HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٣٣٣

وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ. أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ «لَا. إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ. فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ. وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وصلي».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص180
ج ١ ص ٢٦٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٨ ص١١٣
(١٣) - (بَابُ الْمُسْتَحَاضَة، وغُسْلِهَا، وَصَلَاتهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٥٩] (٣٣٣) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ، فَلَا أَطْهُرُ، أفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: «لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِالْحَيْضَة، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ، فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ، فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، وَصَلِّي»). رجال هذا الإسناد: ستةً: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في المسند الماضي. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة ثبتٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٣ - (وَكِيع) بن الجرَّاح بن المليح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٤ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، ربّما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) عن (٨٧) سنة (ع)، تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٥٠. ٥ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت ٩٤) على الصحيح (ع)، تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٠٧. ٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين - ﵂ - ماتت سنة (٥٧) على الصحيح، تقدّمت في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣١٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، قرن بينهما، وفيه التحديث، والعنعنة، والقول. ٢ - (ومنها): أدت رواته رواة الجماعة، سوى ابن أبي شيبة، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن شيخه أبا غريب أحد التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الأصول بلا واسطة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ، عن خالته: هشام، عن أبيه، عن عائشة - ﵂ -. ٥ - (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين - ﵂ - أنها (قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ) بالحاء المهملة، والموحّدة، والشين المعجمة، بصيغة التصغير، اسمه قيس بن المطّلب بن أسد، وهي غير فاطمة بنت قيس التي طُلّقت ثلاثًا، قاله في «الفتح» . وهي: فاطمة بنت أبي حبيش قيس بن المطّلب بن أسد بن عبد العزَّى بن قُصيّ الأسديّة، مهاجريّة جليلة، روت عن النبيّ - ﷺ - حديث الاستحاضة، وروى عنها عروة بن الزبير، وقيل: عن عروة، عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حُبيش، قالت إلخ، ذكر إبراهيم الحربيّ أنها أم محمد بن عبد الله بن جحش، أخرج لها أبو داود، والنسائيّ، وليس لها في «الصحيحين» إلا ذكر في هذا الباب، والله تعالى أعلم. (إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي) قال الكرمانيّ ﵀: فإن قلت: ما موقع «إنّ» هنا؟ فإنه لا تُستعمل إلا عند إنكار المخاطب لمدخولها، أو التردّد فيه، وما كان لرسول الله - ﷺ - إنكار لاستحاضتها، ولا تردّد فيها. قلت: قد تذكر أيضًا لتحقيق نفس القضية؛ إذا كانت بعيدة الوقوع، نادرة الوجود، وهنا كذلك. انتهى . (امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ) بضمّ الهمزة، مبنيًّا للمفعول، قال في «الفتح»: يقال: استُحيضت المرأة: إذا استمرّ بها الدم بعد أيامها المعتادة، فهي مستحاضة، والاستحاضة جريان الدم من فرج المرأة في غير أوانه. انتهى . وقال الأزهريّ والهرويّ وغيرهما: «الحيض»: جريان دم المرأة في أوقات معلومة، يُرخيه قعر رحمها بعد بلوغها، و«الاستحاضة»: جريانه في غير أوانه يسيل من عِرْقٍ في أدنى الرحم دون قعره، يقال: استُحيضت المرأة بالبناء للمفعول، فهي مستحاضة، وأصل الكلمة من الحيض، والزوائد التي لَحِقتها للمبالغة، كما يقال: قَرّ بالمكان، ثم يُزاد للمبالغة، فيقال: استقرّ، وأعشب المكان، ثم يُزاد للمبالغة، فيقال: اعشوشب، وكثيرًا ما تجيء الزوائد لهذا المعنى، نبّه عليه ابن دقيق العيد ﵀. انتهى . وقال العلامة العينيّ ﵀: «الاستحاضة»: اسم لما نَقَصَ من أقل الحيض، أو زاد على أكثره. [فإن قلت]: ما وجه بناء الفعل للفاعل في الحيض، وللمفعول في الاستحاضة، فقيل: استُحِيضت؟. [قلت]: لَمّا كان الأول معتادًا معروفًا نُسِب إليها، والثاني لَمّا كان نادرًا غير معروف الوقت، وكان منسوبًا إلى الشيطان، كما ورد: «أنها رَكْضَةٌ من الشيطان»، بُنِي لِمَا لم يُسَمَّ فاعله. [فإن قلت]: ما هذه السين فيه؟. [قلت]: يجوز أن تكون للتحوّل، كما في استَحْجَر الطين، وهنا أيضًا تحوّل دم الحيض إلى غير دمه، وهو دم الاستحاضة، فافهم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: في قوله:«تَحَوَّل دم الحيض إلخ»نظر لا يخفى؛ لأن دم الاستحاضة غير دم الحيض؛ لأن دم الحيض من قعر الرحم، ودم الاستحاضة دم انفجر من عرق، يقال له: العاذل، كما نُصَّ عليه في الحديث، فتبصّر، والله تعالى أعلم. [تنبيه]:«استُحيضت» المرأة من الأفعال الملازمة للبناء للمفعول، وهي ستة وستون فعلًا، وقد نظمتها بقولي: اعْلَمْ - هَدَاكَ اللهُ - أَفْعَالًا أَتَتْ … مُغَيَّرًا صِيَغُهَا حَيْثُ بَدَتْ وَهْيَ اسْتُحِيضتْ زُهِيَتْ وَوُضِعَا … وَبُرَّ حَجٌّ وُثِئَتْ وَأُولِعَا وَأُزْعِجَتْ وَأُرْعِدَتْ نُخِي عُنِي … عَلَيْهِ أُغْمِيَ اسْتُهِلَّ فَاعْتَنِ وَوُكِسَتْ وَدُهِشَتْ وَبُهِتَتْ … سُقِطَ مَعْ غُمَّ الْهِلَالُ عُقِمَتْ . غُشِيِ عَلَيْهِمْ وَغُمِي وَأُهْدِرَا … طُلَّ دَمٌ وَأُهْرِعُوا وَشُهِرَا وَوُقِصت وَنُكِبَتْ وَشُغِلَتْ … حُلِبَ سُرَّ رُهِصَتْ وَشُغِفَتْ دِيرَ أُدِيرَ دُفِقَتْ وَأُسْهِبَا … لُقِيَ شُبَّ قُطِعَتْ وَأُغْرِبَا شُدِهَ جُنَّ فُلِجَتْ وَنُفِسَتْ … وَزُكِمَتْ وَقُرِنَتْ وَسُوِّسَتْ وَنُسِئَتْ وَقُنِيَتْ وَمُقِعَا … وَثُلِجَتْ وافْتُلِتَتْ وَامْتُقِعَا وَأُسْقِطَتْ وَأُرْثِثَتْ وَحُصِرَا … وَطُلِقَتْ وَضئِدَتْ وَأُحْصِرَا وَأُهْتِرَتْ اسْتُهْتِرَتْ وَانْتُقِعَا … وَأُوكِسَتْ وَغُبِنَتْ وَثُطِعَا وَدُبِرُوا نُفِسَ عِذْقٌ كَمُلَا … سِتًّا وَسِتِّينَ فَخُذْ لِتَكْمُلَا [تنبيه آخر]: هذه المرأة هي إحدى الصحابيّات اللاتي كنّ يستحضن في زمن النبيّ - ﷺ -، وهنّ عشر: بنات جحش الثلاثة: زينب، وحمنة، وأم حبيبة، أو أم حبيب، وفاطمة بنت أبي حُبيش المذكورة في هذا الحديث، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة، وأسماء بنت عُميس، وسهلة بنت سُهيل، وأسماء بنت مَرْثد، وبادية بنت غَيلان، فهنّ عشرٌ، ويقال: إن زينب بنت أم سلمة أيضًا استُحيضت، ولكن هذا لا يصحّ؛ لأنها في زمنه - ﷺ - كانت صغيرة، وقد نظمهنّ في «شرح الزرقانيّ على الموطأ»، حيث قال [من الرجز]: قَدِ اسْتُحِيضَتْ فِي زَمَان الْمُصْطَفَى … بَنَاتُ جَحْشٍ سَهْلَةٌ وَبَادِيَهْ وَهِنْدُ أَسْمَا سَوْدَةٌ وَفَاطِمَهْ … وَبِنْتُ مَرْثَدٍ رَوَاهَا الرَّاوِيَهْ (فَلَا أَطْهُرُ) بفتح الهاء وضمّها، من بابي نصر، وقرُب، والمراد بالطهارة هنا: النظافة من الدم، قال الفيّوميّ ﵀: طَهَر الشيءُ، من بابي قَتَل، وقَرُب طهارةً، والاسم الطُّهْر، وهو النقاء من الدنس والنجس، وهو طاهرُ الْعِرْض: أي بريء من العيب، ومنه قيل للحالة المناقضة للحيض: طُهْرٌ، والجمع أطهارٌ، مثلُ قُفْل وأَقفال، وامرأة طاهرةٌ من الأدناس، وطاهرٌ من الحيض بغير هاء، وقد طَهَرت من الحيض، من باب نَصَرَ، وفي لغة قليلة من باب قَرُب، وتطهّرت: اغتَسَلَت، وتكون الطهارة بمعنى التطهّر. انتهى . وإنما قالت: «فلا أطهر» لأنه كان عندها أن طهارة الحائض لا تُعرف إلا بانقطاع الدم، فكَنَت بعدم الطهر عن اتّصاله، وكانت قد عَلِمت أن الحائض لا تصلّي، فظنّت أن ذلك الحكم مقترن بجريان الدم من الفرج، فأرادت أن تُحقّق ذلك، فقالت: (أَفأَدعُ الصَّلَاةَ؟)، أي أتركها، قال ابن الملقّن ﵀: هو سؤال عن استمرار حكم الحيض حالة دوام الدم، وعدمه ممن تقرّر عنده أن الحائض ممنوعة عن الصلاة. انتهى . [تنبيه]: قال الكرمانيّ ﵀: فإن قلت: الهمزة تقتضي عدم المسبوقيّة بغيرها، والفاء تقتضي المسبوقيّة به، فكيف يجتمعان؟. قلت: هو عطف على مقدّر، أي أيكون لي حكم الحائض، فأدع الصلاة؟، أو الهمزة مقحمة، أو توسّطها جائز بين المعطوفين إذا كان عطف الجملة على الجملة؛ لعدم انسحاب ذكر الأول على الثاني، أو الهمزة ليست باقية على استفهاميّتها؛ لأنها للتقرير هنا، فلا تقتضي الصدارة. انتهى . [تنبيه آخر]: قد تقدّم أن بعضهم قال: إن العرب أماتت ماضي «يَدَعُ»، لكن الحقّ أنه منقول، وإن كان قليلًا، كقراءة من قرأ ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ بتخفيف الدال، وكحديث: «دَعُوا الحبشة ما وَدَعُوكم، ودَعُوا الترك ما وَدَعُوكم» ، وقد تقدّم تمام البحث في هذا، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) - ﷺ - («لَا)، أي لا تتركي الصلاة؛ لأن الاستحاضة لا تمنع منها، ثمّ علَّل كونها غير مانعة عنها بقوله: (إِنَّمَا ذَلِكِ) بكسر الكاف؛ لأنه خطاب للمرأة، أي إنما ذلك الدم الزائد على العادة السابقة، وذلك لأن الدم الذي اشتكته (عِرْقٌ) - بكسر العين المهملة، وسكون الراء -: أي دم عِرق؛ لأن الخارج هو الدم، لا العِرْق. ويُسمّى ذلك العِرْق بالعاذل - بالعين المهملة، والذال المعجمة، واللام، أو الراء - قال ابن الأثير ﵀:«العاذل»: اسم العِرْق الذي يَسيل منه دم الاستحاضة، وذكر بعضهم«العاذر»بالراء، وقال: العاذرة: المرأة المستحاضة، فاعلةٌ بمعنى مفعولة، من إقامة العذر، ولو قال: إن العاذر هو الْعِرْق نفسه؛ لأنه يقوم بعذر المرأة لكان وجهًا، والمحفوظ«العاذل»باللام. انتهى . قال ابن الملقّن ﵀: هذا العرق في أدنى الرحم يعتنق الرحم، قال: ويحتمل أن يكون من مجازي التشبيه، إن كان سبب الاستحاضة كثرة مادّة الدم، وخروجه من مجاري الحيض المعتادة. انتهى باختصار . [تنبيه]: قال النوويّ ﵀: وأما ما يقع في كثير من كتب الفقه:«إنما ذلكِ عِرق انقطع وانفجر»، فهي زيادة لا تُعْرَف في الحديث، وإن كان لها معنى، والله تعالى أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: أما بلفظ:«انفجر»فكما قال، وأما بلفظ«انقطع»، فقد جاء بسند ضعيف عند الحاكم في«المستدرك»، والدارقطنيّ، والبيهقيّ في«سننيهما»بلفظ:«فإن الذي أصابها رَكْضة من الشيطان، أو عِرْقٌ انقَطَع، أو داء عَرَض لها»، وصححه الحاكم، وتُعُقّب بأن صورته مرسل، وفي إسناده أيضًا عثمان بن سعيد التيميّ، ضعيف. (وَلَيْسَ) اسم«ليس»ضمير الدم، وفي نسخة:«وليست»، فاسمها ضمير يعود إلى الحالة، أي ليست هذه الحالة حالة الحيض (بِالْحَيْضَةِ) بفتح الحاء، أي الحيض، هذا هو الأظهر ونقله الخطابيّ عن أكثر المحدثين، أو كلهم، ثم اختار الكسر على إرادة الحالة، وقال النوويّ: وهو في هذا الموضع مُتَعَيِّنٌ، أو قريب من المتعين، فهان المعنى يقتضيه؛ لأنه - ﷺ - أراد إثبات الاستحاضة ونفي الحيض. انتهى . والمعنى: أن ذلك الدم دم علّة حَدَثت بالمرأة من تصدّع العرق، فاتّصل الدم، وليس بدم الحيض الذي يدفعه رحمها لميقات أيام معلومة، فيجري مجرى سائر الأَثفال والفُضول التي تستغني عنها الطبيعة، وتَقذفها عن البددن، فتجد النفس راحة لها فيها، وتُخلّصها عن ثقلها وأذاها . (فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ) قال النوويّ ﵀: يجوز في «الحيضة» هنا الوجهان: فتح الحاء، وكسرُها جوازًا حسنًا. انتهى. وقال الحافظ ﵀ - بعد نقل كلام النوويّ المذكور -: والذي في روايتنا بفتح الحاء في الموضعين. انتهى . (فَدَعِي الصَّلَاةَ)، أي اتركيها، يعني أنه إذا جاء الوقت الذي يعتادك فيه الحيض، فاتركي الصلاة، قال في «الفتح»: هذا يتضمّن نهي الحائض عن الصلاة، وهو للتحريم، ويقتضي فساد الصلاة بالإجماع. انتهى . (وَإِذَا أَدْبَرَتْ)، أي ذهبت الحيضة، أي مضى وقتها المعتاد لك، وقال الزرقانيّ: أي قدر الحيض على ما قدّره الشارع، أو على ما تراه المرأة باجتهادها، أو على ما تقدّم من عادتها، احتمالات. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأخير هو الأولى؛ لأنه - ﷺ - قال لها: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك»، فقد أمرها أن تقعد الأيام التي كانت تحبسها حيضتها قبل ذلك، فيكون قوله: «فإذا أدبرت» أي تلك الأيام التي اعتادتها فيها الحيضة، والله تعالى أعلم. وقال ابن دقيق العيد ﵀: الأشبه أن يريد قدر أيامها، وصحّف بعض الطلبة هذه اللفظة بالذال المعجمة المفتوحة، وإنما هو بالدال المهملة، أي قَدْر وقتها. انتهى. قال ابن الملقّن ﵀: ومما يُبطل هذا التصحيف روايةُ: «ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها». انتهى . [تنبيه]: قال النوويّ ﵀: المراد بالإدبار انقطاع الحيض، ومما ينبغي أن يُعتَنَى به معرفة علامة انقطاع الحيض، وقَلَّ مَن أوضحه، وقد اعتنى به جماعة من أصحابنا. وحاصله أن علامة انقطاع الحيض، والحصول في الطهر أن ينقطع خروج الدم، والصُّفْرة، والكُدْرة، وسواء خرجت رُطوبة بيضاء، أم لم يخرج شيء أصلًا. قال البيهقيّ، وابن الصّبّاغ وغيرهما من أصحابنا: التَّرِيَّةُ رطوبة خفيفةٌ، لا صفرة فيها ولا كدرة، تكون على القطنة أثرًا لا لون، قالوا: وهذا يكون بعد انقطاع دم الحيض. قال النوويّ: التَّرِيّة - بفتح التاء المثناة من فوقُ، وكسر الراء، وبعدها ياء مثناةٌ من تحتُ مشددة -. وقد ذكره البخاريّ في «صحيحه» عن عائشة - ﵂ - أنها قالت للنساء: «لا تَعْجَلْنَ حتى تَرَيْنَ القَصَّة البيضاء»، تريد بذلك الطهر. و«القَصّة» - بفتح القاف، وتشديد الصاد المهملة - وهي الْجِصّ شُبِّهت الرطوبة النقية الصافية بالجِصّ. قال أصحابنا: إذا مَضَى زمن حيضتها وجب عليها أن تغتسل في الحال لأول صلاة تُدركها، ولا يجوز لها أن تترك بعد ذلك صلاةً، ولا صومًا، ولا يمتنع زوجها من وطئها، ولا تمتنع من شيء يفعله الطاهر، ولا تستظهر بشيء أصلًا، وعن مالك: رواية أنها تستظهر بالإمساك عن هذه الأشياء ثلاثة أيام بعد عادتها. انتهى كلام النوويّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي نسبه النوويّ إلى مالك ﵀ إن صحّ عنه، فمما لا وجه له؛ لمخالفته النص الصريح؛ لأنه - ﷺ - قال: «وإذا أدبرت فصلّي»، فأوجب عليها الصلاة بمجرد انقطاع الحيض، ولم يجعل عليها شيئًا تستظهر به لا ساعةً، ولا أقلّ منها، فضلًا عن ثلاثة أيام، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، وَصَلِّي»)، أي بعد الاغتسال، كما صرّح به في الرواية الآتية حيث قال:«فاغتسلي، ثم صلّي». [تنبيه]: وقع الاختلاف بين أصحاب هشام بن عروة في هذا الحديث، فمنهم مَن ذَكَر غسل الدم، ولم يذكر الاغتسال، كوكيع هنا، ومنهم مَن ذَكَر الاغتسال، ولم يذكر الغسل، كابن شهاب في رواياته الآتية، وكلهم ثقات، وأحاديثهم في«الصحيحين»، فيُحمل على أن كلّ فريق اختصر أحد الأمرين؛ لوضوحه عنده. ووقع أيضًا اختلاف في زيادة:«ثم توضئي لكل صلاة»، وطعن فيها بعضهم بأنه مدرج، وبعضهم بأنه موقوفٌ على عروة، وسيأتي الجواب عن ذلك حيث يشير المصنّف إلى إعلاله - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في«الحيض»[١٣/ ٧٥٩ و٧٦٠] (٣٣٣)، و(البخاريّ) في«الوضوء»(٢٢٨) و«الحيض»(٣٠٦ و٣٢٠ و٣٢٥ و٣٣١)، و(أبو داود) في«الطهارة»(٢٨٢ و٢٩٨)، و(الترمذيّ) فيها (١٢٥)، و(النسائيّ) فيها (١/ ١٨١ و١٨٥ و١٨٦)، و(ابن ماجه) فيها (٦٢٤)، و(مالك) في«الموطّأ»(١/ ٦١)، و(عبد الرزاق) في«مصنّفه»(١١٦٥)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(١/ ١٢٥)، و(أحمد) في«مسنده»(٦/ ٤٢ و١٣٧ و١٩٤ و٢٠٤ و٢٦٢)، و(الدارميّ) في«سننه»(١/ ١٩٩)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(١٣٥٠)، و(الطحاويّ) في«شرح معاني الآثار»(١/ ١٠٢)، و(الدارقطنيّ) في«سننه»(١/ ٢١١)، و(ابن الجارود) في«المنتقى»(١١٢)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(١/ ٣٢٣ و٣٢٤ و٣٢٥ و٣٢٧ و٣٢٩)، و(البغويّ) في«شرح السنّة»(٣٢٤)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٩٢٧ و٩٢٨ و٩٢٩)، و(أبو نُعيم) في«مستخرجه» (٧٤٣ و٧٤٤ و٧٤٥ و٧٤٦ و٧٤٧ و٧٤٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الفرق بين دم الاستحاضة والحيض، فدم الاستحاضة يخرج من فرج المرأة في غير أوانه، من عِرْق يقال له: العاذل - بالعين المهملة، وكسر الذال المعجمة - وأما دم الحيض، فإنه يخرج من قَعْر الرحم. ٢ - (ومنها): جواز استفتاء مَن وَقَعت له مسألة. ٣ - (ومنها): جواز استفتاء المرأة بنفسها، ومشافهتها الرجال فيما يتعلق بالطهارة، وأحداث النساء. ٤ - (ومنها): ردّ المرأة إلى عادتها في الحيض. ٥ - (ومنها): جواز استماع صوت المرأة عند الحاجة، قاله النوويّ ﵀. قال الجامع عفا الله عنه: قول النوويّ: «عند الحاجة» مبنيّ على قول من يقول: إن صوتها عورة، وهو قول لا دليل عليه، فتنبّه. ٦ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: فيه نهي الحائض عن الصلاة في زمن الحيض، وهو نهي تحريم، ويقتضي فساد الصلاة هنا بإجماع المسلمين، وسواء في هذه الصلاة المفروضة والنافلة؛ لظاهر الحديث، وكذلك يحرم عليها الطواف، وصلاة الجنازة، وسجود التلاوة، وسجود الشكر، وكل هذا مُتَّفقٌ عليه. قال الجامع عفا الله عنه: إن أراد بقوله: «متّفقٌ عليه» اتّفاق أهل مذهبه، فذاك، وإلا فالمسألة فيها خلاف بالنسبة لسجود التلاوة، والشكر، وسيأتي في محلّه - إن شاء الله تعالى -. قال: وقد أجمع العلماء على أنها ليست مكلَّفةً بالصلاة، وعلى أنه لا قضاء عليها. انتهى . ٧ - (ومنها): نجاسة دم الحيض والاستحاضة، ووجوب غسله قبل الدخول في الصلاة من بدن المرأة وثوبها. ٨ - (ومنها): نجاسة الدم، وهو إجماعٌ، إلا من شذّ . ٩ - (ومنها): أن الصلاة تجب على المستحاضة بمجرد انقطاع حيضها، وأن الصلاة واجبة عليها أبدًا إلا في الأيام التي يُحكم بأنها حيض، وهذا إجماع. ١٠ - (ومنها): أن الصلاة لا يتركها من عليه الدم، كما فعل عمر - ﵁ - حيث صلّى وجُرحه يسيل دمًا. ١١ - (ومنها): ترك الحائض الصلاة، وهو إجماع لم يُخالف فيه إلا الخوارج. قال الجامع عفا الله عنه: أما ما نُقل من بعض السلف من أنه يُستحبّ للحائض إذا دخل وقت الصلاة أن تتوضّأ، وتستقبل القبلة، وتذكر الله تعالى، فمن البدع المنكرة، ومن الغلوّ الممنوع؛ لأن الله تعالى أكمل دينه، وأتمّه بموت النبيّ - ﷺ -، فلو كان خيرًا وحسنًا لما تركه، فإن النساء كنّ يحضن في زمان نزول الوحي، فهل سُمع بأنهنّ، أو بعضهنّ كنّ يفعلن هكذا؟ كلا والله، ثم كلًّا، بل هذا هو التنطّع والغلوّ في الدين، وقد قال - ﷺ -: «إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين» ، فتبصر، ولا تكن من الغافلين، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ١٢ - (ومنها): بيان أن المرأة إذا مَيَّزت دم الحيض من دم الاستحاضة تعتبر دم الحيض، وتعمل على إقباله وإدباره، فإذا انقضى قَدْرُه اغتَسَلت عنه، ثم صار حكم دم الاستحاضة حكم الحدث، فتتوضأ لكل صلاة، لكنها لا تصلي بذلك الوضوء أكثر من فريضة واحدة، مؤداةً أو مقضيةً؛ لظاهر قوله - ﷺ -: «ثم توضئي لكل صلاة»، وبهذا قال الجمهور، وعند الحنفية أن الوضوء متعلِّق بوقت الصلاة، فلها أن تصلي به الفريضة الحاضرة، وما شاءت من الفوائت ما لم يخرج وقت الحاضرة، وعلى قولهم المراد بقوله: «وتوضئي لكل صلاة»، أي لوقت كل صلاة، ففيه دعوى مجاز الحذف، ويحتاج إلى دليل، وعند المالكية يستحب لها الوضوء لكل صلاة، ولا يجب إلا بحَدَث آخر، وقال أحمد، وإسحاق: إن اغتسلت لكل فرض فهو أحوط، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا - إن شاء الله تعالى -. ١٣ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن دقيق العيد ﵀: في قوله - ﷺ -: «فإذا أقبلت الحيضة» تعليقُ الحكم بالإقبال والإدبار، فلا بدّ أن يكون معلومًا لها بعلامة تعرفها، فإن كانت مميّزةً رُدّت إلى التمييز، فإقبالها بُدُوّ الدم الأسود، وإدبارها إدبار ما هو بصفة الحيض، وإن كانت معتادةً رُدّت إلى العادة، فإقبالها وجود الدم في أول أيام العادة، وإدبارها انقضاء أيام العادة. وقد ورد في حديث فاطمة ما يقتضي الردّ إلى التمييز، وقالوا: إن حديثها في المميّزة، وحمل قوله: «فإذا أقبلت الحيضة» على الحيضة المألوفة، قال: وأقوى الروايات في الردّ إلى التمييز الرواية التي فيها: «دمُ الحيض أسود يُعْرَفُ، فإذا كان ذلك، فأمسكي عن الصلاة»، وأما الردّ إلى العادة، ففي قوله - ﷺ -: «ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها». انتهى . ١٤ - (ومنها): ما قاله ابن الملقّن ﵀: فيه دليل على الردّ إلى العادة؛ لأن الحديث يدلّ بلفظه على أن هذه المرأة كانت معتادةً؛ لقوله - ﷺ -: «قدر الأيام»، وهو يقتضي أنه كان لها أيام تحيض فيها، وليس فيه أنها كانت مميّزة، أو غير مميّزة، فإن ثبت ما يدلّ على التمييز فذاك، وإلا رُدّت إلى العادة، والتمسّك به يدلّ على أن ترك الاستفصال في قضايا الأحوال مع قيام الاحتمال، يُنزّل منزلة العموم في المقال، ويجوز أن يكون عَلِم الواقعة في التمييز أو عدمه، وأجاب على ما عَلِم. انتهى . ١٥ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من الرجوع فيما يحدُث لهم من الأمور كلّها إلى رسول الله - ﷺ -، والسؤال عن الأحكام، وجوابه - ﷺ - عنها. [تنبيه]: قد استنبط من هذا الحديث الرازي الحنفيّ أن مدة أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة؛ لقوله: «قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها»؛ لأن أقل ما يُطلق عليه لفظ «أيام» ثلاثة، وأكثره عشرة، فأما ما دون الثلاثة، فإنما يقال له: يومان، ويوم، وأما ما فوق عشرة، فإنما يقال: أحد عشر يومًا، وهكذا إلى عشرين، قال الحافظ ﵀: وفي الاستدلال بذلك نظر، ذكره في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسأل الرابعة): في بيان اختلاف الأخبار الواردة في المستحاضة التي استمرّ بها الدم، واختلاف أهل العلم في أمرها: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: رَوَينا في هذا الباب ثلاثة أخبار، أَجْمَعَ أهلُ العلم على القول بأحدها وتثبيته، واختلفوا في الخبرين الآخرين، فأَثبتت القول بهما فرقة، ونَفَت فرقة القول بهما، ونَفَت فرقة القول بأحدهما، وأثبتت القول بالآخر، ثم قال: ذكر الخبر الذي أَجمع أهل العلم على القول به وتثبيته ثم أخرج بسنده حديث عائشة - ﵂ - المذكور هنا. ثم قال: اختَلَف أصحابنا بعد إجماعهم على صحة هذا الخبر في المعنى الذي له أمرها النبيّ - ﷺ - بترك الصلاة إذا أقبلت الحيضة، وأمره إياها بالصلاة عند إدبارها، فكان الشافعي يقول: يدُلّ حديث عائشة هذا على أن فاطمة بنت أبي حُبيش كان دم استحاضتها منفصلًا، من دم حيضها؛ لجواب النبيّ - ﷺ -، وذلك أنه قال: «إذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم، وصلي»، فنقول: إذا كان الدم ينفصل، فيكون في أيام قانئًا ثخينًا مُحتَدِمًا يَضرِب الى السواد، له رائحة، فتلك الحيضة نفسُها، فلتدع الصلاة، فإذا ذهب ذلك الدم، وجاءها الدم الأحمر الرقيق الْمُشرِق، فهو عِرْق، وليست بالحيضة، وهو الطُّهور، وعليها أن تغتسل، وتصلي. وكان أحمد بن حنبل، وإسحاق يقولان: وإذا كانت في معنى فاطمة، كان الجواب فيه كما أجاب رسول الله - ﷺ - فاطمة، وهذه إذا كان دمها ينفصل، وقال أبو عبيد بمثل هذا المعنى. وكان الأوزاعيّ يقول: لا يُوَقَّت في المستحاضة إذا لم يُعْرَف وقتُ نسائها، ولم يكن لها أيام تُعْرَف فيما مضى، أخذنا بهذا الحديث: «إذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة»، قال الأوزاعي: وإقبالها سواد الدم، ونَتْنه، وتغيُّره لا يدوم عليها؛ لأنه لو دام عليها قتلها، فإذا اسودّ الدم، فهو حيض، فإذا أدبرت الحيضة، فصارت صُفْرة أو كُدْرة، فهي استحاضة. قال ابن المنذر: وذهب غيرهم من أصحابنا إلى غير هذا المعنى، وقال: إنما أمرها النبيّ - ﷺ - بأن تَدَع الصلاة قدر أيامها المعروفة، كان عندها قبل أن تُستحاض، قال: وذلك بَيِّنٌ في الأخبار الثابتة بالأسانيد المتصلة، يُستَغنى بظاهرها عن غيرها. قال: فقوله - ﷺ -: «فإذا ذهب قدرها» يريد قدر الحيضة المعلومة قبل أن تُستحاض، وهذا مُستغنى به عما سواه، وقد روى هذا الحديث - يعني فاطمة بنت أبي حبيش المذكور - أبو أسامة، وذكر في الحديث أنه قال: «ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تَحِيضين فيها، ثم اغتسلي، وصلي». ثم ذَكَر أحد الخبرين المختَلَف في ثبوته، فقال: أخبرنا الربيع، أنبا الشافعيّ، أنبا مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة، أن امرأة كانت تُهَراق الدماءَ على عهد رسول الله - ﷺ -، فاستفتت لها أمُّ سلمة رسول الله - ﷺ -، فقال: «لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن من الشهر، قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خَلَّفت، فلتغتسل، ثم لْتَسْتَثْفِر بثوب، ثم تصلي». ثم ذَكَر الخبر الثالث المختَلَف في ثبوته، فقال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبا عبد الرزاق، أنبا ابن جريج، عن عبد الله بن محمد، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أم حبيبة. وحدثنا محمد بن خلف بن شعبة، والحديث له، ثنا زكريا بن عديّ، ثنا عبيد الله، عن عمرو، عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن إبراهيم، هو ابن محمد بن طلحة، عن عمران بن طلحة، عن بنت جحش - يعني حمنة - أنها قالت: كنت أُستحاض حيضةً شديدةً كثيرةً، فجئت رسول الله - ﷺ - أستفتيه، وأُخبره، فوجدته في بيت زينب بنت جحش، فقلت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة، قال: «ما هي يا هناه؟ قلت: إني لأستحي منك، وإنه لحديثٌ ما منه بُدّ، وإني أستحاض حيضةً شديدةً، فما ترى، تقول فيها يا رسول الله؟، قد منعني الصوم والصلاة، قال:»أَنْعَتُ لكِ الْكُرْسُف، فإنه يَذهب بالدم«، قالت: فإنه أكثر من ذلك، قال:»فَتَلَجَّمي«، قالت: فإنه أكثر من ذلك، إني أَثُجّ ثَجًّا، قال:»آمرك بأمرين، أيهما فعلت أجزأك من الآخر، وإن قَوِيت عليهما، فأنت أعلم، إنما هي رَكْضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة في علم الله، ثم اغتسلي، حتى إذا استنقأت، فصلي أربعًا وعشرين، أو ثلاثًا وعشرين ليلةً وأيامها، وصومي، فإن ذلك يجزيك، كذلك فافعلي في كل شهر، كما تَحِيض النساء، وكما يَطْهُرن لميقات حيضهن وطهرهن، وإن قَوِيت على أن تؤخري الظهر، وتعجلي العصر، ثم تغتسلين، وتصلين الظهر والعصر جمعًا، وتؤخري المغرب، وتعجلي العشاء، ثم تغتسلي، وتجمعي بين الصلاتين، ثم تغتسلي مع الفجر، ثم تصلي، كذلك فافعلي، وصومي، وصلي إن قويت على ذلك»، قال رسول الله - ﷺ -:«وهذا أعجب الأمرين إليّ». قال أبو عبيد:«الْكُرْسُفُ»: القطن، وقولها: أَثُجُّه ثَجًّا: هو من الماء الثّجّاج، وهو السائل، وقوله:«تلجمي»يقول: شُدِّي لِجَامًا، وهو شبيه بقوله:«استثفري»، والاستثفار يكون من ثَفَر الدابة، شَبَّهَ هذا اللجام بالثَّفَر؛ لأنه يكون تحت ذنب الدابة. انتهى. قال ابن المنذر: وأما الفرقة التي نَفَت القول بخبر أم سلمة، وخبر بنت جحش، فإنهم دفعوا خبر سليمان بن يسار بأنهم قالوا: خبر سليمان بن يسار خبرٌ غيرُ متصل، لا يصح من جهة النقل، وذلك أن غير واحد من المحدثين أدخل بين سليمان بن يسار وبين أم سلمة رجلًا، اسمه مجهول، والمجهول لا يجوز الاحتجاج بحديثه؛ إذ هو في معنى المنقطع الذي لا تقوم به الحجة. قال: وأما حديث ابن عَقِيل عن إبراهيم بن محمد بن طلحة في قصة حَمْنة، فليس يجوز الاحتجاج به من وجوه، كان مالك بن أنس لا يروي عن ابن عَقِيل، قال الدافع لهذين الخبرين: وفي متن الحديث كلام مستنكر، زعمت أن النبيّ - ﷺ - جَعَل الاختيار إليها، فقال لها: «تَحَيَّضي في علم الله ستًّا أو سبعًا»، قالوا: وليس يخلو اليوم السابع من أن تكون حائضًا أو طاهرًا، فإن كانت حائضًا فيه، واختارت أن تكون طاهرًا، فقد ألزمت نفسها الصلاة في يوم هي فيه حائض، وصلت وصامت وهي حائض، وإن كانت طاهرًا اختارت أن تكون حائضًا، فقد أسقطت عن نفسها فرض الله عليها في الصلاة والصوم، وحَرَّمت نفسها على زوجها في ذلك اليوم، وهي في حكم الطاهر، وهذا غير جائز، وغير جائز أن تُخَيَّر مرة بين أن تُلْزِم نفسها الفرض في حال، وتُسقط الفرض عن نفسها إن شاءت في تلك الحال. قال: ثم اختلفوا في تأويل هذه الأخبار الثلاثة، فأما فرقة فنفت القول بهذين الخبرين: خبر أم سلمة، وخبر بنت جحش، وقالت فرقة بها كلِّها، وممن قال بها كلِّها أبو عبيد القاسم بن سلام، ذكر أبو عبيد أن الناس تكلموا في الحيض قديمًا وحديثًا، ووَقَّتوا فيه أوقاتًا مختلفةً، فلما رأينا الأوقات من العلماء قد اختُلِفت فيه، رددنا علم ذلك كله إلى سنة رسول الله - ﷺ -، ثم انتهينا إليها؛ لأن الله جل ذكره يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، فنظرنا في سنة رسول الله - ﷺ -، فوجدناه قد بَيَّن فيه ثلاثَ سُنَن تَبَيَّن فيها كلُّ مشكل لمن سمعها وفهمها، حتى لا يَدَع لأحد فيها مقالًا بالرأي. أما أحد السنن الثلاث، فهي الحائض التي لها أيام معلومة، قد حاضتها بلا اختلاط عليها، ثم استحيضت، واستَمَرَّ بها الدم، وهي في ذلك تَعْرِف أيامها، ومبلغ عددها، فذكر حديث أم سلمة - ﵂ - الذي ذكرناه، وذكر حديثًا عن عائشة - ﵂ - . قال أبو عبيد: وأما السنة الثانية، ففي الحائض التي لها أيام متقدمة، قد جَرَت عليها، وعرفتها، ثم استَمَرَّ بها الدم، وطال حتى اختلطت عليها أيامها، وزادت ونقصت، وتقدمت وتأخرت، حتى صارت لا تَعْرِف عددها، ولا وقتها من الشهور، فاحتُجَّ لمن هذه قصتها بحديث عائشة الذي بدأنا بذكره، وهو الخبر الثابت، خبر عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش، وأما السنة الثالثة، فهي التي ليست لها أيام متقدمةٌ، ولم تَرَ الدم قط، ثم رأته أول ما أدركت، فاستمر بها، فإن سنة هذه غير سنة الأولى والثانية، وذَكَر حديث بنت جحش الذي رواه ابن عَقِيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه، عن حمنة بنت جحش. وهو حديث ضعيف؛ لأن فيه عنعنة حبيب بن أبي ثابت، وهو مدلّس، وقد خالفه هشام بن عروة، فليست عنده هذه الزيادة، وقد أخرجه البخاريّ عن طريقه، راجع: «إرواء الغليل» للشيخ الألباني ١/ ٢٢٥ رقم (٢٠٨). وقال أحمد، وإسحاق خلاف قول أبي عبيد، قالا: إذا استحيضت المرأة، واستمر بها الدم، وهي غير عارفة بأيامها فيما مضى، وليس ينفصل دمها، فتَعْرِف إقباله من إدباره، ووَصَفت من كثرة دمها وغلبته نحوًا مما وَصَفت حمنة، فإنها تجلس ستة أيام، أو سبعة أيام على حديث حمنة، وذلك وسط من حيض النساء. قال ابن المنذر: فقول أحمد وإسحاق هذا، وتأويلهما لحديث حمنة خلاف تأويل أبي عبيد؛ لأن أبا عبيد إنما تأوَّل حديث حمنة، فيمن ليست لها أيام متقدمة، ولم تَرَ الدم، وتأويل الحديث عند أحمد وإسحاق لمن هي غير عارفة بأيامها فيما مضى ضِدَّ ما قال أبو عبيد، وتأوَّل الشافعي حديث حمنة على غير ما تأوله هؤلاء. وكان الشافعي يقول بعد ذكره لحديث حمنة: هذا يدلّ على أنها كانت تعرف أيام حيضها ستًّا أو سبعًا، فلذلك قال لها النبيّ - ﷺ -: «فإن قَوِيتِ أن تؤخري الظهر، وتعجلي العصر، وتغتسلي حين تطهرين، وتصلين الظهر والعصر جميعًا، ثم تؤخري المغرب، وتعجلي العشاء، ثم تغتسلي، وتجمعي بين المغرب والعشاء فافعلي، وتغتسلين عند الفجر، ثم تصلين الصبح، وكذلك فافعلي، وصومي إن قويت على ذلك، وهذا أحب الأمرين إليّ»، قال الشافعيّ: هذا يدلّ على أنها كانت تَعْرف أيام حيضتها ستًّا أو سبعًا، فلذلك قال لها رسول الله - ﷺ -. وكان الشافعيّ بعد أن ذكر حديث فاطمة بنت أبي حبيش، وحديث أم سلمة، وحديث حمنة، يقول: وبهذه الأحاديث الثلاثة نأخذ، وهي عندنا متفقة فيما فيه، وفي بعضها زيادة على بعض، فذكر حديث فاطمة بنت أبي حبيش، وقد ذكرتُ قوله فيه فيما مضى، وقد ذكرنا عنه قوله في حديث حمنة، قال: وجواب النبيّ - ﷺ - في حديث أم سلمة المستحاضةَ يدل على أن المرأة التي سألت لها أمُّ سلمة، كانت لا ينفصل دمها، فأمرها أن تترك الصلاة عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر، قبل أن يصيبها الذي أصابها، والله أعلم. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: حديث عائشة - ﵂ - في قصّة فاطمة بنت أبي حبيش - ﵂ - لاشكّ في صحّته؛ إذ هو متّفقٌ عليه. وأما حديث أم سلمة - ﵂ -، وإن أعلّوه بالانقطاع، أو جهالة الواسطة، كما تقدّم في كلام ابن المنذر، فالصحيح أنه صحيح؛ لأن سليمان بن يسار تابعيّ ثقة ثبت، أدرك أم سلمة دون شكّ، وقد ذكروه فيمن سمع منها، ولم يُطعن بالتدليس، فروايته محمولة على الاتّصال، ولا تُعل برواية من أدخل الواسطة بينه وبينها؛ لأنه على تقدير صحتها يُحمل على أنه سمع الحديث منها مباشرة وبواسطة، كما هو معروف في روايات الثقات، وقد ذكر مثل هذا التأويل ابن التركماني في «الجوهر النقيّ»، وقد أجاد الشيخ الألبانيّ البحث في هذا، في كتابه «صحيح سنن أبي داود»، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم . وأما حديث حمنة بنت جحش - ﵂ -، فقد أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وغيرهم، وحسّنه الشيخ الألبانيّ ﵀، قال: وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات، غير ابن عَقِيل، وقد تكلّم فيه بعضهم من قِبَل حفظه، وهو في نفسه صدوقٌ، فحديثه في مرتبة الحسن، وكان أحمد وابن راهويه يحتجّان به، كما قال الذهبيّ، ولهذا قال الترمذيّ عقب هذا الحديث: حسنٌ صحيحٌ، وسألت محمدًا - يعني البخاريّ - عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسنٌ صحيح، وهكذا قال أحمد بن حنبل: هو حديث حسنٌ صحيح. انتهى. كلام الشيخ الألبانيّ ﵀، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم. ثم إن أقرب التأويلات في الجمع بين الأحاديث هو الذي مشى عليه الإمام الشافعيّ ﵀. وحاصله أن حديث فاطمة بنت أبي حبيش يُحمل على من كانت تميّز بين دم استحاضتها ودم حيضها، فإذا استمرّ بها الدم، وهي تعرف دم الحيض إذا أقبل بأوصافه المعروفة لدى النساء، فإنها تقعد أيامها، فإذا ذهب ذلك، فإنها تغتسل، وتصلّي. وأما حديث حمنة - ﵂ -، فإنه يُحمل على من لا تميّز بين الدمين، ولكنها كانت تعرف أيام حيضها، إما ستة أو سبعة، فتجلس مقدار تلك الأيام، فإذا ذهبت تغتسل، وتصلي. وأما حديث أم سلمة - ﵂ -، فيحمل على المرأة التي لا تعرف عدد أيام حيضها، ولا تميّز بين الدمين، أو كانت مبتدأة، لم تحض قبلُ قط، فإنها تقعد مثل ما يقعد أغلب نساء قومها، أمها، وأخواتها، ونحوهنّ. والحاصل أن التي لها عادة ترجع إلى عادتها، والتي لا عادة لها، ولكنها مميّزة تعمل بالتمييز، والتي لا عادة لها، ولا تمييز، فإنها ترجع، فبهذا تتفق الأحاديث، بلا تعارض، ولا دعوى نسخ، ولا تضعيف لصحيح، وقد أشبعت البحث في هذا في «شرح النسائيّ» ، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): ذكر النوويّ ﵀ فوائد مما يتعلّق بحكم الاستحاضة، فقال: وأما حكم المستحاضة، فهو مبسوط في كتب الفقه أحسن بسط، وأنا أشير إلى أطراف من مسائلها، فاعلم أن المستحاضة لها حكم الطاهرات في معظم الأحكام، فيجوز لزوجها وطؤها في حال جريان الدم عندنا، وعند جمهور العلماء، حكاه ابن المنذر في «الإشراف» عن ابن عباس، وابن المسيِّب، والحسن البصريّ، وعطاء، وسعيد بن جبير، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، وبكر بن عبد الله المزنيّ، والأوزاعيّ، والثوريّ، ومالك، وإسحاق، وأبي ثور. قال ابن المنذر: وبه أقول، قال: ورَوَينا عن عائشة - ﵂ - أنها قالت: لا يأتيها زوجها، وبه قال النخعيّ، والحكم، وكرهه ابن سيرين، وقال أحمد: لا يأتيها إلا أن يطول ذلك بها، وفي رواية عنه ﵀ أنه لا يجوز وطؤها إلا أن يخاف زوجها الْعَنَتَ، والمختار ما قَدَّمناه عن الجمهور. والدليل عليه ما رَوَى عكرمة، عن حمنة بنت جحش - ﵂ - أنها كانت مستحاضةً، وكان زوجها يجامعها، رواه أبو داود، والبيهقيّ، وغيرهما بهذا اللفظ، بإسناد حسن. قال البخاريّ في «صحيحه»: قال ابن عباس: المستحاضة يأتيها زوجها إذا صَلَّت، الصلاة أعظم، ولأن المستحاضة كالطاهرة في الصلاة والصوم وغيرهما، فكذا في الجماع، ولأن التحريم إنما يثبت بالشرع، ولم يَرِد الشرع بتحريمه، والله تعالى أعلم. وأما الصلاة، والصيام، والاعتكاف، وقراءة القرآن، ومسّ المصحف، وحمله، وسجود التلاوة، وسجود الشكر، ووجوب العبادات عليها، فهي في كل ذلك كالطاهرة، وهذا مُجْمَعٌ عليه، وإذا أرادت المستحاضة الصلاة، فإنها تؤمر بالاحتياط في طهارة الحدث، وطهارة النجس، فتغسل فرجها قبل الوضوء والتيمم، إن كانت تتيمم، وتحشو فرجها بقطنة، أو خرقة؛ رفعًا للنجاسة، أو تقليلًا لها، فإن كان دمها قليلًا يندفع بذلك وحده، فلا شيء عليها غيره، وإن لم يندفع شَدَّت مع ذلك على فرجها، وتَلَجَّمت. وهو أن تشدّ على وسطها خرقةً، أو خيطًا، أو نحوه على صورة التِّكّة، وتأخذ خرقة أخرى مشقوقة الطرفين، فتدخلها بين فخذيها وأليتيها، وتشد الطرفين بالخرقة التي في وسطها، أحدهما قُدَّامها عند سُرّتها، والأخرى خلفها، وتُحْكِم ذلك الشدّ، وتُلصق هذه الخرقة المشدودة بين الفخذين بالقطنة التي على الفرج إلصاقًا جيّدًا، وهذا الفعل يُسَمَّى تَلَجُّمًا، واستثفارًا، وتعصيبًا. قال أصحابنا: وهذا الشدّ والتلجم واجب إلا في موضعين: [أحدهما]: أن تتأذى بالشدّ، ويحرقها اجتماع الدم، فلا يلزمها؛ لما فيه من الضرر. [والثاني]: أن تكون صائمة، فتترك الحشو في النهار، وتقتصر على الشدّ، قال أصحابنا: ويجب تقديم الشدّ والتلجم على الوضوء، وتتوضأ عقيب الشدّ من غير إمهال، فإن شدّت وتلجّمت، وأخَّرت الوضوء، وتطاول الزمان ففي صحة وضوئها وجهان، الأصحّ أنه لا يصحّ. قال الجامع عفا الله عنه: تصحيح هذا القول فيه نظر لا يخفى، فإنه - ﷺ - حين أمرها بالتلجّم، والوضوء لكلّ صلاة، ما اشترط عليها هذا الشرط، بل أطلقه إطلاقًا، فتبصّر، والله تعالى أعلم. قال: وإذا استوثَقَت بالشدّ على الصفة التي ذكرناها، ثم خرج منها دم من غير تفريط، لم تبطل طهارتها، ولا صلاتها، ولها أن تصلي بعدَ فرضها ما شاءت من النوافل؛ لعدم تفريطها، ولتعذر الاحتراز عن ذلك، أما إذا خرج الدم لتقصيرها في الشدّ، أو زالت العصابة عن موضعها؛ لضعف الشدّ، فزاد خروج الدم بسببه، فإنه يبطل طهرها، فإن كان ذلك في أثناء صلاة بطلت، وإن كان بعد فريضة لم تستبح النافلة؛ لتقصيرها، وأما تجديد غسل الفرج وحشوه وشدّه لكل فريضة، فيُنظَر فيه إن زالت العصابة عن موضعها زوالًا له تأثير، أو ظهر الدم على جوانب العصابة وجب التجديد، وإن لم تزل العصابة عن موضعها، ولا ظهر الدم ففيه وجهان لأصحابنا، أصحهما وجوب التجديد كما يجب تجديد الوضوء. قال: ثم اعلم أن مذهبنا أن المستحاضة لا تصلي بطهارة واحدة أكثر من فريضة واحدة، مؤداةً كانت أو مقضيةً، وتستبيح معها ما شاءت من النوافل قبل الفريضة وبعدها، ولنا وجهٌ أنها لا تستبيح أصلًا؛ لعدم ضرورتها إلى النافلة، والصواب الأول، وحُكِي مثل مذهبنا عن عروة بن الزبير، وسفيان الثوريّ، وأحمد، وأبي ثور. وقال أبو حنيفة: طهارتها مقدرة بالوقت، فتصلي في الوقت بطهارتها الواحدة ما شاءت من الفرائض الفائتة. وقال ربيعة، ومالك، وداود: دم الاستحاضة لا ينقض الوضوء، فإذا تطهرت فلها أن تصلي بطهارتها ما شاءت من الفرائض، إلى أن تُحدث بغير الاستحاضة. قال أصحابنا: ولا يصح وضوء المستحاضة لفريضة قبل دخول وقتها، وقال أبو حنيفة: يجوز، ودليلنا أنها طهارة ضرورة فلا تجوز قبل وقت الحاجة. قال الجامع عفا الله عنه: القول بعدم جواز وضوئها قبل الوقت يحتاج إلى دليل؛ إذ النصّ: «ثم توضئي لكلّ صلاة»، ولم يقيّده بكونه في الوقت فقط، فتدبّر، والله تعالى أعلم. قال أصحابنا: وإذا توضأت بادرت إلى الصلاة عقب طهارتها، فإن أخّرت بأن توضأت في أول الوقت، وصلّت في وسطه نُظِر، إن كان التأخير للاشتغال بسبب من أسباب الصلاة، كستر العورة، والأذان والإقامة، والاجتهاد في القبلة، والذهاب إلى المسجد الأعظم، والمواضع الشريفة، والسعي في تحصيل سُتْرة تصلي إليها، وانتظار الجمعة والجماعة، وما أشبه ذلك، جاز على المذهب الصحيح المشهور، ولنا وجه أنه لا يجوز، وليس بشيء. وأما إذا أخرت بغير سبب من هذه الأسباب، وما في معناها ففيه ثلاثة أوجه: أصحها لا يجوز، وتبطل طهارتها، والثاني: يجوز، ولا تبطل طهارتها، ولها أن تصلي بها، ولو بعد خروج الوقت. والثالث: لها التأخير ما لم يَخرُج وقت الفريضة، فإن خرج الوقت فليس لها أن تصلي بتلك الطهارة. قال الجامع عفا الله عنه: القول الثاني هو الأرجح عندي، وأما الآخران ففيهما نظر لا يخفى، فأين النصّ الذي فصّل هذا التفصيل؟ فقد أباح لها أن تصلي كلّ صلاة بوضوء، ولم يقيّد ذلك بشيء من التقديم والتأخير، وكونه في الوقت أو بعده، فتأمل بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم. قال: قال أصحابنا: وكيفية نية المستحاضة في وضوئها أن تنوي استباحة الصلاة، ولا تقتصر على نية رفع الحدث، ولنا وجه أنه يجزئها الاقتصار على نية رفع الحدث، ووجهٌ ثالث أنه يجب عليها الجمع بين نية استباحة الصلاة ورفع الحدث، والصحيح الأول، فإذا توضأت المستحاضة استباحت الصلاةَ، وهل يقال: ارتفع حدثها؟ فيه أوجه لأصحابنا، الأصح أنه لا يرتفع شيء من حدثها، بل تستبيح الصلاة بهذه الطهارة مع وجود الحدث، كالمتيمم، فإنه محدث عندنا، والثاني: يرتفع حدثها السابق والمقارن للطهارة دون المستقبل، والثالث: يرتفع الماضي وحده. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن القول الثاني أرجح؛ حيث إنها مثل المتيمّم، والمتيمّم يرتفع حدثه على الأرجح، كما حقّقته في «شرح النسائيّ»، وسيأتي هنا أيضًا في موضعه - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم. قال: (واعلم): أنه لا يجب على المستحاضة الغسل لشيء من الصلاة، ولا في وقت من الأوقات إلا مرةً واحدةً في وقت انقطاع حيضها، وبهذا قال جمهور العلماء من السلف والخلف، وهو مروي عن عليّ، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة - ﵃ -، وهو قول عروة بن الزبير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد. ورُوي عن ابن عمر، وابن الزبير، وعطاء بن أبي رَباح أنهم قالوا: يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة، ورُوي هذا أيضًا عن عليّ، وابن عباس، وروي عن عائشة أنها قالت: تغتسل كل يوم غسلًا واحدًا، وعن ابن المسيب، والحسن قالا: تغتسل من صلاة الظهر إلى صلاة الظهر دائمًا، والله تعالى أعلم. ودليل الجمهور أن الأصل عدم الوجوب، فلا يجب إلا ما ورد الشرع بإيجابه، ولم يصحّ عن النبيّ - ﷺ - أنه أمرها بالغسل إلا مرة واحدة عند انقطاع حيضها، وهو قوله - ﷺ -: «إذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي»، وليس في هذا ما يقتضي تكرار الغسل، وأما الأحاديث الواردة في سنن أبي داود، والبيهقيّ، وغيرهما أن النبيّ - ﷺ - أمرها بالغسل، فليس فيها شيء ثابتٌ، وقد بَيّن البيهقيّ، ومَن قبله ضعفها، وإنما صح في هذا ما رواه البخاريّ، ومسلم، في «صحيحيهما»: أن أم حبيبة بنت جحش - ﵂ - استحيضت، فقال لها رسول الله - ﷺ -: «إنما ذلك عِرْق، فاغتسلي، ثم صلي»، فكانت تغتسل عند كل صلاة. قال الشافعي ﵀: إنما أمرها رسول الله - ﷺ - أن تغتسل، وتصلي، وليس فيه أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة، قال: ولا شك - إن شاء الله تعالى - أن غسلها كان تطوعًا غير ما أُمِرت به، وذلك واسع لها، هذا كلام الشافعي ﵀ بلفظه، وكذا قال شيخه سفيان بن عيينة، والليث بن سعد، وغيرهما، وعباراتهم متقاربة، والله تعالى أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره النوويّ من تضعيف أحاديث أمره - ﷺ - لها بالاغتسال لكلّ صلاة، ليس مقبولًا، بل الحقّ أن الأحاديث صحيحة، كما حقّقت ذلك في شرح النسائيّ، وإنما وجه الأحاديث أن يُحمل الأمر فيها على الاستحباب، لا على الوجوب، بدليل أمره - ﷺ - لها بالوضوء عند كلّ صلاة، فإن هذا يصرف الأمر عن الوجوب إلى الاستحباب. والحاصل أن المستحاضة، تغتسل عند كل صلاة استحبابًا، وإن اقتصرت على الوضوء أجزأها، وإن أردت تحقيق المسألة، فارجع إلى ما كتبته في «شرح النسائيّ» تستفد علمًا جَمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٦٠] (…) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ (ح)، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح)، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح)، وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيْدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِمِثْلِ حَدِيثِ وَكِيعٍ، وإِسْنَادِه، وَفِي حَدِيثِ قُتَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنَّا، قَالَ: وَفِي حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ زِيَادَةُ حَرْفٍ، تَرَكْنَا ذِكْرَهُ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ المذكور في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ) بن عُبيد الدّراورديّ، أبو محمد الْجُهَنيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥. ٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٤ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٥ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٦ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٧ - (أَبُوهُ) هو: عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) عن (٨٤) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٨ - (خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ) بن ثعلبة البزّار المقرئ البغداديّ، ثقة، له اختيارات في القراءات [١٠] (ت ٢٢٩) (ن د) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤. ٩ - (حَمَّادُ بْنُ زيْدِ) بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٦. ١٠ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) تقدّم في السند السابق، وكذا شرح الحديث، وبيان مسائله. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ إلخ)، أي كلّ هؤلاء الخمسة، وهم: عبد العزيز الدراورديّ، وأبو معاوية، وجرير بن عبد الحميد، وعبد الله بن نُمير، وحماد بن زيد، فكلهم رووا هذا الحديث عن هشام بن عروة، بمثل حديث وكيع عنه، عن أبيه، عن عائشة - ﵂ -. وقوله: (وَفِي حَدِيثِ قُتَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ) أراد بهذا بيان مخالفة قتيبة، عن جرير في جدّ فاطمة، حيث قال: «ابن عبد المطّلب»، والباقون قالوا: «ابن المطّلب»، وهو الصواب، قال النوويّ ﵀: وقع في الأصول «ابن عبد المطلب»، واتَّفَقَ العلماء على أنه وَهَمٌ، والصواب فاطمة بنت أبي حُبيش بن المطلب، بحذف لفظة «عبد»، والله تعالى أعلم. انتهى . وقوله: (وَهِيَ امْرَأةٌ مِنَّا) معناه: أنها من بني أسد، والقائل هو هشام بن عروة، أو أبوه عروة بن الزبير بن العوام بن خُويلد بن أسد بن عبد الْعُزّى، قاله النوويّ ﵀ . وقوله: (قَالَ: وَفِي حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زيدٍ زِيادَةُ حَرْفٍ) أراد بالحرف هنا الجملة، وهي قوله: «وتوضئي لكلّ صلاة». وقوله: (تَرَكنَا ذِكْرَهُ) أشار بهذا أن زيادة حماد شاذّة؛ لكونه خالف بها جماعة الحفّاظ الذين رووا الحديث عن هشام بن عروة، وهم الأربعة الباقون، فكلهم لم يذكر هذه الزيادة، ولذلك تركها. قال القاضي عياض ﵀: الحرف الذي تركه، هو قوله: «اغسلي عنك الدم، وتوضئي»، ذكر هذه الزيادة النسائيّ وغيره، وأسقطها مسلم؛ لأنها مما انفرد به حماد، قال النسائيّ: لا نعلم أحدًا قال: «وتوضئي» في الحديث غير حماد، يعني - والله أعلم - في حديث هشام، وقد رَوَى أبو داود وغيره ذكر الوضوء من رواية عديّ بن ثابت، وحبيب بن أبي ثابت، وأيوب بن أبي مَكِين، قال أبو داود: وكلها ضعيفة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عبارة النسائيّ، بعد إخراج الحديث من طريق حماد بن زيد، عن هشام: ولا أعلم أحدًا ذَكَر في هذا الحديث: «وتوضئي» غير حماد بن زيد، وقد رَوَى غيرُ واحد عن هشام، ولم يذكر فيه: «وتوضئي». انتهى. [تنبيه]: هذا الذي أشار إليه المصنّف، وصرّح به النسائيّ من تفرّد حماد بن زيد بزيادة قوله: «وتوضئي» فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأنه لم يتفرّد حماد بها، بل تابعه أربعة كلّهم رووه عن هشام بن عروة، بتلك الزيادة: (الأول): أبو معاوية عن هشام، عند البخاريّ في «صحيحه»، قال بعد ذكر الحديث ما نصّه: قال - يعني هشامًا -: وقال أبي: «ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت». قال الحافظ ﵀: وادّعَى بعضهم أن هذا معلَّق، وليس بصواب، بل هو بالإسناد المذكور عن محمد بن سلام، عن أبي معاوية، عن هشام، وقد بيَّنَ ذلك الترمذيّ في روايته. وادّعى آخر أن قوله: «ثم توضئي» من كلام عروة، موقوفًا عليه، وفيه نظرٌ، لأنه لو كان كلامه موقوفًا لقال: «ثم تتوضّأ» بصيغة الإخبار، فلما أتى به بصيغة الأمر شاكله الأمر الذي في المرفوع، وهو قوله: «فاغسلي» . (الثاني): حماد بن سلمة، فقد رواه الدارميّ من طريق حماد بن سلمة، عن هشام. (الثالث): يحيى بن سُليم، فقد رواه السرّاج من طريق يحيى بن سُليم، عن هشام بن عروة، قاله الحافظ أيضًا . (الرابع): أبو حمزة السُّكّريّ، عن هشام، فقد رواه ابن حبّان من طريقه، في «صحيحه» (٢/ ٣٢٠) وفيه: «فاغتسلي، وتوضّئي لكلّ صلاة». والحاصل أن زيادة أمر المستحاضة بالوضوء في حديث فاطمة من طريق هشام ثابتٌ عن حماد بن زيد، عند النسائيّ، وأشار إليه المصنّف هنا، وأبي معاوية عند البخاريّ، والترمذيّ، وحماد بن سلمة عند الدارميّ، ويحيى بن سُليم عند السّرّاج، وأبي حمزة السّكّري عند ابن حبّان. وخلاصة القول في هذه المسألة أن المستحاضة يجب عليها الوضوء لكلّ صلاة؛ لصحّة الأمر به في هذا الحديث، وأما الغسل فلا يجب عليها إلا مرّة عند انقضاء حيضها، وأما في كلّ وقت فمن باب الاستحباب، كما أسلفنا تحقيقه، فتنبه لهذه الفوائد المهمّة، والله تعالى وليّ التوفيق. [تنبيه آخر]: أما رواية أبي معاوية التي أحالها المصنّف على رواية وكيع، فقد أخرجها البخاريّ: في «صحيحه»، فقال: (٢٢٨) حدثنا محمد - هو ابن سلام - قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حُبيش إلى النبيّ - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أُستحاض، فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «لا، إنما ذلكِ عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي»، قال: وقال أبي: «ثم توضئي لكل صلاة، حتى يجيء ذلك الوقت». انتهى. وأما رواية حماد بن زيد، فقد أخرجها النسائيّ: في «سننه»، فقال: (٢١٧) أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربيّ، قال: حدثنا حماد - وهو ابن زيد - عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - ﵂ - قالت: استُحِيضت فاطمة بنت أبي حبيش، فسألت النبيّ - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله، إني أُستحاض، فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال رسول الله - ﷺ -: «إنما ذلكِ عرق، وليست بالحيضة،
مصادر المؤلف (٩١)

١. وفي نسخة: «وليست».

٢. «الفتح» ١/ ٣٩٦.

٣. «شرح الكرمانيّ» ٢/ ٧٩.

٤. «الفتح» ١/ ٣٩٦.

٥. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» (٢/ ١٨٠)، شرح الزرقاني على الموطّأ«١/ ١٢١.

٦. راجع:«عمدة القاري»ببعض إصلاح ٣/ ٢١٢.

٧. تكبّرت.

٨. يقال: وُضِع في حسبه، فهو وضيع: لا قدر له.

٩. أي: قُبِل الحج.

١٠. وُثئت يده: إذا وَجِعت في العظم بلا كسر.

١١. أولع بالشيء: إذا عُلِّق به.

١٢. أخذته الرِّعْدة.

١٣. أي: افتخر.

١٤. عُني بالشيء: اهتمّ به، واحتَفَل.

١٥. أي: غُشي عليه.

١٦. أي: ظهر.

١٧. أي: خسِرَتْ.

١٨. تحيّرت.

١٩. أي: دُهِشت وتحيّرت.

٢٠. يقال: سقط في يده: زلّ، وأخطأ، ونَدِم، وتحيّر.

٢١. أي: حال دونه غيم رقيقٌ.

٢٢. أي: لم تلد.

٢٣. أصابهم الغشي.

٢٤. كغُشي وزنًا ومعنى.

٢٥. أي: بَطَل.

٢٦. أي: بطل، ولم يُثأر.

٢٧. أي: أسرعوا.

٢٨. أي: أُفشي، وانتشر.

٢٩. إذا سقط عن دابته، فكسرت عنقه.

٣٠. أي: لُهِيَت به.

٣١. أي: فَرَح.

٣٢. أي: أصابته الرهصة، وهي وَقْرة تصيب باطن حافره.

٣٣. شُغِفَ بالشيء: أُولع به.

٣٤. هما بمعنى، أي أخذه الدُّوار، وهو: بالضم والفتح: شبه الدوران يأخذ في الرأس. «ق».

٣٥. أي: ذهب عقله من لدغ الحيّة، أو تغيّر لونه من حُبّ، أو فَزَع، أو مرض. قاله في «القاموس» ١/ ٨٤.

٣٦. شُبّت النارُ: اشتعلت.

٣٧. انقطعت اليد بداء عَرَضَ لها.

٣٨. اشتدّ وجعه.

٣٩. دُهِشَ وشُغلَ، وحُيِّر.

٤٠. أصابها الفالج.

٤١. وَلَدت.

٤٢. أي: صُيِّرت ملكةً.

٤٣. تأخر حيضها عن وقته، فَرُجِيَ أنها حُبلى.

٤٤. قُنيت الجارية: منعت من اللعب مع الصبيان.

٤٥. أي: رمي بشيء.

٤٦. أصابها الثلج.

٤٧. ماتت فَجْأة.

٤٨. تغير لونه من حزن، أو فَزَع.

٤٩. زلّت، وأخطأت، وندمت.

٥٠. أي: احتبس ما في بطنه.

٥١. أصابها وجع الولادة.

٥٢. أصابها الزكام.

٥٣. احتبس ما في بطنه.

٥٤. أُولعت بالقول في الشيء.

٥٥. استُهترت بكذا: فُتنت به.

٥٦. تغيّر لونه.

٥٧. خسِرت.

٥٨. خُدعت.

٥٩. زُكِم.

٦٠. أي: أصابهم الدَّبُور.

٦١. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٣٧٩.

٦٢. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام»٢/ ١٨٠.

٦٣. «شرح الكرمانيّ على البخاري»٢/ ٧٩ - ٨٠.

٦٤. حديث حسنٌ، أخرجه أبو داود ٤/ ١١٢.

٦٥. «النهاية»٣/ ٢٠٠.

٦٦. «الإعلام» ٢/ ١٨١.

٦٧. «شرح النوويّ» ٤/ ٢١.

٦٨. راجع: ما كتبه محقق سنن الدارقطنيّ ١/ ٤٨٢ - ٤٨٣.

٦٩. راجع: «الفتح» ١/ ٤٨٨، و«شرح النوويّ» ٤/ ٢١.

٧٠. راجع: «المنهل العذب» ٣/ ٦٩.

٧١. «الفتح» ١/ ٤٨٨.

٧٢. «الفتح» ١/ ٣٩٦.

٧٣. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ١٨٢ - ١٨٣.

٧٤. «شرح النوويّ»٤/ ٢٢.

٧٥. «شرح النوويّ» ٤/ ٢١ - ٢٢.

٧٦. «الإعلام» ٢/ ١٨٣.

٧٧. حديث صحيح، أخرجه ابن ماجه في: «سننه» برقم (٣٠٢٩).

٧٨. راجع: «الإعلام» ٢/ ١٨٩ - ١٩٠.

٧٩. «الإعلام» ٢/ ١٨٦.

٨٠. «الفتح» ١/ ٤٨٨.

٨١. هو ما أخرجه ابن ماجه في سننه، فقال: (٦٢٤) حدثنا علي بن محمد، وأبو بكر بن أبي شيبة، قالا: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبيّ - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أُستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: «لا، إنما ذلكِ عرق، وليست بالحيضة، اجتنبي الصلاة أيام محيضك، ثم اغتسلي، وتوضئي لكل صلاة، وإن قطر الدم على الحصير».

٨٢. «الأوسط» ٢/ ٢١٨ - ٢٢٧.

٨٣. «صحيح سنن أبي داود» ٢/ ٣٠ - ٣٣.

٨٤. راجع: «المجتبى» ٤/ ١٧٨ - ١٨٤.

٨٥. «شرح النوويّ» ٤/ ١٧ - ٢٠.

٨٦. بالزاي، آخره راء.

٨٧. «شرح النوويّ» ٤/ ٢١، وراجع أيضًا كلام الجيّانيّ في: «التقييد» ٣/ ٧٩٤.

٨٨. «شرح النوويّ» ٤/ ٢١.

٨٩. «إكمال المعلم» ٢/ ١٧٦.

٩٠. «الفتح» ١/ ٣٩٧.

٩١. «الفتح» ١/ ٤١٨.