HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٧٢

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ وَإِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ (وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى) قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ؛ قَالَ: بَالَ جَرِيرٌ. ثُمَّ تَوَضَّأَ. وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ. فَقِيلَ: تَفْعَلُ هَذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ. رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ. قَالَ الأَعْمَشُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ. لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص156
ج ١ ص ٢٢٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٧ ص٣٧
(٢٢) - (بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٢٨] (٢٧٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْن إِبْرَاهِيمَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ، قَالَ: بَالَ جَرِيرٌ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْه، فَقِيلَ: تَفْعَلُ هَذَا؟ ، فَقَالَ: نَعَمْ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ. قَالَ الْأَعْمَشُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ؛ لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الْحنظليّ، أبو محمد ابن راهويه المروزيّ، ثم النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ إمام [١٠] (٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٧. ٤ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، يرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٢. ٥ - (هَمَّام) بن الحارث بن قيس بن عمرو النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ [٢] (ت ٦٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٧/ ٢٩٨. ٦ - (جَرِير) بن عبد الله بن جابر البجليّ الصحابي الشهير - ﵁ -، مات سنة (٥١) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٥/ ٢٠٧. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه أربعة من الشيوخ، قرن بين ثلاثة منهم. ٢ - (ومنها): أنه إنما أفرد شيخه أبا بكر عن الثلاثة الأولين؛ لكونه روى عن شيخين: أبي معاوية، ووكيع، بخلافهم، فإنهم إنما رووا عن أبي معاوية فقط، فلو جمعه معهم لتوهّم أن وكيعًا شيخ لهم أيضًا. ٣ - (ومنها): أن فيه قوله: «واللفظ ليحيى .. إلخ» معناه: أن هذا اللفظ الذي ساقه هنا لفظ شيخه يحيى بن يحيى التميميّ، وهو أخذه عن أبي معاوية قراءةً، ولهذا قال: أخبرنا أبو معاوية، وأما أبو بكر فقال: حدّثنا أبو معاوية؛ إشارةً إلى أنه سمعه من لفظه، وأما الآخران فلم يصرّحا بصيغة الأخذ. ٤ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه: يحيى، وإسحاق، وأبي بكر، فالأول ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وإسحاق ما أخرج له ابن ماجه، وأبو بكر ما أخرج له الترمذيّ. ٥ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخيه: يحيى، وإسحاق، فنيسابوريّان. ٦ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من ثقات التابعين الكوفيين، يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن همّام بن الحارث، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ هَمَّامِ) بن الحارث النخعيّ، أنه (قَالَ: بَالَ جَرِيرٌ) أي ابن عبد الله البجليّ - ﵁ - (ثُمَّ تَوَضَّأَ) وفي رواية أبي نعيم في «مستخرجه» : «ثم توضّأ من مطهرة المسجد التي يتوضّأ فيه العامّة» (وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْه، فَقِيلَ) أي قال له قائلٌ منكرًا مسحه على خفّيه. [تنبيه]: هذا القائل هو همام بن الحارث الراوي عن جرير، فقد جاء مُبَيَّنًا عند الطبرانيّ من طريق جعفر بن الحارث، عن الأعمش، وعند الترمذيّ من رواية شهر بن حوشب، أنه الذي قال له ذلك، فيحتمل أن يكون كلّ منهما قال له، والله تعالى أعلم. (تَفْعَلُ هَذَا؟) بتقدير همزة الاستفهام، وفي نسخة: «أتفعل هذا؟» بإثباتها، ولفظ النسائيّ: «أتمسح؟»، وفي رواية أبي عوانة: «أتفعل، وأنت صاحب رسول الله - ﷺ -؟ فقال: وما يمنعني، وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح على الخفّين؟»، وفي رواية الطبرانيّ من طريق زائدة، عن الأعمش: «فعاب عليه ذلك رجلٌ من القوم» . وإنما أنكر ذلك عليه؛ لاعتقاده أن المسح على الخفّين منسوخٌ بآية المائدة (فَقَالَ) جرير - ﵁ - ردًّا على المنكر، ومبيّنًا له مستنده في ذلك (نَعَمْ) أي أمسح عليهما، وقوله: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ) جملة تعليليّة؛ أي إنما فعلت ذلك لأني رأيته - ﷺ - يفعله (قَالَ الأَعْمَشُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ) النخعيّ (كَانَ يُعْجِبُهُمْ) الضمير لأصحاب عبد الله بن مسعود - ﵁ -، ففي الرواية التالية: «فكان أصحاب عبد الله يُعجبهم .. إلخ» (هَذَا الْحَدِيثُ) أي حديث جرير - ﵁ - في «المسح»، وفي رواية النسائيّ: «يُعجبهم قول جرير» (لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ) أي في رمضان من السنة العاشرة، وكان نزولها في غزوة بني المصطلق سنة أربع، أو خمس من الهجرة. وفي رواية النسائيّ: «وكان إسلام جرير قبل موت النبيّ - ﷺ - بيسير»، وعند الطبرانيّ من رواية محمد بن سيرين، عن جرير: «إن ذلك كان في حجة الوداع». وفي رواية أبي داود: أن جريرًا بال، ثم توضّأ، فمسح على الخفين، وقال: رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح، قالوا: إنما كان ذلك قبل نزول المائدة، قال: ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة . وفي رواية الترمذيّ من رواية شهر بن حوشب، قال: رأيت جرير بن عبد الله توضّأ، ومسح على خفيه، فقلت له في ذلك؟ فقال: رأيت النبيّ - ﷺ - توضّأ، ومسح على خفّيه، فقلت له: أقبل المائدة، أم بعد المائدة؟ فقال: ما أسلمتُ إلا بعد المائدة. قال الترمذيّ ﵀: هذا حديث مفسّر؛ لأن بعض من أنكر المسح على الخفّين تأوّل أن مسح النبيّ - ﷺ - على الخفّين قبل نزول المائدة، وذَكَر جرير في حديثه أنه رأى النبيّ - ﷺ - مسح على الخفّين بعد نزول المائدة. انتهى كلام الترمذيّ ﵀ . وقال النوويّ ﵀: قوله: «كان يعجبهم هذا الحديث .. إلخ»: معناه: أن الله تعالى قال في سورة المائدة: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [٦]، فلو كان إسلام جرير متقدمًا على نزول المائدة، لاحْتَمَلَ كون حديثه في مسح الخفّ منسوخًا بآية المائدة، فلما كان إسلامه متأخرًا علمنا أن حديثه يُعْمَل به، وهو مُبَيِّن أن المراد بآية المائدة غير صاحب الخفّ، فتكون السنة مُخَصّصةً للآية. قال: ورَوَينا في «سنن البيهقيّ» عن إبراهيم بن أدهم، قال: ما سمعت في المسح على الخفين أحسن من حديث جرير - ﵁ -. انتهى كلام النوويّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما ذُكِرَ في قصة جرير - ﵁ - هذه: أن الذين أنكروا على جرير - ﵁ - مسحه على خفّيه قالوا: إنما المسح عليهما كان قبل نزول المائدة التي ذُكر فيها الوضوء، وأرادوا بهذا القول أن المسح على الخفّين كان رُخصةً، ثم نُسخ بهذه الآية، فقال جرير - ﵁ - ردًّا عليهم: ما أسلمت إلا بعد نزول آية المائدة، وليس المراد جميع سورة المائدة؛ لأن منها ما تأخّر نزوله عن إسلامه، كآية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [٣]، فإنها نزلت يوم عرفة في حجة الوداع، وإسلام جرير كان في رمضان سنة عشر من الهجرة، وأما آية الوضوء التي هي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، فنزلت في غزوة بني المصطلق، وكانت سنة خمس، أو أربع من الهجرة، فلو كان إسلام جرير متقدّمًا على نزول آية المائدة لاحتمل كون حديثه في مسح الخفّ منسوخًا بهذه الآية، فلما كان إسلامه متأخّرًا عَلِمْنَا أن حديثه غير منسوخ، بل يُعمَل به، وهو مبيّنٌ أن المراد بالآية غير صاحب الخفّ، فيكون حديثه مخضصًا للآية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جرير بن عبد الله البجليّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف ﵀) هنا في «الطهارة» (٢٢/ ٦٢٨ و٦٢٩) (٢٧٢)، و(البخاريّ) في «الصلاة» (٣٨٧)، و(أبو داود) في «الطهارة» (١٥٤)، و(الترمذيّ) في «الطهارة» (٩٣)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (١١٨ و٧٧٤) وفي «الكبرى» (١٢١ و٨٥٠)، و(ابن ماجه) في «الطهارة» (٥٤٣)، و(عبد الرزاق) في «مصنّفه» (٧٥٦ و٧٥٧)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٧٩٧)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٥٥)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ١٧٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٣٥٨ و٣٦١ و٣٦٣ و٣٦٤)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٨٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٣٣٥ و١٣٣٦ و١٣٣٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٦٩٥ و٦٩٦ و٦٩٧ و٦٩٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٦٢٤)، و(الطبرانيّ) في «المعجم الكبير» (٢٤٢١ و٢٤٢٢ و٢٤٢٣ و٢٤٢٤ و٢٤٢٥ و٢٤٢٦ و٢٤٢٧ و٢٤٢٨ و٢٤٢٩ و٢٤٣٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٢٧٠ و٢٧٣)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (١/ ١٩٣)، و(الخطيب البغداديّ) في «تاريخه» (١١/ ١٥٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة المسح على الخفيّن، وهو الذي عليه جماهير أهل العلم، قال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: في هذا الحديث: الحكمُ الجليلُ الذي فَرّق بين أهل السنة وأهل البدع، وهو المسح على الخفين، لا ينكره إلا مخذول، أو مبتدع، خارج عن جماعة المسلمين أهل الفقه والأثر، لا خلاف بينهم في ذلك بالحجاز، والعراق، والشام، وسائر البلدان، إلا قومًا ابتدعوا، فأنكروا المسح على الخفين. انتهى ، وسيأتي بيان المذاهب، وأدلتها في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): أن مسألة المسح على الخفّين صارت شعارًا لأهل السنّة، ولذلك تُذْكَرُ في كتب العقائد؛ لأن إنكارها ردّ للمتواتر، وعُدّ ترك القول به شعارًا لأهل البدع. قال الخطّابيّ ﵀ في «معالمه» بعد أن ذكر ما تمسّك به أهل البدع في إنكار المسح من الأدلة الواهية ما نصّه: والعجب من الروافض تركوا المسح على الخفّين مع تظاهر الأخبار فيه عن النبيّ - ﷺ -، واستفاضة علمه على لسان الأمة، وتعلّقوا بمثل هذا التأويل من الكتاب، وبمثل هذه الرواية من الحديث، ثم اتّخذوه شعارًا، حتى إن الواحد منهم ربما تَأَلَّى، فقال: برئت من ولاية أمير المؤمنين، ومسحتُ على خفّي إن فعلتُ كذا. قال: حدّثني إبراهيم بن فراس، حدّثنا أحمد بن عليّ المروزيّ، حدّثنا ابن أبي الجوّال، أن الحسن بن زيد مَقَتَ على كاتب له، فحبسه، وأخذ ماله، فكتّبَ إليه من الحبس: أَشْكُو إِلَى اللهِ مَا لَقِيتُ … أَحْبَبْتُ قَوْمًا بِهِمْ بُلِيتُ لَا أَشْتِمُ الصَّالِحِينَ جَهْرًا … وَلَا تَشَيَّعْتُ مَا بَقِيتُ أَمْسَحُ خُفِّي بِبَطْنِ كَفِّي … وَلَوْ عَلَى جِيفَةٍ وَطِيتُ قال: فدعا به من الحبس، وردّ عليه ماله، وأكرمه. انتهى . ٣ - (ومنها): جواز البول بمشهد الناس، وإن كان الأولى الغيبة عنهم. ٤ - (ومنها): بيان كون البول من نواقض الوضوء. ٥ - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف من الحرص في الإنكار لما اعتقدوه باطلًا، وشدّة مناقشتهم في ذلك. ٦ - (ومنها): فضل جرير بن عبد الله - ﵁ -، حيث كان واسع الصدر، يتحمّل إنكار طلابه عليه، وإن كانوا مخطئين في ذلك. ٧ - (ومنها): بيان الردّ على من أنكر المسح على الخفّين، وادّعى بأنه منسوخ؛ لأن حديث جرير - ﵁ - متأخّر عن آية الوضوء. ٨ - (ومنها): بيان أنه يُطلَب ممن رأى شيئًا يخالف الشرع في ظنّه أن لا يسكت عليه، وإن كان الفاعل عالمًا فاضلًا، بل يبادر بالإنكار عليه، ويناقشه بالتي هي أحسن. ٩ - (ومنها): بيان أنه ينبغي لمن أُنكر عليه شيء، وكان يعتقد صحّته أن لا يغضب لمن ينكر عليه، ويناقشه بحسب ظنّه، بل يبيّن له مستنده في ذلك بالتي هي أحسن، كما قال جرير - ﵁ -: «وما يمنعني، وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يفعله؟». ١٠ - (ومنها): بيان أن للمنكر أن يردّ دليل الْمُدَّعي، وأن المطلوب من المدّعي أن يمنع ما ردّ به دليله، حتى يَسلَم دليله من الطعن. ١١ - (ومنها): بيان جواز الاستدلال بالتاريخ عند الحاجة إليه، فقد استدلّ جرير - ﵁ - بتاريخ إسلامه على بقاء حكم المسح على الخفّين، وأنه لم يُنسَخ. ١٢ - (ومنها): أنه استُدلّ بقوله: «فمسح على خفّيه» على أن المشروع من المسح هو مسح أعلى الخفّ، وهو الصحيح؛ لأن لفظة «على» ظاهرة في ذلك، وفيه خلاف، سنحقّقه في المسألة السادسة - إن شاء الله تعالى -. ١٣ - (ومنها): أنه لا فرق في جواز المسح بين أن يكون لحاجة، أم لا، حتى يجوز للمرأة الملازمة لبيتها، والزَّمِنِ الذي لا يمشي، ونقل النوويّ ﵀ في «شرحه» الإجماع عليه . قال ابن الملقّن ﵀: وعند المالكيّة أنه يُشترط في جواز المسح على الخفّ أن يكون لبسه على الوجه المعتاد عند الناس في لباس الخفاف، فإن لبسه لا لغرض سوى الترخّص بالمسح، أو كانت امرأةً خَضَبَت بالحناء، فلبست للمسح، لئلا تغسل الحناء، وشبه ذلك، فالمشهور عندهم أن هؤلاء لا يمسحون، فإن فعلوا ففي الإعادة خلاف. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي نُقل عن المالكيّة من اشتراطهم في جواز المسح أن يلبسه بالصفة المذكورة مما لا دليل عليه، فالحقّ أن المسح مشروع مطلقًا، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم المسح على الخفّين: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: ثبتت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - أنه مسح على الخفين. قال: وممن رَوَينا عنه من أصحاب رسول الله - ﷺ - أنه مسح على الخفين، وأَمَر بالمسح عليهما عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وجرير بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعمرو بن العاص، وأبو أيوب الأنصاريّ، وأبو أمامة الباهليّ، وسهل بن سعد، وقيس بن سعد، وأبو موسى الأشعريّ، وعبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبَيديّ، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدريّ، وعمار بن ياسر، وأبو زيد الأنصاريّ، وجابر بن سَمُرة، وأبو مسعود الأنصاريّ، وحُذيفة بن اليمان، والمغيرة بن شعبة، والبراء بن عازب، - ﵃ -. ورُوي ذلك عن مَعْقِل بن يسار، وخارجة بن حُذَافة، وعبد الله بن عمرو، وبلال - ﵃ -. ورَوَينا عن الحسن - يعني البصريّ - أنه قال: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله - ﷺ - أنه - ﷺ - مسح على الخفين . قال: وكان عطاء بن أبي رباح، فيمن تبعه من أهل المسح على الخفين، وبه قال الحسن، وأهل البصرة، وكذلك قال عروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، ومن تبعهم من أهل المدينة، وبه قال الشعبيّ، ومن وافقه من أهل الكوفة، وكذلك قال مكحول، وأهل الشام، وبه قال مالك بن أنس، والأوزاعيّ، وسفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وأجمع كل مَن نَحْفَظ عنه من أهل العلم، وكلُّ مَن لَقِيتُ منهم على القول به. قال: وقد رَوَينا عن ابن المبارك أنه قال: ليس في المسح على الخفين اختلاف أنه جائز، قال: وذلك أن كل مَن رُوي عنه من أصحاب النبيّ - ﷺ - أنه كَرِهَ المسح على الخفين، فقد رُوِي عنه غيرُ ذلك. قال ابن المنذر: وإنما أنكر المسح على الخفين مَن أنكر الرجم، وأباح أن تُنكَح المرأة على عمتها، وعلى خالتها، وأباح للمطلقة ثلاثًا الرجوع إلى الزوج الأول إذا نكحها الثاني، ولم يدخل بها، وأسقط الجلد عمن قذف مُحْصَنًا من الرجال، وإذا ثبت الشيء بالسنة وجب الأخذ به، ولم يكن لأحد عذرٌ في تركه، ولا التخلف عنه. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ ملخّصًا ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ﵀ في كتابه «التمهيد» (١١/ ١٣٤) ما ملخّصه: لا خلاف بين أهل السنة، أهل الفقه والأثر، في جواز المسح على الخفين بالحجاز، والعراق، والشام، وسائر البلدان، وما خالف في ذلك إلا قومٌ ابتدعوا، فأنكروه، وقالوا: إنه خلاف القرآن، وعسى القرآن نسخه، ومعاذَ الله أن يخالف رسول الله - ﷺ - كتاب الله ﷿، بل بَيَّنَ مراد الله منه كما أمره الله ﷿ في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٥]. والقائلون بالمسح جمهور الصحابة، والتابعين، وفقهاء المسلمين قديمًا وحديثًا، وكيف يُتَوَهَّم أن هؤلاء جاز عليهم جهل معنى القرآن، أعاذنا الله من الخذلان. رَوَى ابنُ عيينة، والثوريّ، وشعبة، وأبو معاوية، وغيرهم عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، قال: رأيت جريرًا يتوضأ من مِطْهَرة، ومسح على خفيه، فقيل له: أتفعل هذا؟ فقال: وما يمنعني أن أفعله، وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يفعله، قال إبراهيم: فكانوا - يعني أصحاب عبد الله وغيرهم - يُعجبهم هذا الحديث، ويستبشرون به؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة. وعن حماد بن أبي سليمان، عن رِبْعِيّ بن حِرَاش، عن جرير بن عبد الله قال: وَضّأت رسول الله - ﷺ -، فمسح على خفيه، بعدما أنزلت سورة المائدة. ورَوَى عن النبيّ - ﷺ - المسحَ على الخفين نحوُ أربعين من الصحابة، واستفاض، وتواتر، وأتت به الْفِرَقُ إلا أن بعضهم زعم أنه كان قبل نزول المائدة، وهذه دعوى لا وجه لها، ولا معنى. وقد رُوِي عن الحسن البصري ﵀ قال: أدركت سبعين رجلًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - كلهم يمسح على خفيه، وعمل بالمسح على الخفين أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وسائر أهل بدر، وا لحديبية، وغيرهم من المهاجرين والأنصار، وسائر الصحابة والتابعين أجمعين، وفقهاء المسلمين في جميع الأمصار، وجماعة أهل الفقه والأثر، كلهم يُجيز المسح على الخفين، في الحضر والسفر، للرجال والنساء. قال: حدّثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدّثنا محمد بن وضاح، قال: حدثنا عبد الله بن الخيار الحمصيّ، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، قال: حدثني سفيان بن سعيد الثوريّ، قال: مسح رسول الله - ﷺ -، وأبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعليّ بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح، وأبو الدرداء، وزيد بن ثابت، وقيس بن سعد بن عُبَادة، وعبد الله بن عباس، وحُذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعريّ، وأبو مسعود الأنصاريّ، وخُزيمة بن ثابت الأنصاريّ، والبراء بن عازب، وأبو أيوب الأنصاريّ، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وصفوان بن عَسّال، وفَضَالة بن عُبيد الأنصاريّ، وجرير بن عبد الله البجليّ. قال أبو عمر: ممن رَوَينا عنه أنه مسح على الخفين، وأمر بالمسح عليهما في الحضر والسفر بالطُّرُق الْحِسَان، من مصنَّف ابن أبي شيبة، ومصنَّف عبد الرزاق: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وأبو مسعود، وأنس بن مالك، والبراء بن عازب، وحذيفة بن اليمان، والمغيرة، وسلمان، وبلال، وخزيمة بن ثابت، وعمرو بن أبي أمية، وعبد الله بن الحارث بن جزء الزُّبَيديّ، وأبو أيوب، وجرير، وأبو موسى، وعمار، وسهل بن سعد، وأبو هريرة، ولم يُرْوَ عن غيرهم خلافٌ إلا شيءٌ لا يثبت عن عائشة، وابن عباس، وأبي هريرة. ثم أخرج ابن عبد البرّ بسنده عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله بن إدريس، عن فِطْر، قال: قلت لعطاء: إن عكرمة يقول: قال ابن عباس: سبق الكتاب الخفين، قال عطاء: كذب عكرمة، أنا رأيت ابن عباس يمسح عليهما. ورَوَى أبو زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، أنه كان يمسح على خفيه، ويقول: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أدخل أحدكم رجليه في خفيه، وهما طاهرتان، فليمسح عليهما». قال أبو عمر: ولا أعلم في الصحابة مخالفًا إلا شيء لا يصح عن عائشة، وابن عباس، وأبي هريرة، وقد رُوي عنهم من وجوه خلافه في المسح على الخفين، وكذلك لا أعلم في التابعين أحدًا ينكر ذلك، ولا في فقهاء المسلمين إلا رواية جابر عن مالك، والروايات الصحاح عنه بخلافه، وهي منكرة، يدفعها موطؤه، وأصول مذهبه. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ باختصار ، وهو بحث مفيدٌ جدًّا. وقال النوويّ ﵀ في «شرحه»: أجمع مَن يُعْتَدّ به في الإجماع على جواز المسح على الخفين في السفر والخضر، سواء كان لحاجة أو لغيرها، حتى يجوز للمرأة الملازمة بيتها، والزَّمِنِ الذي لا يمشي، وإنما أنكرته الشيعة، والخوارج، ولا يُعْتَدّ بخلافهم. وقد رُوِيَ عن مالك ﵀ روايات فيه، والمشهور من مذهبه كمذهب الجماهير. وقد رَوَى المسح على الخفين خلائق لا يُحْصَون من الصحابة، قال الحسن البصريّ ﵀: حَدَّثني سبعون من أصحاب رسول الله - ﷺ - أن رسول الله - ﷺ - كان يمسح على الخفين. انتهى كلام النوويّ ﵀ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق من الأدلّة، وأقوال الأئمة المحقّقين أن المسح على الخفّين جائز، وقد تقدّم عن ابن المبارك ﵀ أنه قال: ليس في المسح على الخفّين عن الصحابة اختلاف؛ لأن كلّ من رُوي عنه منهم إنكاره، فقد رُوي عنه إثباته، وقال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدًا من فقهاء السلف من رُوي عنه إنكاره، إلا عن مالك، مع أن الروايات الصحيحة مصرّحة بإثباته، وقال في «الفتح»: وقد صرّح جمع من الحفّاظ بأن المسح على الخفّين متواتر، وجمع بعضهم رواته، فجازوا الثمانين، منهم العشرة، وقال الإمام أحمد: فيه أربعون حديثًا عن الصحابة مرفوعةٌ، وقال ابن أبي حاتم: فيه عن أحد وأربعين. وقال ابن عبد البرّ ﵀ في «الاستذكار»: روى عن النبيّ - ﷺ - المسح على الخفّين نحو أربعين من الصحابة، وذكر أبو القاسم ابن منده أسماء من رواه في «تذكرته»، فكانوا ثمانين صحابيًّا، وذكر الترمذيّ، والبيهقيّ في «سننهما» منهم جماعةً، قال ابن عبد البرّ: وما رُوي عن عائشة، وابن عبّاس، وأبي هريرة في إنكار المسح لا يَثْبُت. والحاصل أنه ما أنكر المسح على الخفّين إلا أهل البدع من الرافضة، والخوارج، ولا التفات إلى مخالفتهم، فأهل السنّة والجماعة، مجمعون على جوازه، فتمسّك بهديهم، واسلك سبيلهم، فإنهم أهل الصدق والوفاء، ولا يخالفهم إلا أهل الزيغ والجفاء، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في الغسل والمسح أيهما أفضل؟: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: اختَلَف أهلُ العلم في الغسل والمسح، أيُّ ذلك أفضل؟. فقالت طائفة: الغسل أفضل؛ لأنه المفتَرَض في كتاب الله، والمسح رخصة، فالغاسل لرجليه مُؤَدٍّ لما افترض الله عليه، والماسح على خفيه فاعل لما أبيح له. رَوَينا عن عمر بن الخطاب أنه أمرهم أن يمسحوا على خفافهم، وخَلَع هو خفيه، وتوضأ، وقال: إنما خلعت لأنه حُبِّب إليّ الطهور، وكان أبو أيوب يأمر بالمسح على الخفين، ويغسل قدميه، ويقول: أحب إلي الوضوء، ورَوَينا عن ابن عمر أنه قال: إني لَمُولَعٌ بغسل قدميَّ، فلا تقتدوا بي. وقالت طائفة: المسح على الخفين أفضل من غسل الرجلين، وذلك لأنها من السنن الثابتة عن رسول الله - ﷺ -، وقد طَعَن فيها طوائف من أهل البدع، فكان إحياء ما طَعَن فيه المخالفون من السنن أفضل من إماتته. وقد احتَجَّ بعضُهم بالذي رُوي عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «إن الله يحب أن يُقبَل رخصه» ، وتقول عائشة: «ما خُيِّر رسول الله - ﷺ - بين أمرين، إلا اختار أيسرهما»، متّفقٌ عليه. وممن رأى أن المسح على الخفين أفضل من غسل الرجلين: الشعبيّ، والحكم، وأحمد، وإسحاق، وكان ابن أبي ليلى والنعمان يقولان: إنا لنريد الوضوء، فنلبس الخفين حتى نمسح عليهما، ورَوَينا عن النخعيّ أنه قال: مَن رَغِب عن المسح على الخفين، فقد رغب عن سنة محمد - ﷺ -، وقد شَبَّهَ بعض أهل العلم مَن لبس خفيه على طهارة وأحدث بالحانث في يمينه، قال: فلما كان الحانث في يمينه بالخيار، إن شاء أطعم، وإن شاء كسا، ويكون مؤديًا للفرض الذي عليه، فكذلك الذي أحدث، وقد لبس خفيه على طهارة، إن مَسَحَ، أو خَلَعَ خفيه، فغَسَلَ رجليه مؤدٍّ ما فُرِض عليه، مُخَيَّر في ذلك، ولا يجوز لمن أحدث ولا خُفَّ عليه إلا غسل رجليه. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ . وقال النوويّ ﵀: اختَلَف العلماء في أن المسح على الخفين أفضل، أم غسل الرجلين؟ فذهب أصحابنا - يعني الشافعيّة - إلى أن الغسل أفضل؛ لكونه الأصل، وذهب إليه جماعات من الصحابة، منهم: عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وأبو أيوب الأنصاريّ - ﵃ -، وذهب جماعات من التابعين إلى أن المسح أفضل، وذهب إليه الشعبيّ، والْحَكَم، وحماد، وعن أحمد روايتان: أصحهما: المسح أفضل، والثانية: هما سواء، واختاره ابن المنذر، هكذا نسب اختيار هذا القول إلى ابن المنذر، ولم يذكره في «الأوسط»، ولعله ذكره في موضع آخر، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي القول بأن الغسل أفضل، لكن بشرط أن لا يترك المسح رغبةً عن السنّة، هذا إذا كان بين أهل السنة الذي يرون المسح جائزًا، وأما إذا كان بين المبتدعة المنكرين له، فالمسح أولى؛ لأن إحياء السنّة المماتة أفضل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في كيفية المسح: قال الحافظ أبو عمر ﵀: واختلف الفقهاء في كيفية المسح على الخفين، فقال مالك، والشافعيّ: يمسح ظهورهما وبطونهما، وهو قول ابن عمر، وابن شهاب، وقال مالك، والشافعيّ: إن مسح ظهورهما دون بطونهما أجزأه، إلا أن مالكًا قال: من فعل ذلك يُعيد في الوقت، قال: ومن مسح باطن الخفين دون ظاهرهما لم يُجزه، وكان عليه الإعادة في الوقت وبعده، عند مالك وجميع أصحابه إلا شيئًا رُوِي عن أشهب أنه قال: باطن الخفين وظاهرهما سواءٌ، ومن مسح باطنهما دون ظاهرهما أعاد في الوقت، كمن مسح ظهورهما سواءً، وقال عبد الله بن نافع: مَن مسح ظهورهما، ولم يمسح بطونهما أعاد في الوقت وبعده. والمشهور من قول الشافعيّ أن من مسح ظهورهما، واقتصر على ذلك أجزأه، ومن مسح باطنهما دون ظاهرهما لم يجزه، وليس بماسح، مثل قول مالك سواءً، وله قول آخر مثل قول أشهب: إن مسح بطونهما ولم يمسح ظهورهما أجزأه، والصحيح في مذهبه أن أعلى الخف يجزئ عن أسفله، ولا يجزئ مسح أسفله، وتمام المسح عنده أن يمسح أعلى الخف وأسفله. واحتجّ مالك، والشافعي في مسح أعلى الخف وأسفله بما رواه كاتب المغيرة بن شعبة، عن المغيرة - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - توضأ، فمسح أعلى الخف وأسفله، والصحيح في هذا أنه مرسلٌ، فلا يصحّ الاحتجاج به. وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ: يمسح ظاهر الخفين دون باطنهما، وقد قال به أحمد بن حنبل، وإسحاق، وجماعة، وهو قول قيس بن سعد بن عبادة ، وقول الحسن البصريّ، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم . واحتج من قال بهذا القول بما أخرجه أبو داود بسند صحيح، عن عليّ - ﵁ - قال: «لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح على ظاهر خفيه». قال الجامع عفا الله عنه: عندي أرجح المذاهب ما ذهب إليه الحنفيّة، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وجماعة أنه يمسح على ظاهر الخفّ؛ لصحّة حديث عليّ - ﵁ - بذلك. قال ابن المنذر ﵀ بعد ذكره نحو ما تقدّم: وبهذا - يعني القول بالمسح على ظاهر الخف - نقول، ولا أعلم أحدًا يرى أن مسح أسفل الخفّ وحده يجزي من المسح، وكذلك لا أعلم أحدًا أوجب الإعادة على من اقتصر على مسح أعلى الخفّ. انتهى ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في أول وقت المسح: اختلفوا في الوقت الذي يَحتَسِب به مَن مَسَح على خفيه على أقوال: [الأول]: قالت طائفة: يَحتسب به مِن وقت مسحه على خفيه تمامَ يوم وليلة للمقيم، وإلى تمام ثلاثة أيام ولياليهن من وقت مسحه في السفر؛ وبهذا قال الإمام أحمد بن حنبل. ومن حجة من قال هذا القول ظاهر قول رسول الله - ﷺ -: «يمسح المسافر على خفيه ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يومًا وليلةً»، فظاهر هذا الحديث يدلّ على أن الوقت في ذلك وقت المسح، لا وقت الحدث، ثم ليس للحَدَث ذكر في شيء من الأخبار، فلا يجوز أن يُعْدَل عن ظاهر قول رسول الله - ﷺ - إلى غير قوله إلا بخبر عن الرسول، أو إجماع يدلّ على خصوص. قال ابن المنذر ﵀: ومما يزيد ذلك القول وضوحًا وبيانًا قول عمر بن الخطاب - ﵁ - في المسح على الخفين: يمسح إلى الساعة التي توضأ فيها، ولا شك أن عمر - ﵁ - أعلم بمعنى قول رسول الله - ﷺ - ممن بعده، وهو أحد مَن رَوَى عن النبيّ - ﷺ - المسح على الخفين، وموضعه من الدين موضعه، وقد قال النبيّ - ﷺ -: «عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين بعدي»، وقال أيضًا: «اقتدوا باللذين من بعدي، أبي بكر وعمر». [الثاني]: أن وقت المسح من الحدث إلى الحدث، وهذا قول سفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأصحاب الرأي. [الثالث]: أن الماسح على خفيه يستتم بالمسح خمس صلوات، لا يمسح أكثر من ذلك، رُوي هذا القول عن الشعبيّ، وبه قال إسحاق، وأبو ثور، وسليمان بن داد. [الرابع]: قول ربيعة ومالك ومن تبعهما من أهل المدينة، أنه لا وقت للمسح، بل يمسح كما شاء. قال ابن المنذر ﵀: وتفسير قول مَن قال: «يمسح من الحدث إلى الحدث»: أن يَلْبَس الرجل خفيه على طهارة، ثم يُحدث عند زوال الشمس، ولا يمسح على خفيه إلا من آخر وقت الظهر، فله أن يمسح على خفيه إلى أن تزول الشمس من غد، وإذا زالت الشمس من غد وجب خَلْعُ الخف، ولم يكن له أن يمسح إذا كان مقيمًا أكثر من ذلك. ومن حجة من قال هذا القول أن المسح رخصة، فلما أحدث هذا، فأبيح له المسح، ولم يمسح، وترك ما أبيح له إلى أن جاء الوقت الذي أحدث فيه، فقد تم الوقت الذي أبيح له فيه المسح، ووجب خلع الخف. وفي القول الثاني له أن يمسح إلى الوقت الذي مسح، وهو آخر وقت الظهر على ظاهر الحديث. وقال بعض من يقول بالقول الثالث: لَمّا اختلف أهل العلم في هذا الباب، نظرنا إلى أقل ما قيل، وهو أن يصلي بالمسح خمس صلوات، فقلنا به، وتركنا ما زاد على ذلك؛ لِمَا اختلفوا؛ لأن الرُّخَص لا يُستعمل منها إلا أقلُّ ما قيل، وإذا اختلفوا في أكثر من ذلك وجب الرجوع إلى الأصل، وهو غسل الرجلين. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد اتَّضح مما سبق أن أرجح الأقوال هو القول الأول، وهو أنه يبدأ من وقت المسح؛ لموافقته لظاهر الحديث، كما سبق بيانه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في أقوال أهل العلم في اشتراط لبس الخفّ على طهارة لجواز المسح عليه: قال ابن المنذر ﵀: ثابت عن نبي الله - ﷺ - أنه قال للمغيرة بن شعبة - ﵁ - لَمّا أهوى إليه؛ لينزع خفيه: «دَعْهُما، فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما»، متّفقٌ عليه. قال: وأجمع كل مَن نَحْفَظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا تطهر، فأكمل طهوره، ثم لبس الخفين، ثم أحدث، فتوضأ أن له أن يمسح على خفيه، وأجمعوا على أنه إذا توضأ، وبَقِي عليه غسل إحدى رجليه، فأدخل الرجل المغسولة في الخف، ثم غسل الأخرى، وأدخلها الخفّ إنه طاهر، وله أن يصلي ما لم يحدث، واختلفوا فيه إن أحدث، وهذه حالته، فقالت طائفة: ليس له أن يمسح؛ لأنه أدخل إحدى رجليه الخفّ قبل أن يُكْمِل الطهارة، وتَحِلَّ له الصلاة، وهذا قول الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وقال مالك: إنما يمسح على الخفين مَن أدخلهما، وهما طاهرتان. وفيه قول ثان، وهو أن لمن هذه حالته أن يمسح على الخفين، هذا قول يحيى بن آدم، وبه قال أبو ثور، وأصحاب الرأي، والمزنيّ، وبعض أصحابنا. وقد احتجّ بعض أصحابنا القائلين بهذا القول بأن الرَّجُل إذا غسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، وغسل إحدى رجليه، فقد طهرت رجله التي غسلها، فإذا أدخلها الخفّ، فقد أدخلها وهي طاهرة، ثم إذا غسل الأخرى من ساعته، وأدخلها الخفّ، فقد أدخلها، وهي طاهرة، فقد أدخل مَن هذه صفته رجليه الخفّ، وهما طاهرتان، فله أن يمسح عليهما بظاهر الخبر؛ لأنه قد أدخل قدميه وهما طاهرتان، قال: والقائل بخلاف هذا القول قائل بخلاف الحديث. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي هو القول الأول؛ لأن ظاهر قوله - ﷺ -: «أدخلتهما، وهما طاهرتان» يدلّ على الطهارة الكاملة؛ لأن طهارة الوضوء لا تُسمّى طهارة إلا بكمالها، ولذا لو غسل وجهه، ويديه، وأراد مسّ مصحف بيده لا يجوز له ذلك؛ لكون هذه الطهارة غير معتبرة؛ إذ لم تكمل، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): في اختلاف أهل العلم في المسح على الخفّ المتخرّق: قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختَلَف أهل العلم في المسح على الخف المتخرِّق: فقالت طائفة: يمسح على جميع الخفاف ما أمكن المشي فيها؛ لدخولهما في ظاهر أخبار رسول الله - ﷺ -، هذا قول سفيان الثوريّ، وإسحاق، وذَكَر ذلك إسحاق عن ابن المبارك، وحُكِي ذلك عن ابن عيينة، وبه قال يزيد بن هارون، وأبو ثور، قال أبو ثور: ولو كان الخرق يمنع عن المسح لبيّنه النبيّ - ﷺ -. وقالت طائفة: إذا كان في الخفّ خَرْق بدا شيء من مواضع الوضوء لم يمسح عليه، هذا قول الشافعيّ، وأحمد، ومعمر صاحب عبد الرزاق. وفيه قول ثالث: وهو إن كان الخرق قد بدت أصبعه، أو كلها، أو طائفة من رجله توضأ، ومسح على خفيه، وغسل ما بدا من رجله، هذا قول الأوزاعيّ. وفيه قول رابع: وهو أن الخرق إذا كان يسيرًا، فأرجو أن يجزئ عنه أن يمسح عليهما، وإن كان خرقه كثيرًا فأحب إليّ أن لا يمسح عليهما، هذا قول مالك. وفيه قول خامس: وهو إن كان في خفيه خرق تخرج منه أصبع أو أصبعان أجزأه أن يمسح عليهما، فإن كان ثلاث أصابع لم يجزه، هذا قول أصحاب الرأي. وقد رُوي عن الحسن أنه قال: إذا خرج الأكثر من أصابعه لم يُجزه المسح. قال ابن المنذر ﵀: وبالقول الأول أقول؛ لأن النبيّ - ﷺ - لَمّا مَسَحَ على الخفين، وأَذِن بالمسح عليهما إذنًا عامًّا مطلقًا، دخل فيه جميع الْخِفَاف، فكلُّ ما وقع عليه اسم الخُفّ فالمسح عليه جائز، على ظاهر الأخبار، ولا يجوز أن يُسْتَثنى من السنن إلا بسنّة مثلها، أو إجماع، وهذا يلزم أصحابنا القائلين بعموم الأخبار، والمنكرين على من عَدَل عنها إلا بحجة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد ابن المنذر ﵀ في هذا التحقيق، وهذا هو واجب كلّ مسلم أنه إذا ثبتت سنّة رسول الله - ﷺ -، وصحّت وجب العمل بها على إطلاقها، ولا يجوز أن يتأوّلها متأوِّلٌ، أويجعلَ لها شرطًا، أو قيدًا، أو مَحْمِلًا من المحامل إلا بسنّة صحيحة مثلها، أو بإجماع أهل العلم على ذلك. والحاصل أن الأرجح هنا أنه يجوز المسح على الخفاف المتخرّقة؛ لإطلاق النصوص، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة العاشرة): في اختلاف أهل العلم في جواز المسح على الْجُرْمُوق: (اعلم): أن الْجُرموق - بضم الجيم، وسكون الراء - ويقال فيه: الموق أيضًا؛ خفّ غليظٌ يُلبس فوق الخفّ؛ قاله في «القاموس»، وقال ابن سِيده: الموق: ضرب من الخفاف، وقال الجوهريّ: الموق خفّ قصير، يُلبس فوق الخفّ، فارسيّ معرّب. انتهى. وقد اختَلَفوا في المسح على الجرموقين، فرأت طائفة المسح عليهما، رُوي هذا القول عن النخعيّ، وقال مالك فيمن لبس زوجي خفاف إن احتاج، فالأعلى أحب إلي أن يمسح عليهما، وكان سفيان الثوريّ يرى أن يمسح على خفين، قد لبسهما على خفين، وقال أحمد: يمسح على الجرموقين فوق الخفين، وكذلك قال أصحاب الرأي، والحسن بن صالح، وكان الأوزاعيّ يرى أن يمسح على خفين، قد لبس أحدهما فوق الآخر. وفيه قول ثان: وهو أنه لا يجوز المسح على الجرموقين، هكذا قال الشافعيّ بمصر، وقد كان يقول إذ هو بالعراق: له أن يمسح عليهما. قال ابن المنذر: أَذِن النبيّ - ﷺ - في المسح على الخفاف، فإن كان الجرموقان يسميان خفين مسح عليهما، وإن لم يسميا خفين لم يمسح عليهما؛ لأن الله جلّ ذكرُهُ أمر بغسل الرجلين، وأذن النبيّ - ﷺ - في المسح على الخفين، فليس يجوز إلا غسل الرجلين، أو المسح على الخفين. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد سبق أن أهل اللغة سمّوا الجرموق خُفًّا، فثبت كونه خفًّا يشمله النصّ الوارد في الخفّ، فلا يُستراب في جواز المسح عليه، فالمذهب الأول هو الحقّ؛ لوضوح حجته، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الحادية عشرة): في اختلاف أهل العلم في جواز المسح على الْجَوْرَب: (اعلم): أن الجورب هو كل ما يُلبس على القَدَم، وهو ما يسمّى بالشرّاب، وقال العينيّ: الجورب هو الذي يلبسه أهل البلاد الشاميّة الشديدة البرد، وهو يُتّخذ من غزل الصوف المفتول، يُلبس في القدم إلى ما فوق الكعب. انتهى. وقد اختَلَفوا في المسح عليهما، فقالت طائفة: يمسح على الجوربين، روي إباحة المسح عليهما عن تسعة من أصحاب رسول الله - ﷺ -: علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، وأبي مسعود، وأنس بن مالك، وابن عمر، والبراء بن عازب، وبلال، وأبي أمامة، وسهل بن سعد. وقال بهذا القول عطاء بن أبي رباح، والحسن، وسعيد بن المسيب كذلك قالا: إذا كانا صفيقين، وبه قال النخعيّ، وسعيد بن جبير، والأعمش، وسفيان الثوريّ، والحسن بن صالح، وابن المبارك، وزفر، وأحمد، وإسحاق، قال أحمد: قد فعله سبعة، أو ثمانية من أصحاب النبيّ - ﷺ -، وقال إسحاق: مضت السنة من أصحاب النبيّ - ﷺ -، ومن بعدهم من التابعين في المسح على الجوربين، لا اختلاف بينهم في ذلك، وقال أبو ثور: يمسح عليهما إذا كانا يمشي فيهما، وكذلك قال يعقوب ومحمد، إذا كانا ثخينين لا يَشِفّان. واحتج هؤلاء بحديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - مسح على جوربيه، ونعليه، وهو حديث صحيح، قد ذكرت ما قاله المحقّقون فيه في «شرح النسائيّ»، فراجعه. وأنكرت طائفة المسح على الجوربين، وكرهته، وممن كره ذلك، ولم يره مالك بن أنس، والأوزاعيّ، والشافعيّ، والنعمان، وهو مذهب عطاء، وهو آخر قوليه، وبه قال مجاهد، وعمرو بن دينار، والحسن بن مسلم، ذكر هذا كلّه ابن المنذر ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ جواز المسح على الجوربين، وقد استوفيت الأدلّة على ذلك في «شرح النسائيّ»، فراجعه تستفد علمًا جَمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية عشرة): في اختلاف أهل العلم فيمن خلع خفّيه بعد المسح عليهما: اختلفوا فيما يجب على مَن خَلَع خفيه بعد أن مسح عليهما، فقالت طائفة: يعيد الوضوء، كذلك قال النخعيّ، والزهريّ، ومكحول، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، والأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، وحُكِيَ عن أحمد أنه قال: احتياطًا، ورُوي هذا القول عن الشعبيّ، وابن سيرين. وقالت طائفة: يغسل قدميه، رُوي هذا القول عن النخعيّ، وعطاء، وبه قال سفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي، وأبو ثور، والمزنيّ. وقالت طائفة ثالثة: إذا خلعهما صَلَّى، وليس عليه وضوء، ولا غسل قدميه، رُوي هذا القول عن النخعيّ، وبه قال الحسن البصريّ، ورُوي عن عطاء، وأبي العالية، وقتادة، وبه قال سليمان بن حرب. وقالت طائفة: يغسل قدميه مكانه، فإن تطاول ذلك قبل أن يغسلهما أعاد الوضوء، حَكَى ابنُ وهب هذا القول عن مالك، والليث بن سعد. وقد كان الشافعيّ يقول إذ هو بالعراق: يتوضأ، إذا انتقضت الطهارة عن عضو انتقضت عن سائر الأعضاء، وقال بمصر؛ عليه الوضوء، وفي «المختصر» المنسوب إلى البويطيّ: أحب إلي أن يبتدئ الوضوء من أوله، فإن غَسل رجليه فقط، فهو على طهارته، وحَكَى المزني عنه أنه قال: يغسل قدميه. وقد احتَجّ من لا يرى عليه إعادة الوضوء، ولا غسل قدم، بأنه والخف عليه طاهرٌ كامل الطهارة بالسنة الثابتة، ولا يجوز نقض ذلك إذا خلع خفه إلا بحجة من سنة أو إجماع، وليس مع من أوجب عليه أن يعيد الوضوء، أو يغسل الرجلين حجة، ذكره ابن المنذر ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ عندي هو ما قالته الطائفة الثالثة، وهو أن من خلع خفيه يصلّي، ولا وضوء، ولا غسل قدمه عليه؛ لأنه لا حجة على ذلك، بل ما ثبت له من الطهارة الكاملة قبل خلع خفيه ثابت لا يزال، حتى يأتي ما ينقضه، وليس الخلع مما ينقض الطهارة، لا بنصّ، ولا بإجماع، فثبت على ما هو عليه من الطهارة الكاملة، فيصليّ، فتبصر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٢٩] (…) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَاَ سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَش، فِي هَذَا الإِسْنَاد، بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ عِيسَى وَسُفْيَانَ قَالَ: فَكَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللهِ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ؛ لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) - بوزن جعفر - المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (م ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٥. ٢ - (عِيسَى بْنُ يُونسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ، أخو إسرائيل الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قريبًا. ٥ - (مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ) أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣١) (م فق) تقدم في «الإيمان» ٤١/ ٢٧٣. ٦ - (ابْنُ مُسْهِرٍ) هو عليّ بن مسهر القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ، له غرائب بعدما أضرّ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. وإسحاق بن إبراهيم، هو ابن راهويه، والأعمش تقدّما في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله. وقوله: (كلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ) أي كلّ هؤلاء الثلاثة: عيسى بن يونس، وسفيان بن عيينة، وعليّ بن مسهر رووا عن الأعمش. وقوله: (فِي هَذَا الإِسْنَادِ) «في» بمعنى الباء؛ أي بإسناد الأعمش الماضي. وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيةَ) يعني أن معنى رواياتهم كمعنى رواية أبي معاوية الماضية، وإن كان في ألفاظهم اختلافٌ، كما يرشد إليه استثناؤه التالي. وقوله: (غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ عِيسَى وَسُفْيَانَ .. إلخ) «غير» هنا بمعنى «إلا» الاستثنائيّة، يعني إلا أن في رواية عيسى بن يونس، وسفيان بن عيينة ما نصّه: قَالَ - أي الأعمش: فَكَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللهِ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ .. إلخ. [تنبيه]: أما رواية عيسى بن يونس، فقد ساقها الحافظ الدارقطنيّ ﵀ في «سننه»، فقال: (١/ ١٩٣) حدثنا القاضي الحسين بن إسماعيل، نا يعقوب بن إبراهيم، نا أبو معاوية، وعيسى بن يونس، قالا: نا الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، قال: بال جرير، ثم توضأ، ومسح على خفيه، فقيل له: أتفعل هذا، وقد بُلْتَ؟ قال: نعم، رأيت رسول الله - ﷺ - بال، ثم توضأ، ومسح على خفيه، قال الأعمش: قال إبراهيم: فكان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن جريرًا كان إسلامه بعد نزول المائدة. هذا حديث أبي معاوية، وقال عيسى بن يونس: فقيل له: يا أبا عمرو، أتفعل هذا، وقد بُلْتَ؟ فقال: وما يمنعني، وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح على خفيه؟ وكان أصحاب عبد الله يعجبهم ذلك؛ لأن إسلامه كان بعد نزول المائدة انتهى. وأما رواية سفيان بن عيينة، فقد ساقها الإمام أحمد ﵀ في «مسنده»، فقال: (١٨٤٠٥) حدثنا سفيان، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، قال: رأيت جرير بن عبد الله يتوضأ من مَطهَرة، ومسح على خفيه، فقالوا: أتمسح على خفيك؟ فقال: إني رأيت رسول الله - ﷺ - وقال: مرة - يمسح على خفيه، فكان هذا الحديث يعجب أصحاب عبد الله، يقولون: إنما كان إسلامه بعد نزول المائدة. انتهى. وأما رواية عليّ بن مسهر، فلم أجد من ساقها بالتمام، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مصادر المؤلف (٢٥)

١. وفي نسخة: «أتفعل هذا؟».

٢. «المستخرج على صحيح مسلم» ١/ ٣٢٦ رقم (٦٢٤).

٣. راجع «الفتح» ١/ ٥٩٠، و«عمدة القاري» ٤/ ١٧٨.

٤. «سنن أبي داود» ١/ ١١٨.

٥. «جامع الترمذيّ» ١/ ٨٤.

٦. «شرح النوويّ» ٣/ ١٦٤ - ١٦٥.

٧. «التمهيد» ١١/ ١٣٤.

٨. «معالم السنن» للخطابيّ ١/ ٩٤ - ٩٥.

٩. «شرح النوويّ» ٣/ ١٦٤.

١٠. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٦٢٣ - ٦٢٤.

١١. لقد أجاد الماورديّ ﵀ حيث نقل كلام الحسن هذا، وفسّره، فقال: حدّثني سبعون بدريًّا، قال: وأراد أنه سمع ذلك من بعضهم، ورُوي له ذلك عن بعضهم؛ لأنه لم يُدرك سبعين بدريًّا. انتهى، وهو تفسير حسنٌ جدًّا، راجع «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» لابن الملقّن ﵀ ١/ ٦١٦.

١٢. «الأوسط» ١/ ٤٢٦ - ٤٣٤.

١٣. راجع «التمهيد» ١١/ ١٣٤ - ١٤٦.

١٤. «شرح النوويّ» ٣/ ١٦٤.

١٥. حديث صحيح، رواه أحمد في «مسنده» بسند صحيح برقم (٥٦٠٠).

١٦. «الأوسط» ١/ ٤٣٩ - ٤٤١.

١٧. وقع في نسخة «التمهيد»: «وهو قول قيس بن سعيد، وابن عبادة»، وهو تصحيف فاحشٌ، والصواب: «وهو قول قيس بن سعد بن عبادة»، وقد وقع في «الاستذكار» (٢/ ٢٦٣) على الصواب، فتنبّه.

١٨. راجع «التمهيد» ١١/ ١٤٦ - ١٥٠.

١٩. «الأوسط» ١/ ٤٥٤.

٢٠. «الأوسط» ١/ ٤٤٢ - ٤٤٥.

٢١. «الأوسط» ١/ ٤٤١ - ٤٤٢.

٢٢. «الأوسط» ١/ ٤٤٨ - ٤٥٠.

٢٣. «الأوسط» ١/ ٤٦٢ - ٤٦٥.

٢٤. «الأوسط» ١/ ٤٥٧ - ٤٦٠.

٢٥. وفي نسخة: «وحدّثناه».