وشَمِر بن عطية، وأبو رَزِين الأسديّ، وهلال بن يساف. قال أبو حاتم: مِصْدَعٌ، أبو يحيى الأعرج الأنصاريّ، يقال: مولى ابن عَفْراء، وكذا قال أحمد، وقال ابن المدينيّ: سمعت ابن عيينة، قال عمار الدُّهْنيّ: كان مِصْدَع عالِمًا بابن عباس. وإنما قيل له: الْمُعَرْقَب؛ لأن الحجاج، أو بِشْر بن مروان، عَرَضَ عليه سَبَّ عليّ، فأبى، فقَطَع عُرْقُوبه، قال ابن المدينيّ: قلت لسفيان: في أيّ شيء عُرْقِب؟ قال: في التشيع، قال عليّ: وهو الذي مَرّ به ابن أبي طالب، وهو يَقُصّ، فقال: تعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت، وأهلكت، وقد ذكره الْجُوزَجانيّ في «الضعفاء»، فقال: زائغٌ جائرٌ عن الطريق، يريد بذلك ما نُسِب إليه من التشيع، والْجُوزَجاني مشهور بالنَّصْب والانحراف، فلا يَقْدَح فيه قوله، وقال ابن حبان في «الضعفاء»: يخالف الأَثْبات في الروايات، وينفرد بالمناكير. أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٢٤١) و(٧٣٥). ٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو) بن العاص الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات في ذي الحجة ليالي الْحَرّة بالطائف على الأصحّ (ع) تقدم في «المقدمة» ١٨/ ٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): كتابة (ح) إشارة إلى تحويل السند، وملتقى الإسناد هو جرير، وإنما لم يقرُن المصنّف بين شيخيه، إشارة إلى فائدة جليلة، وهي بيان كيفيّة التحمّل، فإنه سمع من زهير وحده، ولذا قال: «حدّثني»، وسمع من إسحاق مع غيره، ولذا قال: «حدّثنا»، وأيضًا سمع شيخه زهير من جرير من لفظه، ولذا قال: «حدّثنا»، وسمع إسحاق من جرير بقراءة غيره عليه، فهذه فوائد إسناديّة جليلة، يُستحسن مراعاتها، كما هو دأب المصنّف - ﵀ - في كتابه هذا، وليس هذا من باب الوجوب، وإلى هذه القواعد أشار السيوطيّ في «ألفيّة الحديث» بقوله: وَاسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدٍ «حَدَّثَنِي» … وَقَارِئٍ بِنَفْسِهِ «أَخْبَرَنِي» وَإِنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةً «حَدَّثَنَا» … وَإِنْ سَمِعْتَ قَارِئًا «أَخْبَرَنَا» ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: هلال، عن أبي يحيى. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ - ﵄ -، أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العبادلة الأربعة، وأحد فقهاء الصحابة - ﵃ -، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: حديث عبد الله بن عمرو - ﵁ - هذا أخرجه المصنّف - ﵀ - عنه بطريقين: [أحدهما]: طريق أبي يحيى الأعرج، وهو متكلّم فيه، كما سبق في ترجمته، وقال عنه في «التقريب»: مقبول، يعني أنه يحتاج إلى متابع، وإنما أخرج له المصنّف من باب المتابعة. [والثاني]: طريق يوسف بن ماهك، وهي أقوى الطريقين؛ لأن يوسف متّفقٌ على توثيقه، ولذا أخرجه الشيخان من طريقه، وإنما قدّم المصنّف - ﵀ - رواية أبي يحيى على رواية يوسف؛ لكونها أتمّ سياقًا. وبهذا يتبيّن بطلان زعم من يزعُم أن مسلمًا يبدأ دائمًا بالحديث الذي لا كلام في سنده، ثم يأتي بعد ذلك بما في إسناده كلام، فهذا كلام من لم يمارس هذا الكتاب حق الممارسة، وقد تقدّم لهذا نظائر، وسيأتي أيضًا، وسننبّه عليه - إن شاء الله تعالى. وخلاصة القول أن المصنّف يقدّم ما يراه مستحقًّا للتقديم، إما من حيث المتن، كهذا، أو من حيث السند كما يفعله كثيرًا، فتنبّه لهذه الدقائق؛ فإنها مهمّة جدًّا، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي يَحْيَى) قال النوويّ - ﵀ -: الأكثرون على أن اسمه مِصْدَع - بكسر الميم، وإسكان الصاد، وفتح الدال، وبالعين المهملات - وقال يحيى بن معين: اسمه زياد الأعرج الْمُعَرْقَب الأنصاريّ، والله أعلم. انتهى. (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) - ﵄ - أنه (قَالَ: رَجَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ) وفي رواية يوسف بن ماهَك الآتية: «تخلّف عنّا النبيّ - ﷺ - في سفر سافرناه». قال في «الفتح»: وظاهره أن عبد الله بن عمرو كان في تلك السفرة، ولم يقع ذلك لعبد الله مُحَقَّقًا إلا في حجة الوداع، أما غَزْوة الفتح، فقد كان فيها، لكن ما رجع النبيّ - ﷺ - فيها إلى المدينة من مكة، بل من الجعرانة، ويَحْتَمِل أن تكون عمرة القضيّة، فإن هجرة عبد الله بن عمرو كانت في ذلك الوقت، أو قريبًا منه. انتهى . (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيق، تَعَجَّلَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْرِ) أي عند دخول وقت صلاة العصر، وفي رواية يوسف بن ماهك الآتية: «فأدركنا، وقد حضرت صلاة العصر»، وفي رواية البخاريّ: «فأدركنا، وقد أَرْهَقَنا العصرُ»، وقوله: «أرهقنا» بفتح الهاء والقاف، و«العصرُ» مرفوع على الفاعلية، كذا لأبي ذر، وفي رواية كريمة بإسكان القاف، و«العصرَ» منصوب على المفعولية، ويُقَوِّي الأولَ رواية الأصيليّ: «أرهَقَتنا» بفتح القاف، بعدها مثناة ساكنة، ومعنى الإرهاق: الإدراكُ والْغَشَيان. قال ابن بطال - ﵀ -: كأن الصحابة أخَّروا الصلاة في أول الوقت؛ طَمَعًا أن يَلْحَقهم النبيّ - ﷺ -، فيصلوا معه، فلما ضاق الوقت، بادروا إلى الوضوء، ولِعَجَلتهم لم يُسبِغوه، فأدركهم على ذلك، فأنكر عليهم. وقال الحافظ: ويحتمل أيضًا أن يكونوا أخّروا؛ لكونهم على طهر، أو لرجاء الوصول إلى الماء، ويدلّ عليه رواية مسلم: «حتى إذا كنّا بماء بالطريق تعجّل قوم عند العصر»، أي قرب دخول وقتها، فتوضّؤوا، وهم عجال. انتهى . (فَتَوَضَّئُوا، وَهُمْ عِجَالٌ) بكسر العين، وتخفيف الجيم: جمع عَجْلان - بفتح، فسكون -، وهو المستعجل، كغَضْبَان، وغِضَاب، قال المجد - ﵀ -: الْعَجَلُ، والْعَجَلَةُ محرَّكتين: السُّرْعة، وهو عَجِلٌ بكسر الجيم، وضمّها، وعَجْلانُ، وعاجلٌ، وعَجِيلٌ، من عَجَالَى - بالفتح - وعُجَالَى - بالضمّ - وعِجَال - بالكسر -. انتهى . (فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ) هكذا النسخ، بلفظ: «فانتهينا»، والظاهر أن يقول: «فانتهى إليهم» بلفظ الغيبة، والضمير للنبيّ - ﷺ -؛ ليوافق رواية يوسف بن ماهك الآتية: «تخلّف عنّا النبيّ - ﷺ -»، وقوله: «فأدركنا»، وقوله: «فجعلنا نمسح»؛ إذ كلها تدلّ على أن عبد الله تقدّم مع القوم، وأن الخطاب موجهٌ إليه مثلهم، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ) في محلّ نصب على الحال، أي تظهر، وتُضيء، يقال: لاح يلوح لَوْحًا بالفتح، ولُؤُوحًا بالضمّ والهمزة، ولَوَحَانًا بالتحريك، ولَيَاحًا: إذا بدا، وظهر، أفاده في «اللسان». ومحلّ الجملة نصبٌ على الحال من الضمير المجرور، وكذا قوله: (لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ) حال من «أعقابهم»، والمعنى: أن تلك الأعقاب تظهر للعين من بين سائر الرجل بأنها لم يمسّها ماء الغسل. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «وَيْلٌ) مبتدأ سوّغه كونه مصدرًا في معنى الداء، كما في»سلام عليكم«، وهي كلمة تقابل»ويحَ«، وهي من المصادر التي لا أفعال لها، وهي كلمة عذاب، وهلاك، وقد تقدّم البحث عنها قريبًا بأتمّ من هذا. (لِلْأَعْقَابِ) جارّ ومجرور خبر المبتدأ، وهو جمع عَقِب، ككَتِف، وهو ما أصاب الأرض من مؤخّر الرجل إلى موضع الشراك (مِنَ النَّارِ) بيان لـ»الويل«، أو»من«بمعنى»في«، أي ويلٌ لها في النار (أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ) أي بالغوا في إتمامه، يقال: سبغ الشيءُ يسبُغُ سُبُوغًا، من باب دخل: أي طال إلى الأرض، واتّسع، وأسبغه هو. قال السنديّ - ﵀ -: فيه دليلٌ على أن التهديد كان لتساهلهم في الوضوء، لا لنجاسة على أعقابهم، فيلزم من الحديث بُطلان المسح على الرجلين على الوجه الذي يقول به من يُجيز المسح عليها، وهو أن يكون على ظاهر القدمين، وهو ظاهرٌ، فتعيّن الغسل، وهو المطلوب، وأما القول بالمسح على وجه يستوعب ظاهر القدم وباطنه، وكذا القول بأن اللازم أحد الأمرين، إما الغسل، وإما المسح على الظاهر، وهم قد اختاروا الغسل، فلزمهم استيعابه، فورد الوعيد لتركهم ذلك، فهو ما لم يقل به أحدٌ، فلا يضرّ احتماله باتّفاق. انتهى. وقال العينيّ - ﵀ - عند شرح قوله: «ونحن نتوضّأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا» ما نصّه: قال القاضي عياضٌ - ﵀ -: معناه نغسل، كما هو المراد في الآية بدليل تباين الروايات، وليس معناه ما أشار إليه بعضهم أنه دليلٌ على أنهم كانوا يمسحون، فنهاهم النبيّ - ﷺ - عن ذلك، وأمرهم بالغسل، وقالوا أيضًا: لو كان غسلًا لأمرهم بالإعادة لِمَا صلّوا، وهذا لا حجة فيه لقائله؛ لأنه - ﷺ - قد أعلمهم بأنهم مستوجبون النار على فعلهم بقوله: «ويلٌ للأعقاب من النار»، وهذا لا يكون إلا في الواجب، وقد أمرهم بالغسل بقوله: «أسبغوا الوضوء»، ولم يأت أنهم صلّوا بهذا الوضوء، ولا أنها كانت عادتهم قبلُ، فيلزم أمرهم بالإعادة. وقال الطحاويّ - ﵀ - ما ملخّصه: إنهم كانوا يمسحون عليها مثل مسح الرأس، ثم إن رسول الله - ﷺ - منعهم عن ذلك، وأمرهم بالغسل، فهذا يدلّ على انتساخ ما كانوا يفعلونه من المسح، وفيه نظرٌ؛ لأن قوله: «نَمْسَح على أرجلنا» يَحْتَمِل معناه: نغسل غسلًا خفيفًا مُبَقّعًا حتى كأنه مسح، والدليل عليه ما في الرواية الأخرى: «رأى قومًا توضّئوا، وكأنهم تركوا من أرجلهم شيئًا»، فهذا يدلّ على أنهم كانوا يَغسِلون، ولكن غسلًا قريبًا من المسح، فذلك قال لهم: «أسبِغُوا الوضوء»، وأيضًا إنما يكون الوعيد على ترك الفرض، ولو لم يكن الغسل في الأول فرضًا عندهم لَمَا توجّه الوعيد؛ لأن المسح لو كان هو المشهور فيما بينهم كان يأمرهم بتركه، وانتقالهم إلى الغسل بدون الوعيد، ولأجل ذلك قال القاضي عياض - ﵀ -: معناه نغسل كما ذكرناه آنفًا، والصواب أن يقال: إن أمر رسول الله - ﷺ - بإسباغ الوضوء، ووعيده، وإنكاره عليهم في ذلك الغسل يدلّ على أن وظيفة الرجلين هو الغسل الوافي، لا الغسل المشابه للمسح، كغسل هؤلاء، وقول عياض: وقد أمرهم بالغسل بقوله: «أسبغوا الوضوء» غير مسلَّم؛ لأن الأمر بالإسباغ أمر بتكميل الغسل، والأمر بالغسل فُهِم من الوعيد؛ لأنه لا يكون إلا في ترك الواجب، فلَمّا فُهِم ذلك من الوعيد أكَّده بقوله: «أسبِغُوا الوضوء»، ولهذا ترك العاطف، فوقع هذا تأكيدًا عامًّا، يَشمَل الرجلين، وغيرهما من أعضاء الوضوء؛ لأنه لم يقل: أسبغوا الرجلين، بل قال: «أسبِغُوا الوضوء»، والوضوء هو غسل الأعضاء الثلاثة، ومسح الرأس، ومطلوبيّة الإسباغ غير مختصّة بالرجلين، فكما أنه مطلوب فيهما، فكذلك مطلوبٌ في غيرهما. [فإن قلت]: لِمَ ذَكَرَ الإسباغ عامًّا، والوعيد خاصًّا؟. [قلت]: لأنهم ما قصّروا إلا في وظيفة الرجلين، فلذلك ذَكَر لفظ الأعقاب، فيكون الوعيد في مقابلة ذلك التقصير الخاصّ. انتهى كلام العينيّ - ﵀ - ، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الطهارة» [٩/ ٥٧٦ و٥٧٧ و٥٧٨] (٢٤١)، و(البخاريّ) في «العلم» (٦٠ و٩٦)، و«الوضوء» (١٦٣)، و(أبو داود) في «الطهارة» (٩٧)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (١١١)، و(ابن ماجه) في «الطهارة» (٤٥٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ١٩٣ و٢٠١)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٥٣)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ٢٦)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ١٧٩)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٦١ و١٦٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٠٥٥)، و(الطحاويّ) في «معاني الآثار» (١/ ٣٨ و٣٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٦١٧ و٦١٨ و٦١٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٥٦٦ و٥٦٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٦٩)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢٢٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده : ١ - (منها): بيان وجوب غسل الرجلين في الوضوء؛ لأنه لو جاز المسح لما توعّد بالنار مَن ترك غسل العقب. ٢ - (ومنها): بيان وجوب تعميم الأعضاء بالغسل، وأن من ترك جزءًا يسيرًا مما يجب تطهيره لا تصحّ صلاته. ٣ - (ومنها): تعليم الجاهل وإرشاده. ٤ - (ومنها): أن العالم يُنكر ما يراه من تضييع الفرائض والسنن، ويُغلظ القول في ذلك، ويرفع صوته في الإنكار؛ لقوله في رواية يوسف بن ماهك: «فنادى بأعلى صوته». ٥ - (ومنها): جواز رفع الصوت بالعلم، وقد بوّب عليه الإمام البخاريّ - ﵀ - في «كتاب العلم» من «صحيحه»، فقال: «باب رفع الصوت بالعلم»، ثم أورده. ٦ - (ومنها): استحباب تكرار المسألة ثلاثًا؛ لتُفْهَم، وعليه بوّب الإمام البخاريّ - ﵀ - أيضًا، فقال: «باب من أعاد الحديث ثلاثًا لِيُفهَمَ عنه»، ثم أورده. ٧ - (ومنها): بيان ثبوت تعذيب الجسد يوم القيامة، وهو مذهب أهل السنّة والجماعة. ٨ - (ومنها): أن الأعضاء التي تقع فيها المخالفة تعذّب يوم القيامة، وتكون وسيلة لعذاب صاحبها، وذكر العقب في هذا الحديث لصورة السبب، وإلا فيُلحق بها ما في معناها من جميع الأعضاء التي قد يحصُل بها التساهل في إسباغها. ٩ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ - ﵀ -: قد يتمسّك بقوله: «فجعلنا نمسح على أرجلنا» من قال بجواز مسح الرجلين - يعني بلا خفّ - ولا حجة له فيه؛ لأربعة أوجه: [أحدها]: أن المسح هنا يُراد به الغسل، فمن الفاشي المستعمل في أرض الحجاز أن يقولوا: تمسّحنا للصلاة، أي توضّأنا. [ثانيها]: أن قوله: «وأعقابهم تلوح لم يمسّها الماء» يدلّ على أنهم كانوا يغسلون أرجلهم؛ إذ لو كانوا يمسحونها لكانت القدم كلّها لائحة، فإن المسح لا يحصُلُ منه بَلَل الممسوح. [ثالثها]: أن هذا الحديث قد رواه أبو هريرة - ﵁ -، فقال: إن النبيّ - ﷺ - رأى رجلًا لم يغسل عقبه، فقال: «ويلٌ للأعقاب من النار» . [رابعها]: أنا لو سلّمنا أنهم مسحوا، لم يضرّنا ذلك، ولم تكن فيه حجةٌ لهم؛ لأن ذلك المسح هو الذي تُوُعِّد عليه بالعقاب، فلا يكون مشروعًا. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٧٧] (…) - (وحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ (ح) وَحَدَّثنا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثنَا شُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ: «أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ»، وَفِي حَدِيثِهِ: عَنْ أَبِي يَحْيَى الْأَعْرَجِ). رجال هذا الإِسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ مصنّف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م دس ق) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٢ - (وَكِيع) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرُّؤَاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ حجة، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٤ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد بن المثنّى، أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بـ «الزَّمِنِ» البصريّ، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٥ - (ابْنُ بَشَارٍ) هو: محمد بن بشّار العبديّ، أبو بكر البصريّ، المعروف بـ «بُندار»، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بـ «غُنْدَر»، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٧ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بِسْطام الواسطيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ إمام حجة [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨١. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ) أي سفيان وشعبة عن منصور بن المعتمر المذكور في السند السابق. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) إشارة إلى إسناد منصور المتقدّم، وهو: عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى، عن عبد الله بن عمرو - ﵄ -. وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ: «أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ») يعني أن شعبة لم يذكر في روايته لفظ: «أسبغوا الوضوء». قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال المصنّف - ﵀ -: إن رواية شعبة ليس فيها زيادة «أسبغوا الوضوء»، لكن الحديث أخرجه أبو عوانة في «مسنده» (١/ ١٩٤ - ١٩٥) والطحاويّ في «معاني الآثار» من طريق شعبة، وفيه قوله: «أسبغوا الوضوء»، ولعلّ المصنّف وقعت له رواية دون هذه الزيادة، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَفِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِي يَحْيَى الْأَعْرَجِ) الضمير لشعبة، يعني أن في حديث شعبة زيادة لفظة: «الأعرج»، بخلاف رواية جرير، وسفيان، فليس فيهما: «الأعرج»، بل اقتصرا على قولهما: «عن أبي يحيى»، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: أما رواية سفيان التي أحالها المصنّف - ﵀ - هنا، فأخرجها أبو عوانة في «مسنده» (١/ ١٩٤)، فقال: (٦١٧) حدثنا ابن أبي رجاء، قال: ثنا وكيع (ح) وحدثنا الحسن بن عفان، قال: ثنا أبو داود الْحَفَريّ (ح) وحدثنا أبو العباس الغزيّ، قال: ثنا الْفِرْيابيّ، قالوا: ثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يِساف، عن أبي يحيى، عن عبد الله بن عمرو، قال: رأى النبيّ - ﷺ - قومًا يتوضئون، فرأى أعقابهم تَلُوح، فقال: «ويلٌ للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء». وأما رواية شعبة، فأخرجها هو أيضًا، فقال: (٦١٩) حدثنا يونس بن حبيب، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن منصور، قال: سمعت هلال بن يِساف يحدث، عن أبي يحيى الأعرج، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله - ﷺ - أَتَى على قوم يتوضئون، وكان في سَفَر، فقال: «أسبغوا الوضوء، ويلٌ للأعقاب من النار - أو - ويلٌ للعراقيب من النار»، قال شعبة أحدهما. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٧٨] (…) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ أَبُو كَامِلٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ - ﷺ -، فِي سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ، فَأَدْرَكَنَا، وَقَدْ حَضِرَتْ صَلَاةُ الْعَصْر، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى : «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ»). رجال هذا الإِسناد: ستة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيُ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، قال أبو حاتم: اضطرّ الناس إليه أخيرًا، من صغار [٩] (ت ٦ أو ٢٣٥)، وله بضع وتسعون سنة (م دس) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٧. ٢ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) هو: فُضيل بن حُسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) عن أكثر من (٨٠) سنة (خت م دت س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧. ٣ - (أَبُو عَوَانَةَ) هو: الْوَضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ الْبَزّاز، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. ٤ - (أَبُو بِشْرٍ) هو: جعفر بن أبي وَحْشِيّة - بفتح الواو، وسكون الحاء المهملة، وكسر المعجمة، وتشديد التحتانيّة - واسمه إياس اليشكريّ، أبو بِشْر الواسطيّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ، من أثبت الناس في سعيد بن جُبير [٥]. رَوَى عن عباد بن شرحبيل اليشكري وله صحبة، وسعيد بن جبير، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد، وأبي عمير بن أنس بن مالك، وأبي نضرة العبدي، ويوسف بن ماهك، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، وعبد الرحمن بن أبي بكرة، وجماعة. وعنه الأعمش، وأيوب وهما من أقرانه، وداود بن أبي هند، وشعبة، وغيلان بن جامع، ورقبة بن مصقلة، وأبو عوانة، وهشيم، وخالد بن عبد الله الواسطيّ، وعدةٌ. قال علي بن المدينيّ: سمعت يحيى بن سعيد يقول: كان شعبة يُضَعِّف أحاديث أبي بشر عن حبيب بن سالم، وقال أحمد: أبو بشر أحب إلي من المنهال، قلت: مِن المنهال؟ قال: نعم شديدًا، أبو بشر أوثق، قال أحمد: وكان شعبة يقول: لم يسمع أبو بشر من حبيب بن سالم، وقال أيضًا: كان شعبة يُضعِّف حديث أبي بشر عن مجاهد، قال: لم يسمع منه شيئًا، وقال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والعجليّ، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن معين: طَعَنَ عليه شعبة في حديثه عن مجاهد، قال: من صحيفة، وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به، وقال الْبَرْديجيّ: كان ثقةً، وهو من أثبت الناس في سعيد بن جبير. وقال مُطَيَّنٌ: مات سنة (١٢٣)، وقال نوح بن حبيب: سنة (٢٤)، وكان ساجدًا خلف المقام حين مات، وقال ابن سعد، وخليفة، وغيرهما: سنة (٢٥)، وقال ابن البراء، عن ابن المدينيّ: سنة (٢٦)، وقال ابن حبان في «الثقات»: مات في الطاعون سنة (١٣١). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢١) حديثًا. ٥ - (يُوسُفُ بْنُ مَاهَكَ) - بفتح الهاء وتُكْسَر - ابن بُهْزَاد - بضمّ الموحّدة، وسكون الهاء، بعدها زايٌ - الفارسيّ المكيّ، مولى قريش، والصحيح أنه غير يوسف بن مِهْرَان، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبيه، وأمه مُسيكة، وأبي هريرة، وعائشة، وحَكِيم بن حِزَام، وعبد الله بن صفوان، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعُبيد بن عُمير، وحفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، وغيرهم، وأرسل عن أُبيّ بن كعب. ورَوَى عنه عطاء بن أبي رباح، وهو من أقرانه، وأيوب، وأبو بِشْر، وحميد الطويل، وأبو خثيم، وابن جريج، وإبراهيم بن مهاجر، وجعفر بن سليمان الضُّبَعيّ، وآخرون. قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن خِرَاش: ثقةٌ عدلٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن أبي عاصم: مات سنة ثلاث ومائة، وقال الهيثم بن عديّ: مات سنة عشر، وقال الواقديّ، وخليفة، وجماعة: مات سنة ثلاث عشرة، وقيل: مات سنة أربع عشرة ومائة، حَكَى هذا ابنُ سعد أيضًا، وزاد: كان ثقةً قليلَ الحديث، وقال ابن حبان: مات سنة ثلاث عشرة، وقيل: سنة ست، وروى القرّاب في «تاريخه» بإسناده إلى الهيثم بن عديّ قال: سنة ثلاث ومائة مات فيها يوسف بن ماهك، ويحيى بن وَثّاب، وذكر غيرَهما، وهذا يدل على أنه في سنة ثلاث بغير عشر؛ لأن يحيى بن وَثّاب مات فيها اتّفاقًا. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٢٤١) و(٢٨٨٣). [تنبيه]: «ماهَك» بفتح الهاء، وحُكي كسرها، وهو غير منصرف عند الأكثرين؛ للعلميّة والعجمة، ورواه الأصيليّ منصرفًا، وإنما صرفه؛ لملاحظة الوصفيّة، وذلك أن ماهك بالفارستة تصغير ماء، وهو القمر بالعربيّ، وقاعدتهم أنهم إذا صغّروا الاسم أدخلوا في آخره كافًا، والتصغير من الصفات، والصفة لا تجامع العلميّة؛ لأن بينهما تضادًّا، فيبقى الاسم بعلّة واحدة، وهي العجمة، فلا يُمنع من الصرف، هذا إذا كان بفتح الهاء، وأما إذا كُسرت، فيكون اسم فاعل من مَهَكتُ الشيءَ أمهَكُهُ مهكًا: إذا بالغت في سحقه، قاله ابن دريد، وفي «الْعُبَاب»: مَهَكتُ الشيءَ: إذا ملّسته، أو يكون من مُهكة الشباب بالضمّ، وهو امتلاؤه، وارتواؤه، ونماؤه. وذكر الصغانيّ هذه المادّة، ثم قال عقبها: ويوسف بن ماهك من التابعين الثقات، ويُمكن أن يقال: إنه عربيّ، مع كون الهاء مفتوحةً بأن يكون عَلَمًا منقولًا من مَاهَكَ، وهو فعلٌ ماضٍ من المماهكة، وهو الْجَهْد في الجماع من الزوجين، فعلى هذا لا يجوز صرفه أصلًا؛ للعلميّة ووزن الفعل. وقال الدارقطنيّ: ماهك اسم أمه، أي فلا يُصرف؛ للعلميّة، والتأنيث، قال: والأكثر على أنه اسم أبيه، واسم أمّه: مُسيكة، وعن عليّ بن المدينيّ أن يوسف بن ماهك، ويوسف بن ماهان واحد، أفاده العينيّ - ﵀ - في «شرحه» . ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرو) بن العاص - ﵄ -، تقدّم في السند الماضي. وقوله: (تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ - ﷺ -) أي تأخر خَلْفنا. وقوله: (في سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ) وفي رواية للبخاريّ: «في سفرة سافرناها»، وقد تقدّم أنها كانت من مكة إلى المدينة. وقوله: (فَأَدْرَكَنَا) جملة من الفعل والفاعل، والضمير للنبيّ - ﷺ -، أي لَحِقَ بنا النبيّ - ﷺ -. وقوله: (وَقَدْ حَضِرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ) جملة في محلّ نصب على الحال، و«حَضِرَت» بفتح الضاد وكسرها، لغتان، والفتح أشهر؛ قاله النوويّ - ﵀ - . وقال في «القاموس»: حَضَر كنصر، وعَلِمَ، حُضُورًا وَحَضارةً: ضِدّ غاب. انتهى . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: حَضَرتُ مجلس القاضي حُضُورًا، من باب قَعَدَ: شَهِدته، وحَضَرَ الغائب حُضُورًا: قَدِمَ من غيبته، وحَضَرَت الصلاة، فهي حاضرة، والأصل حَضَر وقت الصلاة، قال: حَضِرَ فلان بالكسر لغة، واتّفقوا على ضمّ المضارع مطلقًا، وقياس كسر الماضي أن يُفتَح المضارع، لكن استُعْمِل المضموم مع كسر الماضي شُذُوذًا، ويُسمّى تداخل اللغتين. انتهى . فمعنى: «حضرت الصلاة»: جاء وقت فعلها. وفي رواية البخاريّ: «فأدركنا، وقد أرهقنا العصر»، قال في «الفتح»: قوله: «أرهقنا» - بفتح الهاء والقاف - و«العصر» مرفوع بالفاعلية، كذا لأبي ذرّ، وفي رواية كريمة بإسكان القاف، و«العصر» منصوب بالمفعولية، ويُقَوّي الأولَ رواية الأصيليّ: «أرهقتنا» - بفتح القاف، بعدها مثناة ساكنة - ومعنى الإرهاق: الإدراك، والْغَشَيان، قال ابن بطال: كأن الصحابة أخروا الصلاة في أول الوقت طمعًا أن يلحقهم النبيّ - ﷺ -، فيصلوا معه، فلما ضاق الوقت بادروا إلى الوضوء، ولعَجَلتهم لم يسبغوه، فأدركهم على ذلك، فأنكر عليهم . وقوله: (فَجَعَلْنَا) أي شرعنا. وقوله: (نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا) قابل الجمع بالجمع، فالأرجل مُوَزَّعة على الرجال، فلا يلزم أن يكون لكلّ رَجُل أرجُلٌ، ومسائل الحديث تقدّمت قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: فيما قيل من الأسئلة والأجوبة على هذا الحديث: ١ - (منها): ما قيل: إن الرَّجُل له رِجْلان، وليس له أرجُل، فالقياس أن يقال على رجلينا؟. أجيب بأن الجمع إذا قوبل بالجمع يفيد التوزيع، فتُوَزّع الأرجل على الرجال. ٢ - (ومنها): ما قيل: فعلى هذا يكون لكلّ رَجُل رجلٌ. أجيب بأن جنس الرجل يتناول الواحد والاثنين، والعقل يُعَيِّن المقصود، سيّما فيما هو محسوسٌ. ٣ - (ومنها): ما قيل: لِمَ خصّ الأعقاب بالعذاب؟. أجيب بأنها العضو التي لم تُغسل، وقال صاحب «الغريبين»: معنى: «ويلٌ للأعقاب من النار» أي لصاحب العقب الْمُقَصَّر عن غسلها، كما قال:
مصادر المؤلف (١٧)

١. «شرح النووي» ٣/ ١٣٠.

٢. «القاموس المحيط» ص ٧٧٧.

٣. «الفتح» ١/ ٣٢١.

٤. راجع «الفتح» ١/ ٣١٩.

٥. راجع«القاموس»ص ٩٢٧، و«لسان العرب» ١١/ ٤٢٥.

٦. «عمدة القاري» ١/ ٣٨٣.

٧. المراد فوائد حديث عبد الله بن عمرو - ﵁ - بجميع رواياته، لا خصوص هذه الرواية، فتنبّه.

٨. هو الحديث الآتي للمصنّف بعد حديثين.

٩. وفي نسخة: «حدّثناه أبو بكر».

١٠. وفي نسخة: «وحدّثنا».

١١. بفتح الضاد وكسرها، كما سيأتي قريبًا.

١٢. وفي نسخة: «فنادانا».

١٣. راجع «عمدة القاري» ٢/ ١٢، وراجع أيضًا «الفتح» ١/ ١٧٣.

١٤. «شرح النوويّ» ٣/ ١٣١.

١٥. «القاموس المحيط» ص ٣٤٠.

١٦. «المصباح المنير» ١/ ١٤٠.

١٧. راجع «الفتح».