HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦١

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ». قَالَ زَكَرِيَّاءُ: قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ. إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ. زَادَ قُتَيْبَةُ: قَالَ وَكِيعٌ: انتقاص الماء يعني الاستنجاء.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص153
ج ١ ص ٢٢٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن النسائي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٦ ص٤٨٥
وكلّ هذه الروايات بمعنى واحد، وهو تركها على حالها، وعدم التعرّض لها بحلق، ولا تقصير. (اللِّحَى) تقدّم أنه بكسر اللام، وحُكي ضمّها، وقوله: (خَالِفُوا الْمَجُوسَ) بيان للمعنى الحامل على الأمر بالجزّ، والإرخاء، أي لأنهم يتركون شواربهم، ويحلقون لحاهم، فيجب مخالفة هديهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الطهارة» [١٦/ ٦٠٩] (٢٦٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٢٩ و٢٦١ و٢٥٦ و٣٦٥ و٣٦٦ و٣٨٧ و٤٩٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤٦٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٦٠٣)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٢٣٠)، وأما بقيّة المسائل فتقدّمت في شرح الأحاديث السابقة، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٦١٠] (٢٦١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثنَا وَكِيعٌ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ طَلقِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْر، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِب، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَة، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاء، وَقَصُّ الْأَظْفَار، وَغَسْلُ الْبَرَاجِم، وَنَتْفُ الْإِبْط، وَحَلْقُ الْعَانَة، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ» - قَالَ زَكَرِيَّاءُ: قَالَ مُصْعَبٌ وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ - إِلا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ، زَادَ قتيْبَةُ: قَالَ وَكِيعٌ: انْتِقَاصُ الْمَاءِ - يَعْني الاسْتِنْجَاءَ -). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مليح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابد، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٢ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ) خالد، أو هُبيرة بن ميمون بن فيروز الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ، يُدلّس [٦] (ت ٧ أو ٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٣/ ٤٤٩. ٣ - (مُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ) بن جُبير بن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد العزَّى بن عثمان بن عبد الدار العَبْدَريّ المكيّ الْحَجَبيّ، ليّن الحديث [٥]. رَوَى عن أبيه، وعمة أبيه، صفية بنت شيبة، وقَرِيبه مسافع، وطلق بن حبيب، وعُبيد بن محمد بن الحارث، وأبي حبيب يعلى بن منية. وروى عنه ابنه زُرَارة، وحفيده عبد الله بن زُرارة، وقَريبه عبد الله بن مسافع بن شيبة، وابن جريج، ومسعر، وزكرياء بن أبي زائدة، وعبد الله بن أبي السفر، وغيرهم. قال الأثرم، عن أحمد: رَوَى أحاديث مناكير، وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: لا يحمدونه، وليس بقويّ، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وقال النسائيّ: منكر الحديث، وقال في موضع آخر: في حديثه شيء، وقال الدارقطنيّ: ليس بالقويّ، ولا بالحافظ، ورَوَى عن طلق بن حبيب، عن أبي الزبير، عن عائشة، عن النبيّ - ﷺ - أنه كان يأمر بالغسل من الجنابة، والحجامة، ومن غسل الميت، ويوم الجمعة، قال أبو داود بعد تخريجه: ضعيفٌ، وقال ابن عديّ: تكلموا في حفظه، وقال العجليّ: ثقةٌ. أخرج له المصنف، والأربعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط برقم (٢٦١) و(٣١٤) و(٢٠٨١) و(٢٤٢٤). ٤ - (طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ) الْعَنَزيّ - بفتح العين المهملة، والنون - البصريّ، صدوقٌ عابدٌ، رُمي بالإرجاء [٣]. رَوَى عن عبد الله بن عباس، وابن الزبير، وابن عمرو بن العاص، وجابر، وجندب، وأنس بن مالك، والأحنف بن قيس، وسعيد بن المسيب، وغيرهم. وروى عنه طاوسٌ، من أقرانه، وسعيد بن المهلَّب، والأعمش، ومنصور، ومصعب بن شيبة، وسليمان التيميّ، والمختار بن فُلْفُل، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق في الحديث، وكان يرى الإرجاء، وقال حماد بن زيد، عن أيوب: قال لي سعيد بن جبير: لا تجالسه، قال حماد: وكان يرى الإرجاء، وقال طاوس: كان طلق ممن يَخْشَى الله تعالى، وقال مالك بن أنس: بلغني أن طلق بن حبيب كان من العباد، وأنه هو وسعيد بن جبير، وقراء كانوا معهم طَلَبَهم الحجاج وقتلهم، وقال أبو زرعة: كوفي سمع ابن عباس، وهو ثقة، لكن كان يرى الإرجاء، وقال ابن سعد: كان مرجئًا ثقةً إن شاء الله تعالى، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: كان مرجئًا عابدًا، وقال العجليّ: مكيّ تابعيّ ثقة، كان من أعبد أهل زمانه، وقال أبو بكر البزار في «مسنده»: لا نعلمه سمع من أبي ذرّ شيئًا، وقال أبو الفتح الأزديّ: كان داعية إلى مذهبه تركوه، وذكره البخاريّ في «الأوسط» فيمن مات بين التسعين إلى المائة، وقال البخاريّ: ثنا عليّ، ثنا محمد بن بكر، ثنا أبو معدان، قال: سمعت حبيب بن أبي ثابت، قال: كنت مع طلق بن حبيب، وهو مُكَبَّل بالحديد، حين جيء به إلى الحجاج، مع سعيد بن جبير، ويقال: إنه أخرج من سجن الحجاج بعد موته، وتُوُفّي بعد ذلك بواسط، وقال أبو جعفر الطبري في «تاريخه»: كَتَبَ الحجاج إلى الوليد أن أهل الشقاق لجأوا إلى مكة، فكتب الوليد إلى الْقَسْريّ، فأخذ عطاءً، وسعيد بن جبير، ومجاهدًا، وطلق بن حبيب، وعمرو بن دينار، فأما عمرو، وعطاء، ومجاهد، فأُرسلوا؛ لأنهم كانوا من أهل مكة، وأما الآخران فَبَعَث بهما إلى الحجاج، فمات طلق في الطريق. أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط برقم (٢٦١) و(٢٦٧٠). ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن الْعَوّام بن خويلد بن أسد بن عبد العزَّى القرشيّ الأسديّ، أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، وُلد عام الهجرة، وحَفِظ عن النبيّ - ﷺ -، وهو صغير، وحدّث عنه بجملة من الحديث، وعن أبيه، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وخالته عائشة، وسفيان بن أبي زهير، وغيرهم، وهو أحد العبادلة، وأحد الشجعان من الصحابة، وأحد مَن ولي الخلافة منهم، يكنى أبا بكر، ثم قيل له: أبو خُبيب بولده. ورَوَى عنه أخوه عروة، وابناه عامر وعباد، وابن أخيه محمد بن عروة، وأبو ذُبيان خليفة بن كعب، وعَبيدة بن عمرو السلماني، وعطاء، وطاووس، وعمرو بن دينار، ووهب بن كيسان، وابن أبي مليكة، وسماك بن حرب، وأبو الزبير، وثابت البناني، وآخرون. وبويع بالخلافة سنة أربع وستين، عقب موت يزيد بن معاوية، ولم يتخلف عنه إلا بعض أهل الشام، وهو أول مولود وُلد للمهاجرين بعد الهجرة، وحنّكه النبيّ - ﷺ -، وسمّاه باسم جده، وكناه بكنيته، وزعم الواقديّ أنه وُلد في السنة الثانية، والأصح الأول، وقال الزبير بن بكار: حدثني عمي، قال: سمعت أصحابنا يقولون: وُلد سنة الهجرة، وأتاه النبيّ - ﷺ - في اليوم الذي وُلد فيه يمشي، وكانت أسماء مع أبيها بالسُّنْح، فأُتيَ به، فَحَنَّكه، قال الزبير: والثبت عندنا أنه وُلد بقباء، وإنما سَكَن أبوه السُّنْح لَمّا تزوج مُليكة بنت خارجة بن زيد، قال الواقدي، ومن تبعه: وُلد في شوال سنة اثنتين. ووقع في «الصحيح» من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، - ﷺ - أسماء، أنها حملت بعبد الله بن الزبير بمكة، قالت: فخرجت، وأنا مُتِمٌّ، فأتيت المدينة، ونزلت بقباء، فولدته بقباء، ثم أتيت به رسول الله - ﷺ -، فوضعته في حجره، ثم دعا بتمرة، فمضغها، ثم تَفَل في فيه، فكان أول شيء دخل في جوفه ريق النبيّ - ﷺ -، ثم حنكه بالتمرة، ثم دعا له، وبَرّك عليه، وكان أول مولود وُلد في الإسلام. لفظ أحمد في «مسنده». وأخرج ابن منده، من طريق عبد الله بن محمد بن عروة، حدثني هشام بن عروة، عن أبيه قال: خرجت أسماء حين هاجرت، وهي حامل، قالت: فنفستُ به فأتيته به ليحنكه، فأخذه، فوضعه في حجره، وأُتي بتمرة، فمصّها، ثم مضغها في فيه، فحنكه، فكان أول شيء دخل بطنه ربق النبيّ - ﷺ -، ثم مسحه، وسماه عبد الله، ثم جاء بعدُ، وهو ابن سبع أو ثمان ليبايع رسول الله - ﷺ - أمره بذلك الزبير، فتبسم رسول الله - ﷺ - حين رآه وبايعه، وكان أول مولود وُلد في الإسلام بالمدينة، وكانت يهود تقول: قد أخذناهم، فلا يولد لهم بالمدينة ولد، فَكَبَّر الصحابة حين وُلد. وفي «الرسالة» للشافعي: أن عبد الله بن الزبير كان له عند موت النبيّ - ﷺ - تسع سنين، وقد حَفِظَ عنه. وقال الدِّينَوري في «المجالسة»: حدثنا إبراهيم بن يزيد، حدثنا أبو غسان، حدثنا محمد بن يحيى، أخبرني مصعب بن عثمان، قال: قال عبد الله بن الزبير: هاجرت وأنا في بطن أمي. وأخرج الزبير من طريق مسلم بن عبد الله بن عروة بن الزبير، عن أبيه، أن النبيّ - ﷺ - كُلِّمَ في غِلْمَة من قريش تَرَعْرَعوا: عبد الله بن جعفر، وعبد الله بن الزبير، وعمر بن أبي سلمة، فقيل: لو بايعتهم، فتصيبهم بركتك، ويكون لهم ذكر، فأُتي بهم إليه، فكأنهم تكعكعوا، فاقتحم عبد الله بن الزبير أولهم، فتبسم رسول الله - ﷺ - وقال: إنه ابن أبيه. ومن طريق عبد الله بن مصعب: كان رسول الله - ﷺ -، قد جمع أبناء المهاجرين والأنصار الذين وُلدوا في الإسلام، حتى ترعرعوا، فوقفوا بين يديه، فبايعهم، وجلس لهم، فجمع منهم ابن الزبير. وأخرج البخاري في ترجمة عبد الله بن معاوية، عن عاصم بن الزبير أنه رَوَى عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن الزبير قال لابنه عبد الله: أنت أشبه الناس بأبي بكر. وأخرج أبو يعلى، والبيهقي في «الدلائل» من طريق هُنيد بن القاسم، سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير، أن أباه حدثه، أنه أتى النبي - ﷺ -، وهو يحتجم، فلما فرغ قال: «يا عبد الله اذهب بهذا الدم فأهرقه، حيث لا يراك أحد»، فلما برز عن رسول الله - ﷺ -، عَمَد إلى الدم فشربه، فلمّا رجع قال: يا عبد الله ما صنعت بالدم؟ قال: جعلته في أخفى مكان علمت أنه يخفى عن الناس، قال: «لعلك شربته؟» قال: نعم، قال: «ولمَ شربت الدم؟، ويل للناس منك، وويل لك من الناس»، قال أبو موسى: قال أبو عاصم: فكانوا يرون أن القوة التي به من ذلك الدم. وله شاهد من طريق كيسان، مولى ابن الزبير، عن سلمان الفارسي، قال الحافظ: رويناه في «جزء الغطريف»، وزاد في آخره: «لا تمسّك النار إلا تحلة القسم». وفي البخاري عن ابن عباس أنه وصف ابن الزبير، فقال: عفيف الإسلام، قارئ القرآن، أبوه حواري رسول الله - ﷺ -، وأمه بنت الصديق، وجدته صفية، عمة رسول الله - ﷺ -، وعمة أبيه خديجة بنت خويلد. وقال ابن أبي خيثمة: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا الزنجي بن خالد، عن عمرو بن دينار قال: ما رأيت مصليًا أحسن صلاة من ابن الزبير، وأخرج أبو نعيم بسند صحيح عن مجاهد: كان ابن الزبير إذا قام للصلاة كأنه عمود، وأخرج ابن أبي الدنيا من طريق ليث عن مجاهد: ما كان باب من العبادة إلا تكلفه ابن الزبير، ولقد جاء سيل بالبيت، فرأيت ابن الزبير يطوف سِبَاحةً، وشهد ابن الزبير اليرموك مع أبيه الزبير، وشهد فتح إفريقية، وكان البشير بالفتح إلى عثمان، ذكره الزبير، وابن عائذ، واقتص الزبير قصة الفتح، وأن الفتح كان على يديه، وشهد الدار، وكان يقاتل عن عثمان، ثم شهد الجمل مع عائشة، وكان على الرجالة. قال الزبير: حدثني يحيى بن معين، عن هشام بن يوسف، عن معمر، أخبرني هشام بن عروة، قال: أُخذ عبد الله بن الزبير من وسط القتلى يوم الجمل، وفيه بضع وأربعون جراحة، فأَعطت عائشة البشير الذي بشّرها بأنه لم يمت عشرة آلاف، ثم اعتزل ابن الزبير حروب علي ومعاوية، ثم بايع لمعاوية، فلما أراد أن يبايع ليزيد امتنع، وتحوّل إلى مكة، وعاذ بالحرم، فأرسل إليه يزيدُ سليمانَ أن يبايع له، فأبى، ولَقَّب نفسه عائذ الله، فلما كانت وقعة الحرّة، وفَتَكَ أهل الشام بأهل المدينة، ثم تحولوا إلى مكة، فقاتلوا ابن الزبير، واحترقت الكعبة أيام ذلك الحصار، ففجعهم الخبر بموت يزيد بن معاوية، فتوادعوا، ورجع أهل الشام، وبايع الناس عبد الله بن الزبير بالخلافة، وأرسل إلى أهل الأمصار يبايعهم، إلا بعض أهل الشام، فسار مروان، فغلب على بقية الشام، ثم على مصر، ثم مات، فقام عبد الملك بن مروان، فغلب على العراق، وقتل مصعب بن الزبير، ثم جَهَّزَ الحجاج إلى ابن الزبير، فقاتله إلى أن قُتل ابن الزبير في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين من الهجرة، وهذا هو المحفوظ، وهو قول الجمهور، وعند البغوي عن ابن وهب، عن مالك، أنه قُتل على رأس اثنتين وسبعين، وكأنه أراد بعد انقضائها . أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثًا . والباقون تقدّموا قريبًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قَرَن بينهم. ٢ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّة، هي خالته، وتابعيّ، عن تابعيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة، روت من الأحاديث (٢٢١٠)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين - ﵂ - أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ) وفي رواية أبي عوانة في «مسنده»: «عشرة من السنة» بدل «الفطرة». قال النوويّ - ﵀ -: يدلّ على عدم انحصار الفطرة في العشر . (قَصُّ الشَّارِبِ) أي قطع الشعر النابت على الشفة العليا، وقد تقدّم البحث عنه مستوفًى في المسألة الثالثة عشرة من شرح حديث أبي هريرة - ﵁ - المذكور أول الباب (وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ) أي توفيرها، وتكثيرها، وقد تقدم مستوفى البحث في المسألة الثالثة من شرح حديث ابن عمر - ﵄ - (وَالسِّوَاكُ) بكسر السين يُطلق على الفعل، وهو الاستياك، وعلى الآلة التي يُستاك بها، وقد تقدّم تمام البحث فيه في «باب السواك» (وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ) أي جعل الماء في الأنف، وجذبه بالنَّفَس ليَنزل ما في الأنف، وقد تقدّم البحث عنه مستوفى في «باب صفة الوضوء، وكماله»، وفي رواية أبي عوانة: «والاستنثار بالماء» (وَقَصُّ الْأَظْفَارِ) أي قطع ما طال منها، وقد تقدّم البحث عنه مستوفًى في المسألة الحادية عشرة من شرح حديث أبي هريرة المذكور. (وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ) - بفتح الباء الموحّدة، وبالجيم - جمع بُرْجُمَة - بضم الباء، والجيم - وهي عُقَد الأصابع التي في ظهر الكفّ، قال الخطابيّ: هي المواضع التي تتسخ، ويجتمع فيها الوسخ، ولا سيما ممن لا يكون طَرِيّ البدن، وقال الغزاليّ: كانت العرب لا تغسل اليد عقب الطعام، فيجتمع في تلك الغضون وسخ، فأمر بغسلها. وقال النوويّ: وهي سنة مستقلة، ليست مختصة بالوضوء، يعني أنها يُحتاج إلى غسلها في الوضوء والغسل والتنظيف، وقد أُلْحِقَ بالبراجم ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأُذن، وهو الصِّمَاخ، فيُزيله بالمسح؛ لأنه ربما أضرّت كثرته بالسمع، وكذلك ما يجتمع في داخل الأنف، وكذلك جميع الوسخ المجتمع على أيّ موضع كان من البدن بالعَرَق والغُبَار ونحوهما. انتهى. وقد أخرج ابن عديّ من حديث أنس - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - أمر بتعاهد البراجم عند الوضوء؛ لأن الوسخ إليها سريع. وللترمذي الحكيم، من حديث عبد الله بن بِشر رفعه: «قُصُّوا أظفاركم، وادفنوا قُلاماتكم، ونَقُّوا براجمكم»، وفي سنده راو مجهول. ولأحمد من حديث ابن عباس - ﵄ -: أبطأ جبريل على النبيّ - ﷺ - فقال: «ولم لا يبطئ عني، وأنتم لا تستنّون - أي لا تستاكون - ولا تَقُصّون شواربكم، ولا تُنَقُّون رواجبكم»، والرواجب جمع راجبة - بجيم بعدها موحّدة - قال أبو عبيد: البراجم، والرواجب: مفاصل الأصابع كلّها، وقال ابن سِيدَهْ: الْبُرْجُمَة: المفصل الباطن عند بعضهم، والرواجب بواطن مفاصل أصول الأصابع، وقيل: قَصَب الأصابع، وقيل: هي ظُهُور السُّلاميات، وقيل: ما بين البراجم من السّلاميات، وقال ابن الأعرابي: الراجبة البقعة الملساء التي بين البراجم، والبراجم الْمُسبّحات من مفاصل الأصابع، وفي كل إصبع ثلاث برجمات، إلا الإبهام فلها برجمتان، وقال الجوهريّ: الرواجب مفاصل الأصابع اللاتي تلي الأنامل، ثم البراجم، ثم الأشاجع اللاتي على الكفّ، وقال أيضًا: الرواجب رؤوس السلاميات من ظهر الكفّ، إذا قَبَض القابض كفَّه، نَشَزَت وارتفعت، والأشاجع أصول الأصابع التي تتصل بعَصَب ظاهر الكفّ، واحدها أشجع، وقيل: هي عروق ظاهر الكف؛ قاله في «الفتح» . (وَنَتْفُ الْإِبْطِ) أي نزع الشعر النابت في باطن المنكب بالأصابع، وقد تقدّم البحث عنه مستوفًى في شرح حديث أبي هريرة - ﵁ - (وَحَلْقُ الْعَانَةِ) أي الشعر الذي فوق ذكر الرجل وحواليه، والشعر الذي حوالي فرج المرأة، وقد تقدّم شرحه أيضًا مستوفًى. (وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ») - بالقاف، والصاد المهملة - قال أبو عوانة في«مستخرجه»:«هو غسل الذكر بالماء»، وهو بمعنى تفسير وكيع الآتي بأنه الاستنجاء، وقال أبو عبيدة: معناه انتقاص البول، بسبب استعمال الماء في غسل مذاكيره، وقيل: هو الانتضاح، وقد جاء في رواية:«الانتضاح»بدل«انتقاص الماء»، قال الجمهور: الانتضاح نَضْحُ الفرج بماء قليل بعد الوضوء؛ لينفي عنه الوسواس، وقيل: هو الاستنجاء بالماء، وذكر ابن الأثير أنه رُوِيَ«انتفاص الماء»- بالفاء، والصاد المهملة - وقال في«فصل الفاء»: قيل: الصواب أنه بالفاء، قال: والمراد نضحه على الذكر، من قولهم لنضح الدم القليل: نَفَصَةٌ، وجمعها نَفْصٌ، قال النوويّ: وهذا الذي نقله شاذّ، والصواب ما سبق. انتهى . وقال في«الفتح»: وأما«الانتضاح»: فقال أبو عبيد الهرويّ: هو أن يأخذ قليلًا من الماء، فينضح به مذاكيره بعد الوضوء؛ لينفي عنه الوسواس، وقال الخطابيّ: انتضاح الماء الاستنجاء به، وأصله من النَّضْح، وهو الماء القليل، فعلى هذا هو والاستنجاء خصلة واحدةٌ، وعلى الأول فهو غيره، ويشهد له ما أخرجه أصحاب السنن من رواية الْحَكَم بن سفيان الثقفيّ، أو سفيان بن الحكم، عن أبيه، أنه«رأى رسول الله - ﷺ - توضأ، ثم أَخَذ حَفْنةً من ماء، فانتضح بها»، وأخرج البيهقيّ، من طريق سعيد بن جبير أن رجلًا أتى ابن عباس، فقال: إني أجد بللًا إذا قمت أصلي، فقال له ابن عباس: انضح بماء، فإذا وجدت من ذلك شيئًا، فقل هو منه. انتهى . (قَالَ زَكَرِيَّاءُ) أي ابن أبي زائدة الراوي عن مصعب بن شيبة (قَالَ مُصْعَبٌ) أي ابن شيبة (وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ) أي الخصلة العاشرة من خصال الفطرة، وهذا صريح في كون الناسي هو مصعب بن شيبة، وفي الرواية التالية أن الذي نسي هو زكريّا، وبعده مما لا يخفى على من تأمّله، والله تعالى أعلم (إِلا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ) قال النوويّ - ﵀ -: هذا شكّ منه فيها، قال القاضي عياض - ﵀ -: ولعلها الختان المذكور مع الخمس، يعني في حديث أبي هريرة الماضي، وتبعه القرطبيّ، والنوويّ، وقال: وهو أولى. انتهى . (زَادَ قُتَيْبَةُ) بن سعيد (قَالَ وَكِيعٌ: انْتِقَاصُ الْمَاءِ - يَعْنِي الاسْتِنْجَاءَ -) يعني أن وكيعًا فسّر الانتقاص بالاستنجاء، وقد سبق بيان الاختلاف فيه آنفًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا من أفراد المصنف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الطهارة» [١٦/ ٦١٠] (٢٦١)، و(أبو داود) في «الطهارة» (٥٣)، و(الترمذيّ) في «الأدب» (٢٧٥٧)، و(النسائيّ) في «الزينة» (٥٠٤٠ و٥٠٤١)، و(ابن ماجه) في «الطهارة» (٢٩٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤٧٢ و٤٧٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٦٠٤ و٦٠٥)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٨٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في الكلام على هذا الحديث: (اعلم): أنه اختُلف في هذا الحديث، فقد صحّحه المصنّف، حيث أخرجه هنا، وأعلّه النسائيّ، فقال بعد إخراجه من طريق سليمان التيميّ، قال: سمعت طلقًا يذكر عشرة من الفطرة … الحديث، ومن طريق جعفر بن إياس، عن طلق، قال: «عشرة من السنّة» ما نصّه: قال أبو عبد الرحمن: وحديث سليمان التيميّ، وجعفر بن إياس أشبه بالصواب من حديث مصعب بن شيبة، ومصعب منكر الحديث. وحاصل ما أشار إليه النسائيّ - ﵀ - ترجيح رواية سليمان التيميّ، وجعفر بن إياس، المقطوعة على رواية مصعب بن شيبة المتّصلة المرفوعة. وهكذا رجّح الدارقطنيّ في «العلل» روايتهما، فقال: وهما أثبتُ من مصعب بن شيبة، وأصحّ حديثًا، ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: مصعب بن شيبة أحاديثه مناكير، منها: «عشرة من الفطرة»، ولَمّا ذكر ابن منده أن مسلمًا أخرجه، وقال: تركه البخاريّ، فلم يُخرجه، وهو حديث معلول، رواه سليمان التيميّ، عن طلق بن حبيب، مرسلًا. قال الإمام ابن دقيق العيد - ﵀ - : لم يلتفت مسلم لهذا التعليل؛ لأنه قدّم وصل الثقة عنده على الإرسال، قال: وقد يقال في تقوية رواية مصعب: إن تثبّته في الفرق بين ما حفظه، وبين ما شكّ فيه جهةٌ مقوّيةٌ لعدم الغفلة، ومن لا يُتّهم بالكذب إذا ظهر منه ما يدلّ على التثبّت قويت روايته. وأيضًا لروايته شاهد صحيح، مرفوع في كثير من هذا العدد، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، أخرجه الشيخان . وقال الحافظ - ﵀ - بعد ذكر ترجيح النسائيّ للرواية المقطوعة على الموصولة ما نصّه: والذي يظهر لي أنها ليست بعلة قادحة، فإن راويها مصعب بن شيبة وَثَّقه ابن معين، والعجليّ، وغيرهما، وليّنه أحمد، وأبو حاتم، وغيرهما، فحديثه حسنٌ، وله شواهد في حديث أبي هريرة وغيره، فالحكم بصحّته من هذه الحيثية سائغٌ، وقولُ سليمان التيميّ: سمعت طلق بن حبيب يذكر عشرًا من الفطرة، يَحْتَمِل أن يريد أنه سمعه يذكرها من قِبَل نفسه على ظاهر ما فهمه النسائيّ، وَيحْتَمل أن يريد أنه سمعه يذكرُها وسَنَدَهَا، فحَذَف سليمانُ السندَ. وقد أخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، من حديث عمار بن ياسر، مرفوعًا، نحو حديث عائشة، قال: «من الفطرة: المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وغسل البراجم، والانتضاح» وذكر الخمس التي في حديث أبي هريرة، ساقه ابن ماجه، وأما أبو داود، فأحال به على حديث عائشة، ثم قال: ورُوي نحوه عن ابن عباس، وقال: «خمس في الرأس»، وذكر منها «الفَرْقَ»، ولم يذكر «إعفاء اللحية». قال الحافظ: كأنه يشير إلى ما أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره»، والطبريّ من طريقه بسند صحيح، عن طاوس، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ الآية، قال: ابتلاه الله بالطهارة، خمس في الرأس، وخمس في الجسد، فذكر مثل حديث عائشة - ﵂ -. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - باختصار . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الحديث صحيح، كما هو مذهب المصنّف، حيث أخرجه هنا، وكذا ابن خزيمة، حيث أخرجه في «صحيحه» برقم (٨٨)، وذلك ترجيحًا لرواية مصعب؛ لأمرين: [أحدهما]: كونه حفظ الحديث، ومما يقوّي ذلك، وأنه متثبّت فيه - كما قاله ابن دقيق العيد - أنه ميّز بين ما حفظه، وبين ما شكّ فيه، وهذا دليلٌ قويّ على أنه لم يغفل في هذا الحديث. [الثاني]: وجود شاهد صحيح مرفوع لكثير من هذا العدد، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وغيره، كما سبق بيانه. والحاصل أن حديث عائشة - ﵂ - هذا صحيح، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٦١١] (…) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ مِثلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَبُوهُ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ).
مصادر المؤلف (١١)

١. بفتح الطاء المهملة، وسكون اللام، آخره قاف.

٢. راجع «الإصابة» ٤/ ٧٨ - ٨٢، و«تهذيب التهذيب» ٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤.

٣. هكذا سجَّل له في برنامج الحديث (صخر)، والذي في «المجتبى» لابن الجوزيّ أن له من الأحاديث (٣٣) حديثًا، اتفق الشيخان على حديث، وانفرد البخاري بستة، ومسلم بحديثين، والذي في البرنامج هو الأشبه بالصواب، فليتنبّه.

٤. «شرح النوويّ» ٣/ ١٤٧.

٥. «الفتح»١٠/ ٣٥٠ - ٣٥١.

٦. «شرح النوويّ»٣/ ١٥٠.

٧. «الفتح» ١٠/ ٣٥١.

٨. «شرح النوويّ» ٣/ ١٥٠، و«المفهم» ١/ ٥١٢.

٩. راجع «الإمام في معرفة أحاديث الأحكام» ١/ ٤٠١ - ٤٠٢.

١٠. راجع «شرح السيوطيّ على النسائيّ» ٨/ ١٢٨ - ١٢٩.

١١. «الفتح» ١٠/ ٣٥٠.