HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٤٢٥

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالَا: حدثنا محمد بن جعفر. حدثنا شعبة. قال: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عن النبي ﷺ؛ قال: «أَقِيمُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ. فَوَاللَّهِ! إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي. (وَرُبَّمَا قَالَ: مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي) إِذَا ركعتم وسجدتم».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص27
ج ١ ص ٣١٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٨ ص٤٩٧
٤٠٥ - ٤٠٦) بذكر بكر ، ثم ذكر أن مسلمًا رواه عن زهير بن حرب، عن يحيى بن سعيد، وعن أبي بكر، عن إسماعيل ابن علية، جميعًا، عن حميد. انتهى، ولم يُشِر إلى سقوط بكر من السند، فلو كان ساقطًا من سند المصنّف لنبّه عليه، كعادته. [الثالث]: أن أبا عوانة أخرجه في «مسنده» الذي هو مُستخرَج على «صحيح مسلم» أيضًا، فقال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: ثنا مسدّدٌ، ثنا بشر بن المفضّل، قال: ثنا حميد الطويل، قال: حدّثني بكر بن عبد الله، عن أبي رافع … إلخ، ولم يُشِر إلى سقوط شيء من السند. [الرابع]: أن الحافظ ابن حجر - وهو حَذَام الحفّاظ المحقّقين، ورأس المتقنين فيما ينقله، ويكتبه - كتب في «النكت الظراف على الأطراف» (١٠/ ٣٨٥)، ما نصّه: سقط «بكر بن عبد الله» في السند عند مسلم في أكثر النسخ من مسلم، وثبت في بعضها من رواية بعض المغاربة، وكذا هي عندي بخطّ أبي الحسن المراديّ الراوي عن الْفَرَاوِيّ. انتهى كلام الحافظ في «نكته» - ﵀ -. [الخامس]: أن أبا مسعود الدمشقيّ، وخَلَفًا الواسطيّ ذكرا أن مسلمًا أخرجه أيضًا كذلك؛ أي بذكر بكر بن عبد الله بين حميد، وأبي رافع، ذكر هذا ابن الملقّن في «شرح العمدة» . قال الجامع: فقد تبيَّن بما ذُكر أن هذا السند متّصلٌ، وليس فيه انقطاع من حيث الصناعة الحديثيّة، وإنما فيه إسقاط راو منه سهوًا، والظاهر أنه ممن بعد المصنّف؛ لما ذكرته من الأدلّة التي تقتضي أن مسلمًا رواه متّصلًا كما رواه البخاريّ، وأصحاب السنن الأربعة، وأحمد بن حنبل في «مسنده»، وغيرهم، بل ثبت في كتاب شيخه أبي بكر بن أبي شيبة، وأثبته صاحبا المستخرجين على كتابه: أبو عوانة، وأبو نعيم، دون تنبيه على أي سقوط من مسلم. وبناء على ما صحّ في بعض النسخ أثبتّه هنا مخالفًا أكثر النسخ؛ لكونه سقط منها غلطًا؛ فتبصّر، والله تعالى وليّ التوفيق. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أنَّهُ لَقِيَهُ النَّبِيَّ - ﷺ -) بالرفع على الفاعليّة، ووقع في بعض النسخ: «أنه لقي النبيّ - ﷺ -»، فيكون منصوبًا على المفعوليّة (فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَة، وَهُوَ جُنُبٌ) جملة في محلّ نصب على الحال. [تنبيه]: نقل ابن الملقّن في «شرح العمدة»: قال الترمذيّ الحكيم في «علَقَةً»: سُمّيت جنابةً؛ لأن ماء الرجل من ظهره، فإذا وصل إلى رحم المرأة، نزل الماء من ترائبها، يخرج من بين الصلب: يعني فَقَارَ الظهر، والترائب: يعني الصدر والثديين، فيختلط الماءان، فإن قضى الله من ذلك ولدًا جَمَد، وصار عَلَقَةً … إلى آخر ما أخبر الله تعالى، وإلّا غَلَب ماءُ الرجل ماء المرأة، فذهب كأنه لم يكن، وأكثر ما يكون ذلك من البرودة، وأما ما يصير به ولدًا، فيستوي الماءان في الرحم، وينزل ماء المرأة من ترائبها إلى بين جنبيها، ولو نزل ماؤها من ظهرها خرج لها شعر في وجهها كما يخرُج من الرجال، وأما الذي ينزل من المرأة من ترائبها الذي بين جنبيها، فإن كان ما ينزل من الجنب الأيمن أكثر وأغلب كان سعيدًا، واسع الرزق، حكيمًا يُشبه بالصفة أباه في اللون وغيره من الجسد، وإن كان الماء الذي ينزل إلى الجانب الأيمن أغلظ من الذي ينزل من الجانب الأيسر، كان الولد عامًا حكيمًا وسطًا في أمر الدنيا، وإن كان الماء الذي ينزل إلى الجانب الأيسر أغلب وأكثر، كان الولد شقيًّا موسّعًا عليه في الدنيا، وربما كان كافرًا، يشبه في الصفة واللون وغير ذلك في جسده أخواله، وإن كان الماء الذي ينزل إلى الجانب الأيسر أغلظ، كان الولد فاسقًا فاجرًا زانيًا فاحشًا متفحّشًا مقَتَّرًا عليه في الدنيا، يُروى ذلك عن عليّ - ﵁ -. فمن ذلك سُمّيت الجنابة جنابةً؛ لأن ماء الرجل إذا وصل إلى رحم المرأة نزل ماؤها إلى بين جنبيها، فيجتمع ثم ينزل إلى الرحم، ثم يَلحق بماء الرجل، قال: وقد قيل أيضًا: إنما سُمّيت الجنابة جنابةً؛ لقول حوّاء لَمّا جامعها آدم: وجدتُ لذّة ذلك بين جنبيّ إلى أن استقرّ ذلك فيّ. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى ما في هذه الحكاية من النكارة، والظاهر أنها من الإسرائيليّات، ولا يثبت عن عليّ - ﵁ - ولا عن غيره، وإنما نقلته للتنبيه عليه، والذي صحّ لدينا مما في «الصحيحين» وغيرهما قوله - ﷺ -: «وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة، نَزَع الولدَ، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد»، لفظ البخاريّ، وفي لفظ لمسلم: «إذا علا ماؤها ماء الرجل، أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه»، ونحو ذلك، لا كما ذكره الترمذيّ الحكيم بسياقه الغريب، فلا تغترّ به، والله تعالى الهادي سواءَ السبيل. (فَانْسَلَّ) أي ذهب عن النبيّ - ﷺ - في خُفْية، قال في «اللسان»: الانسلال: الْمُضيّ، والخروج من مَضِيق، أو زِحَامٍ، وانسَلَّ، وتسلَّل: انطلق في استخفاء، ويقال: انْسَل فلانٌ من بين القوم يَعْدُو: إذا خرج في خُفْيةٍ يَعْدُو. انتهى باختصار وتصرّف . ووقع عند البخاريّ: «فانخنست منه»، والانخناس: الانقباض والرجوع، وما قارب ذلك المعنى. يقال: خَنَسَ يُستعمل لازمًا ومتعدّيًا، ومن الأول: «إذا ذَكَر الله خَنَسَ، وإذا غَفَلَ وسوس» ، ومن الثاني: «وخَنَسَ إبهامه» ، أي قبضها. وقيل: إنه يقال: أخنسه في المتعدّي، حكاه صاحب «مجمع البحرين» . وقد رويت هذه اللفظة: «فانبجست منه» بالجيم، من الانبجاس، وهو الاندفاع: أي اندفعتُ عنه، ويؤيّده قوله في حديث آخر: «فانسللت منه»، ورُوي أيضًا: «فانبخست منه»، من البخس، وهو النقص، وقد استُبْعِدت هذه الرواية، ووُجّهت على بُعدها بأنه اعتَقَد نقصان نفسه بجنابته عن مجالسته - ﷺ -، أو مصاحبته مع اعتقاد نجاسة نفسه، هذا أو معناه، قاله ابن دقيق العيد - ﵀ - . وقوله: (فَذَهَبَ) عطف تفسير و«انسلّ» (فَاغْتَسَلَ، فَتَفَقَّدَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -) أي طلبه ليجالسه، ويُحادثه، وفي رواية النسائيّ: «ففقده النبيّ - ﷺ -»، ومعناه: عَدِمه، يقال: فَقَدته فَقْدًا، من باب ضرب، وفُقْدانًا بالكسر والضمّ: عَدِمْتُهُ، فهو فَقِيد، ومفقودٌ، وافتقدته مثله، وتفقّدته: طلبته، أفاده في «المصباح» بزيادة عليه . والمعنى: أنه - ﷺ - لم يجد أبا هريرة - ﵁ - بعدما أبصره عنده؛ لكونه ذهب يغتسل عن جنابته؛ لاعتقاده أنه نَجَسٌ بسببها، والله تعالى أعلم. (فَلَمَّا جَاءَهُ) أي جاء أبو هريرة النبيّ - ﷺ - من المكان الذي يغتسل فيه، وفي نسخة: «فلما جاء» (قَالَ) - ﷺ - مستفهمًا له عن سبب تغيّبه عن حضرته الشريفة («أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟»، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، لَقِيتَيي) بكسر القاف: أي صادفتني، يقال: لَقِيته ألقاه، من باب تَعِبَ لُقِيًّا بالضمّ، والأصلُ على فُعُول، فاجتمعت الواو والياء، فقُلبت الواو ياءً، ثمّ أُدغمت في الياء، ولُقًى بالضمّ مع القصر، ولقَاءً - بالكسر مع المدّ والقصر -، وكلُّ شيء استَقْبَل شيئًا، أو صادفه، فقد لَقِيه، ومنه لقاءُ البيت: وهو استقباله. انتهى من «المصباح» بإيضاح . (وَأنا جُنُبٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول (فَكَرِهْتُ) بكسر الراء، يقال: كَرِهته، من باب تَحِبَ كُرْهًا بضمّ الكاف، وفتحها: ضدّ أحببته، فهو مكروه . (أَنْ) بفتح الهمزة مصدريّة (أُجَالِسَكَ حَتَّى أَغْتَسِلَ) وللبخاريّ: «وأنا على غير طهارة»، وإنما كره أبو هريرة - ﵁ - مجالسته على تلك الحالة؛ لأنه - ﷺ - كان إذا لَقِيَ أحدًا من أصحابه ماسحه ودعا له، فقد أخرج النسائيّ عن حذيفة - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا لَقِيَ الرجل من أصحابه ماسحه ودعا له …» الحديث. فظنّ أنه سيفعل به ذلك، وهو على غير طهارة في ظنّه. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «سُبْحَانَ اللهِ) المراد به التعجّب من كون أبي هريرة اعتقد نجاسة نفسه بسبب الجنابة، وهذه اللفظة من المصادر الملازمة للنصب؛ كمعاذَ الله، وغُفْرانك، وشبههما، مما هو منصوب بفعل مقدّر، لا يجوز إظهاره. ومعناه تنزيه الله، وبراءته عن النقصان الذي لا يليق بجلاله وكماله. ويُستعمل مفردًا ومضافًا، فإذا أُفرد فمنهم من يُنوّنه، ومنهم من لا ينوّنه، فمن الأول قوله [من البسيط]: سُبْحَانَهُ ثُمَّ سُبْحَانًا أُسَبِّحُهُ … وَقَبْلَنَا سَبَّحَ الْجُودِيُّ وَالْجَمَدُ ومن الثاني قوله: أَقُولُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ … سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الْفَاخِرِ فمن ترك تنوينه جعله عَلَمًا، فمنعه من الصرف؛ للعلميّة وزيادة الألف والنون، ومَن نوّنه جعله نكرةً، وقيل: بل صرفه للضرورة، وأبعد من قال: إنه مقطوع عن الإضافة، ذكره ابن الملقن - ﵀ - . (إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ) يقال: نَجِسَ الشيءُ - بالكسر - يَنْجَسُ - بالفتح - ونَجُسَ - بالضمّ - يَنْجُسُ، قاله القرطبيّ. وقال النوويّ - ﵀ -: يقال: بضمّ الجيم وفتحها لغتان، وفي ماضيه لغتان، نَجِسَ ونَجُسَ، بكسر الجيم وضمّها، فمن كسرها في الماضي فتحها في المضارع، ومَن ضمّها في الماضي ضمّها في المضارع أيضًا، هذا قياس مطّرِدٌ عند أهل العربيّة إلا أحرفًا مستثناةً من المكسور. انتهى . قال القرافيّ: وحقيقة النجاسة أنها عبارةٌ عن تحريم ملابسة المستقذرات، فهي حكم شرعيّ، راجع إلى الأحكام الخمسة، وهي التحريم، والاستقذار هو التنجيس عملًا بالمناسبة. انتهى . والمعنى هنا: إن المؤمن لا تصير ذاته نَجِسة بسبب هذا الحدث الذي حَلَّ في بدنه؛ لأنه وصفٌ حكميّ رَتَّبه الشارع على البدن، ولا يتأثّر به بدن المؤمن أكثر من الحكم عليه بالمنع مما تَمنع الجنابة منه شرعًا، فالمجالسة والمماسّة لا تدخل في جملة ما مُنِعَ لها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائلُ تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ٨٣٠] (٣٧١)، و(البخاريّ) في «الغسل» (٢٨٣ و٢٨٥)، و(أبو داود) في «الطهارة» (٢٣١)، و(الترمذيّ) فيها (١٢١)، و(النسائيّ) فيها (١/ ١٤٥)، و(ابن ماجه) فيها (٥٣٤)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ١٧٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٣٥ و٣٨٢ و٤٧١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٢٥٩)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ١٣)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٩٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ١٨٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٧٧٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٨١٦ و٨١٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن بدن المسلم لا ينجس بحال من الأحوال، سواء كان جنبًا أو محدثًا، حيًّا أو ميتًا، وإن تنجّس بدنه أو بعض منه، فهي نجاسة عارضة تزول عنه، وكذا سؤره، وعَرَقُهُ، ولُعَابه، ودمعه. ٢ - (ومنها): بيان جواز مماسّة الجنب، ومجالسته. ٣ - (ومنها): أن ابن حزم استدلّ بمفهومه على نجاسة الكافر، وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٤ - (ومنها): استحباب الطهارة عند ملابسة الأمور المعظمة؛ لأن محلّ إنكاره - ﷺ - على أبي هريرة - ﵁ - قوله: «وأنا على طهارة»، لا قوله: «فكرهت أن أجالسك». ٥ - (ومنها): استحباب احترام أهل الفضل وتوقيرهم، ومصاحبتهم على أكمل الهيئات، وأحسن الصفات. وقد استحبّ العلماء لطالب العلم أن يُحَسِّن حاله في حال مجالسة شيخه، فيكون متطهرًا متنظفًا بإزالة الشعور المأمور بإزالتها، وقَصِّ الأظفار، وإزالة الروائح الكريهة، والملابس المكروهة، وغير ذلك، فإن ذلك من إجلال العلم والعلماء، قاله النوويّ - ﵀ - . ٦ - (ومنها): أن العالم إذا رأى من تابعه أمرًا يَخاف عليه فيه خلاف الصواب، سأله عنه، وإن لم يسأله، وبيّن له صوابه، وأوضح له حكمه. ٧ - (ومنها): استحباب استئذان التابع للمتبوع، إذا أراد أن يفارقه؛ لقوله - ﷺ -: «أين كنت؟»، فأشار إلى أنه كان ينبغي له أن لا يفارقه حتى يعلمه. ٨ - (ومنها): جواز تأخير الجنب الاغتسالَ عن أول وقت وجوبه، وأن له أن ينصرف في حوائجه، وأموره قبل الاغتسال. ٩ - (ومنها): جواز التعجّب بـ «سبحان الله»، وأن ذلك لا يُعدّ سوء أدب مع التنزيه، وكأن في المعنى تذكيرًا لمن تُعُجّب من فعله المخالف بالرجوع إلى الله تعالى، وتنزيهه . ١٥ - (ومنها): أن الإمام البخاريّ - ﵀ - استدل به في «صحيحه» على طهارة عَرَق الجنب؛ لأن بدنه لا ينجس بالجنابة، فكذلك ما تَحَلَّب منه، وعلى جواز تصرُّف الجنب في حوائجه قبل أن يغتسل. ١١ - (ومنها): أن الإمام ابن حبان - ﵀ - بَوَّبَ عليه في «صحيحه»، فقال: «الردُّ على من زعم أن الجنب إذا وقع في البئر، فنَوَى الاغتسال أن ماء البئر ينجس» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في طهارة المسلم حيًّا وميتًا، وهل الكافر نجسٌ أم لا؟: قال النوويّ - ﵀ -: هذا الحديث أصل عظيم في طهارة المسلم حيًّا وميتًا، فأما الحيّ فطاهر بإجماع المسلمين حتى الجنين إذا ألقته أمه، وعليه رطوبة فرجها، قال بعض أصحابنا: هو طاهر بإجماع المسلمين، قال: ولا يجيء فيه الخلاف المعروف في نجاسة رطوبة فرج المرأة، ولا الخلاف المذكور في كتب أصحابنا في نجاسة ظاهر بيض الدجاج ونحوه، فإن فيه وجهين بناءً على رطوبة الفرج. هذا حكم المسلم الحيّ. وأما الميت ففيه خلاف للعلماء، وللشافعيّ فيه قولان: الصحيح منهما أنه طاهر، ولهذا غُسِل، ولقوله - ﷺ -: «إن المسلم لا ينجس»، وذكر البخاريّ في «صحيحه» عن ابن عباس تعليقًا: «المسلم لا ينجس حيًّا ولا ميتًا»، هذا حكم المسلم. وأما الكافر فحكمه في الطهارة والنجاسة حكم المسلم، هذا مذهبنا، ومذهب الجماهير من السلف والخلف، وأما قول الله - ﷿ - ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، فالمراد نجاسة الاعتقاد، والاستقذارُ، وليس المراد أن أعضاءهم نجسةٌ كنجاسة البول والغائط ونحوهما، فماذا ثبتت طهارة الآدميّ مسلمًا كان أو كافرًا، فعَرَقه ولعابه ودمعه طاهرات، سواء كان مُحدِثًا، أو جنبًا، أو حائضًا أو نفساء، وهذا كله بإجماع المسلمين. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «بإجماع المسلمين» فيه نظر؛ لأن مذهب الظاهريّة نجاسة عين الكافر، فتنبّه. قال: وكذلك الصبيان أبدانهم وثيابهم ولعابهم محمولة على الطهارة، حتى تُتَيَقَّن النجاسة، فتجوز الصلاة في ثيابهم، والأكل معهم من المائع، إذا غمسوا أيديهم فيه، ودلائل هذا كله من السنة والإجماع مشهورة. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . وقال أبو محمد بن حزم - ﵀ -: إن الكافر نجس العين، واحتجّ بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]. وأجاب الجمهور عن الحديث بأن المراد أن المؤمن طاهر الأعضاء؛ لاعتياده مجانبة النجاسة، بخلاف المشرك لعدم تحفّظه عن النجاسة، وعن الآية بأن المراد أنهم نجس في الاعتقاد والاستقذار. وحجتهم أن الله تعالى أباح نكاح نساء الكتاب، ومعلوم أن عَرَقَهنّ لا يَسلَم منه مَن يُضاجعهنّ، ومع ذلك فلم يجب عليه من غسل الكتابيّة إلا مثلُ ما يجب عليه من غسل المسلمة، فدلّ على أن الآدميّ الحيّ ليس بنجس العين؛ إذ لا فرق بين النساء والرجال، وأغرب القرطبيّ في «الجنائز» من «شرح مسلم»، فنسب القول بنجاسة الكافر إلى الشافعيّ، قاله في «الفتح» . وقال الصنعانيّ - ﵀ -: ذهب قوم إلى أنه ينجس بالموت، ويطهر بالغسل، وآخرون إلى أنه لا يطهّره الغسل، بل الغسل مجرّد تعبّد، وآخرون إلى أنه لا ينجس بالموت، بل هو طاهر، وهذا الأخير أظهر الأقوال، وألصقها بالصواب؛ لعدم الأدلّة على خلافه، إلا عمومات تحريم أكل الميتة، ولا ملازمة بين تحريم الأكل والنجاسة، فإنه يحرم أكله حيًّا، وهو طاهر الذات اتّفاقًا، والأصل بقاؤه بعد الموت على ما كان عليه قبله. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الجمهور من أن الآدميّ طاهر مطلقًا، مسلمًا كان، أو كافرًا هو الحقّ؛ للأدلّة التي تقدّمت، وأقواها جواز نكاح الكتابيّات، وجواز أكل طعامهم، وربط النبيّ - ﷺ - ثُمامة بن أُثال الحنفيّ في مسجد حين أُسِر، وقد ترجم الإمام البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»: «باب دخول المشرك المسجدَ»، فأورد حديث أبي هريرة - ﵁ -: «بَعَثَ رسول الله - ﷺ - خيلًا قِبَل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له: ثُمامة بن أُثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد»، متّفقٌ عليه. ففيه دلالة واضحة على طهارته؛ إذ لو كان نجسًا لما أدخله المسجد، ولَأمَر الصحابة الذين ربطوه بغسل أعضائهم لمسّه. وأما آية ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ فمحمولة على نجاسة الاعتقاد، كما تقدّم آنفًا؛ توفيقًا بين الأدلّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٣١] (٣٧٢) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْب، قَالَا: حَدَّثنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، أَنَّ رَسُول اللهِ - ﷺ - لَقِيَهُ، وَهُوَ جُنُبٌ، فَحَادَ عَنْهُ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: كُنْتُ جُنُبًا، قَالَ: «إِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ الحافظ، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الهمدانيّ الكوفيّ، أحد مشايخ الستّة بلا واسطة، تقدّم قريبًا أيضًا. ٣ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرُّؤَاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة حافظ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٤ - (مِسْعَر) بن كِدَام بن ظُهَير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ٥ - (وَاصِل) بن حيّان الأحدب الأسديّ الكوفيّ، بيّاع السابريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٢/ ٢٧٩. ٦ - (أَبُو وَائِل) شقيق بن سلمة المذكور في الباب الماضي. ٧ - (حُذَيْفَة) بن اليمان، واسمه حِسْل، أو حُسَيل الْعَبْسيّ، حليف الأنصار الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات سنة (٣٦) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٥٧. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسلٌ بالكوفيين، إلا أن حذيفة - ﵁ - كان معظم مقامه بالمدائن. وقوله: (فَحَادَ عَنْهُ) أي مال، وعدل، يقال: حاد عن الشيء يَحِيد حَيْدَةً وحُيُودًا: تَنَحَّى، وبَعُدَ، ويتعدّى بالحرف والهمزة، فيقال: حِدتُ به، وأحدته، مثلُ: ذهب، وذهبت به، وأذهبته، قاله في «المصباح» . والمعنى: أن حذيفة - ﵁ - مال عن طريق النبيّ - ﷺ -؛ لئلا يصافحه على عادته - ﷺ -، كما بينته رواية النسائيّ، فقد أخرج الحديث من طريق أبي بردة، عن حذيفة - ﵁ -، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا لَقِيَ الرجل من أصحابه ماسحه ودعا له، قال: فرأيته يومًا بُكْرَةً، فَحِدتُ عنه، ثم أتيته حين ارتفع النهار، فقال: «إني رأيتك، فَحِدت عنّي»، فقلت: إني كنت جنبًا، فخَشِيت أن تَمَسَّني، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن المسلم لا ينجس»، وتمام شرح الحديث يُعلم مما قبله. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حُذيفة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ٨٣١] (٣٧٢)، و(أبو داود) في «الطهارة» (٢٣٠)، و(النسائيّ) فيها (١/ ١٤٥)، و(ابن ماجه) فيها (٥٣٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٢٥٨ و١٣٦٩ و١٣٧٠)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ١٧٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٧٧٥ و٧٧٦ و٧٧٧ و٧٧٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٨١٨ و٨١٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٩) - (بَابُ مَشْرُوعِيَّةِ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى فِي حَالِ الْجَنَابَةِ وَغَيْرِهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٣٢] (٣٧٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ الْبَهِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) المذكور في السند الماضي. ٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد التميميّ، أبو إسحاق الفرّاء الرازيّ الملقّب بالصغير، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت بعد ٢٢٠) (ع) تقدم في«الحيض»٧/ ٧٢١. ٣ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة، الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) (ع) تقدم في«الإيمان»٥/ ١٢١. ٤ - (أَبُوهُ) هو: زكريّا بن أبي زائدة خالد، أو هُبيرة بن ميمون بن فَيْرُوز الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ يُدلّس [٦] (ت ٧ أو ٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في«الإيمان» ٨٣/ ٤٤٩. ٥ - (خَالِدُ بْنُ سَلَمَةَ) بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزوميّ، أبو سلمة، ويقال: أبو الْمِقْسَم الكوفيّ، مدنيّ الأصل المعروف بالفأفاء، ثقةٌ [٥]. رَوَى عن عبد الله الْبَهِيّ، وعيسى، وموسى ابني طلحة بن عبيد الله، وسعيد بن المسيِّب، وأبي بردة بن أبي موسى، والشعبيّ، وغيرهم. ورَوى عنه أولاده: عكرمة، ومحمد، وعبد الرحمن، والسفيانان، وشعبة، ومِسْعَر، وزائدة، وزكرياء بن أبي زائدة، وابنه يحيى بن زكريا، وحماد بن زيد، وغيرهم، وحَدَّث عنه عمرو بن دينار، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهما أكبر منه. قال البخاريّ عن ابن المدينيّ: له نحو عشرة أحاديث، وقال أحمد، وابن معين، وابن المدينيّ: ثقة، وكذا قال ابن عمار، ويعقوب بن شيبة، والنسائيّ، وقال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه، وقال ابن عديّ: هو في عداد من يُجْمَع حديثه، ولا أرى بروايته بأسًا، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن سعد: هَرَب من الكوفة إلى واسط لَمّا ظهرت دعوة بني العباس، فقُتِل مع ابن هُبَيرة، وقال محمد بن حميد، عن جرير: كان الفأفاء رأسًا في المرجئة، وكان يُبغِض عليًّا ، وقال يعقوب بن شيبة: يقال: إن بعض الخلفاء قَطَع لسانه ثم قتله، ذكره علي بن المديني يومًا فقال: قُتِل مظلومًا، وقال أبو داود، عن الحسن بن عليّ الخلال: سمعت يزيد بن هارون يقول: دَخَلت الْمُسَوِّدة واسط سنة (١٣٢) فنادى مناديهم بواسط: الناس آمنون إلا ثلاثة: العَوّام بن حَوْشَب، وعُمَر بن ذَرّ، وخالد بن سلمة المخزوميّ، فأما خالد فقُتل، وأما العَوّام فهَرَب، وكان يُحَرِّض على قتالهم، وكان عُمر بن ذَرّ يقُصّ بهم، ويُحَرِّض على قتالهم عندنا بواسط. أخرج له البخاريُّ في «الأدب المفرد»، والمصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٦ - (الْبَهِيُّ) - بفتح الموحّدة، وكسر الهاء، وتشديد التحتانيّة - اسمه عبد الله، ويقال: اسم أبيه يسار، أبو محمد الكوفيّ، مولى مُصعَب بن الزبير، صدوقٌ يُخطئ [٣]. رَوَى عن عائشة، وفاطمة بنت قيس، وأبي سعيد الخدريّ، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد خير الْهَمْدانيّ، وأبي عبد الله الصُّنَابحيّ، وعروة. وروى عنه خالد بن سلمة، وأبو إسحاق السبيعيّ، وإسماعيل بن أبي خالد، وإسماعيل السُّدّيّ، والعباس بن ذُريح، ووائل بن داود، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقةً معروفًا بالحديث، وقال أحمد في حديث زائدة، عن السُّديّ، عن الْبَهِيّ، حدثتني عائشة: كان عبد الرحمن بن مهديّ قد سمعه من زائدة، وكان يَدَع منه «حدثتني عائشة»، وينكره؛ يعني ينكر لفظة «حدثتني»، قال أحمد: والبهيّ سمع عائشة، ما أرى هذا شيئًا، إنما يروي عن عروة، وقال ابن أبي حاتم في «العلل» عن أبيه: لا يُحْتَجُّ بالبهيّ، وهو مضطرب الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والمصنّف، والأربعة. و«عُرْوَةُ» بن الزبير، و«عائشة» تقدّما قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى البهيّ، غير شيخه إبراهيم، فرازيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: خالد، عن البهيّ، عن عروة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ - أنها (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ) أي كلّ أوقاته، فـ«على» بمعنى «في»، و«الأحيان» بالفتح جمع حين، وهو الوقت، قال الفيّوميّ - ﵀ -: «الحين»: الزمان قَلَّ أو كَثُر، والجمع أحيان، قال الفرّاء: الحين حِينان: حينٌ لا يُوقَف على حدّه، والحين الذي في قوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٥] ستة أشهر، قال أبو حاتم: وغَلِطَ كثيرٌ من العلماء، فجعلوا «حين» بمعنى «حيثُ»، والصواب أن يقال: «حيثُ» بالثاء المثلّثة ظرف مكان، و«حينٌ» بالنون ظرف زمان، فيقال: قُمتُ حيثُ قمتَ؛ أي في الموضع الذي قُمت فيه، واذهب حيثُ شِئتَ؛ أي إلى أيّ موضع شئتَ، وأما حين بالنون، فيقال: قمتُ حين قمتَ: أي في ذلك الوقت، ولا يقال: حيثُ خرج الحاجّ بالثاء المثلّثة. وضابطه أن كلَّ موضع حَسُنَ فيه «أينَ»، و«أيٌّ» اختَصّ به حيثُ بالثاء، وكلُّ موضع حسُن فيه «إذا»، و«لَمّا» و«يومٌ»، و«وقت»، وشبهه اختَصَّ به «حينٌ» بالنون. انتهى . قال النوويّ - ﵀ -: هذا الحديث أصلٌ في جواز ذكر الله تعالى بالتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد وشبهها من الأذكار، وهذا جائز بإجماع المسلمين، وإنما اختلف العلماء في جواز قراءة القرآن للجنب والحائض، فالجمهور على تحريم القراءة عليهما جميعًا، ولا فرق عندنا بين آية وبعض آية، فإن الجميع يَحْرُم، ولو قال الجنب: «بسم الله»، أو «الحمد لله»، ونحو ذلك إن قَصَد به القرآن حَرُم عليه، وإن قَصَد به الذكر أو لم يَقصِد شيئًا، لم يحرُم، ويجوز للجنب والحائض أن يُجريا القرآن على قلوبهما، وأن ينظرا في المصحف، ويستحب لهما إذا أرادا الاغتسال أن يقولا: «بسم الله» على قصد الذكر. قال الجامع عفا الله عنه: مسألة قراءة القرآن للجنب والحائض قد حقّقته في «شرح النسائيّ»، ورجّحت الجواز، وهو مذهب ابن عبّاس، وعكرمة، وسعيد بن المسيّب، والبخاريّ، والطبريّ، وابن المنذر، وحجتهم حديث عائشة - ﵂ - هذا، وحجة من منع - وهم الجمهور - أحاديث كلها ضعيفة، وقد استوفيت بيانها هناك، فراجعه تستفد علمًا جمًّا ، والله تعالى أعلم. قال: (واعلم): أنه يكره الذكر في حالة الجلوس على البول والغائط، وفي حالة الجماع، وقد قدمنا بيان هذا قريبًا في آخر «باب التيمم»، وبيّنا الحالة التي تُسْتَثنى منه، وذكرنا هناك اختلاف العلماء في كراهته، فعلى قول الجمهور أنه مكروه يكون الحديث مخصوصًا بما سوى هذه الأحوال، ويكون معظم المقصود أنه - ﷺ - كان يذكر الله تعالى متطهرًا، ومحدثًا، وجنبًا، وقائمًا، وقاعدًا، ومضطجعًا، وماشيًا. انتهى كلام النوويّ - ﵀ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. [تنبيه]: قال الحافظ ابن عبد الهادي المقدسيّ في تعليقه على «علل ابن أبي حاتم»: قال الحافظ أبو أحمد بن عديّ - ﵀ - في «كتابه»الكامل«في ترجمة خالد بن سلمة الفأفاء: حدّثنا أبو عروبة، ثنا أبو كريب، ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن أبيه، عن خالد بن سلمة، عن الْبَهِيّ، عن عروة، عن عائشة:»كان النبيّ - ﷺ - يذكر الله على كل أحيانه«. رواه مسلم في«صحيحه»عن أبي كُريب، ورواه أبو داود أيضًا عن أبي كريب، ورواه الترمذيّ عن أبي كريب، ومحمد بن عُبيد المحاربيّ، عن يحيى بن زكريّا، ورواه ابن ماجه عن سُويد بن سعيد، عن يحيى بن زكريّا، ورواه ابن خزيمة في«صحيحه» عن أبي كريب، وعليّ بن مسلم، عن ابن أبي زائدة. وقد روي من غير حديث يحيى، فرواه الإمام أحمد بن حنبل، عن الوليد بن القاسم، عن زكريّا، ورواه هارون بن معروف، عن إسحاق الأزرق، عن زكريا. وقال ابن عديّ - بعد أن رواه -: وحديث يحيى بن زكريّا، عن أبيه، عن خالد يرويه عن خالد زكريّا بن أبي زائدة، ثم قال: ولخالد بن سلمة غيرُ ما ذكرت من الحديث، وهو في عِداد من يُجْمَعُ حديثه، وحديثه قليلٌ، ولا أرى برواياته بأسًا. وقال الإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعليّ بن المدينيّ، ومحمد بن عبد الله بن عمّار، ويعقوب بن شيبة، والنسائيّ: خالد بن سلمة ثقةٌ، وقال أبو حاتم: شيخٌ يُكتب حديثه، وذكره أبو حاتم ابن حِبَان في كتاب «الثقات»، وقال البخاريّ، عن عليّ بن المدينيّ: له نحو عشرة أحاديث، وقال محمد بن حُميد الرازيّ، عن جرير: كان خالد بن سلمة الفأفاء رأسًا في المرجئة، وكان يُبغض عليًّا . وقال ابن أبي حاتم: سألتُ أبا زرعة عن حديث خالد بن سلمة، عن البهيّ، عن عروة، عن عائشة، قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يذكر الله على كلّ أحيانه»، فقال: ليس بذاك، هو حديثٌ لا يُروى إلا من هذا الوجه، فذكرتُ قولَ أبي زرعة لأبي - ﵀ -، فقال: الذي أرى أن يذكر الله على كلّ حال على الكنيف وغيره على هذا الحديث، والله أعلم وأحكم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: كلام أبي حاتم - ﵀ - هذا يدلّ على أنه يصحّح هذا الحديث، حيث استنبط منه الحكم المذكور، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٨٣٢] (٣٧٣)، وعلّقه (البخاريّ) في «صحيحه» (١/ ٤٠٧ و٢/ ١١٤) وفي «الأذان» (٢/ ١١٤)، وأخرجه (أبو داود) في «الطهارة» (١٨)، و(الترمذيّ) في «الدعاء» (٣٣٨٤)، و(ابن ماجه) في «الطهارة» (٣٠٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٧٠ و١٥٣ و٢٧٨)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٥٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٨٠٢)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٤٦٩٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٩٠)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢٧٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥٧٨)، و(أبو نُعيم) في «مستخرجه» (٨١٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٠) - (بَابُ جَوَازِ أَكْلِ الْمُحْدِثِ الطَّعَامَ، وَأنهُ لَا كَرَاهَةَ في ذَلِكَ، وَأَنَّ الْوُضُوءَ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ) وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٣٣] (٣٧٤) - (حَدَّثنَا يَحْيىَ بْنُ يَحْيىَ التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، قَالَ يَحْيى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، وَقَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثنَا حَمَّاد، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُويرِثِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَن النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ مِنَ الْخَلَاء، فَأُتيَ بِطَعَامٍ، فَذَكَرُوا لَهُ الْوُضُوءَ ، فَقَالَ: «أُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ، فَأتوَضَّأَ؟»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٢ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٠. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) بن درهم الأزديّ الْجَهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٦. ٤ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارِ) الأثرم الْجُمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢١/ ١٨٤. ٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْحُويرِثِ) ويقال: ابن أبي الْحُوَيرث مولى السائب، أبو يزيد المكيّ، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن ابن عباس - ﵄ -، وعنه ابن جريج، وعمرو بن دينار. قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: كنيته أبو يزيد. تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، في «الشمائل»، والنسائيّ، وله عندهم هذا الحديث فقط، وكرّره المصنّف هنا أربع مرّات. ٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) الحبر البحر - ﵄ -، تقدّم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه شيخان قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عمرو، عن سعيد، وهو من رواية الأقران؛ لأن كليهما من الطبقة الرابعة. ٣ - (ومنها): أن فيه قوله: «قال يحيى: أخبرنا …» إلخ، ومعنى ذلك أن شيخيه اختَلَفا في صيغ الأداء، فقال يحيى بن يحيى: «أخبرنا حماد بن زيد»، فعبّر بـ«أخبرنا»؛ لكونه سمعه من حمّاد بقراءة غيره عليه، ونسب حمادًا إلى أبيه، وقال أبو الربيع: «حدّثنا حماد»، فعبّر بـ «حدّثنا»؛ لكونه سمعه من لفظه، وأيضًا لم ينسب حمادًا إلى أبيه، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُويرِثِ) وفي الرواية الآتية: «أنه سمعه من سعيد بن الحويرث» (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ -، وفي الرواية التالية: «سمعت ابن عبّاس» (أَن النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ مِنَ الْخلَاءِ) بالفتح، والمدّ، كالفضاء وزنًا ومعنًى، والخلاء أيضًا: الْمُتَوَضّأ ، ويقال: الخلاء في الأصل: الموضع الخالي، وسُمّي به موضع قضاء الحاجة؛ لأنهم كانوا يقصدون الموضع الخالي للحاجة، وخروجه - ﷺ - من الخلاء مشعرٌ بأنه كان موضعًا مهيّأ لذلك، بحيث يدخل إليه صاحب الحاجة، ويخرج منه (فَأُتيَ بِطَعَامٍ) ببناء الفعل للمفعول، والتعبير بالفاء للإشارة إلى الترتيب والتعقيب، وعدم الفصل بين الخروج من الخلاء، والإتيان بالطعام بوضوء، وفي رواية أبي عوانة: «خرج من الخلاء، فأتي بعَرْقٍ، فأكل منه، ولم يتوضّأ» (فَذَكَرُوا لَهُ الْوُضُوءَ) وفي نسخة: «فذُكر له الوضوء» بالبناء للمفعول، وهو معطوف على محذوف؛ أي فأقبل على الطعام، فظنّوا أنه نسي أن يتوضّأ قبل أن يأكل، فذكروه له فقالوا: «يا رسول الله ألا تتوضّأ؟»، وفي رواية: «إنك لم تَوَضّأ» (فَقَالَ) - ﷺ - («أُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ) الكلام على الاستفهام، والأصل: أأريد أن أُصلّي (فَأتوَضَّأَ؟») والاستفهام للإنكار، بمعنى النفي؛ أي لا أريد أن أُصلّي، حتى أتوضّأ . وقال النوويّ - ﵀ -: معناه: الوضوء يكون لمن أراد الصلاة، وأنا لا أريد أن أصلي، الآن، والمراد بالوضوء الوضوء الشرعيّ، وحمله القاضي عياض على الوضوء اللغويّ، وجعل المراد غسل الكفين، وحَكَى اختلاف العلماء في كراهة غسل الكفين قبل الطعام، واستحبابه، وحَكَى الكراهة عن مالك، والثوريّ - رحمهما الله تعالى - والظاهر ما قدمناه أن المراد الوضوء الشرعيّ. انتهى كلام النوويّ، وهو تحقيقٌ حسن، والله ﷾ أعلم. [تنبيه]: قوله: «فأتوضّأَ» منصوب بـ «أن» مضمرةً وجوبًا بعد الفاء السببيّة، كما قال في «الخلاصة»: وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ «أَنْ» وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠/ ٨٣٣ و٨٣٤ و٨٣٥ و٨٣٦] (٣٧٤)، و(أبو داود) في «الأطعمة» (٣٧٦٠)، و(الترمذيّ) فيها (١٨٤٧) وفي «الشمائل» (١٨٧)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ١٠٧ و١٠٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٢٠٨)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢٨٣٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٧٦٦ و٧٦٧ و٧٦٨ و٧٦٩ و٧٧٠ و٧٧١ و٧٧٢)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٨٢٠ و٨٢١ و٨٢٢ و٨٢٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز أكل المحدث الطعامَ، وأنه لا كراهة في ذلك، قال النوويّ - ﵀ -: (اعلم) أن العلماء مُجْمِعون على أن للمحدث أن يأكل، ويشرب، ويذكر الله - ﷾ -، ويقرأ القرآن، ويُجامِع، ولا كراهة في شيء من ذلك، وقد تظاهرت على هذا كله دلائل السنة الصحيحة المشهورة، مع إجماع الأمة، وقد قدَّمنا أن أصحابنا رحمهم الله تعالى اختَلَفوا في وقت وجوب الوضوء: هل هو بخروج الحدث، ويكون وجوبًا مُوَسَّعًا، أم لا يجب إلا بالقيام إلى الصلاة، أم يجب بالخروج والقيام؟ فيه ثلاثةُ أوجه، أصحها عندهم الثالث، والله تعالى أعلم. انتهى . ٢ - (ومنها): بيان أن الوضوء ليس على الفور، بل إنما يجب عند إرادة القيام إلى الصلاة مع الحدث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٣٤] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُويرِثِ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَجَاءَ مِنَ الْغَائِطِ، وَأُتِيَ بِطَعَام، فَقِيلَ لَهُ: ألَا تَوَضَّأُ؟ فَقَالَ: «لِمَ؟ أَأُصَلِّي ، فَأَتَوَضَّأ؟»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران ميمون الْهِلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقة ثبتٌ حافظ فقيهٌ حجة، أثبت الناس في عمرو بن دينار، من كبار [٨] (ت ١٩٨) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٣. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (فَجَاءَ مِنَ الْغَائِطِ) «الغائط» في الأصل: المطمئنّ الواسع من الأرض، والجمع غِيطان، وأَغْوَاط، وغُوطٌ، ثم أُطلق الغائط على الخارج الْمُسْتَقْذَر من الإنسان؛ كراهية لتسميته باسمه الخاصّ؛ لأنهم كانوا يَقضُون حوائجهم في المواضع الْمُطْمَئِنّة، فهو من مجاز المجاورة، ثم توسّعوا فيه حتى اشتقّوا منه، وقالوا: تَغَوّط الإنسان، قاله الفيّوميّ . وقوله: (ألَا تَوَضَّأُ؟) أصله «ألا تتوضّأ» حُذفت منه إحدى التاءين، كما سبق قريبًا، و«ألا» للعرض. وقوله: (لِمَ؟) بكسر اللام، وفتح الميم، هي «ما» الاستفهاميّة حُذفت ألفها لكونها مجرورة بالحرف، كما قال في «الخلاصة»: وَ«مَا» فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ … أَلِفُهَا وَأَوْلهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ وقوله: (أَأُصَلِّي) وفي نسخة: «أُصلّي» بهمزة واحدة، أي بحذف همزة الاستفهام، و«أُصلي» بإثبات الياء في آخره، والحديث من أفراد المصنّف - ﵀ -، وقد تقدّمت مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٣٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُويرِث، مَوْلَى آلِ السَّائِب، أنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ : ذَهَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى الْغَائِط، فَلَمَّا جَاءَ قُدِّمَ لَهُ طَعَامٌ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ ، ألا تَوَضَّأُ؟ قَالَ: «لِمَ؟ أَلِلصَّلَاةِ؟»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ) يُعَدُّ في المكيين، واسم جدّه سوس، وقيل: سوسن - بزيادة نون في آخره - وقيل: بتحتانيّة بدل الواو فيهما، وقيل: مثل حُنين، صدوقٌ يُخطئ [٨]. رَوَى عن إبراهيم بن ميسرة، وعمرو بن دينار، وابن جريج، وأيوب بن موسى، وابن أبي نَجِيح، وعبد الله بن طاوس، وغيرهم. ورَوَى عنه ابن المبارك، وعبد الوهاب الثقفيّ، وعبد الرحمن بن مهديّ، وعبد الرزاق، والهيثم بن جَميل، وموسى بن داود الضبيّ، ومعن بن عيسى، وسعيد بن سليمان الواسطيّ، وأبو مسهر، ومحمد بن سِنَان الْعَوَقيّ، ويحيى بن يحيى، وأحمد بن يونس، وأبو نعيم، والقعنبيّ، وقتيبة بن سعيد، وآخرون. قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ما أضعف حديثه، وقال عباس الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقةٌ لا بأس به، وابن عيينة أثبت منه، وكان إذا حَدَّث من حفظه يخطئ، وإذا حَدَّث من كتابه فليس به بأس، وابن عيينة أوثق منه في عمرو بن دينار، ومحمد بن مسلم أحبّ إليّ من داود العطار في عمرو، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وقال حجاج بن الشاعر، عن عبد الرزاق: ما كان أعجب محمد بن مسلم إلى الثوريّ، وقال البخاريّ عن ابن مهديّ: كتبه صِحَاح، وقال أبو داود: ليس به بأس، وقال الميمونيّ: ضعّفه أحمد على كلّ حال من كتاب وغير كتاب، وقال ابن حبان - ﵀ - لَمّا ذكره في «الثقات»: يخطئ، وقال العجليّ، وأبو داود: ثقةٌ، وقال الساجيّ: صدوقٌ يَهِم في الحديث، رَوَى عن عمرو بن دينار حديثًا يَحتجّ به القدرية، لم يروه غيره، فأحسبه اتُّهِم بالقدر لروايته، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة لا بأس به، وإن كان ابن عيينة أحبّ منه. وذكره ابن حبان في «الثقات»، وذكر له ابن عديّ أحاديث، وقال: له أحاديث حِسَان غرائب، وهو صالح الحديث، لا بأس به، ولم أر له حديثًا منكرًا. أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديث واحد برقم (٣٧٤). والباقون تقدّموا قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٣٦] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ حُوَيْرِثٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَضَى حَاجَتَهُ مِنَ الْخَلَاء، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامٌ، فَأَكَلَ وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً . قَالَ: وَزَادَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِث، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ لَمْ تَوَضَّأْ، قَالَ: «مَا أَرَدْتُ صَلَاةً، فَأَتوَضَّأَ»، وَزَعَمَ عَمْرٌو، أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ) بن أبي رَوّاد الْعَتَكيّ، أبو جعفر البصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٣٤) (م د) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٤٨. ٢ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضحّاك بن مَخْلَد بن الضحّاك الشيبانيّ، النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٩. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، يدلّس، ويُرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٩. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً) تقدّم أنه بفتح الميم، مضارع مسّ يَمَسّ، من باب تَعِبَ، ويجوز يَمُسّ بضمّ الميم، من باب نصر. وقوله: (قَالَ: وَزَادَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) القائل: «وزادني» هو ابن جُريج، كما بيّنه الحافظ المزّي في «الأطراف» . وقوله: (إِنَّكَ لَمْ تَوَضَّأْ) أصله «لم تتوضّأ» بتاءين، فحُذفت إحداهما؛ تخفيفًا، كما تقدّم بيانه قريبًا. وقوله: (فَأَتَوَضَّأَ) بالنصب بعد فاء السببيّة في جواب النفي، أي في قوله: «ما أردتُ صلاةً». وقوله: (وَزَعَمَ عَمْرٌو) المراد بالزعم هنا القول المحقّق. وقوله: (أَنَّهُ سَمِعَ) بحذف ضمير المفعول، ووقع في نسخة: «أنه سمعه» بإثباته؛ أي سمع هذا الحديث من سعيد بن الحويرث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾. (٣١) - (بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا أَرَادَ دُخُولَ الْخَلَاءِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٣٧] (٣٧٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَالَ يَحْيَى أَيْضًا: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، فِي حَدِيثِ حَمَّادٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ؛ وَفِي حَدِيثِ هُشَيْمٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا دَخَلَ الْكَنِيفَ، قَالَ: «اللَهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هُشَيْم) بن بشير بن القاسم بن دينار السَّلَميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) الْبُنَانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٣ - (أَنَس) بن مالك بن النضر الأنصاريّ الْخَزرجيّ، الخادم الشهير، مات - ﵁ - سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. والباقيان تقدّما في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو أعلى الأسانيد له، كما سبق غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه فنيسابوريّ، وهشيم فواسطيّ. ٤ - (ومنها): أن أنسًا - ﵁ - من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو الخادم الشهير، خدم النبيّ - ﷺ - عشر سنين، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة، وهو من المعمَّرين، جاوز عمره مائة سنة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسٍ) - ﵁ - (فِي حَدِيثِ حَمَّادٍ) جار ومجرور خبر مقدّم لقوله: (كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) لقصد لفظه، فهو مبتدأ مؤخّر محكيّ، يعني أن لفظ حديث حمّاد بن زيد، عن عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس: «كان رسول الله - ﷺ - (إِذَا دَخَلَ الْخلَاءَ)» أي أراد دخول الخلاء، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ الآية [النحل: ٩٨]؛ أي إذا أردت قراءة القرآن، وذلك لأن اسم الله تعالى لا يُذكر بعد الدخول؛ لأنه مكروه؛ لحديث ابن عمر - ﵄ - مرفوعًا: «إني كرهتُ أن أذكر الله ﷿ إلا على طهر»، وهو حديث صحيح، كما تقدّم بيانه. [تنبيه]: هذا التقدير - أعني قوله: «إذا أراد أن يدخل» - جاء مصرّحًا به في رواية أخرجها البخاريّ في «الأدب المفرد» قال: حدّثنا أبو النعمان، حدّثنا سعيد بن زيد ، حدّثنا عبد العزيز بن صُهَيب، قال: حدّثني أنس بن مالك، قال: كان النبيّ - ﷺ - إذا أراد أن يدخل الخلاء قال … فذكر مثل حديث الباب. قال في «الفتح»: وأفادت هذه الرواية تبيين المراد من قوله: «إذا دخل الخلاء»، أي كان يقول هذا الذكر عند إرادة الدخول لا بعده، وهذا في الأمكنة المعدّة لذلك بقرينة الدخول، ولهذا قال ابن بطّال: رواية «إذا أتى» أعمّ؛ لشمولها. انتهى. قال: والكلام هنا في مقامين: [أحدهما]: هل يختص هذا الذكر بالأمكنة المعدَّة لذلك؛ لكونها تحضرها الشياطين، كما ورد في حديث زيد بن أرقم في «السنن»، أو يَشمَلُ حتى لو بال في إناء مثلًا في جانب البيت؟ الأصح الثاني، ما لم يَشْرَع في قضاء الحاجة. [المقام الثاني]: متى يقول ذلك؟ فمن يَكرَه ذكر الله في تلك الحالة يُفَصِّل، أما في الأمكنة المعدَّة لذلك، فيقوله قبيل دخولها، وأما في غيرها فيقوله في أول الشروع، كتشمير ثيابه مثلًا، وهذا مذهب الجمهور، وقالوا فيمن نسي: يَستعيذ بقلبه لا بلسانه، ومن يُجيز مطلقًا، كما نُقِل عن مالك، لا يَحتاج إلى تفصيل. انتهى . (وَفِي حَدِيثِ هُشَيْمٍ) إعرابه كسابقه، يعني لفظ حديث هُشيم، عن عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس - ﵁ - هو: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا دَخَلَ الْكَنِيفَ) بدل قول حمّاد: «دخل الخلاء»، و«الْكَنِيف» بفتح الكاف، وكسر النون: المراد به هنا الْمِرْحاضُ، و«الكنيف» في الأصل: الْحَظِيرةُ، والساتر، ويُسمّى التُّرْسُ أيضًا كَنِيفًا؛ لأنه يَستُرُ صاحبه، وقيل للْمِرْحاض: كَنِيفٌ؛ لأنه يَستُرُ قاضي الحاجة، والجمع كُنُفٌ، مثلُ نَذِيرٍ ونُذُرٍ، قاله الفيّوميّ . (قَالَ) - ﷺ - («اللَّهُمَّ) أصله يا الله، فحُذفت»يا«وعُوّض عنها الميم، وقد يُجمع بينهما في الشعر، كقوله [من الرجز]: إِنِّي إِذَا مَا حَدَثٌ أَلَمَّا … أَقُولُ يَا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّا وإلى هذا أشار في«الخلاصة»بقوله: وَالأَكْثَرُ اللَّهُمَّ بِالتَّعْوِيضِ … وَشَذَّ يَا اللَّهُمَّ فِي قَرِيضِ (إِنِّي أَعُوذُ بِكَ) أي ألوذُ، وألتجئ إليك؛ من الْعَوذ، وهو عُودٌ يَلجأ إليه الحشيش في مَهَبّ الريح، وقال ابن الأثير - ﵀ -: يقال: عُذتُ به أعوذ عَوْذًا وعِيَاذًا ومَعَاذًا: أي لجأت إليه، والْمَعَاذ: المصدر، والمكان، والزمان: أي لقد لَجَأتُ إلى مَلْجأ، ولُذتُ بِمَلاذٍ. انتهى . (مِنَ الْخُبْث، وَالْخَبَائِثِ») قال في «الفتح»: «الْخُبُث» بضم المعجمة والموحدة، كذا في الرواية، وقال الخطابيّ: إنه لا يجوز غيره، وتُعُقَّب بأنه يجوز إسكان الموحدة كما في نظائره، مما جاء على هذا الوجه، ككُتُب وكُتْب، قال النوويّ: وقد صَرَّح جماعة من أهل المعرفة بأن الباء هنا ساكنة، منهم أبو عبيدة، إلا أن يقال: إن ترك التخفيف أولى؛ لئلا يشتبه بالمصدر، و«الْخُبُث»: جمع خَبِيث، و«الخبائث»: جمع خبيثة، يريد ذكران الشياطين وإناثهم، قاله الخطابيّ، وابن حبان، وغيرهما. انتهى . وقال في «العمدة»: قال الخطابيّ: «الْخُبُثُ» بضم الخاء والباء: جماعة الخبيث، والخبائث جمع الخبيثة، يريد ذكران الشياطين وإناثهم، وعامة أصحاب الحديث يقولون: «الْخُبْث» مسكنة الباء، وهو غلطٌ، والصواب مضمومة الباء، قال: وقال ذلك لأن الشياطين يحضرون الأخلية، وهي مواضع يُهْجَر فيها ذكر الله تعالى، فقَدَّم لها الاستعاذة؛ احترازًا منهم. انتهى. وفيه نظر؛ لأن أبا عُبيد القاسم بن سلّام حَكَى تسكين الباء، وكذا الفارابيّ في «ديوان الأدب»، والفارسي في «مجمع الغرائب»، ولأن فُعُلًا بضمتين قد تُسَكَّن عينه؛ قياسًا، ككُتُب وكُتْب، فلعلّ مَن سكّنها سلك هذا المسلك. وقال التُوربشتيّ: هذا مستفيض لا يسع أحدًا مخالفته، إلا أن يزعُم أن ترك التخفيف فيه أولى؛ لئلا يشتبه بالْخُبْث الذي هو المصدر. وقال النوويّ - ﵀ - في «شرحه»: وأما «الخبث» فبضم الباء وإسكانها، وهما وجهان مشهوران في رواية هذا الحديث، ونَقَل القاضي عياض - ﵀ - أن أكثر روايات الشيوخ الإسكان، وقد قال الإمام أبو سليمان الخطابيّ - ﵀ -: «الخبث» بضم الباء: جماعة الخبيث، والخبائث جمع الخبيثة، قال: يريد ذكران الشياطين وإناثهم، قال: وعامة المحدثين يقولون: الخبْث بإسكان الباء، وهو غَلَطٌ، والصواب الضم، هذا كلام الخطابيّ. وهذا الذي غَلَّطهم فيه ليس بغَلَط، ولا يصح إنكاره جوازَ الإسكان، فإن الإسكان جائز على سبيل التخفيف، كما يقال: كُتْبٌ، ورُسْلٌ، وعُنْقٌ، وأُذْنٌ، ونظائره، فكلُّ هذا وما أشبهه جائز تسكينه بلا خلاف عند أهل العربية، وهو باب معروف من أبواب التصريف، لا يمكن إنكاره، ولعل الخطابيّ أراد الإنكار على مَن يقول: أصله الإسكان، فإن كان أراد هذا فعبارته موهمة. وقد صَرَّح جماعة من أهل المعرفة بأن الباء هنا ساكنةٌ، منهم الإمام أبو عبيد إمام هذا الفن، والعمدة فيه. واختلفوا في معناه، فقيل: هو الشرّ، وقيل: الكفر، وقيل: الخبث: الشياطين، والخبائث: المعاصي، قال ابن الأعرابيّ: الخبث في كلام العرب المكروه، فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الْمِلَل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضارّ، والله أعلم، وهذا الأدب مُجْمَع على استحبابه، ولا فرق فيه بين البنيان والصحراء. انتهى كلام النوويّ - ﵀ -، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم. وقال في «العمدة»: قال ابن الأنباريّ، وصاحب «المنتهى»: الخبث: الكفر، ويقال: الشيطان، والخبائث: المعاصي، جمع خبيثة، ويقال: الخبث: خلاف طيب الفعل، من فجور وغيره، والخبائث: الأفعال المذمومة، والخصال الرديئة. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٨٣٧ و٨٣٨] (٣٧٥)، و(البخاريّ) في «الوضوء» (١٤٢) وفي «الدعوات» (٦٣٢٢) وفي «الأدب المفرد» (٦٩٢)، و(أبو داود) في «الطهارة» (٤ وه)، و(الترمذيّ) فيها (٥ و٦)، و(النسائيّ) فيها (١/ ٢٠) وفي «عمل اليوم والليلة» (٧٤)، و(ابن ماجه) في «الطهارة» (٢٩٨)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ١)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٩٩ و٢٨٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٤٠٧)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٢٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٩٥)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٨٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١/ ٢١٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٨٢٤ وه ٨٢ و٨٢٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): مشروعيّة الاستعاذة عند إرادة الدخول في الخلاء، وقد أجمع أهل العلم على استحبابها، وسواء في ذلك البنيان والصحراء؛ لأن الشياطين تحضر تلك الأمكنة؛ إذ هي مواضع يُهجر فيها ذكر الله تعالى، فينبغي تقديم الاستعاذة تحصّنًا منهم. ٢ - (منها): بيان كون أماكن قضاء الحاجة تتمكن منها الشياطين، وقد أخرج أبو داود، وغيره بإسناد صحيح عن زيد بن أرقم - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ - قال: «إن هذه الْحُشُوش مُحتَضَرةٌ، فإذا أتى أحدكم الخلاء، فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث». ٣ - (ومنها): أن محلّ الاستعاذة عند إرادة الدخول، لا بعد الدخول؛ لرواية البخاريّ في «الأدب المفرد» التي قدّمناها، فلو نسي التعوّذ فدخل، فذهب ابن عبّاس وغيره إلى كراهة التعوّذ باللسان، وأجازه بعضهم، والأول أرجح؛ لما تقدّم من قوله - ﷺ -: «إني كرهت أن أذكر الله ﷿ إلا على طهر»، وهو حديث صحيح، وقد استوفيت المسألة في «شرح النسائيّ»، فراجعه تستفد . ٤ - (ومنها): بيان أن لفظ الاستعاذة أن يقول: «اللهمّ إني أعوذ بك من الخبث والخبائث»، وفي الرواية الآتية: «أعوذ بالله من الخبث والخبائث»، وفي رواية عند أبي داود: «فليتعوّذ بالله»، وهو يشمل كل ما يأتي به من أنواع الاستعاذة، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): ما قال ابن العربيّ - ﵀ -: كان النبيّ - ﷺ - معصومًا من الشيطان حتى من الموكّل به بشرط استعاذته منه، ومع ذلك فقد كان اللعين يَعْرض له، عَرَضَ له ليلة الإسراء، فدفعه بالاستعاذة، وعَرَض له في الصلاة، فشدّ وثاقه، ثم أطلقه، وكان يخصّ الاستعاذة في هذا الموضع بوجهين: [أحدهما]: أنه خلاء، وللشيطان بسنّة الله تعالى قدرة تسلط في الخلاء ما ليس له في الملأ، فقد أخرج أحمد، وأبو داود، والترمذيّ بسند صحيح، أنه - ﷺ - قال: «الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب». [الثاني]: أنه موضع قذر ينزّه ذكر الله عن جريانه على اللسان، فيغتنم الشيطان ذلك؛ لأن الذكر يطرده، فلجأ إلى الاستعاذة قبل ذلك؛ لتكون عصمة مانعة بينه وبين الشيطان حتى يخرج، ولتعليم أمته أيضًا. انتهى. وقال في «الفتح»: كان - ﷺ - يستعيذ؛ إظهارًا للعبوديّة، ويجهر بها؛ للتعليم، وقد روى العمريّ هذا الحديث من طريق عبد العزيز بن المختار، عن عبد العزيز بن صُهيب بلفظ الأمر، قال: «إذا دخلتم الخلاء، فقولوا: بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث»، وإسناده على شرط مسلم، وفيه زيادة التسمية، قال: ولم أرها في غير هذه الرواية. انتهى . [تنبيه]: لم يُخرج المصنّف - ﵀ - ما يقوله عند الخروج من الخلاء؛ لعدم صحّة ما ورد من ذلك، إلا ما أخرجه أحمد، وأصحاب السنن إلا النسائيّ، وصححه الحاكم وغيره، عن عائشة - ﵄ - قالت: كان النبيّ - ﷺ - إذا خرج من الخلاء قال: «غفرانك». وأما ما أخرجه ابن ماجه عن أنس - ﵁ - قال: كان النبيّ - ﷺ - إذا خرج من الخلاء قال: «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى، وعافاني»، فضعيف. وكذا ما أخرجه الدارقطنيّ عن ابن عبّاس - ﵄ - مرفوعًا: «الحمد لله الذي أخرج عني ما يؤذيني، وأمسك عليّ ما ينفعني». وكذا ما أخرجه عن ابن عمر مرفوعًا: «الحمد لله الذي أذاقني لذّته، وأبقى عليّ قوته، وأذهب عني أذاه»، فكلّها ضعاف؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٣٨] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيز، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقَالَ: «أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: وكلّهم تقدّموا قريبًا، وعبد العزيز: هو ابن صُهيب. وقوله: (وقال: أعوذ بالله) فاعل «قال» ضمير إسماعيل. [تنبيه]: رواية إسماعيل ابن عليّة هذه أخرجها الإمام أحمد - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (١١٥٤٥) حدثنا إسماعيل، حدثنا عبد العزيز، عن أنس، قال: كان نبي الله - ﷺ - إذا دخل الخلاء، قال: «أعوذ بالله من الخبث والخبائث». وقال الإمام ابن ماجه - ﵀ - في «سننه»: (٢٩٨) حدثنا عمرو بن رافع، حدثنا إسماعيل ابن علية، عن عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا دخل الخلاء قال: «أعوذ بالله من الخبث والخبائث»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٢) - (بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ نَوْمَ الْجَالِسِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ) وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٣٩] (٣٧٦) - (حَدَّثَني زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ (ح) وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثنَا عَبْدُ الْوَارِث، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيز، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - نَجِيٌّ لِرَجُلٍ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ: وَنَبِيُّ اللهِ - ﷺ - يُنَاجِي الرَّجُلَ ، فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م دس ق) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ ثبت حافظ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٣ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ رُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٥ أو ٢٣٦)، وله بضع وتسعون سنة (م دس) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٧. ٤ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان العنبريّ مولاهم، أبو عبيدة التّنّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٨/ ١٧٦. ٥ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ) بن صُهيب المترجم في الباب الماضي. ٦ - (أَنَس) بن مالك المترجم في الباب الماضي أيضًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٣٨) من رباعيّات الكتاب، وله فيه إسنادان، فرّق بينهما بالتحويل. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني تفرّد به هو، وأبو داود، والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير زهير، فنسائيّ، ثم بغداديّ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسٍ) - ﵁ - أنه (قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) أي صلاة العشاء، كما بيّنته رواية ثابت الآتية (وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - نَجِيٌّ لِرَجُلٍ) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال من «الصلاة»، والرابط الواو. و«النّجِيّ»: فعيلٌ بمعنى فاعل، وهو المناجي، ومعناه: مُسارٌّ له، والمناجاة: التحديث سرًّا، ويستوي فيه الواحد وغيره، فيقال: رجلٌ نَجِيٌّ، ورجلان نَجِيّ ورجال نَجِيّ، بلفظ واحد، قال الله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠] . قال في «الفتح»: ولم أقف على اسم هذا الرجل، وذكر بعض الشرّاح أنه كان كبيرًا في قومه، فأراد أن يتألّفه على الإسلام، ولم أقف على مستند ذلك، قيل: وَيحْتَمِل أن يكون مَلَكًا من الملائكة جاء بوحي من الله ﷿، ولا يخفى بُعْدُ هذا الاحتمال. انتهى . (وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ) جارّ ومجرور خبر مقدّم لقوله: «ونبيُّ الله … إلخ»؛ لقصد لفظه، فهو مبتدأ محكيّ (وَنَبِيُّ اللهِ - ﷺ - يُنَاجِي الرَّجُلَ) هكذا معظم النسخ بالتعريف، فاللام للعهد الحضوريّ؛ أي الرجل الحاضر في ذلك الوقت، ووقع في بعض النسخ: «يناجي رجلًا»، وهو الذي في «صحيح البخاريّ»، وزاد: «في جانب المسجد». (فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ) هذا ظاهر في كونه - ﷺ - جلس مع الرجل للمناجاة (حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ) وفي رواية إسحاق بن راهويه في «مسنده» عن ابن عُليّة، عن عبد العزيز في هذا الحديث: «حتى نَعَسَ بعض القوم»، وكذا هو عند ابن حبّان من وجه آخر عن أنس - ﵁ -، ولفظه: «أُقيمت الصلاة ذات يوم، فعَرَضَ لرسول الله - ﷺ - رجلٌ، فكلّمه في حاجة له هَوِيًّا من الليل، حتى نَعَس بعض القوم». وهو يدلّ على أن النوم المذكور لم يكن مستغرقًا، أفاده في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ٨٣٩ و٨٤٠ و٨٤١ و٨٤٢] (٣٧٦)، و(البخاريّ) في «الأذان» (٦٤٢ و٦٤٣)، و«الاستئذان» (٦٢٩٢)، و(أبو داود) في «الطهارة» (٢٠١)، و(الترمذيّ) في «الصلاة» (٧٨ و٥١٨)، و(النسائيّ) في «الإمامة» (٢/ ٨١)، و(عبد الرزاق) في «مصنّفه» (١٩٣١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٤/ ٤١١)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٦٠ و١٦١ و١٨٢ و٢٠٥ و٢٣٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٠٣٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٢٢)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٤٤٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٣٤٦ و١٣٤٧ و١٣٤٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٨٢٧ و٨٢٨ و٨٢٩ و٨٣٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز مناجاة الرجل بحضرة الجماعة، وإنما نُهِي عن ذلك بحضرة الواحد، فقد أخرج الشيخان عن عبد الله بن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا كانوا ثلاثةً، فلا يتناجى اثنان دون الثالث»، وأخرجا أيضًا عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا كنتم ثلاثةً، فلا يتناجى اثنان دون الآخر، حتى تختلطوا بالناس، من أجل أن يُحْزنَهُ». ٢ - (ومنها): بيان كريم أخلاق النبي - ﷺ -، وتواضعه، حيث كان يستجيب لكلّ من طلب حاجة، فقد قال الرجل له - بعد أن أقيمت الصلاة -: «لي حاجة»، فقام له، وناجاه طويلًا، فما أعظم خلقه الكريم، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، وقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]- ﷺ -. ٣ - (ومنها): جواز تشاغل الإمام إذا عَرَضَت له حاجة بعدما تُقام الصلاة، ومثله غيره؛ إذ لا فرق في ذلك. ٤ - (ومنها): جواز الكلام بعد إقامة الصلاة، لا سيما في الأمور المهمة، ولكنه مكروه في غير المهمّ، قال صاحب «التلويح»: فيه جواز الكلام بعد الإقامة، وإن كان إبراهيم، والزهريّ، وتبعهما الحنفيّة كرهوا ذلك، وقال مالك: إذا بَعُدت الإقامة، رأيتُ أن تعاد استحبابًا. انتهى. وقال العينيّ: إنما كره الحنفيّة الكلام بين الإقامة والإحرام إذا كان لغير ضرورة، وأما إذا كان لأمر من أمور الدين فلا يُكره. انتهى . ٥ - (ومنها): أن فيه تقديمَ الأهمّ، فالأهمّ من الأمور عند ازدحامها، فإنه - ﷺ - إنما ناجاه بعد الإقامة في أمر مُهِمّ من أمور الدين، مصلحته راجحة على تقديم الصلاة. ٦ - (ومنها): أنه استُدلّ به على الردّ على من أطلق من الحنفيّة أن المؤذّن إذا قال: «قد قامت الصلاة» وجب التكبير على الإمام، قاله في «الفتح» . ٧ - (ومنها): جواز تأخير الصلاة عن أول وقتها للحاجة. ٨ - (ومنها): بيان أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء، وهذه هي المسألة المقصودة بهذا الباب، وسيأتي تحقيقها في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في انتقاض الوضوء بالنوم: قال النوويّ - ﵀ -: اختَلَفَ العلماء فيها على مذاهب: [أحدها]: أن النوم لا ينقض الوضوء على أيّ حال كان، وهذا محكيّ عن أبي موسى الأشعريّ، وسعيد بن المسيِّب، وأبي مِجْلَز، وحميد الأعرج، وشعبة. [والمذهب الثاني]: أن النوم ينقض الوضوء بكل حال، وهو مذهب الحسن البصريّ، والمزنيّ، وأبي عبيد القاسم بن سلّام، وإسحاق بن راهويه، وهو قول غريب للشافعيّ، قال ابن المنذر: وبه أقول، قال: ورُوي معناه عن ابن عباس، وأنس، وأبي هريرة - ﵃ -. [والمذهب الثالث]: أن كثير النوم ينقض بكل حال، وقليله لا ينقض بحال، وهذا مذهب الزهريّ، وربيعة، والأوزاعيّ، ومالك، وأحمد في إحدى الروايتين عنه. [والمذهب الرابع]: أنه إذا نام على هيئة من هيئات المصلين؛ كالراكع، والساجد، والقائم، والقاعد، لا ينتقض وضوؤه، سواءٌ كان في الصلاة أو لم يكن، وإن نام مضطجعًا أو مستلقيًا على قفاه انتقض، وهذا مذهب أبي حنيفة، وداود، وهو قول للشافعيّ غريب. [والمذهب الخامس]: أنه لا ينقض إلا نوم الراكع والساجد، رُوي هذا عن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى. [والمذهب السادس]: أنه لا ينقض إلا نوم الساجد، وروي أيضًا عن أحمد - ﵀ -. [والمذهب السابع]: أنه لا ينقض النوم في الصلاة بكل حال، وينقض خارج الصلاة، وهو قول ضعيف للشافعيّ - ﵀ -. [والمذهب الثامن]: أنه إذا نام جالسًا ممكنًا مقعدته من الأرض لم ينتقض، وإلا انتقض، سواء قلّ أو كثر، وسواء كان في الصلاة أو خارجها، وهذا مذهب الشافعيّ، وعنده أن النوم ليس حدثًا في نفسه، وإنما هو دليل على خروج الريح، فإذا نام غير مُمَكِّن المقعدة غلب على الظن خروج الريح، فجَعَل الشرع هذا الغالب كالمحقَّق، وأما إذا كان مُمَكِّنًا، فلا يغلب على الظن الخروج، والأصل بقاء الطهارة، وقد وردت أحاديث كثيرة في هذه المسألة يُستدلّ بها لهذه المذاهب. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: أرجح المذاهب عندي مذهب الإمام الشافعيّ - ﵀ - لأن به تجتمع الأدلّة، وحاصله أن نوم الممكّن مقعدته من الأرض لا ينتقض، وإلا انتقض مطلقًا، قلّ نومه أو كثُر، في الصلاة أو خارجها. وأدلّة هذا المذهب كثيرة، منها حديث أنس - ﵁ - المذكور في الباب: «كان أصحاب رسول الله - ﷺ - ينامون، ثم يُصلّون، ولا يتوضّئون». وفي رواية أبي داود: «كان أصحاب رسول الله - ﷺ - ينتظرون العشاء الآخرة حتى تَخْفِقَ رؤوسهم، ثم يصلّون، ولا يتوضّئون»، وإسناده صحيح. وفي رواية لأبي داود، والبيهقيّ، وغيرهما: «كان أصحاب رسول الله - ﷺ - ينامون، ثم يُصلّون، ولا يتوضّئون على عهد رسول الله - ﷺ -». وفي رواية للبيهقيّ: «لقد رأيتُ أصحاب رسول الله - ﷺ - يوقظون للصلاة، حتى إني لأسمع لأحدهم غطيطًا، ثم يقومون فيُصلّون ولا يتوضّئون». وعن ابن عمر - ﵄ -: «أن النبيّ - ﷺ - شُغل ليلةً عن العشاء، فأخّرها حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا، ثم خرج علينا». وعن ابن عبّاس - ﵄ -: «أَعْتَمَ رسول الله - ﷺ - بالعشاء حتى رقد الناس، واستيقظوا، ورَقَدوا، واستيقظوا»، رواهما البخاريّ في «صحيحه»، وظاهره أنهم صلَّوا بذلك الوضوء. وروى مالك، والشافعيّ بإسناد صحيح أن ابن عمر - ﵄ - كان ينام وهو جالسٌ، ثم يُصلّي ولا يتوضّأ»، وروى البيهقيّ وغيره معناه عن ابن عبّاس، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة، وأبي أُمامة - ﵃ -. والحاصل أن أرجح المذاهب مذهب من قال: إن نوم الجالس الممكّن مقعدته لا ينقض الوضوء؛ للأدلّة المذكورة، وبهذا تجتمع الأدلّة في هذا الباب، وقد أشبعت البحث في هذا في«شرح النسائيّ» ، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قال النوويّ - ﵀ -: اتَّفَقوا على أن زوال العقل بالجنون والإغماء والسكر بالخمر، أو النبيذ، أو البنج، أو الدواء، ينقض الوضوء، سواءٌ قَلَّ أو كثر، وسواء كان مُمَكِّن المقعدة أو غير ممكنها، قال أصحابنا: وكان من خصائص رسول الله - ﷺ - أنه لا ينتقض وضوؤه بالنوم مضطجعًا؛ للحديث الصحيح عن ابن عباس - ﵄ - قال: نام رسول الله - ﷺ - حتى سمعتُ غَطِيطه، ثم صلى ولم يتوضأ. انتهى. [تنبيه آخر]: قال النوويّ أيضًا: قال الشافعيّ، والأصحاب: لا ينقض الوضوء بالنعاس، وهو السِّنَة، قالوا: وعلامة النوم أن فيه غلبة على العقل، وسقوط حاسة البصر، وغيرها من الحواسّ، وأما النعاس فلا يَغلِب على العقل، وإنما تفتر فيه الحواسّ من غير سقوطها، ولو شكّ هل نام أم نَعَسَ؟ فلا وضوء عليه، ويستحب أن يتوضأ، ولو تيقن النوم، وشَكّ هل نام ممكن المقعدة من الأرض أم لا؟ لم ينقض وضوؤه، ويستحب أن يتوضأ، ولو نام جالسًا، ثم زالت ألْيتاه أو إحداهما عن الأرض، فإن زالت قبل الانتباه انتَقَض وضوؤه؛ لأنه مَضَى عليه لحظةٌ وهو نائم، غير مُمَكِّن المقعدة، وإن زالت بعد الانتباه، أو معه، أو شَكّ في وقت زوالها لم ينتقض وضوؤه، ولو نام ممكّنًا مقعدته من الأرض، مستندًا إلى حائط أو غيره لم ينتقض وضوؤه، سواء كانت بحيث لو رُفِع الحائط لسقط، أو لم يكن، ولو نام مُحْتَبِيًا ففيه ثلاثة أوجه لأصحابنا: أحدها: لا ينتقض كالمتربِّع، والثاني: - ينتقض كالمضطجع، والثالث: إن كان نَحِيف البدن بحيث لا تنطبق أليتاه على الأرض انتقض، وإن كان أَلْحَم البدن بحيث ينطبقان لم ينتقض، والله تعالى أعلم بالصواب، وله الحمد والنعمة، وبه التوفيق والعصمة. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٤٠] (…) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - يُنَاجِي رَجُلًا، فَلَمْ يَزَلْ يُنَاجِيه، حَتَّى نَامَ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ جَاءَ، فَصَلَّى بِهِمْ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م دس) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبَريّ، أبو الْمُثَنَّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، أبو بِسطام الواسطيّ الإمام الحافظ الحجة الثبت الناقد [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨١. والباقيان تقدّما قبله. وقوله: (يَزَلْ) بفتح الزاي، مضارع زال، وأصله زَيِلَ؛ كتَعِبَ، قال الفيّوميّ - ﵀ -: وما زال يفعل كذا، ولا أزال أفعله لا يُتكلَّم به إلا بحرف النفي، والمراد به ملازمة الشيء، والحالُ الدائمةُ، مثلُ ما بَرِحَ وزنًا ومعنًى، وقد تكلّم به بعض العرب على أصله، فقال: ما زَيلَ زيدٌ يفعل كذا. انتهى . وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٤١] (…) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، وَهُوَ ابْنُ الْحَارِث، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، يَقُولُ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَنَامُونَ، ثُمَّ يُصَلُّونَ، وَلَا يَتَوَضَّئُونَ، قَالَ: قُلْتُ: سَمِعْتَهُ مِنْ أَنَسٍ؟ قَالَ: إِي وَاللهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٤٨) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٥. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٣. ٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأس الطبقة [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٠. [تنبيه]: قال النوويّ - ﵀ - في «شرحه» - بعد ذكر أسانيد الباب الثلاثة - ما نصّه: هذه الأسانيد الثلاثة رجالها بصريون كلهم ، وقد قدّمنا مرات أن شعبة واسطي بصريّ، وقد قدمنا بيان كون فَرُّوخ والد شيبان لا ينصرف للعجمة، وقد قدّمنا بيان الفائدة في قوله: وهو ابن الحارث، وأوضحنا ذلك في الفصول المتقدمة، وفي مواضع بعدها، وأما قوله: قلت: سمعته من أنس؟ قال: إي والله، مع أنه قال أوّلًا: سمعتُ أنسًا، فأراد به الاستثبات، فإن قتادة - ﵀ - كان من المدلسين، وكان شعبة - ﵀ - من أشد الناس ذمًّا للتدليس، وكان يقول: الزنى أهون من التدليس، وقد تقرر أن المدلس إذا قال: «عن» لا يُحتجّ به، وإذا قال: «سَمِعت» احتُجّ به على المذهب الصحيح المختار، فأراد شعبة - ﵀ - الاستثبات من قتادة في لفظ السماع، والظاهر أن قتادة عَلِم ذلك من حال شعبة، ولهذا حَلَف بالله تعالى، والله أعلم. انتهى . [تنبيه آخر]: قوله: (إِي وَاللهِ) قال ابن هشام الأنصاريّ - ﵀ - في «مغنيه»: «إِي» بكسر الهمزة، وسكون الياء: حرف جواب بمعنى «نَعَم»، فيكون لتصديق الْمُخْبِر، ولإعلام الْمُستَخْبر، ولوعد الطالب، فتقع بعد «قام زيد»، و«هل قام زيد؟»، و«اضرب زيدًا»، ونحوهنّ، كما تقع «نَعَمْ» بعدهنّ، وزعم ابن الحاجب أنها إنما تقع بعد الاستفهام، نحو ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣]، ولا تقع عند الجميع إلا قبل القسم، وإذا قيل: «إي والله»، ثم أُسقطت الواو جاز سكون الياء، وفتحها، وحذفها، وعلى الأول فيلتقي ساكنان على غير حدّهما. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٤٢] (…) - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ قَالَ: أُقِيمَتْ صَلَاةُ الْعِشَاء، فَقَالَ رَجُلٌ: لِي حَاجَةٌ، فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُنَاجِيه، حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ، أَوْ بَعْضُ الْقَوْم، ثُمَّ صَلَّوْا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِيُّ) أبو جعفر السَّرَخْسيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٣) (خ م دت ق) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩٣. ٢ - (حَبَّانُ) بن هلال، أبو حَبِيب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٥/ ٣٢٢. ٣ - (حَمَّاد) بن سَلَمة بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٠. ٤ - (ثَابِت) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت سنة بضع ١٢٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٠. وقوله: (أَوْ بَعْضُ الْقَوْمِ) «أو» هنا للشكّ من الراوي. وقوله: (ثُمَّ صَلَّوْا) زاد أبو نعيم في روايته: «ولم يذكر أنهم توضّئوا». وشرح الحديث ومسائله تقدّمت في الحديث الأول، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾. قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة: قد انتهيت من كتابة الجزء الثامن من «شرح صحيح الإمام مسلم» المسمَّى «البحر المحيط الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج» رحمه الله تعالى بعد صلاة المغرب ليلة الخميس المبارك ٣/ ٥/ ١٤٢٦ هـ الموافق ١٤/ أبريل - نيسان/٢٠٠٥ م. أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رؤوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣]. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]. «اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». «السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته». ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء التاسع مفتتحًا بـ (٤) - (كِتَابُ الصَّلَاةِ) رقم الحديث [٨٤٣] (٣٧٧). «سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك». * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ليلة الخميس ١٦/ ٣/ ١٤٢٦ هـ أول الجزء التاسع من شرح «صحيح الإمام مسلم» المسمّى «البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج، رحمه الله تعالى. (٤) - (كِتَابُ الصَّلَاةِ) أي هذا كتاب تُذكر فيه الأحاديث الدالّة على أحكام الصلاة. و«كتاب»يجوز رفعه، ونصبه، ويجوز جزه أيضًا على قلّة، وقد تقدّم توجيه ذلك كلّه في الكلام على«كتاب الطهارة»، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ولَمّا فرغ من بيان أحاديث الطهارة التي هي من شروط الصلاة، شَرعَ يُبيِّن أحاديث الصلاة التي هي المشروطة، فلذا أخّرها عن الشرط؛ لأن شرط الشيء يَسبقه، وحكمه يَعقُبه، وقدّمها على الزكاة والصوم، وغيرهما؛ لكونها تالية الإيمان، وثانيته في الكتاب والسنّة، ولشدّة الاحتياج، وعمومه إلى تعلّمها؛ لكثرة وقوعها ودَوَرانها، بخلاف غيرها من العبادات ، والله تعالى أعلم بالصواب. قال الجامع عفا الله عنه: في هذا المقام مسائل: (المسألة الأولى): في تعريف «الصلاة» لغةً وشرعًا: (اعلم): أن «الصلاة» في اللغة: الدعاء، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، أي ادعُ لهم، وفي الحديث في إجابة الدعوة: «وإن كان صائمًا، فليُصلّ»، أي فليَدْعُ لهم بالبركة. وقال ابن الأثير - ﵀ -: وقد تكرر في الحديث ذكر الصلاة، وهي العبادة المخصوصة، وأصلها في اللغة: الدعاء، فسُمّيت ببعض أجزائها، وقيل: أصلها في اللغة: التعظيم، وسُمِّيت الصلاة المخصوصة صلاةً؛ لما فيها من تعظيم الرب تعالى وتقدس، وقوله في التشهد: «الصلوات»: أي الأدعية التي يُراد بها تعظيم الله هو مستحقُّها، لا تليق بأحد سواه، وأما قولنا: «اللهم صل على محمد»، فمعناه: عَظِّمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دعوته، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته، وتضعيف أجره ومثوبته، وقيل: المعنى لَمّا أمرنا الله سبحانه بالصلاة عليه، ولن نبلغ قَدْرَ الواجب من ذلك أحلناه على الله، وقلنا: اللهم صل أنت على محمد؛ لأنك أعلم بما يليق به. وهذا الدعاء قد اختُلِف فيه، هل يجوز إطلاقه على غير النبيّ - ﷺ - أم لا؟، والصحيح أنه خاصّ له، ولا يقال لغيره، وقال الخطابيّ: الصلاة التي بمعنى التعظيم والتكريم لا تقال لغيره - ﷺ -، والتي بمعنى الدعاء والتبريك، تقال لغيره، ومنه: «اللهم صلِّ على آل أبي أوفى»، أي تَرَحَّم، وبَرِّكْ، وقيل فيه: إن هذا خاصّ له، ولكنه هو آثرَ به غيره، وأما سواه فلا يجوز له أن يخُصّ به أحدًا. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: القول بعدم جواز الصلاة على غير الأنبياء ﵈ مما لا يؤيّده دليلٌ، بل الأدلّة على خلافه، كالحديث المذكور: «اللهم صلِّ على آل أبي أوفى»، وغيره، وحديث: «صلّى الله على زوجك»، وآية: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، ودعوى الخصوصيّة مما لا دليل عليها، فالحّق جوازها، إلا أن الأولى والشائع بين الأمة الصلاة على الأنبياء، والترضّي على الصحابة، والترحّم على غيرهم، فهذا من باب الأولويّة، لا من باب الوجوب؛ فتبصّر، وسيأتي تمام البحث في هذا في محلّه - إن شاء الله تعالى -، وبالله تعالى التوفيق. وقال العلامة ابن قُدامة - ﵀ -: «الصلاة» في اللغة: الدعاء، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]: أي ادع لهم، وقال النبيّ - ﷺ -: «إذا دُعي أحدكم فليجب، وإن كان مفطرًا فليَطْعَم، وإن كان صائمًا فليصلّ» . قال الشاعر [من البسيط]: تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرُبْتُ مُرْتَحَلًا … يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي … نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْب الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا وأما معناها شرعًا: فهي عبارة عن الأركان المعهودة، والأفعال المخصوصة، قاله في «العمدة» . وقال ابن قُدامة - ﵀ -: هي في الشرع: عبارةٌ عن الأفعال المعلومة، فإذا وَرَدَ في الشرع أمر بصلاة، أو حكمٌ مُعَلَّقٌ عليها انصَرَف بظاهره إلى الصلاة الشرعية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في الاختلاف في اشتقاق اسم «الصلاة» مم هو؟: قال القاضي عياض - ﵀ -: اختُلف في اشتقاقها، فقيل: هي مشتقّةٌ من الدعاء الذي اشتَمَلت عليه، وهو قول أكثر أهل العربيّة والفقهاء، وتسمية الدعاء صلاةً معروفٌ في كلام العرب. وقيل: لأنها ثانية الشهادتين، وتاليتهما، كالْمُصَلِّي من السابق في الْحَلْبَة . وقيل: بل لأنه متتبّع فعل النبي - ﷺ - كالمصلّي مع السابق، ولعلّ هذا في أول شَرْع الصلاة، وائتمامهم فيها بالنبيّ - ﷺ -، لكن هذا يضعُف في تسميتها في حقّه - ﷺ -، وهو السابق. وقيل: بل من الصَّلَوَين ، وهما عِرْقان من الرِّدْف، وقيل: عظمان ينحنيان في الركوع والسجود، قالوا: وبه سُمّي الْمُصَلِّي من الخيل؛ لأن أنفه يأتي ملاصقًا صَلَوي السابق، قالوا: ومنه كُتِب بالواو في المصحف. وقيل: بل من الرحمة، وتسميتها بذلك معروف في كلام العرب، ومنه صلاة الله على عباده، أي رحمته . وقيل: أصلها الإقبال على الشيء؛ تقرّبًا إليه. وتعقّبه العينيّ بأن اشتراط اتّفاق الحروف الأصليّة إنما هو في الاشتقاق الصغير دون الكبير والأكبر، قال: ولا ينافي قولهم: صَلَيتُ بالياء دون صَلَوتُ بالواو أن تكون واويّة؛ لأنهم يقلبون الواو ياءً إذا وقعت رابعة. وقيل: معناها اللزوم، من قولهم: صَلِيَ بالنار، وقيل: الاستقامةُ من قولهم: صَلَيتُ العودَ على النار: إذا قوّمته، والصلاة تُقيم العبد على طاعة ربّه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. وقيل: لأنها صِلَةٌ بين العبد وبين ربّه. انتهى كلام القاضي عياض - ﵀ - . وقال الراغب الأصبهانيّ - ﵀ - في «المفردات في غريب القرآن»: قال كثير من أهل اللغة: «الصلاة»: هي الدعاء، والتبريك، والتمجيد، يقال: صليت عليه: أي دعوت له، وزَكَّيتُ، قال: والصلاةُ التي هي العبادة المخصوصة، أصلها الدعاء، وسُمِّيت هذه العبادة بها كتسمية الشيء باسم بعض ما يتضمنه، والصلاة من العبادات التي لم تنفك شريعة منها، وإن اختَلَفت صورها بحسب شرعٍ، فشرعٍ، ولذلك قال: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. وقال بعضهم: أصل الصلاة من الصّلاء، قال: ومعنى صَلَّى الرجل: أي أنه أزال عن نفسه بهذه العبادة الصّلاء الذي هو نار الله الموقدة، وبناءُ صلّى كبناء مَرَّضَ لإزالة المرض، ويُسَمَّى موضع العبادة الصلاة؛ لذلك سميت الكنائس صلوات، كقوله: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ [الحج: ٤٠]. وكل موضع مَدَحَ الله تعالى بفعل الصلاة، أو حَثَّ عليه ذُكِر بلفظ الإقامة، نحو: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [يونس: ٨٧]، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الرعد: ٢٢]، ولم يقل: المصلين إلا في المنافقين، نحو قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٤، ٥]، ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة: ٥٤]. وإنما خَصَّ لفظ الإقامة تنبيهًا أن المقصود من فعلها توفية حقوقها وشرائطها، لا الإتيان بهيئتها فقط، ولهذا رُوِي أن المصلين كثير، والمقيمين لها قليل، وقوله: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾ [المدثر: ٤٣]، أي من أتباع النبيين، وقوله: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١)﴾ [القيامة: ٣١] تنبيهًا أنه لم يكن ممن يصلي، أي يأتي بهيئتها فضلًا عمن يقيمها، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً﴾ [الأنفال: ٣٥]، فتسميةُ صلاتهم مكاءً وتصدية تنبيهٌ على إبطال صلاتهم، وأن فعلهم ذلك لا اعتداد به، بل هم في ذلك كطيور تَمْكُو وتصدي. انتهى كلام الراغب - ﵀ - في «مفردات ألفاظ القرآن» . وقال ابن منظور - ﵀ -: الصلاة الركوع والسجود، والجمع صلوات، والصلاة: الدعاء والاستغفار، قال الأعشى [من المتقارب]: وَصَهْبَاءَ طَاَفَ يَهُودِيُّهَا … وَأَبْرَزَهَا وَعَلَيْهَا خَتَمْ وَقَابَلَهَا الرِّيحُ فِي دَنِّهَا … وَصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمْ قال: دعا لها أن لا تَحْمَضَ ولا تَفْسُدَ. والصلاة من الله تعالى الرحمة، قال عديّ بن الرقاع [من الكامل]: صَلَّى الإِلَهُ عَلَى امْرِيءٍ وَذَعْتُهُ … وَأَتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ وَزَادَهَا وقال الراعي [من البسيط]: صَلَّى عَلَى عَزَّةَ الرَّحْمَنُ وَابْنَتِهَا … لَيْلَى وَصَلَّى عَلَى جَارَاتِهَا الأُخَرِ وصلاة الله على رسوله - ﷺ - رَحْمَتُهُ له، وحُسْنُ ثنائه عليه، وفي حديث عبد الله بن أبي أوفى - ﵄ - أنه قال: كان النبيّ - ﷺ - إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: «اللهمّ صلّ على آل فلان» فأتاه أبي بصدقته، فقال: «اللهم صَلِّ على آل أبي أوفى»، متّفقٌ عليه. قال الأزهريّ: هذه الصلاة عندي الرحمة، ومنه قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فالصلاة من الملائكة دعاء واستغفارٌ، ومن الله رحمة، وبه سُمِّيت الصلاة؛ لما فيها من الدعاء والاستغفار. وفي الحديث: «التحيات، والصلوات»، قال أبو بكر: الصلوات معناها الترحم، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾: أي يترحمون، وقول النبي - ﷺ -: «اللهم صل على آل أبي أوفى»: أي ترحم عليهم. وتكون الصلاة بمعنى الدعاء، وفي الحديث: «إذا دُعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرًا فليَطْعَم، وإن كان صائما فليصلِّ» . قوله: «فليصلِّ»: يعني فَلْيَدْعُ لأرباب الطعام بالبركة والخير، والصائم إذا أُكِل عنده الطعام صَلَّت عليه الملائكة، ومنه قوله: «مَن صلى عليّ صلاةً، صَلَّت عليه الملائكة عشرًا» ، وكل داع فهو مصلٍّ، ومنه قول الأعشى [من البسيط]: عَلَيْكِ مِثْلَ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي … إِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا معناه أنه يأمرها بأن تدعوَ له مثل دعائها، أي تعيد الدعاء له، ويُروَى: «عليك مثلُ الذي صليت»، فهو ردٌّ عليها، أي عليك مثلُ دعائك، أي ينالك من الخير مثلُ الذي أردت بي، ودعوت به لي. وقال أبو العباس في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]، فـ ﴿يُصَلِّي﴾: يرحم، وملائكته يدعون للمسلمين والمسلمات. ومن الصلاة بمعنى الاستغفار حديثُ سودة - ﵄ - أنها قالت: يا رسول الله، إذا مِتْنَا صَلَّى لنا عثمان بن مظعون حتى تأتينا، فقال لها: «إن الموت أشدُّ مما تُقَدِّربن». قال شَمِر: قولها: «صَلَّى لنا»: أي استغفر لنا عند ربه، وكان عثمان مات حين قالت سودة ذلك. وأما قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧] فمعنى الصلوات ههنا الثناء عليهم من الله تعالى، وقال الشاعر: صَلَّى عَلَى يَحْيَى وَأَشْيَاعِهِ … رَبٌّ كَرِيمٌ وَشَفِيعٌ مُطَاعُ معناه: ترحم الله عليه، على الدعاء لا على الخبر. وقال ابن الأعرابيّ: الصلاة من الله رحمةٌ، ومن المخلوقين: الملائكة والإنس والجنّ: القيامُ والركوعُ والسجودُ والدعاءُ والتسبيحُ، والصلاة من الطير والهوامّ: التسبيحُ. وقال الزجاج: الأصل في الصلاة اللزوم، يقال: قد صَلَّى، واصطلى: إذا لَزِمَ، ومن هذا: مَن يُصْلَى في النار: أي يلزم النار. وقال أهل اللغة في الصلاة: إنها من الصَّلَوَيْن، وهما مكتنفا الذّنَب من الناقة وغيرها، وأوّلُ مَوْصِل الفخذين من الإنسان، فكأنهما في الحقيقة مكتنفا الْعُصْعُص، قال الأزهريّ: والقول عندي هو الأول، إنما الصلاة لزومُ ما فَرَضَ الله تعالى، والصلاة من أعظم الفرض الذي أُمِر بلزومه، والصلاة واحدة الصلوات المفروضة، وهو اسم يُوضَع موضع المصدر، تقول: صَلَّيتُ صلاةً، ولا تقل: تَصْلِيةً، وصَلَّيتُ على النبيّ - ﷺ -. قال الجامع عفا الله عنه: لا شكّ في بعد كثير مما سبق في بيان اشتقاق الصلاة، والأقرب هو ما عليه أكثر العلماء، كما سبق في كلام القاضي أنها من صلّى بمعنى: دعا؛ لشهرة ذلك في كلام العرب وأشعارهم؛ فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): (اعلم): أن الصلاة واجبة بالكتاب، والسنة، والإجماع؛ أما الكتاب، فقول الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. وأما السنة فما رَوَى ابن عمر - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا»، مُتَّفَق عليه، وقد تقدّم في «كتاب الإيمان»، مع آي، وأخبار كثيرة أخرى. وأما الإجماع، فقد أَجمعت الأمة على وجوب خمس صلوات في اليوم والليلة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في عدد الصلوات المفروضات: (اعلم): أن الصلوات المكتوبات خمسٌ في اليوم والليلة، ولا خلاف بين المسلمين في وجوبها، ولا يجب غيرها إلا لعارضٍ، من نذر أو غيره، هذا قول أكثر أهل العلم، وقال أبو حنيفة: الوتر واجبٌ؛ لما رُوي عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «إن الله قد زادكم صلاةً، وهي الوتر»، وهذا يقتضي وجوبه، وقال - ﷺ -: «الوتر حقّ، فمن لم يوتر فليس منا»، رواه أبو داود. واحتجّ الجمهور بحديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «فَرَض الله على أمتي خمسين صلاة …» فذكر الحديث إلى أن قال: «فرجعتُ إلى ربي فقال: هي خمس، وهي خمسون، لا يُبدَّل القول لديّ»، مُتَّفَقٌ عليه. وعن عبادة بن الصامت - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «خمس صلوات، افترضهن الله على عباده، فمن جاء بهنّ، لم يَنقُص منهن شيئًا؛ استخفافًا بهنّ، فان الله جاعل له يوم القيامة عهدًا أن يدخله الجنة، ومن جاء بهنّ، وقد نقص منهن شيئًا، لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له»، حديث صحيح، رواه أبو داود، وغيره. وعن طلحة بن عبيد الله، أن أعرابيًّا أتى إلى النبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله ماذا فَرَض الله عليّ من الصلاة، قال: «خمس صلوات»، قال: فهل علي غيرها؟ قال: «لا إلا أن تطوع شيئًا …» الحديث، متّفقٌ عليه. والحاصل أن الحقّ أنه لا واجب من الصلوات إلا الخمس المكتوبات، إلا أن يكون بسبب؛ كالنذر، وقد تقدّم تحقيق القول في ذلك في «كتاب الإيمان»، مستوفًى، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قال القاضي عياض - ﵀ - بعد ذكر ما تقدّم من الاختلاف في اشتقاق الصلاة - ما نصّه: ثم تشعّبت مذاهب المتكلّمين والنظّار من الفقهاء في هذه الأسماء المستعملة في الشرعيّات؛ كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحجّ، وشبهها، هل هي منقولة عن موضوعها في اللغة رأسًا؟، وهذا بعيدٌ، ومؤدٍّ إلى أن العرب خُوطبت، وأُمرت بغير لغتها. أو هي مبقاةٌ على مقتضاها في أصل اللغة، فالصلاة الدعاء، والصيام الإمساك، والحجّ القصد، وهكذا في سائرها، وهو المراد بها، والمفهوم منها، وغير ذلك مما أُضيف إليها من أقوال، وأفعال، غير داخل تحت الاسم، وهو مذهب القاضي أبي بكر. أو هي واقعةٌ على أصول مسمّياتها، ثم أُطلق على ما انضاف إليها بحكم الاشتمال، أو الاستعارة لمشابهة معناها، وهو مذهب الأشياخ والمحقّقين من متكلّمي أهل السنّة، وغيرهم من الفقهاء، وقد أطال المصنّفون في الأصول الكلام في هذا الباب، ومَدُّوا أطنابه، ومخالفة الجماهير من الموافقين والمخالفين جُرْأةٌ تامّةٌ، وجَسَارةٌ، وقولُ المرء لقول قيل يعتقد الصواب في خلافه غير بيّن وخسارة ، فالحقّ أحقّ أن يتّبع، لا سيّما بخلاف ليس في قاعدة دين، ومقالة تلوح بالحقّ اليقين، ولا تخرج عن مراد مشايخنا المحقّقين، وذلك أنه متى أُعطيت هذه الألفاظ من البحث حقّها وُجدت عند المخاطبين بها لأول ورودها من أهل الشريعة معروفة المعنى على ما جاءت به من أفعال مخصوصة، وعبارات مقرّرة إلا ما غيَّر الشرع فيها من بِدَع الجاهليّة، أو نَسَخ من شرائع مَن تقدّم من الكتابيّة ، لكن لا يبعُد أن أصل استعمال العرب لها في جاهليّتهم قبل ورود الشريعة كان على ما أشار إليه الأشياخ، إما من إيقاعها على المعنى الحقيقيّ في اللغة دون اعتبار المزيد فيها، على مذهب القاضي أبي بكر، أو على الجميع بحكم تشابه المعنى والاستعارة على ما ذهب إليه غيره، ثم استُعير استعمالهم لهذه الألفاظ عرفًا على جميع العبادات، فصارت كاللغة الصحيحة، والتسمية الموضوعة، فجاءهم الشرع، واستعمالُهم لها مفهوم عند جميعهم، فقد حقّقنا قطعًا بمطالعة السير، ومدارسة الأثر، واستقراء كلام العرب، وأشعارها أن الصلاة كانت عندهم معلومةً على هيئتها عندنا من أفعال، وأقوال ودعاء وخضوع وسجود وركوع، وقد تنصّر كثيرٌ منهم، وتهوّد، وتمجّس، وتقرّبوا بالصلوات والعبادات، وجاوروا أهل الديانات، وداخلوا أهل الملل، ووفَدَ أشرافهم على ملوكهم، وأَلِفَت قريش رحلةَ الشتاء والصيف إلى بلادهم، وثاقبوا ربّانيّيهم وأحبارهم، وشاهدوا رهبانيّتهم وشرائعهم، وثابر كثير منهم على بقايا عندهم من دين إبراهيم، وعرَفُوا السجود والركوع والصوم والحجّ والعمرة والاعتكاف، وحَجُّوا كلَّ عام، واعتمروا، واعتَكفوا، وحضُّوا على الصدقة، وصاموا عاشوراء، وفي الحديث: «كان عاشوراء يومًا تصومه الجاهليّة …» الحديث، متّفقٌ عليه، وقال عمر - ﵁ -: «نذرت في الجاهليّة أن أعتكف يومًا في المسجد الحرام …» الحديث، متّفقٌ عليه، وفي إسلام أبي ذرّ - ﵁ -، وأنه صلّى قبل المبعث بثلاث سنين مع صواحبه، وأنه كان يتوجّه عشاء حيث يوجّهه الله. ومن طالع أخبارهم، ودرس أشعارهم، عَلِمَ ذلك منهم ضرورةً، فجاء الشرع بالأمر بهذه العبادات، وهي عندهم معلومة، مفهوم المراد منها، من أن الصوم إمساك مخصوصٌ عن أفعال مخصوصة بالنهار دون الليل، والاعتكاف لزوم التعبّد والتبرّر بمكان مخصوص، والحجّ قصدٌ مخصوصٌ لبيت الله الحرام، يشتمل على وقوف بعرفة، وطواف بالبيت، ودعاء، وذكر، وتبرّر، وأن الصدقة بذلُ المال للمحتاج، ثم سُمّيت زكاةً؛ لما فيها من زكاة المال ونمائه، أو زكاة صاحبه وتطهيره، كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، فإن لم توجد تسمية الزكاة الشرعيّة قبلُ معروفةً، فالصدقة معروفةٌ، وقد قال الأعشى: لَهُ صَدَقَاتٌ مَا تُغِبُّ وَنَائِلُ ومع هذا التقرير، فلا مجال للخلاف مع الإنصاف، وقد طالعت بهذا الرأي أهل التحقيق من شيوخي، فما رأيت منهم مُنصفًا ردّه. ثم اختلف الأصوليّون، والفقهاء من أصحابنا وغيرهم في ورود هذه الألفاظ الشرعيّة، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، و﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فقيل: هي مجملةٌ تحتاج إلى بيان، وقيل: هي عامّة تُحمَل على العموم، إلا ما خَصّ منها الدليل، وقيل: تُحمل على أصل ما يتناوله اللفظ، واستقصاء هذا في علم الأصول. انتهى كلام القاضي عياض - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره القاضي تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. وخلاصته أن الألفاظ الشرعيّة من الصلاة، والزكاة، والصوم، والحجّ، ونحوها على وفق معانيها اللغويّة، وليست من باب النقل، ولا المجاز، وإنما هي معلومة للعرب في جاهليّتهم، فخاطبهم الشرع بما يعرفونه، غير أنه أضاف لهم من الشروط، والأركان والمندوبات بعض ما كانوا يُخلّون به، ونقص منها ما كانوا يفعلونه من الأفعال المنافية للشرع؛ كالشركيّات، والبدع، والخرافات، فهذّب لهم التوحيد، والعبادات الخالصة لله تعالى. والحاصل أن ما ادّعاه كثيرون من أن الألفاظ الشرعيّة منقولة من اللغويّة، أو مجاز واستعارة، أو نحو ذلك ادّعاء لا ينبني على التحقيق، بل مجرّد تخمينات وظنون، فلا ينبغي الاشتغال بالبحث فيه، والتعمّق في إدراكه؛ لأنه مجرّد هذيان، والله تعالى المستعان. وأما الخلاف في ورود الأوامر بالألفاظ الشرعيّة، هل هي مجملة … إلخ، فالحقّ أنها عامّة تُحمل على عمومها حتى يرد دليلٌ يخصّها، ويوضّح هذا عمل الصحابة - ﵃ -، فإنها كانوا إذا سمعوا أمرًا في كتاب الله، أو في سنّة رسول الله - ﷺ -، كانوا يُبادرون إلى العمل به، ولا يبحثون هل له مخصّصات أم لا؟ إلى أن يبيّن لهم النبيّ - ﷺ - المراد الخاصّ، فيقبلونه، فلما نزل قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] جعل عديّ بن حاتم - ﵁ - الخيطين تحت وسادته، فجعل يأكل حتى يتبيّنا له، فبيّن له - ﷺ - أن ذلك ليس المراد، بل هما بياض النهار وسواد الليل، وكذلك لما نزل قوله - ﷺ -: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣] شقّ عليهم، فقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فبيّن لهم - ﷺ - بأن الظلم هنا هو الشرك، وهكذا كانوا يحملون العمومات على ظواهرها إلى أن يأتي مخصّص، وكان النبيّ - ﵀ - يقرّهم على فهمهم ذلك، ويبيّن لهم مخصصه إن اقتضى المقام ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) - (بَابُ بَدْءِ الأَذَانِ) قال الجامع عفا الله عنه: فيه مسألتان: (المسألة الأولى): في تعريف «الأذان» لغة وشرعًا: (اعلم): أن «الأذان» بالفتح اسم من التأذين، قال الفيّوميّ - ﵀ -: وأَذَّن المؤذِّنُ بالصلاة: أَعْلَمَ بها، قال ابن بَرِّيّ: وقولهم: أَذَّن العصرَ بالبناء للفاعل خطأٌ، والصواب أُذِّنَ بالعصر، بالبناء للمفعول مع حرف الصّلَة، و«الأذان» اسم منه، والْفَعَالُ بالفتح يأتي اسمًا من فَعَّلَ بالتشديد، مثلُ وَدَّع وَدَاعًا، وسَلَّمَ سَلَامًا، وكَلَّمَ كَلَامًا، وزَوَّجَ زَوَاجًا، وجَهَّزَ جَهَازًا. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ - في «شرح المهذّب»: قال أهل اللغة: أصل الأذان الإعلام، والأذان للصلاة معروف، يقال فيه: الأذان، والأَذِين، والتأذين، قاله الهرويّ في «الغريبين». قال: وقال شيخي: الأَذِين: المؤذَّن: الْمُعْلِم بأوقات الصلاة، فَعِيل بمعنى مُفْعِل، قال الأزهريّ: يقال: أَذَّن المؤذن تأذينًا وأَذانًا: أي أعلم الناس بوقت الصلاة، فوُضِع الاسم موضع المصدر، قال: وأصله من الأَذَن، كأنه يُلْقي في آذان الناس بصوته ما يدعوهم إلى الصلاة. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . وقال في «الفتح»: «الأذانُ»: لغةً الإعلام، قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٣]، واشتقاقه من الأَذَنِ - بفتحتين - وهو الاستماع، وشرعًا: الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة. انتهى . وقال ابن قُدامة - ﵀ -: الأذان: إعلام بوقت الصلاة، والأصل في الأذان الإعلام، قال الله ﷿: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي إعلام، و﴿آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] أي أعلمتكم، فاستوينا في العلم، وقال الحارث بن حلّزة [من الخفيف]: آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ … رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ أي أعلمتنا، والأذان الشرعيّ: هو اللفظ المعلوم المشروع في أوقات الصلوات للإعلام بوقتها. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثانية): قال القاضي عياض - ﵀ -: (اعلم): أن الأذان كلام جامعٌ لعقيدة الإيمان، مشتملٌ على نوعه من العقليات والسمعيات، فأوله إثبات الذات، وما يستحقه من الكمال، والتنزيه عن أضدادها، وذلك بقوله: «الله أكبر»، وهذه اللفظة مع اختصار لفظها دالة على ما ذكرناه، ثم صرح بإثبات الوحدانية، ونفي ضدِّها من الشركة المستحيلة في حقه ﷾، وهذه عمدة الإيمان والتوحيد، المقدمة على كل وظائف الدين، ثم صَرَّح بإثبات النبوة، والشهادة بالرسالة لنبينا - ﷺ -، وهي قاعدة عظيمة بعد الشهادة بالوحدانية، وموضعها بعد التوحيد؛ لأنها من باب الأفعال الجائزة الوقوع، وتلك المقدَّمات من باب الواجبات، وبعد هذه القواعد، كملت العقائد العقليات فيما يجب ويستحيل، ويجوز في حقه ﷾، ثم دعا إلى ما دعاهم إليه من العبادات، فدعا إلى الصلاة، وجعلها عقب إثبات النبوة؛ لأن معرفة وجوبها من جهة النبيّ - ﷺ -، لا من جهة العقل، ثم دعا إلى الفلاح، وهو الفوز، والبقاء في النعيم المقيم، وفيه إشعار بأمور الآخرة، من البعث والجزاء، وهي آخر تراجم عقائد الإسلام، ثم كَرَّر ذلك بإقامة الصلاة للإعلام بالشروع فيها، وهو متضمن لتأكيد الإيمان، وتكرار ذكره عند الشروع في العبادة بالقلب واللسان، وليدخل المصلي فيها على بينة من أمره، وبصيرة من إيمانه، ويستشعر عظيم ما دَخَل فيه، وعظمة حق من يعبد، وجزيل ثوابه. هذا آخر كلام القاضي - ﵀ -، وهو من النفائس الجليلة، وبالله تعالى التوفيق . وقال في «الفتح»: قال القرطبيّ وغيره: الأذان على قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة؛ لأنه بدأ بالأكبرية، وهي تتضمن وجود الله وكماله، ثم ثَنّى بالتوحيد، ونفي الشريك، ثم بإثبات الرسالة لمحمد - ﷺ -، ثم دعا إلى الطاعة المخصوصةَ عقب الشهادة بالرسالة؛ لأنها لا تُعرف إلا من جهة الرسول - ﷺ -، ثم دعا إلى الفلاح، وهو البقاء الدائم، وفيه الإشارة إلى الْمَعاد، ثم أعاد ما أعاد توكيدًا. ويحصل من الأذان الإعلام بدخول الوقت، والدعاء إلى الجماعة، وإظهار شعائر الإسلام، والحكمة في اختيار القول له دون الفعل سهولة القول، وتيسره لكل أحد في كل زمان ومكان. واختُلِف أيما أفضل: الأذان أو الإمامة؟ ثالثها إن عَلِم من نفسه القيامَ بحقوق الإمامة فهي أفضل، وإلا فالأذان، وفي كلام الشافعي ما يومئ إليه. واختُلِف أيضًا في الجمع بينهما، فقيل: يكره، وفي البيهقي من حديث جابر مرفوعًا النهي عن ذلك، لكن سنده ضعيف، وصح عن عمر - ﵁ -: لو أطيق الأذان مع الخلافة لأذّنت، رواه سعيد بن منصور وغيره، وقيل: هو خلاف الأولى، وقيل: يستحبّ، وصححه النووي. انتهى . وسيأتي تمام البحث فيها في المسائل - إن شاء الله تعالى -، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٤٣] (٣٧٧) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاق، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ (ح) حَدَّثنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: حَدَّثنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، يَجْتَمِعُونَ، فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَوَات، وَلَيْسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدٌ، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسٍ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَرْنًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُود، فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا، يُنَادِي بِالصَّلَاةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا بِلَالُ، قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ»). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) المعروف بابن راهويه، أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م دت س) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بن عثمان الْبُرْسَانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٥٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦٥/ ٣٦٩. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١]، (ت ٢٤٥) (خ م دت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٤ - (عَبْدُ الرَّزاقِ) بن همّام بن نافع الْحِميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ شهير، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٥ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدّم قبل باب. ٦ - (هَارُونُ بْنَ عَبْدِ اللهِ) بن مروان الْحَمّال، أبو موسى البغداديّ البزّاز، ثقةُ [١٠] (٢٤٣) وقد ناهز (٨٠) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦٤/ ٣٦١. ٧ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور، أبو محمد المصِّيصيّ، ترمذيّ الأصل، نزل بغداد، ثم المصِّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط بعد دخوله بغداد قبل موته [٨] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩٤. ٨ - (نَافِعٌ، مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ) الْعَدويّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٩ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب - ﵄ - المتوفّى سنة (٧٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، فرّق بينهم بالتحويل. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول والثاني ما أخرج لهما ابن ماجه، والثالث ما أخرج له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أن فيه قوله: «واللفظ له» أي سياق متن الحديث لهارون بن عبد الله، وأما إسحاق، ومحمد بن رافع، فروياه بمعناه. ٤ - (ومنها): أن فيه ابن عمر - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى، وأشدّ الناس اتّباعًا للسنّة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب - ﵄ - (أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ) أي مهاجرين من مكة (يَجْتَمِعُونَ) أي لأداء الصلاة جماعةً (فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَوَاتِ) بالحاء المهملة: أي يُقدّرون حينها؛ ليأتوا إليها، وهو من التحيّن، من باب التفَعُّل الذي وُضِعَ للتكلّف غالبًا، وهو من الْحِين، وهو الوقت والزمن . (وَلَيْسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدٌ) ببناء الفعل للفاعل، و«أحدٌ» بالرفع تنازعه «ليس»، و«ينادي»، ويَحْتَمل أن يكون اسم «ليس» مؤخّرًا، وفاعل «ينادي» ضمير يعود إليه؛ لكونه مقدّمًا معنًى، وقيل: إن «ليس» هنا حرف نفي بمعنى «لا»، فلا اسم لها ولا خبر، وقيل: إن اسمها ضمير الشأن، وجملة «يُنادي بها أحد» خبرها. ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: «ليس يُنادَى بها» بالبناء للمفعول، فقال ابن مالك - ﵀ -: هذا شاهد على جواز استعمال «ليس» حرفًا، لا اسم لها، ولا خبر لها، أشار إليه سيبويه، ويَحْتَمِلُ أن يكون اسمها ضمير الشأن، والجملة بعدها خبر لها، قاله في «العمدة» . (فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ) أي في شأن وقت الصلاة، ثم بيّن الكلام الذي تكلّموا به بقوله: (فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا) بكسر الخاء، بصيغة الأمر، قال الحافظ - ﵀ -: لم يقع لي تعيين المتكلّمين في ذلك، واختَصَر الجواب في هذه الرواية، ووقع لابن ماجه من وجه آخر، عن ابن عمر: «أن النبيّ - ﷺ - استشار الناس لِمَا يجمعهم إلى الصلاة، فذكرُوا الْبُوقَ، فكرهه؛ من أجل اليهود، ثم ذكروا الناقوس، فكرهه؛ من أجل النصارى». وفي رواية رَبَاح بن عطاء، عن خالد الحذّاء، عن أبي قلابة، عن أنس، عند أبي الشيخ، فقالوا: لو اتّخَذنا ناقوسًا، فقال رسول الله - ﷺ -: «ذلك للنصارى»، فقالوا: لو اتّخذنا بُوقًا، فقال: «ذلك لليهود»، فقالوا: لو رفعنا نارًا، فقال: «ذلك للمجوس». (نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النّصَارَى) الناقوس: خشبةٌ طويلةٌ، تُضرب بخشبة أصغر منها، قاله ابن الأثير - ﵀ - . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: الناقوس: خشبةٌ طويلة يَضرِبُ بها النصارى إعلامًا للدخول في صلاتهم، ونَقَسَ نَقْسًا، من باب قتل: فَعَلَ ذلك. انتهى . وقال ابن منظور: والناقوس: مِضْرابُ النصارى الذي يضربونه لأوقات الصلاة، قال جرير [من البسيط]: لَمَّا تَذَكَّرْتُ بِالدَّيْرَيْنِ أَرَّقَنِي … صَوْتُ الدَّجَاجِ وَقَرْعٌ بِالنَّوَاقِيسِ وذلك أنه كان مُزْمِعًا سفرًا صبَاحًا، ويرْوَى: «وَنَقْسٌ بِالنَّوَاقِيسِ»، والنَّقْسُ: الضربُ بالناقوس، والنَّقْسُ: ضَرْبٌ من النواقيس، وهي الْخَشَبة الطويلةُ، والْوَبِيلةُ، والْوَبِيلُ: الخشبة القصيرة. انتهى. (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَرْنًا) أي بل اتّخِذوا قرنًا (مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ) أي قرنًا يُنفَخ فيه، فيَخرُج منه صوتٌ يكون علامةً لأوقات الصلاة، كما كانت اليهود تفعله، وهذا القرن هو المسمَّى بالبُوق بضم الموحّدة. ووقع في رواية البخاريّ: وقال بعضهم: «بل بُوقًا مثل قرن اليهود»: أي قال بعضهم: اتّخِذوا بُوقًا بضئم الباء الموحّدة، وبعد الواو الساكنة قافٌ، وهو الذي يُنفخ فيه، قال في «الفتح»: الْبُوقُ والقَرْن: معروفان، والمراد أن يُنفَخ فيه، فيجتمعون عند سماع صوته، وهو من شعار اليهود، ويُسمَّى أيضًا الشابُور بالشين المعجمة المفتوحة، والموحّدة المضمومة. انتهى . (فَقَالَ عُمَرُ) بن الخطّاب - ﵁ - (أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا) الهمزة للاستفهام، والواو عاطفة على مقدَّر؛ أي أتقولون بموافقة اليهود والنصارى، ولا تبعثون رجلًا؟ وقال الطيبيّ - ﵀ -: الهمزة إنكار للجملة الأولى؛ أي المقدَّر، وتقريرٌ للجملة الثانية حثًّا وبَعْثًا (يُنَادِي بِالصَّلَاةِ؟) ببناء الفعل للفاعل، والجملة صفة لـ«رجلًا». قال القاضي عياض - ﵀ -: ظاهره أنه إعلام ليس على صفة الأذان الشرعيّ، بل إخبار بحضور وقتها، قال النوويّ: وهذا الذي قاله القاضي مُحْتَمِلٌ، أو متعينٌ، فقد صحّ في حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه في سنن أبي داود، والترمذيّ، وغيرهما أنه رأى الأذان في المنام، فجاء إلى رسول الله - ﷺ - يخبره به، فجاء عمر - ﵁ -، فقال: يا رسول الله والذي بعثك بالحقّ، لقد رأيت مثل الذي رأى … وذكر الحديث، فهذا ظاهره أنه كان في مجلس آخر، فيكون الواقع الإعلام أوّلًا، ثم رأى عبد الله بن زيد الأذان، فشرعه النبيّ - ﷺ - بعد ذلك؛ إما بوحي، وإما باجتهاده - ﷺ - على مذهب الجمهور في جواز الاجتهاد له - ﷺ -، وليس هو عملًا بمجرّد المنام، هذا ما لا يُشَكّ فيه بلا خلاف. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: يَحْتَمِل أن يكون عبد الله بن زيد لَمّا أخبر برؤياه، وصدّقه النبيّ - ﷺ - بادر عمر، فقال: «أوَلا تبعثون رجلًا ينادي»، أي يؤذِّن للرؤيا المذكورة، فقال النبيّ - ﷺ -: «قُم يا بلال»، فعلى هذا فالفاء في سياق حديث ابن عمر هي الفصيحة، والتقدير: فافترقوا.، فرأى عبد الله بن زيد، فجاء إلى النبيّ - ﷺ - فقَصَّ عليه، فصدَّقه، فقال عمر. وتعقّبه في «الفتح» بأن سياق حديث عبد الله بن زيد يخالف ذلك، فإن فيه أنه لَمّا قَصّ رؤياه على النبيّ - ﷺ -، فقال له: «أَلْقِها على بلال، فليؤَذِّن بها»، قال: فسمع عمر الصوتَ، فخرج، فأتى النبيّ - ﷺ -، فقال: لقد رأيت مثل الذي رأى، فدلّ على أن عمر لم يكن حاضرًا لَمّا قَصّ عبد الله بن زيد رؤياه، والظاهر أن إشارة عمر بإرسال رجل ينادي للصلاة، كانت عقب المشاورة فيما يفعلونه، وأن رؤيا عبد الله بن زيد كانت بعد ذلك، والله أعلم. وقد أخرج أبو داود بسند صحيح إلى أبي عُمير بن أنس، عن عمومته من الأنصار، قالوا: اهتَمَّ النبيّ - ﷺ - للصلاة، كيف يَجمَع الناس لها، فقيل له: انصب راية عند حضور وقت الصلاة، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضًا، فلم يعجبه … الحديث، وفيه ذَكَروا الْقُنْعَ بضم القاف، وسكون النون؛ يعني الْبُوقَ، وذكروا الناقوس، فانصرف عبد الله بن زيد وهو مُهْتَمّ، فأُري الأذان، فغدا على رسول الله - ﷺ -، قال: وكان عمر رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يومًا، ثم أخبر به النبيّ - ﷺ -، فقال: «ما منعك أن تُخبرنا؟»، قال: سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت، فقال رسول الله - ﷺ -: «يا بلال قم، فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله»، ترجم له أبو داود بدء الأذان. وقال أبو عمر بن عبد البر: رَوَى قصةَ عبد الله بن زيد جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة، ومعانٍ متقاربة، وهي من وجوه حسان، وهذا أحسنها. قال الحافظ: وهذا لا يخالفه ما تقدم أن عبد الله بن زيد لَمّا قص منامه، فسمع عمر الأذان، فجاء فقال: قد رأيت؛ لأنه يُحْمَل على أنه لم يُخبر بذلك عقب إخبار عبد الله، بل متراخيًا عنه؛ لقوله: «ما منعك أن تخبرنا؟» أي عقب إخبار عبد الله، فاعتذر بالاستحياء، فدَلّ على أنه لم يخبر بذلك على الفور، وليس في حديث أبي عمير التصريح بأن عمر كان حاضرًا عند قَصّ عبد الله رؤياه، بخلاف ما وقع في روايته التي ذُكِر بها: «فسمع عمر الصوت، فخرج، فقال»، فإنه صريح في أنه لم يكن حاضرًا عند قص عبد الله، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الراجح في معنى قول عمر - ﵁ -: «أَوَلا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة» هو النداء المطلق، كقوله: «الصلاة جامعة»، ونحو ذلك، لا الأذان المعروف؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم. (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵁ -: «يَا بِلَالُ، قُمْ، فَنَادِ بِالصَّلَاةِ») وفي رواية عند أبي عوانة: «فأذّن بالصلاة»، وفي رواية أبي نعيم: «يا بلال قم، فناد، فأذّن بالصلاة»، قال القاضي عياض وغيره: فيه حجة لشرع الأذان قائمًا، وكذا احتج به قبله ابن خزيمة، وابن المنذر، وتعقب ذلك النوويّ بأن المراد بقوله: «قُمْ» أي اذهب إلى موضع بارز، فناد فيه بالصلاة ليسمعك الناس، قال: وليس فيه تعرّض للقيام في حال الأذان. انتهى. قال في «الفتح»: وما نفاه ليس ببعيد من ظاهر اللفظ، فإن الصيغة محتملة للأمرين، وإن كان ما قاله أرجح. قال الجامع عفا الله عنه: بل الأرجح عكس ما قاله؛ لكونه أوفق لظاهر اللفظ، فأيّ دليل يدلّ على صرف «قم» عن ظاهره، حتى نرجّح ما قاله؟ فالحديث ظاهر في الدلالة على مشروعيّة القيام للأذان، فتبصّر. والحاصل أن القيام للأذان سنّة ثابتة؛ للحديث المذكور، ولحديث عبد الله بن زيد - ﵁ - الذي رأى الأذان، قال: «يا رسول الله رأيت في المنام كأن رجلًا قائمًا، وعليه ثوبان أخضران …» الحديث . قال ابن المنذر - ﵀ -: ولم يختلف أهل العلم في أن من السنّة أن يؤذّن وهو قائمٌ إلا من علّة، فإن كانت به علّة فله أن يؤذّن جالسًا، وروينا عن أبي زيد صاحب رسول الله - ﷺ -، وكانت رجله أصيبت في سبيل الله أنه أذّن وهو قاعد، وقال عطاء، وأحمد بن حنبل: لا يؤذّن جالسًا إلا من علّة، وكره الأذان قاعدًا مالكٌ، والأوزاعيّ، وأصحاب الرأي، وكان أبو ثور يقول: يؤذّن وهو جالسٌ من علّة وغير علّة، والقيام أحبّ إليّ. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٨٤٣] (٣٧٧)، و(البخاريّ) في «الأذان» (٦٠٤)، و(الترمذيّ) فيه (١٩٠)، و(النسائيّ) فيه (٢/ ٢ - ٣)، و(عبد الرزاق) في «مصنّفه» (١/ ٤٥٦ - ٤٥٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٦٣٢١)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٣٦١)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (١/ ٢٣٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٥٧٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٩٤٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٨٣١ و٨٣٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ابتداء الأذان؛ لأن المراد بقوله: «قم يا بلال، فناد بالصلاة» النداء المعروف، وذلك بعد رؤيا عبد الله بن زيد - ﵁ - الأذان، كما أسلفنا تقريره. ٢ - (ومنها): حرص الصحابة - ﵃ - على أداء الصلاة جماعةً، حيث إنهم كانوا يَجتمعون من غير أن يكون هناك أذان. ٣ - (ومنها): أن فيه دليلًا على مشروعية طلب الأحكام من المعاني المستنبطة، دون الاقتصار على الظواهر، قاله ابن العربيّ، وعلى مراعاة المصالح، والعمل بها، وذلك أنه لَمّا شَقّ عليهم التبكير إلى الصلاة، فتفوتهم أشغالهم، أو التأخُّر عنها فيفوتهم وقت الصلاة، نظروا في ذلك. ٤ - (ومنها): أن فيه مشروعيةَ التشاور في الأمور المهمة، وذلك مستحبّ في حقّ الأمة بالإجماع، قال النوويّ: واختَلَف أصحابنا هل كانت المشاورة واجبة على النبيّ - ﷺ -، أو كانت سنّةً كما في حقّبا؟ والصحيح عندهم وجوبها، وهو المختار، قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، والمختار الذي عليه جمهور الفقهاء، ومحقّقو أهل الأصول أن الأمر للوجوب. ٥ - (ومنها): أنه ينبغي للمتشاورين أن يقول كلّ منهم ما عنده من الرأي، ثم يفعل صاحب الأمر ما ظهرت له فيه المصلحة. ٦ - (ومنها): أنه لا حرج على أحد المتشاورين إذا أخبر بما أدَّى إليه اجتهاده، ولو خطأ. ٧ - (ومنها): أن فيه منقبةً ظاهرةً لعمر، وعبد الله بن زيد - ﵄ -. ٨ - (ومنها): أنه يجب مخالفة اليهود والنصارى، وغيرهم من أهل الملل المخالفة للإسلام فيما يستعملونه في عباداتهم، وعاداتهم الخاصّة بهم. ٩ - (ومنها): بيان شرف رؤيا المؤمن، وقد أخرج الشيخان عن أنس بن مالك، عن عبادة بن الصامت - ﵂ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة». وأخرج البخاريّ عن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات»، قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة». وأخرج مسلم عن ابن عباس - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة، إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو تُرى له». ١٠ - (ومنها): مراعاة المصالح والعمل بها، وذلك أنه لَمّا شقّ عليهم التبكير إلى الصلاة؛ لئلا تفوتهم أشغالهم أو التأخّر عنها؛ لئلا يفوتهم صلاتها جماعةً، نظروا في ذلك. ١١ - (ومنها): مشروعيّة القيام للأذان، على ما الراجح في قوله - ﷺ -: «قم يا بلال»، وقال القاضي عياض - ﷺ -: في الحديث حجة لشرع الأذان من قيام، وأنه لا يجوز الأذان قاعدًا، قال: وهو مذهب العلماء كافّةً إلا أبا ثور، فإنه جوّزه، ووافقه أبو الفرج المالكيّ. وتعقّبه النوويّ، فقال: وهذا الذي قاله ضعيف لوجهين: أحدهما: أنّا قدمنا عنه أن المراد بهذا النداء الإعلام بالصلاة، لا الأذان المعروف، والثاني: أن المراد: قُمْ فاذهب إلى موضع بارز، فناد فيه بالصلاة ليسمعك الناس من البعد، وليس فيه تعرّض للقيام في حال الأذان، لكن يُحْتَجُّ للقيام في الأذان بأحاديث معروفة غير هذا. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن احتجاج القاضي بقوله: «قم يا بلال» على القيام ظاهرٌ، وقد احتجّ به قبله ابن المنذر في «الأوسط» . وكذا كون المراد من قوله: «فناد بالصلاة» الأذان المعروف هو الأظهر، كما أسلفنا تحقيقه، وأما قول عمر - ﵁ -: «ينادي بالصلاة» فحمله على مطلق الإعلام هو الأقرب، والله تعالى أعلم. قال: وأما قوله: مذهب العلماء كافة أن القيام واجبٌ، فليس كما قال، بل مذهبنا المشهور أنه سنة، فلو أذّن قاعدًا بغير عذر صح أذانه، لكن فاتته الفضيلة، وكذا لو أذّن مضطجعًا مع قدرته على القيام صحّ أذانه على الأصح؛ لأن المراد الإعلام، وقد حَصَل، ولم يثبت في اشتراط القيام شيء، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . ١٢ - (ومنها): ما قيل: سبب تخصيص بلال - ﵁ - بالنداء والإعلام هو ما جاء مبينًا في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما في الحديث الصحيح، حديثِ عبد الله بن زيد، أن رسول الله - ﷺ - قال له: «أَلْقِه على بلال، فإنه أندى صوتًا منك»، قيل: معناه أرفع صوتًا، وقيل: أطيب، فيؤخذ منه استحباب كون المؤذن رفيع الصوت وحسنه، وهذا متفق عليه، قال أصحابنا: فلو وجدنا مؤذنًا حسن الصوت يَطلُب على أذانه رزقًا، وآخر يتبرع بالأذان، لكنه غير حسن الصوت، فأيهما يؤخذ؟ فيه وجهان؛ أصحهما يُرْزَق حسن الصوت، وهو قول ابن سريج، والله أعلم. انتهى. وقال ابن المنذر - ﵀ - بعد إخراجه حديث رؤيا عبد الله بن زيد للأذان - ما نصّه: ويدلّ هذا الحديث على أن من كان أرفع صوتًا أحقّ بالأذان؛ لأن النداء إنما جُعل لاجتماع الناس للصلاة، بَيَّنَ ذلك في قوله: «ألقها عليه، فإنه أندى صوتًا منك». انتهى . ١٣ - (ومنها): ما ذكره العلماء أن في حكمة الأذان أربعة أشياء: إظهار شعار الإسلام، وكلمة التوحيد، والإعلام بدخول وقت الصلاة، وبمكانها، والدعاء إلى الجماعة ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم متى شُرع الأذان؟: قال الإمام البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»: «باب بَدْء الأذان» وقوله ﷿: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾ [المائدة: ٥٨]، وقوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]. فأشار بالآية الأولى إلى أن ابتداء الأذان كان بالمدينة، وقد ذكر بعض أهل التفسير أن اليهود لَمّا سمعوا الأذان قالوا: لقد ابتدعت يا محمد شيئًا لم يكن فيما مضى، فنزلت: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ الآية. وأشار بالآية الثانية أيضًا إلى أن الابتداء كان بالمدينة، وذلك لأن ابتداء الجمعة إنما كان بالمدينة. قال في «الفتح»: واختُلِف في السنة التي فُرض فيها، فالراجح أن ذلك كان في السنة الأولى، وقيل: بل كان في السنة الثانية، ورُوي عن ابن عباس أن فرض الأذان نزل مع هذه الآية، أخرجه أبو الشيخ. قال: وحديث ابن عمر المذكور في هذا الباب ظاهر في أن الأذان إنما شُرع بعد الهجرة، فإنه نُفِيَ النداء بالصلاة قبل ذلك مطلقًا، وقوله في آخره: «يا بلال قم، فناد بالصلاة» كان ذلك قبل رؤيا عبد الله بن زيد، وسياق حديثه يدلّ على ذلك، كما أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان من طريق محمد بن إسحاق، قال: حدّثني محمد بن إبراهيم التيميّ، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، قال: حدَّثني عبد الله بن زيد، فذكر نحو حديث ابن عمر، وفي آخره: فبينما هم على ذلك أُرِيَ عبد الله النداء، فذكر الرؤيا، وفيها صفة الأذان، لكن بغير ترجيع، وفيه تربيع التكبير، وإفراد الإقامة، وتثنية «قد قامت الصلاة»، وفي آخره قوله - ﷺ -: «إنها لرؤيا حقّ إن شاء الله تعالى، فقم مع بلال، فألقها عليه، فإنه أندى صوتًا منك»، وفيه مجيء عمر، وقوله: إنه رأى مثل ذلك. وقد أخرج الترمذيّ في ترجمة بدء الأذان حديث عبد الله بن زيد، مع حديث عبد الله بن عمر، وإنما لم يخرجه البخاريّ؛ لأنه على غير شرطه، وقد رُوِي عن عبد الله بن زيد من طُرُق، وحَكَى ابن خزيمة عن الذُّهليّ أنه ليس في طُرُقه أصح من هذه الطريق، وشاهده حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، مرسلًا، ومنهم من وصله عن سعيد، عن عبد الله بن زيد، والمرسل أقوى إسنادًا. ووقع في «الأوسط» للطبراني أن أبا بكر أيضًا رأى الأذان، ووقع في «الوسيط» للغزاليّ أنه رآه بضعة عشر رجلًا، وعبارة الجيلي في «شرح التنبيه» أربعة عشر رجلًا، وأنكره ابن الصلاح، ثم النوويّ، ونقل مغلطاي أن في بعض كتب الفقهاء أنه رآه سبعةٌ، ولا يثبت شيء من ذلك إلا لعبد الله بن زيد، وقصة عمر جاءت في بعض طرقه. وفي «مسند الحارث بن أبي أسامة» بسند واهٍ قال: «أول من أذّن بالصلاة جبريل في سماء الدنيا، فسمعه عمر وبلال، فسبق عمر بلالًا، فأخبر النبيّ - ﷺ -، ثم جاء بلال، فقال له: سبقك بها عمر». قال الجامع عفا الله عنه: تبيّن بما سبق أن الراجح أن شرع الأذان كان بالمدينة، كما بيّنه حديث ابن عمر - ﵄ - المذكور في الباب. قال ابن المنذر - ﵀ - بعد ذكر حديث ابن عمر - ﵄ - هذا الحديث يدلّ على أن بدء الأذان إنما كان بعد أن هاجر النبيّ - ﷺ - إلى المدينة، وأن صلاته بمكّة إنما كانت بغير نداء، ولا إقامة، وكذلك كان يُصلّي أوّل ما قَدِمَ المدينة إلى أن رأى عبد الله بن زيد النداء في المنام بغير أذان ولا إقامة. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: وردت أحاديث تدلّ على أن الأذان شُرع بمكة قبل الهجرة، منها للطبراني من طريق سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: لما أُسري بالنبيّ - ﷺ - أوحى الله إليه الأذان، فنَزَل به، فعلَّمه بلالًا، وفي إسناده طلحة بن زيد، وهو متروك. وللدارقطني في «الأطراف» من حديث أنس، أن جبريل أمر النبيّ - ﷺ - بالأذان حين فُرِضت الصلاة، وإسناده ضعيف أيضًا. ولابن مردويه من حديث عائشة، مرفوعًا: «لما أُسري بي أَذَّن جبريل، فظنت الملائكة أنه يصلي بهم، فقدَّمني فصليت»، وفيه من لا يُعْرَف. وللبزار وغيره من حديث عليّ قال: لما أراد الله أن يُعَلّم رسوله الأذان، أتاه جبريل بدابة يقال لها: البراق، فركبها … فذكر الحديث، وفيه: إذ خرج ملك من وراء الحجاب، فقال: الله أكبر الله أكبر، وفي آخره: ثم أخذ الملك بيده، فأمَّ بأهل السماء، وفي إسناده زياد بن المنذر أبو الجارود، وهو متروك أيضًا، ويمكن على تقدير الصحة أن يُحمَل على تعدد الإسراء، فيكون ذلك وقع بالمدينة. وأما قول القرطبيّ: لا يلزم من كونه سمعه ليلة الإسراء أن يكون مشروعًا في حقه، ففيه نظر؛ لقوله في أوله: «لما أراد الله أن يعلم رسوله الأذان»، وكذا قول المحب الطبريّ: يُحْمَل الأذان ليلة الإسراء على المعنى اللغويّ، وهو الإعلام؛ ففيه نظر أيضًا؛ لتصريحه بكيفيته المشروعة فيه. والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث، وقد جزم ابن المنذر بأنه - ﷺ - كان يصلي بغير أذان منذ فُرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة، وإلى أن وقع التشاور في ذلك على ما في حديث عبد الله بن عمر، ثم حديث عبد الله بن زيد. انتهى. وقد حاول السهيليّ الجمع بينهما، فتكلّف وتعسَّف، والأخذ بما صَحّ أولى، فقال بانيًا على صحة الحكمة في مجيء الأذان على لسان الصحابيّ: إن النبيّ - ﷺ - سمعه فوق سبع سماوات، وهو أقوى من الوحي، فلما تأخر الأمر بالأذان عن فرض الصلاة، وأراد إعلامهم بالوقت، فرأى الصحابيّ المنام فقصّها، فوافقت ما كان النبيّ - ﷺ - سمعه، فقال: «إنها لرؤيا حقّ»، وعَلِم حينئذ أن مراد الله بما أراه في السماء أن يكون سنةً في الأرض، وتَقَوَّى ذلك بموافقة عمر؛ لأن السكينة تنطق على لسانه، والحكمةُ أيضًا في إعلام الناس به على غير لسانه - ﷺ - التنويه بقدره، والرفع لذكره بلسان غيره؛ ليكون أقوى لأمره، وأفخم لشأنه. انتهى ملخصًا. قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الحافظ - ﵀ - في ردّه على القرطبيّ والسهيليّ هذه التكلّفات والتعسّفات؛ إذ هي تعب لا ينبني عليه أرب؛ إذ الجمع بين النصوص المختلفة إنما هو فرع عن صحّتها، فأما إذا كانت واهية كالأحاديث المذكورة هنا، فلا داعي إلى التكلّف، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: ومما كَثُر السؤال عنه، هل باشر النبيّ - ﷺ - الأذان بنفسه؟ وقد وقع عند السهيليّ أن النبيّ - ﷺ - أَذَّن في سفر، وصلى بأصحابه وهم على رواحلهم، السماء من فوقهم، والبِلّة من أسفلهم، أخرجه الترمذيّ من طريق تدور على عمر بن الرّمَاح، يرفعه إلى أبي هريرة. انتهى. قال الحافظ - ﵀ -: وليس هو من حديث أبي هريرة، وإنما هو من حديث يعلى بن مرّة، وكذا جزم النوويّ بأن النبيّ - ﷺ - أذَّن مرة في السفر، وعزاه للترمذيّ، وقوّاه، ولكن وجدناه في «مسند أحمد» من الوجه الذي أخرجه الترمذيّ، ولفظه: «فأمر بلالًا، فأذّن»، فعُرف أن في رواية الترمذيّ اختصارًا، وأن معنى قوله: «أَذَّن» أمر بلالًا به، كما يقال: أعطى الخليفةُ العالم الفلانيّ ألفًا، وإنما باشر العطاء غيره، ونُسب للخليفة؛ لكونه آمرًا به. قال: ومن أغرب ما وقع في بدء الأذان: ما رواه أبو الشيخ بسند فيه مجهول، عن عبد الله بن الزبير، قال: «أُخِذ الأذانُ من أذان إبراهيم، ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ الآية [الحج: ٢٧]، قال: فأذّن رسول الله - ﷺ -»، وما رواه أبو نعيم في «الحلية» بسند فيه مجاهيل: «إن جبريل نادى بالأذان لآدم حين أُهبط من الجنة». انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأحاديث كلّها ضعاف لا ينبغي الاعتماد عليها، وإنما تُذكر للتنبيه؛ فتنبّه ولا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه آخر]: قد استُشكِل إثبات حكم الأذان برؤيا عبد الله بن زيد؛ لأن رؤيا غير الأنبياء لا ينبني عليها حكم شرعيّ. وأُجيب باحتمال مقارنة الوحي لذلك، أو لأنه - ﷺ - أُمر بمقتضاها؛ ليَنظُر أيُقَرُّ على ذلك أم لا؟ ولا سيما لَمّا رأى نظمها يَبْعُد دخول الوسواس فيه، وهذا ينبني على القول بجواز اجتهاده - ﷺ - في الأحكام، وهو المنصور في الأصول، ويؤيد الأول ما رواه عبد الرزاق، وأبو داود في «المراسيل» من طريق عُبيد بن عمير الليثيّ، أحد كبار التابعين، أن عمر لما رأى الأذان جاء ليخبر به النبيّ - ﷺ -، فوجد الوحي قد ورد بذلك، فما راعه إلا أذان بلال، فقال له النبيّ - ﷺ -: سبقك بذلك الوحي، وهذا أصح مما حَكَى الداوديّ، عن ابن إسحاق أن جبريل أتى النبيّ - ﷺ - بالأذان قبل أن يخبره عبد الله بن زيد وعمر بثمانية أيام. وأشار السهيلي إلى أن الحكمة في ابتداء شرع الأذان على لسان غير النبيّ - ﷺ - التنويه بعلوّ قدره على لسان غيره؛ ليكون أفخم لشأنه، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الأذان: قال الإمام أبو بكر بن المنذر - ﵀ - في كتابه «الأوسط»: «ذكرُ الأمر بالأذان، ووجوبه»، قال الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ الآية [المائدة: ٥٨]. قال: ولا نعلم أذانًا كان على عهد رسول الله - ﷺ - إلا للصلاة المكتوبة، وقد ثَبَت أن رسول الله - ﷺ - أمر بالأذان والإقامة للمسافر، ثم أخرج بسنده عن مالك بن الحويرث - ﵁ - أنه أتى النبيّ - ﷺ - هو وصاحب له، فقال: «إذا سافرتما، فأذّنا ثم أقيما، وليؤمّكما أكبركما»، متّفقٌ عليه. قال: فالأذان والإقامة واجبتان على كلّ جماعة في الحضر والسفر؛ لأن النبيّ - ﷺ - أمر بالأذان، وأَمْرُه على الفرض، وقد أمر النبيّ - ﷺ - أبا محذورة أن يؤذّن بمكة، وأمر بلالًا بالأذان، وكل هذا يدلّ على وجوب الأذان. وقد اختَلَف أهل العلم فيمن صلَّى بغير أذان ولا إقامة، فرُوي عن عطاء أنه قال فيمن نسي الإقامة: يعيد الصلاة، وبه قال الأوزاعيّ، ثم قال الأوزاعيّ فيمن نسي الأذان: يُعيد ما دام في الوقت، فإن مضى الوقت فلا إعادة، وكان يقول في الأذان والإقامة: يُجزئ أحدهما عن الآخر، وقد رُوي عن مجاهد أنه قال: من نسي الإقامة في السفر أعاد. وقال مالك: إنما يجب النداء في مساجد الجماعة التي يُجمع فيها الصلاة. وقالت طائفة: لا إعادة على من ترك الأذان والإقامة، وروينا عن الحسن أنه قال: من نسي في السفر فلا إعادة عليه، وكذلك قال النخعيّ، وقال الزهريّ وقتادة: من نسي الإقامة لم يُعِد صلاته، وقال مالك: لا شيء عليه إذا صلّى بغير إقامة، وإن تعمّد يستغفر الله، ولا شيء عليه، وقال أحمد، وإسحاق، والنعمان، وصاحباه في قوم صلَّوا بغير أذان ولا إقامة، قالوا: صلاتهم جائزة. انتهى كلام ابن المنذر - ﵀ - . وقال أبو محمد بن حزم - ﵀ -: ولا تُجزئ صلاة فريضةٌ في جماعة: اثنين فصاعدًا إلا بأذان وإقامة، سواء كانت في وقتها، أو كانت مقضيّة لنوم أو لنسيان، متى قُضيت، السفر والحضر سواء في كلّ ذلك، فإن صلّى شيئًا من ذلك بلا أذان ولا إقامة، فلا صلاة لهم، حاشا الظهر والعصر بعرفة، والمغرب والعشاء بمزدلفة، فإنمها يُجمعان بأذان لكلّ صلاة، وإقامة للصلاتين معًا؛ لأثر في ذلك. ثم ذكر حديث مالك بن الحويرث - ﵁ - المتقدّم، ثم قال: وما نعلم من لم ير ذلك فرضًا حُجّةً أصلًا، ولو لم يكن إلا استحلال رسول الله - ﷺ - دماء من لم يسمع عندهم أذانًا وأموالهم، وسبيهم لكفى في وجوب فرض ذلك، وهو إجماع متيقّنٌ من جميع من كان معه من الصحابة - ﵃ - بلا شك. انتهى كلام ابن حزم - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن القول بوجوب الأذان والإقامة هو الأرجح؛ للأدلة الكثيرة الواضحة في ذلك، وقد ذكرت كثيرًا منها في «شرح النسائيّ» ، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): الأصل في الأذان هو ما أخرجه أبو داود في «سننه» ، فقال: (٤٩٩) حدثنا محمد بن منصور الطُّوسيّ، حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، قال: حدثني أبي، عبد الله بن زيد، قال: لَمّا أمر رسول الله - ﷺ - بالناقوس يُعْمَل؛ ليُضْرَب به للناس لجمع الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجل يَحمِل ناقوسًا في يده، فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلُّك على ما هو خير من ذلك؛ فقلت له: بلى، قال: فقال: تقول: «الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله»، قال: ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: وتقول إذا أقمت الصلاة: «الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله». فلما أصبحت أتيت رسول الله - ﷺ -، فأخبرته بما رأيت، فقال: «إنها لرؤيا حقّ إن شاء الله، فقم مع بلال، فألق عليه ما رأيت، فليؤذن به، فإنه أندى صوتًا منك»، فقمت مع بلال، فجعلت أُلقيه عليه ويؤذن به، قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب، وهو في بيته، فخرج يجر رداءه، ويقول: والذي بعثك بالحقّ يا رسول الله، لقد رأيت مثل ما رأى، فقال رسول الله - ﷺ -: «فلله الحمد». وأخرج ابن ماجه نحوه، وزاد: قال أبو عبيد : فأخبرني أبو بكر الحكميّ أن عبد الله بن زيد الأنصاريّ قال في ذلك [من الخفيف]: أَحْمَدُ اللهَ ذَا الْجَلَالِ وَذَا الإِكْـ … ـرَامِ حَمْدًا عَلَى الأَذَانِ كَثِيرَا إِذْ أَتَانِي بِهِ الْبَشِيرُ مِنَ اللَّـ … ـهِ فَأَكْرِمْ بِهِ لَدَيَّ بَشِيرَا فِي لَيَالي وَالَى بِهِنَّ ثَلَاثٍ … كُلَّمَا جَاءَ زَادَنِي تَوْقِيرَا قال ابن المنذر - ﵀ - بعد إخراج الحديث من طريق ابن إسحاق بسند أبي داود قال: وليس في أسانيد أخبار عبد الله بن زيد إسناد أصحّ من هذا الإسناد، وسائر الأسانيد فيها مقال. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في الأذان على غير طهارة: اختلفوا فيه على مذاهب: فكرهت طائفة أن يؤذّن المؤذّن إلا طاهرًا، فممن قال ذلك عطاء، ومجاهد، والأوزاعيّ، وكان الشافعيّ يكره ذلك، ويقول: يجزيه إن فعل، وبه قال أبو ثور، وقال أحمد: لا يؤذّن الجنب، وإن أذّن على غير طهارة أرجو أن لا يكون به بأس، وقال إسحاق: إذا أذّن الجنب أعاد الأذان، وقال: لا يؤذّن إلا متوضئ. ورخّصت طائفة في الأذان على غير وضوء، وممن رخّص في ذلك الحسن البصريّ، والنخعيّ، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، وقال الثوريّ: لا بأس أن يؤذّن الجنب، وقال مالك: يؤذّن على غير وضوء، ولا يُقيم إلا على وضوء، وقال النعمان فيمن أذّن على غير وضوء وأقام: يجزيهم، ولا يعيدوا الأذان ولا الإقامة، وإن أذّن وهو جنبٌ أُحبّ أن يعيدوا، وإن صلَّوا أجزأهم، وكذلك إذا أقام، وهو جنب. قال ابن المنذر - ﵀ - ﵀ - بعد ذكر هذه الأقوال: ليس على من أذّن وأقام وهو جنبٌ إعادة؛ لأن الجنب ليس بنجس؛ لقوله - ﷺ -: «إن المسلم لا ينجس»، ولأنه - ﷺ - كان يذكر الله على كلّ أحيانه، والأذان على الطهارة أحبّ إليّ، وأكره أن يُقيم جنبًا؛ لأنه يُعَرِّض نفسه للتهمة، ولفوات الصلاة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر - ﵀ - هو الأرجح عندي؛ لظهور حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في الكلام في الأذان: قال الإمام ابن المنذر - ﵀ -: اختلفوا في هذا، فرخّصت فيه طائفة، وممن رخّص فيه: الحسن البصريّ، وعطاء، وقتادة، وروينا عن سليمان بن صُرَد، وكانت له صحبة أنه كان يأمر بالحاجة له، وهو في أذانه، وكان عروة بن الزبير يتكلّم في أذانه. واحتجّ بعض من رخّص في الكلام في الأذان بحديث ابن عبّاس - ﵄ -، ثم أخرج بسند صحيح عن عبد الله بن الحارث، أن ابن عبّاس أمر مناديه يوم الجمعة في يوم مطير، فقال: إذا بلغت حيّ على الفلاح، فقل: ألا صلُّوا في الرحال، فقيل له: ما هذا؟ فقال: فعله من هو خير مني. قال: وكان أحمد بن حنبل يرخّص في الكلام في الأذان، وذكر حديث سليمان بن صُرد - ﵁ -، ثم أخرج بسند صحيح عن موسى بن عبد الله بن يزيد، أن سليمان بن صُرَد، وكانت له صحبةٌ، كان يؤذّن في العسكر، فأمر غلامه بالحاجة له، وهو في أذانه. وكرهت طائفة الكلام في الأذان، وممن كره ذلك النخعيّ، وابن سيرين، والأوزاعيّ، وقال مالكٌ: لم نعلم أحدًا يُقتدى به تكلّم بين ظهراني أذانه، وقال الثوريّ: وإذا أذّن وأقام فلا يتكلّمنّ فيهما، ولا بأس أن يتكلّم بينهما، وقال الشافعيّ: أحبّ أن لا يتكلّم في أذانه، فإن تكلّم فلا يعيد، وقال إسحاق: لا ينبغي للمؤذّن أن يتكلّم في أذانه إلا كلامًا من شأن الصلاة، نحو: صلّوا في رحالكم، وقال النعمان ويعقوب ومحمد: لا يتكلّم في أذانه وإقامته، فإن تكلّم في أذانه وصلّى القوم، فصلاتهم تامّة، وقد روينا عن الزهريّ أنه قال: إذا تكلّم الرجل في الإقامة أعاد الإقامة. قال ابن المنذر: أحسن ما قيل في هذا الباب الرخصة في الكلام في الأذان مما هو شأن الصلاة، كما قال إسحاق، وعلى ذلك يدلّ حديث ابن عبّاس - ﵄ -، فإن تكلّم بما ليس من الصلاة فهو مكروه، ولا يبطل أذانه، ولا إقامته؛ إذ لا حجّة على إبطالهما. انتهى كلام ابن المنذر - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح أن لا يتكلّم في أثناء الأذان، كما هو حال بلال وغيره من مؤذّني النبيّ - ﷺ -، فإن تكلّم فلا شيء عليه؛ لعدم ورود ما يدلّ على المنع؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب. (المسألة التاسعة): في اختلاف أهل العلم في أذان النساء: قال ابن المنذر - ﵀ -: اختلفوا في أذان النساء، وإقامتهنّ، فروينا عن عائشة - ﵂ - أنها كانت تؤذّن وتقيم، وعن وهب بن كيسان قال: سئل ابن عمر: هل على النساء أذان؟ فغضب، وقال: أنا أنهى عن ذكر الله؛ وحُكي عنه أنه قال: ليس على النساء أذان ولا إقامة، ولأن تقيم أحبّ إلينا. وقالت طائفة: عليهنّ إقامة، روي ذلك عن عطاء، ومجاهد، والأوزاعيّ، وقال الأوزاعيّ: ليس علبهنّ أذان، وعن جابر بن عبد الله - ﵄ - أنه سئل: أتقيم المرأة؟ قال: نعم. وقالت طائفة: ليس على النساء أذان ولا إقامة، كذلك قال أنس بن مالك، وروي ذلك عن ابن عمر، وقال أنس: إن فعلن فهو ذِكرٌ. وممن قال: ليس على النساء أذانٌ ولا إقامةٌ: سعيد بن المسيّب، والحسن البصريّ، والنخعيّ، والزهريّ، والثوريّ، ومالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، وأبو ثَوْر، والنعمان، ويعقوب، ومحمد، وقال ما لك: وإن أقامت فحسنٌ، وقال الشافعيّ: وإن جمّعن، وأذّنّ، وأقمن فلا بأس. قال ابن المنذر: الأذان ذكرٌ من ذكر الله فلا بأس أن تؤذّن المرأة وتقيم، قال: وروينا عن النبيّ - ﷺ - حديثًا في هذا الباب، ثم أخرج بسنده حديث أم ورقة ابنة عبد الله بن الحارث الأنصاريّ، وكان رسول الله - ﷺ - يزورها، ويُسمّيها الشهيدة، وكان رسول الله - ﷺ - قد أمرها أن تؤمّ في دارها، وكان لها مؤذّن . انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر - ﵀ - من أنه لا بأس على المرأة أن تؤذّن وتقيم هو الحقّ عندي؛ لأن الأذان ذكر، وهي من أهل الذكر، ولم يَرِد نصّ ولا إجماع بنهيها عن ذلك، بل استحسنه كثير من أهل العلم، ويؤيّد ذلك قصّة أم ورقة - ﵂ -، وأما حديث: «ليس على النساء أذانٌ ولا إقامة»، رواه البيهقيّ، من حديث ابن عمر - ﵄ -، فضعيفٌ مرفوعًا، وإنما هو موقوف، وعلى تقدير صحّته يكون معناه أنه لا يجب عليهنّ الأذان ولا الإقامة، كما يجب على الرجال، فلا ينافي الجواز. والحاصل أن المرأة إن أذّنت وأقامت، فلا بأس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة العاشرة): في اختلاف أهل العلم في الأذان والإقامة من صلّى في بيته: اختلفوا فيمن صلّى في منزله منفردًا، فقالت طائفة: له أن يصلّي بغير أذان ولا إقامة، قال الأسود، وعلقمة: أتينا عبد الله في داره، فقال: قوموا فصلُّوا، قال: فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة، وعن ابن عمر قال: إذا كنت في قرية يؤذّن بها، ويقام أجزأك ذلك. وهذا مذهب الشعبيّ، والأسود، وأبي مِجْلَز، ومجاهد، والنخعيّ، وعكرمة، وقال أحمد: إذا كان في مصر أجزأه أذان أهل المصر، وقال أبو حنيفة: إذا صلّى وحده إن أذّن وأقام فحسنٌ، وإن اكتفى بأذان الناس وإقامتهم أجزأه، وكذا قال أبو ثور. وقالت طائفة: يكفيه الإقامة، وبه قال: سعيد بن جبير، والأوزاعيّ، والحسن، وابن سيرين، وميمون بن مِهْران، ومالك بن أنس. وقالت طائفة: تجزئ الإقامة إلا في الفجر، فإنه يؤذّن ويقيم، روي هذا عن ابن سيرين، والنخعيّ. وقالت: إن صلّى بغير أذان وإقامة أعاد الصلاة، وتجزيه الإقامة، وهو قول عطاء. قال ابن المنذر - ﵀ - بعد ذكر هذه الأقوال: أحبّ إليّ أن يؤذّن ويقيم إذا صلّى وحده، ويجزيه إن أقام، وإن لم يؤذّن، ولو صلّى بغير أذان ولا إقامة لم يجب عليه إعادة، وإنما أحببت الأذان والإقامة للمصلّي وحده؛ لما أخرجه البخاريّ في «صحيحه» عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعة الأنصاريّ، ثم المازنيّ، عن أبيه، أنه أخبره أن أبا سعيد الخدريّ قال له: إني أراك تُحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك، أو باديتك، فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يَسْمَع مَدَى صوت المؤذِّن جنّ، ولا إنسٌ، ولا شيءٌ إلا شَهِد له يوم القيامة، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله - ﷺ -. فقد دلّ الحديث على أن الأذان ليس لاجتماع الناس فقط، بل لفضيلة الأذان أيضًا، وقد أمر - ﷺ - مالك بن الحويرث وابن عمّه - ﵄ - بالأذان والإقامة، ولا جماعة معهما . قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح أن يؤذّن ويقيم من يصلّي وحده في بيته؛ لأن أدلّة مشروعيّة الأذان لم تشترط الجماعة، بدليل حديث أبي سعيد - ﵁ - المذكور؛ فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الحادية عشرة): في اختلاف أهل العلم في الأذان والإقامة من صلّى في مسجد قد صُلّي فيه: (اعلم): أنهم اختلفوا في الرجل يأتي إلى مسجد قد صلَّى فيه أهله، فقالت طائفة: يؤذّن ويُقيم، كذلك فَعَل أنس بن مالك - ﵁ -، دخل مسجدًا قد صُلّي فيه، فأذّن وأقام وصلّى جماعةً، وكان سلمة بن الأكوع - ﵁ - إذا فاتته الصلاة مع القوم أذّن وأقام، وقال سعيد بن المسيّب، والزهريّ: يؤذّن ويقيم، وقال قتادة: لا يأتيك من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إلا خيرٌ. واختُلف في هذه المسألة عن الشافعيّ، فحَكى الزعفرانيّ عنه أنه قال: أذان المؤذّنين وإقامتهم كافيةٌ، وحَكَى الربيع عنه أنه قال: إذا دخل مسجدًا أقيمت فيه الصلاة أحببت له أن يؤذّن ويقيم في نفسه، وسئل أحمد عنه فقال: أليس كذا فعل أنس؟. وقالت طائفة: يقيم، روي هذا عن طاوس، وعطاء، ومجاهد، وبه قال مالك، والأوزاعيّ. وقالت طائفة: ليس عليه أن يؤذّن ولا أن يقيم، رُوي ذلك عن الحسن، والنخعيّ، وعكرمة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. قال ابن المنذر - ﵀ - بعد ذكر هذه الأقوال: أذانه وإقامته أحبّ إليّ، وإن اقتصر على أذان أهل المسجد فصلّى، فلا إعادة عليه، ولا أحبّ أن يفوته فضل الأذان. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي يظهر لي أن من أتى مسجدًا قد صلى فيه أهله، وتفرّقوا أن يؤذّن ويقيم، ولا يقتصر على الأذان الأول؛ لأنه لم يحضره؛ فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية عشرة): في اختلاف أهل العلم في أخذ الأجرة على الأذان: قال ابن المنذر - ﵀ -: اختلفوا في ذلك، فكرهت طائفة أخذ الأجرة على الأذان، وممن كره ذلك القاسم بن عبد الرحمن، وروي عن الضحّاك بن مزاحم، وقتادة، وعن ابن عمر - ﵄ - أن رجلًا قال له: يا أبا عبد الرحمن، إني أحبّك في الله، فقال له ابن عمر: وأنا أُبغضك في الله، قال: سبحان الله أحبّك في الله، وتُبغضني في الله؟ فقال ابن عمر؛ إنك تأخذ على أذانك أجرًا. وكره ذلك أصحاب الرأي، وقال إسحاق: لا ينبغي أن يأخذ على الأذان أجرًا. ورخّص مالك في الأجر على الأذان، وقال: لا بأس به، وقال الأوزاعيّ: الإجارة في ذلك مكروهة، ولا بأس بأخذ الرزق من بيت المال على ذلك، ولم ير بأسًا بالمعونة على غير شرط. وقال طائفة: لا يُرزق المؤذّن إلا من خمس الخمس، سهم النبيّ - ﷺ -، ولا يُرزق من غيره من الفيء، ولا من الصدقات، وهكذا قال الشافعيّ. قال ابن المنذر بعد ذكر هذه الأقوال: لا يجوز للمؤذّن أخذ الأجر على أذانه؛ لحديث عثمان بن أبي العاص - ﵁ -، حيث أمره النبيّ - ﷺ - أن يتّخذ مؤذّنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا ، قال: فإن أخذ مؤذن على أذانه أجرًا لم يسعه ذلك؛ لأن السنّة منعت منه، فإن صلّوا بأذان من أخذ على أذانه أجرًا فصلاتهم مجزئة؛ لأن الصلاة غير الأذان، وليست الإمامة كذلك، أخشى أن لا تجزئ صلاة من أمّ بجُعْل، كما رُوي عن الحسن أنه قال: أخشى أن لا تكون صلاته خالصة لله. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر - ﵀ - من عدم جواز أخذ الأجرة على الأذان هو الأرجح عندي، لكن لو رُزق المؤذن من بيت المال دون المشارطة؛ لئلا تتعطّل المساجد، فالظاهر أنه لا مانع منه؛ لأنه ليس استئجارًا، وقد مال إلى هذا الشوكانيّ - ﵀ -، وقد ذكرت المسألة بأتمّ مما هنا في «شرح النسائيّ»، فراجعه تستفد ، والله تعالى أعلم بالصوِاب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢) - (بَابُ الأَمْرِ بِشَفْعِ الأَذَان، وَإِيتَارِ الإقَامَة، إِلَّا كَلِمَةَ الإِقَامَة، فَإِنَّهَا تُثَنَّى) [٨٤٤] (٣٧٨) - (حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَام، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ (ح) وَحَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُليَّةَ، جَمِيعًا عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاء، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ؟ «أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأذَانَ، وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ». زَادَ يَحْيَى فِي حَدِيثِه، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ أَيُّوبَ، فَقَالَ: «إِلَّا الإِقَامَةَ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَامِ) بن ثعلب البزّار المقرئ البغداديّ، ثقةٌ له اختياراتٌ في القراءات [١٠] (ت ٢٢٩) (م د) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) تقدّم قبل بابين. ٣ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ الحافظ الإمام، تقدّم قبل بابين أيضًا. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) تقدّم قبل باب. ٥ - (خَالِدٌ الْحَذَّاءُ) هو: خالد بن مِهْران، أبو الْمَنَازل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، يرسل [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٤. ٦ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر الْجَرْميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت ١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ١٧/ ١٧٣. ٧ - (أَنَس) بن مالك الصحابيّ الشهير - ﵁ -، تقدّم قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه شيخان فرّق بينهما بالتحويل، وفيه التحديث والإخبار، والعنعنة من صيغ الأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول تفرّد به هو وأبو داود، والثاني ما أخرج له أبو داود وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخيه أيضًا، فالأول بغداديّ، والثاني نيسابوريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: خالد، عن أبي قلابة، وتقدّم الكلام على أنس - ﵁ - قريبًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَس) بن مالك - ﵁ - أنه (قَالَ: «أُمِرَ بِلَالٌ) ببناء الفعل للمفعول، هكذا في رواية الشيخين، وقد جاء مفسَّرًا في رواية النسائيّ من طريق عبد الوهّاب الثقفيّ، عن أيوب، عن أبي قلابة، ولفظه:»عن أنس قال: أمر رسول الله - ﷺ - بلالًا أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة«. وقال النوويّ - ﵀ -: قوله:«أُمِر بلالٌ»هو بضم الهمزة، وكسر الميم: أي أمره رسول الله - ﷺ - هذا هو الصواب الذي عليه جمهور العلماء، من الفقهاء وأصحاب الأصول، وجميع المحدثين، وشَذَّ بعضهم فقال: هذا اللفظ وشبهه موقوف؛ لاحتمال أن يكون الآمر غيرَ رسول الله - ﷺ -، وهذا خطأ، والصواب أنه مرفوعٌ؛ لأن إطلاق ذلك إنما ينصرف إلى صاحب الأمر والنهي، وهو رسول الله - ﷺ -، ومثل هذا اللفظ قولُ الصحابيّ:«أُمِرنا بكذا»، و«نُهِينا عن كذا»، أو«أُمر الناسُ بكذا»، ونحوه، فكله مرفوعٌ، سواءٌ قال الصحابيّ ذلك في حياة رسول الله - ﷺ - أم بعد وفاته. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفتُ أنه جاء مفسّرًا في رواية النسائيّ، فلا محلّ للنزاع بعد ثبوته نصّا؛ لأن الرواية يفسّر بعضها بعضًا؛ فتبصّر، والله تعالى أعلم. (أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ) بفتح حرف المضارعة والفاء، من باب نَفَعَ، يقال: شَفَعت الشيءَ شَفْعًا: إذا ضممته إلى الفرد، يعني أن يأتي بألفاظ الأذان مرّتين مرّتين. وهذا محمول على التغليب، وإلا فكلمة التوحيد في آخره مفردة، وكذا التكبير في أوله على اختلاف الروايات في ذلك على ما يأتي بيانه - إن شاء الله تعالى -. وقال في «الفتح»: قال الزين ابن الْمُنَيِّر: وصفُ الأذان بأنه شَفْعٌ يفسره قوله: «مثنى مثنى»، أي مرتين مرتين، وذلك يقتضي أن تستوي جميع ألفاظه في ذلك، لكن لم يُخْتَلف في أن كلمة التوحيد التي في آخره مفردة، فيحمل قوله: «مثنى» على ما سواها، وكأنه أراد بذلك تأكيد مذهبه في ترك تربيع التكبير في أوله، لكن من قال بالتربيع أن يَدَّعِيَ نظير ما ادَّعاه؛ لثبوت الخبر بذلك، وسيأتي في الإقامة توجيه يقتضي أن القائل به لا يَحتاج إلى دعوى التخصيص. انتهى . (وَيُوتِرَ الإقَامَةَ») بالنصب عطفًا على«يشفع»، أي وأُمر أن يوتر ألفاظ الإقامة؛ أي يأتي بها مرّةً مرّةً، والمراد أيضًا أغلبها، وإلا فالتكبير في أوّلها وآخرها يُثنَّى، وكذا جملة«قد قامت الصلاة»، كما بيّن استثناءه بقوله: (زَادَ يَحْيَى) بن يحيى (فِي حَدِيثِهِ عَن) إسماعيل (ابْنِ عُلَيَّةَ) وقوله: (فَحَدَّثْتُ بِهِ أَيُّوبَ .. إلخ) مفعول به لقوله:«زاد»، محكيّ؛ لقصد لفظه، وقوله:«عن إسماعيل»متعلّق بحال من«يحيى»؛ أي حال كونه راويًا عن إسماعيل؛ أي بالسند السابق، فهو متّصلٌ، وليس معلّقًا، فتنبّه. والمعنى أن يحيى بن يحيى زاد في آخر الحديث ناقلًا عن إسماعيل ابن عُليّة قولَهُ:«إلا الإقامة»، وفي رواية البخاريّ:«قال إسماعيل: فذكرته لأيوب، فقال: إلا الإقامة». وقوله: (فَقَالَ) بيان وتوضيح لمعنى«زاد»(إِلَّا الإِقَامَةَ) أي إلا لفظ«قد قامت الصلاة»، قال في«الفتح»: المراد بالنفي غير المراد بالمثبت؛ فالمراد بالمثبت، أي بقوله:«ويوتر الإقامة»جميع الألفاظ المشروعة عند القيام إلى الصلاة، والمراد بالمنفيّ خُصوص قوله:«قد قامت الصلاة»، كما سيأتي صريحًا، وحصل من ذلك جناس تامّ. انتهى. [تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ من طريق سماك بن عطيّة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، قال:«أُمر بلالٌ أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة إلا الإقامة». فقال في«الفتح»: ادَّعَى ابنُ منده أن قوله:«إلا الإقامة»من قول أيوب غيرُ مسند، كما في رواية إسماعيل بن إبراهيم، وأشار إلى أن في رواية سماك بن عطية هذه إدراجًا، وكذا قال أبو محمد الأصيليّ: قوله:«إلا الإقامة»هو من قول أيوب، وليس من الحديث، وفيما قالاه نظر؛ لأن عبد الرزاق رواه عن معمر، عن أيوب بسنده متصلًا بالخبر مُفَسَّرًا، ولفظه:«كان بلال يُثَنِّي الأذان، ويوتر الإقامة إلا قوله: قد قامت الصلاة»، وأخرجه أبو عوانة في«صحيحه»، والسراج في«مسنده»، وكذا هو في مُصَنَّف عبد الرزاق، وللإسماعيليّ من هذا الوجه:«ويقول: قد قامت الصلاة» مرتين، والأصل أن ما كان في الخبر فهو منه حتى يقوم دليل على خلافه، ولا دليل في رواية إسماعيل؛ لأنه إنما يتحصل منها أن خالدًا كان لا يذكُر الزيادة، وكان أيوب يذكرها، وكل منهما رَوَى الحديث عن أبي قلابة، عن أنس، فكان في رواية أيوب زيادة من حافظ فتُقْبَلُ، والله أعلم. وقد استُشكِل عدم استثناء التكبير في الإقامة، وأجاب بعض الشافعية بأن التثنية في تكبيرة الإقامة بالنسبة إلى الأذان إفراد، قال النوويّ: ولهذا يُسْتَحبّ أن يقول المؤذن كل تكبيرتين بنفس واحد. قال الحافظ: وهذا إنما يتأتى في أول الأذان، لا في التكبير الذي في آخره، وعلى ما قال النوويّ ينبغي للمؤذن أن يُفْرِد كل تكبيرة من اللتين في آخره بنفس، ويَظْهَر بهذا التقرير ترجيح قول من قال بتربيع التكبير في أوله على من قال بتثنيته، مع أن لفظ الشفع يتناول التثنية والتربيع، فليس في لفظ حديث الباب ما يخالف ذلك، بخلاف ما يوهمه كلام ابن بطال، وأما الترجيع في التشهدين فالأصح في صورته أن يشهد بالوحدانية ثنتين، ثم بالرسالة ثنتين، ثم يرجع فيَشْهَد كذلك، فهو وإن كان في العدد مُرَبَّعًا، فهو في الصورة مُثَنَّى، والله أعلم. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٨٤٤ و٨٤٥ و٨٤٦ و٨٤٧] (٣٧٨)، و(البخاريّ) في «الأذان» (٦٠٥ و٦٠٦ و٦٥٧)، و(أبو داود) فيه (٥٥٨ و٥٠٩)، و(النسائيّ) فيه (٢/ ٣)، و(ابن ماجه) فيه (٧٢٩ و٧٣٠)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٠٩٥)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٧٩٤)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ٢٠٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٠٣)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٢٧١)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٣٦٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٦٧٥ و١٦٧٦ و١٦٧٨)، و(الحاكم) في «مستدركه» (١/ ١٩٨)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ١٣٢ و١٣٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٤١٢ و٤١٣)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٤٠٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٩٤٧ و٩٤٨ و٩٤٩ و٩٥٠ و٩٥١ و٩٥٢ و٩٥٣ و٩٥٤ و٩٥٥ و٩٥٦ و٩٥٧ و٩٥٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٨٣٣ و٨٣٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الأذان شفع؛ أي في معظم ألفاظه، وإلا فالتكبير في أوله مربّع، وكلمة التوحيد في آخره مفردة. ٢ - (ومنها): بيان أن ألفاظ الإقامة مفردة، أي معظمها؛ لأن التكبير في أولها مثنّى، وكذا قوله: «قد قامت الصلاة»، فإنه أيضًا مثنّى. ٣ - (ومنها): أن هذا الحديث حجةٌ على الحنفيّة في زعمهم أن الإقامة مثنى مثل الأذان، وأجاب بعض الحنفية بدعوى النسخ، وأن إفراد الإقامة كان أوّلًا، ثم نُسِخ بحديث أبي محذورة - ﵁ - يعني الذي رواه أصحاب «السنن»، وفيه تثنية الإقامة، وهو متأخِّر عن حديث أنس - ﵁ -، فيكون ناسخًا. وتُعُقّب بأن في بعض طرُق حديث أبي محذورة المحسنة التربيع والترجيع، فكان يلزمهم القول به. وقد أنكر أحمد على من ادَّعَى النسخ بحديث أبي محذورة، واحتَجَّ بأن النبيّ - ﷺ - رَجَع بعد الفتح إلى المدينة، وأقَرّ بلالًا على إفراد الإقامة، وعَلَّمه سَعْدَ الْقَرَظ، فأذَّن به بعده كما رواه الدارقطنيّ، والحاكم. وقال ابن عبد البر: ذهب أحمد، وإسحاق، وداود، وابن جرير إلى أن ذلك من الاختلاف المباح، فإن رَبَّع التكبير الأول في الأذان، أو ثَنّاه، أو رَجَّع في التشهد، أو لم يرجِّع، أو ثنى الإقامة، أو أفردها كلها، أو إلا «قد قامت الصلاة»، فالجميع جائز، وعن ابن خزيمة إن رَبَّع الأذان، ورَجَّع فيه، ثَنَّى الإقامة، وإلا أفردها، وقيل: لم يقل بهذا التفصيل أحد قبله، والله أعلم، قاله في «الفتح» . ٤ - (ومنها): ما قيل: الحكمةُ في تثنية الأذان وإفراد الإقامة، أن الأذان لإعلام الغائبين، فيكرر ليكون أوصل إليهم، بخلاف الإقامة، فإنها للحاضرين، ومن ثَمَّ استُحِبّ أن يكون الأذان في مكانٍ عالٍ، بخلاف الإقامة، وأن يكون الصوت في الأذان أرفع منه في الإقامة، وأن يكون الأذان مرتَّلًا، والإقامة مُسْرَعَةً، وكُرِّر «قد قامت الصلاة»؛ لأنها المقصودة من الإقامة بالذات. وهذا توجيهه ظاهرٌ، وأما قول الخطابيّ: لو سُوِّي بينهما لاشتبه الأمر عند ذلك، وفاتت صلاة الجماعة كثيرًا من الناس ففيه نظر؛ لأن الأذان يُستَحَبّ أن يكون على مكان عالٍ لتشترك الأسماع كما تقدم، فلا اشتباه، أفاده في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في كيفيّة الأذان: قال الإمام ابن المنذر - ﵀ -: اختلفوا في سنّة الأذان، فقال مالك والشافعيّ، ومن تبعهما من أهل الحجاز: الأذان أذان أبي محذورة، لم يختلفا في ذلك إلا في أول الأذان، فإن مالكًا يرى أن يقال: «الله أكبر الله أكبر» مرّتين، والشافعيّ يرى أن يكبّر المؤذّن في أول الأذان أربعًا: «الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر»، واتّفقا في سائر الأذان. وحجّتهما في ذلك الأخبار التي رُويت عن النبيّ - ﷺ - في تعليمه أبا محذورة - ﵁ - الأذان، وقال قائلهم: أَمرُ الأذان من الأمور المشهورة التي يُستَغنَى بشهرتها بالحجاز، يتوارثونه قرنًا بعد قرن، يأخذه الأصاغر عن الأكابر، وليس يجوز أن يُعترَضَ عليهم في الأذان، وهو ينادى به بين أظهرهم في كلّ يوم وليلة خمس مرّات، ولو جاز ذلك لجاز الاعتراض عليهم في معرفة الصفا والمروة، ومنى، وعرفة، والمزدلفة، وموضع الوقوف بعرفة، مع أن الأذان كذلك كان على عهد رسول الله - ﷺ -، وخلافة أبي بكر وعمر، لا يختلف أهل الحرمين فيه، وغير جائز أن يُجعل اعتراض من اعترض من أهل العراق حجةً على أهل الحجاز، وكيف يجوز أن يكون الآخر حجةً على الأول، وعنه أَخَذَ العلمَ؟ وقد كان الأذان بالحجاز، ولا إسلام بالعراق، وحكاية أبي محذورة بعد خبر عبد الله بن زيد بزمان؛ لأنه يُخبر أن النبيّ - ﷺ - علَّمه إياه عامَ حنين، والمتأخِّر هو الناسخ لما تقدَّم، والآخر من أمر رسول الله - ﷺ - أولى من الأول. قال ابن المنذر: وقد كان أحمد بن حنبل يميل إلى أذان بلال، فقيل له: أليس حديث أبي محذورة بعد حديث عبد الله بن زيد؛ قال: أليس قد رجع النبيّ - ﷺ - إلى المدينة، فأقرَّ بلالًا على أذان عبد الله بن زيد؟. وقال بعضهم: هذا من أبواب الإباحة إن شاء المؤذّن أذّن كأذان أبي محذورة، وثنَّى الإقامة، وإن شاء أن يثنّي الأذان ويوتر الإقامة فَعَلَ؛ لأن الأخبار قد ثَبتت بذلك، قالوا: هذا مثل الوضوء، من شاء توضّأ ثلاثًا، ومن شاء توضّا مرتين مرّتين، وقد أجاب أحمد بمثل هذا المعنى، ووافقه عليه إسحاق، وقال أحمد: ثبت عن بلال وأبي محذورة أذانهما، وكلّ سنّة، فهما مستعملان جميعًا، والذي نختار أذان بلال. فأما سفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي، فمذهبهم في الأذان أنه مثنى مثنى على حديث عبد الله بن زيد، وكذلك قولهم في الإقامة: إنها مثنى مثنى. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح ما سبق عن الإمامين: أحمد وإسحاق بأن كلّ ما ثبت عن النبيّ - ﷺ - من حديث عبد الله بن زيد، وأبي محذورة سنّة، ينبغي العمل به في الأوقات المختلفة، ولكن الذي ينبغي المداومة عليه هو الأصحّ، فالأصحّ. قال العلامة ابن القيّم - ﵀ -: كلُّ هذه الوجوه جائزة مُجزئةٌ، لا كراهة فيها، وإن كان بعضها أفضل من بعض؛ لأنه قد ثبت عن النبيّ - ﷺ - جميع ذلك، وعَمِل به أصحابه، فمن شاء رَبَّعَ التكبير، ومن شاء ثنّى الإقامة، ومن شاء أفردها، إلا «قد قامت الصلاة»، فإن ذلك مرّتان على كلّ حال، وهذا كما قيل في التشهّدات، والتوجيهات، ولكن ذلك لا ينافي أن يختار الإنسان لنفسه أصحّ ما ورد، أو أن يأخذ بالزائد فالزائد، هذا خلاصة ما في الباب. انتهى كلام ابن القيّم - ﵀ -. والحاصل أن الأولى أن يستعمل كلّ ما صحّ من كيفيّة الأذان والإقامة، ولا يقتصر على كيفيّة معيّنة؛ لأن بذلك يحصل العمل بكلّ ما ثبت عن النبيّ - ﷺ -، وخلافه لا يؤدّي إلى ترك العمل ببعض ما صحّ عنه - ﷺ -، فيعمل بهذا تارة، وبهذا تارة، ولكن يعمل في أكثر الأوقات بما هو الأصحّ رواية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في تثنية الإقامة، وإفرادها: اختلفوا في هذا على مذاهب: فذهبت طائفة إلى أنها فرادى، فممن رُوي عنه ذلك: عروة بن الزبير، والحسن البصريّ، وعمر بن عبد العزيز، وخالد بن معدان، ومكحول، ومالك، وأهل الحجاز، والأوزاعيّ، وأهل الشام، والشافعيّ، وأصحابه، ويحيى بن يحيى، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، واحتجّوا بحديث أنس - ﵁ - المتّفق عليه: «أُمر بلالٌ أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة». وقالت طائفة: الأذان والإقامة مثنى مثنى، وهو قول سفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي. قال ابن المنذر - ﵀ - بعد حكايته الخلاف -: أما الأذان فعلى حديث أبي محذورة؛ لأن ذلك لم يزل يؤذَّن به على عهد رسول الله - ﷺ -، وبعد النبيّ - ﷺ - بالحرمين جميعًا، ثم لم يزل كذلك يؤذَّن به بمكة إلى اليوم، وكذلك لم يزل ولد سعد القرَظ يؤذّن به، ويذكرون أنه أذان بلال وسعد. وأما الإقامة، فقد اختُلف فيها عنه، فرُوي عنه أنه كان يُفرد الإقامة بعد النبيّ - ﷺ - ، ورُوي أن إقامته كانت مئنى مثنى، فغير جائز أن يكون أبو محذورة انتقل عن تثنية الإقامة إلى إفرادها إلا وقد عَلِمَ أن النبيّ - ﷺ - أمر بإفراد الإقامة، أو رأى بلالًا بعد ذلك يُفرد الإقامة، فعَلِمَ أن ذلك ليس إلا عن أمر النبيّ - ﷺ -، فانتقل إليه، ثم اتّفاق ولد أبي محذورة، وولد سعد القرظ عليه، وحكايتهم ذلك عن جدّيهما سعد القرظ عن بلال دليلٌ على أن الأمر بعد الإقامة حادثٌ بعد التثنية، ولا يجوز أن يجتمع مثل هؤلاء على خلاف السنّة. قال: ثم اختلف هؤلاء بعد اجتماعهم على إفراد الإقامة في قوله: «قد قامت الصلاة»، فولد أبي محذورة، وسائر مؤذّن مكة يقولون: «قد قامت الصلاة» مرّتين، وولد سعد القرظ يقولون: «قد قامت الصلاة» مرّةً واحدةً، وقد اختلفت الأخبار في ذلك، غير أن الأخبار التي تدلّ على صحّة مذهب أهل مكّة أثبتُّ، ثم أخرج حديث أنس - ﷺ - المتقدّم، وفيه: «ويوتر الإقامة إلا قد قامت الصلاة»، وأخرج أيضًا عن ابن عمر - ﵄ - قال: كان الأذان على عهد رسول الله - ﷺ - مثنى مثنى، والإقامة واحدة، غير أن يقول: «قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة» مرّتين. انتهى كلام ابن المنذر - ﵀ - . وقال في «الفتح»: هذا الحديث - يعني حديث أنس - ﵁ - المذكور - حجة على من زعم أن الإقامة مثنى مثل الأذان، وأجاب بعض الحنفية بدعوى النسخ، وأن إفراد الإقامة كان أوّلًا، ثم نُسِخ بحديث أبي محذورة؛ يعني الذي رواه أصحاب السنن، وفيه تثنية الإقامة، وهو متأخر عن حديث أنس، فيكون ناسخًا. وعورض بأن في بعض طُرُق حديث أبي محذورة المحسنة التربيع والترجيع، فكان يلزمهم القول به. وقد أنكر أحمد على من ادَّعَى النسخ بحديث أبي محذورة، واحتج بأن النبيّ - ﷺ - رجع بعد الفتح إلى المدينة، وأقرّ بلالًا على إفراد الإقامة، وعَلَّمه سعد القرظ، فأذَّن به بعده، كما رواه الدارقطنيّ والحاكم. وقال ابن عبد البرّ: ذهب أحمد، وإسحاق، وداود، وابن جرير إلى أن ذلك من الاختلاف المباح، فإن رَبَّع التكبير الأول في الأذان، أو ثنّاه، أو رَجَّع في التشهد، أو لم يُرَجّع، أو ثَنَّى الإقامة، أو أفردها كلَّها، أو إلا «قد قامت الصلاة»، فالجميع جائز، وعن ابن خزيمة: إن رَبَّع الأذان، ورَجَّع فيه ثَنَّى الإقامة، وإلا أفردها، وقيل: لم يقل بهذا التفصيل أحدٌ قبله. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق من بيان المذاهب، وأدلّتها أن أرجح المذاهب مذهب من قال: إن الأمر فيه سعة، وكلّ ما صحّ عن رسول الله - ﷺ - يجوز العمل به، فمن شاء ثنّى الإقامة، ومن شاء أفرد، وكلٌّ واسع - والحمد لله - وبهذا يجمع بين أخبار هذا الباب دون دعوى النسخ بلا بيّنة، لكن قدّمنا أن هذا لا ينافي أن يتخيّر الإنسان في معظم الأوقات ما هو أصحّ، وأقوى من هذه الأخبار حتى يعمل به أكثر؛ فتنبّه، ولا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٤٥] (…) - (وَحَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «ذَكَرُوا أَنْ يُعْلِمُوا وَقْتَ الصَّلَاةِ بِشَيْءٍ يَعْرِفُونَهُ، فَذَكَرُوا أَنْ يُنَوِّرُوا نَارًا، أَوْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا، فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذانَ، وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) أبو محمد البصريّ، ثقة [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٧/ ١٧٣. و«إسحاق» تقدّم في الباب الماضي، والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: (ذَكَرُوا أَنْ يُعْلِمُوا وَقْتَ الصَّلَاةِ … إلخ) بضم حرف المضارعة، وإسكان العين، من الإعلام: أي أن يجعلوا له علامةً يُعرف بها، وقال في «الفتح»: وفي رواية كريمة: «بفتح أوله من العلم». وقوله: (فَذَكَرُوا أَنْ يُنَوِّرُوا نَارًا) من التنوير: أي يُظهروا نُورَ نَارٍ. وقوله: (أَوْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا) الناقوس: خَشَبة تُضرب بخشبة أصغر منها، فيَخرُج منها صوتٌ، وهو من شِعَار النصارى. وقوله: (وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ) احتجّ به من قال بإفراد قوله: «قد قامت الصلاة»، والحديث الذي قبله حجة عليه؛ لأن قوله: «إلا الإقامة» صريح في تكراره، فإن احتَجَّ بعمل أهل المدينة عُورض بعمل أهل مكّة، ومعهم الحديث الصحيح، قاله في «الفتح» ، وتمام شرح الحديث ومسائله تقدّمت في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. [٨٤٦] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، بِهَذَا الإِسْنَاد، لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ ذَكَرُوا أَنْ يُعْلِمُوا، بِمِثْلِ حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «أَنْ يُورُوا نَارًا»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون البغداديّ، مروزيّ الأصل المعروف بالسمين، صدوقٌ فاضلٌ، ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٤. ٢ - (بَهْز) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت بعد ٢٠٠) وقيل بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١٢. ٣ - (وُهَيْب) بن خالد بن عَجْلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبتٌ [٧] (ت ١٦٥) وقيل بعدها (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٣. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بإسناد خالد الحذّاء، عن أبي قِلابة، عن أنس بن مالك - ﵁ -. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ) يعني أن حديث وُهيب مثل حديث عبد الوهّاب الثقفيّ. وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ) الضمير لوُهيب. وقوله: (أَنْ يُورُوا نَارًا) أي بضمّ حرف المضارعة، وسكون الواو، أي يوقدوا، ويُشعِلوا نارًا، يقال: أوريت النار: أي أشعلتها، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١)﴾ [الواقعة: ٧١]، قاله النوويّ . وقال في «القاموس»: وَرَى الزَّنْدُ، كوَعَى، ووَليَ وَرْيًا، وَوُرِيًّا، وَرِيَةً، فهو وَارٍ، وَوَرِيٌّ: خَرَجت ناره، وأوريته، ووَرّيته، واستوريته، ووَرْيَةُ النار، ورِيَتُها: ما تُورَى به، من خِرْقَة، أو حَطَبَةٍ. انتهى . [تنبيه]: رواية وُهيب هذه أخرجها أبو عوانة في «مسنده» (١/ ٢٧٢)، فقال: (٩٤٧) حدثنا الحسن بن مكرم، قال: ثنا عَفّان، قال: ثنا وُهيب، عن خالد الحذّاء، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، قال: «لَمّا كَثُر الناس، ذكروا أن يجعلوا وقتَ الصلاة شيئًا يعرفونه، فذَكُروا أن يُنَوِّروا نارًا، أو يضربوا ناقوسًا، فأُمِر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٤٧] (…) - (وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيد، قَالَا: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأذَانَ، وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) على الأصحّ عن (٨٥) سنة (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٥. ٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٣ - (وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ) هو الثقفيّ المذكور قبل حديث. ٤ - (أيّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار [٥] (ت ١٣١) عن (٦٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٥٥. وشرح الحديث ومسائله تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٣) - (بَابُ صِفَةِ الأَذانِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٤٨] (٣٧٩) - (حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِد، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ أَبُو غَسَّانَ: حَدَّثنَا مُعَاذٌ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَام، صَاحِبِ الدَّسْتَوَائِيِّ، وَحَدَّثَني أَبِي ، عَنْ عَامِرٍ الْأَحْوَل، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - عَلَّمَهُ هَذَا الْأَذانَ: «اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَن مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، ثُمَّ يَعُودُ، فَيَقُولُ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ مَرَّتَيْن، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ مَرَّتَيْنِ»، زَادَ إِسْحَاقُ:«اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م) تقدم في«الإيمان»٨/ ١٣٧. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليّ تقدّم قبل حديثين. ٣ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) البصريّ، سَكَن اليمن، صدون رُبّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في«الإيمان»١٢/ ١٥٦. ٤ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله، واسم أبيه سَنْبَر، بوزن جعفر، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) عن (٧٨) (ع) تقدم في«الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٥ - (عَامِر الْأَحْوَلُ) هو: عامر بن عبد الواحد، رَوَى عن مكحول، وأبي الصّدِّيق الناجيّ، وعمرو بن شُعيب، وعبد الله بن بُريدة، وشهر بن حَوْشب، وبكر بن عبد الله الْمُزَنيّ، وجماعة. ورَوَى عنه شعبة، وهشام الدستوائيّ، وهمام، وسعيد بن أبي عروبة، وأبان العطار، والحمادان، وعبد الله بن شَوْذب، وعبد الوارث، وهُشيم، وغيرهم. قال أبو طالب، عن أحمد: ليس بقويّ، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ليس حديثه بشيء، وقال أبو داود: سمعت أحمد يضعفه، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: ثقة لا بأس به، وقال ابن عديّ: لا أرى برواياته بأسًا، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال عبد الصمد بن عبد الوارث: ثنا أبو الأشهب، ثنا عامر الأحول، عن عائذ بن عمرو المزنيّ، يُحَدِّث: «مَن عَرَض له شيء من هذا الرزق من غير مسألة …»، وهو شيخ آخر تابعيّ، قاله الحافظ المزيّ - ﵀ - في «تهذيب الكمال». وتعقّبه الحافظ في «تهذيب التهذيب»: بأن في «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم، وتاريخ ابن أبي خيثمة ما يُبَيِّن لك أنه هو، فإنه قال: عامر الأحول، هو ابن عبد الواحد بصريّ، رَوَى عن عائذ بن عمرو، وأبي الصّدِّيق، وعمرو بن شعيب، ثم ساق كلام الناس فيه. وقال ابن أبي خيثمة في «تاريخه»: سمعت أبا زكريّا يقول: عامر الأحول بصريّ، وهو ابن عبد الواحد، فهو كل عامر يروي عنه البصريون ليس غيره، ثنا أبو سلمة، ثنا أبو الأشهب، عن عامر بن عبد الواحد. وقال أبو القاسم البغويّ في ترجمة عائذ بن عَمْرو: رَوَى عنه عامر بن عبد الواحد الأحول، ولا أحسبه أدركه. وقال ابن حبان في ثقات التابعين: عامر بن عبد الواحد الأحول، يَرْوِي عن عائذ بن عَمْرو، ورَوَى عنه أبو الأشهب، ونَقَل العقيليّ، عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ليس هو بالقويّ ضعيفٌ، وعن أبي بكر بن الأسود: سألت ابن عُلَيّة عن عامر بن عبد الواحد الأحول، فقال: سَلْ جَدَّك حميد بن الأسود، فسألته فوهّنه، وقال الساجيّ: يُحْتَمَلُ لصدقه، وهو صدوق. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه الحافظ: أن عامرًا الأحول الذي رَوَى عن عائذ بن عمرو المزنيّ الصحابيّ، ولم يدركه، هو عامر الأحول المترجم هنا، وليس هو غيره؛ لأن كلام هؤلاء الأئمة يدلّ على هذا، والله تعالى أعلم. أخرج له البخاريّ في «جزء القراءة»، والمصنف، والأربعة، وليس له عند المصنّف في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٦ - (مَكْحُولٌ) الشاميّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو أيّوب، ويقال: أبو مسلم الدمشقيّ، ثقة فقيهٌ، كثير الإرسال، مشهور [٥]. رَوَى عن النبيّ - ﷺ - مرسلًا، وعن أُبي بن كعب، وثوبان، وعبادة بن الصامت، وأبي هريرة، وعائشة، وأم أيمن، وأبي ثعلبة الْخُشَني مرسلًا أيضًا، وعن أنس، وواثلة بن الأسقع، وأبي أمامة، ومحمود بن الربيع، وعبيد الله بن مُحيريز، وعنبسة بن أبي سفيان، وجبير بن نفير، وسليمان بن يسار، وشرحبيل بن السمط، وغيرهم. ورَوَى عنه الأوزاعيّ، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وثور بن يزيد الحمصي، وسليمان بن موسى، ويزيد بن يزيد بن جابر، ومحمد بن إسحاق، وآخرون. ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من تابعي أهل الشام. وقال الدُّوري عن ابن معين: قال أبو مسهر: لم يسمع مكحول من عنبسة بن أبي سفيان، ولا أدري أدركه أم لا. وقال أبو حاتم: قلت لأبي مسهر: هل سمع مكحول من أحد من الصحابة؟ قال: من أنس، قلت: قيل: سمع من أبي هند، قال: من رواه؟ قلت: حيوة عن أبي صخرة، عن مكحول أنه سمع أبا هند، فكأنه لم يلتفت إلى ذلك، فقلت له: فواثلة بن الأسقع؟ فقال: من يرويه؟ قلت: حدثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، قال: دخلت أنا وأبو الأزهر على واثلة، فكأنه أومى برأسه . وقال الترمذيّ: سمع مكحول من واثلة، وأنس، وأبي هند الداريّ، ويقال: إنه لم يسمع من واحد من الصحابة إلا منهم. وقال النسائي: لم يسمع من عنبسة. وقال يحيى بن حمزة عن أبي وهيب الكلاعي، عن مكحول: عَتَقْتُ بمصر، فلم أَدَع فيها علمًا إلا احتويت عليه فيما أَرَى، ثم أتيت العراق والمدينة والشام، فذكر كذلك. وقال ابن زَبْر عن الزهري: العلماء أربعة، فذكرهم، فقال: ومكحول بالشام. وقال يونس بن بُكير عن ابن إسحاق: سمعت مكحولًا يقول: طُفت الأرض كلها في طلب العلم. وقال أبو مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز: كان سليمان بن موسى يقول: إذا جاء العلمُ من الشام عن مكحول قبلناه. وقال مروان بن محمد عن سعيد: لم يكن في زمان مكحول أبصر منه بالفتيا. وقال عثمان بن عطاء: كان مكحول أعجميًا، وكلُّ ما قال بالشام قُبِل منه. وقال ابن عمار: كان مكحول إمام أهل الشام. وقال العجلي: تابعي ثقة. وقال ابن خِراش: شامي صدوق، وكان يرى القدر. وقال مروان بن محمد، عن الأوزاعي: لم يبلغنا أن أحدًا من التابعين تكلم في القدر إلا هذين الرجلين: الحسن، ومكحول، فكشفنا عن ذلك، فإذا هو باطل. وقال أبو حاتم: ما أعلم بالشام أفقه من مكحول. وقال ابن سعد: قال بعض أهل العلم: كان مكحول من أهل كابُل، وكانت فيه لُكْنَة، وكان يقول بالقدر، وكان ضعيفًا في حديثه ورأيه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: «وكان ضعيفًا في حديثه»، هذا مما لا يُقبل، فإن مكحولًا مُجْمَعٌ على توثيقه وجلالته، إلا أنه طُعِن في رأيه، ولكنه تبرأ منه، فماذا عليه؟. فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقال أبو داود: سألت أحمد: هل أَنكر أهل النظر على مكحول شيئًا؟ قال: أنكروا عليه مجالسة علان ، ورموه به، فبرأ نفسه، بأن نَحّاه، وقال الجوزجاني: يتوهم عليه القدر، وهو ينتفي عنه. وقال يحيى بن معين: كان قدريًّا ثم رجع. وقال ابن حبان في «الثقات»: ربما دلّس. وقال ابن يونس: ذُكر أنه من أهل مصر، ويقال: كان لرجل من هُذيل من أهل مصر، فأعتقه، فسكن الشام، ويقال: كان من آل فارس، ويقال: كان اسم أبيه شهراب، وكان مكحول يُكنى أبا مسلم، وكان فقيهًا عالمًا، رأى أبا أُمامة، وأنسًا، وسمع من واثلة، يقال: تُوفي سنة ثماني عشرة ومائة. وقال أبو نعيم: مات سنة اثنتي عشرة، وفيها أرّخه دُحَيم وغير واحد. قال أبو مسهر: مات بعد سنة اثنتي عشرة، وعنه: مات سنة ثلاث عشرة، أو أربع عشرة. وكذا قال الحسن بن محمد بن بكار بن بلال. وقال سليمان بن عبد الرحمن: مات سنة ثلاث عشرة. وقال ابن سعد: مات سنة ست عشرة. وعن عمر بن سعيد الدمشقي: سنة ثمان عشرة. أخرج له البخاريّ في «جزء القراءة»، والباقون، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٣٧٩)، وحديث (٩٨٢): «ليس على المسلم في عبده، ولا فرسه صدقة»، و(١٩١٣): «رِباط يوم وليلة خير من صيام شهر، وقيامه»، و(١٩٣١): «فَكُلْهُ ما لم يُنْتِنْ». ٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَيْرِيزِ) بن جُنادة بن وهب الْجُمَحيّ المكيّ، كان يتيمًا في حجر أبي محذورة - ﵁ - بمكة، ثم نزل بيت المقدس، ثقةٌ عابدٌ [٣] (ت ٩٩) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٥٠. ٨ - (أَبُو مَحْذُورَةَ) القُرَشيّ الْجُمَحيّ المكيّ المؤذِّن الصحابيّ المشهور، قيل: اسمه أوس، وقيل: سَمُرة، وقيل: سلمة، وقيل: سلمان، واسم أبيه مِعْيَر - بكسر الميم، وسكون العين المهملة، وفتح التحتانيّة - وقيل: عُمير بن لَوْذان بن وهب بن سعد بن جُمَح، وقيل: ابن لَوْذان بن ربيعة بن عُوَيج بن سعد بن جُمَح. رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، ورَوَى عنه ابنه عبد الملك، وابن ابنه عبد العزيز بن عبد الملك على خلاف، وزوجته أم عبد الملك، وعبد الله بن مُحَيريز، والأسود بن يزيد النخعيّ، والسائب المكيّ، وأوس بن خالد، وعبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، وأبو سلمان المؤذّن. قال الزبير: كان أحسن الناس أذانًا، وأنداهم صوتًا، قال له عمر يومًا وسمعه يؤذن: كِدتَ أن تنشق مُرَيطاؤك ، قال: وأنشدني عمي لبعض شعراء قريش [من الرجز]: أَمَا وَرَبّ الْكَعْبَةِ الْمَسْتُورَهْ … وَمَا تَلَا مُحَمَّدٌ مِنْ سُورَهْ وَالنَّغَمَاتِ مِنْ أَبِي مَحْذُورَهْ … لأَفْعَلَنَّ فَعْلَةً مَذْكُورَهْ وقال علي بن زيد بن صُوحان، عن أوس بن خالد: كنت إذا قَدِمت على أبي محذورة سألني عن رجل، وإذا قَدِمت على الرجل سألني عن أبي محذورة، فسألت أبا محذورة عن ذلك؟ فقال: كنت أنا وأبو هريرة وفلان في بيت، فقال النبيّ - ﷺ -: «آخركم موتًا في النار»، فمات أبو هريرة، ثم مات أبو محذورة، ثم مات ذلك الرجل، وقال ابن جرير وغيره: كان لأبي محذورة أخٌ يسمى أُنيسًا قُتل يوم بدر كافرًا، وقال الزبير بن بكار: أبو محذورة اسمه أوس بن مِعْيَر بن لَوْذان بن سعد جُمَح، من قال غير هذا فقد أخطأ، قال: وأخوه أُنيس قُتل يوم بدر كافرًا. وقال ابن عبد البر: اتَّفَق الزبير، وعمه مصعب، وأبو إسحاق، والمسيبيّ على أن اسم أبي مَحْذُورة أوس، وهم أعلم بأنساب قريش، ومن قال في اسم أبي محذورة: سلمة، فقد أخطأ . قال ابن جرير: تُوُفِّي أبو محذورة بمكة سنة تسع وخمسين، وقيل: سنة تسع وسبعين، وقال ابن حبان في الصحابة: ابنُ معير أبو محذورة مات بعد أبي هريرة، وقبل سمرة بن جندب ما بين ثمان وخمسين إلى ستين، ولّاه النبيّ - ﷺ - الأذان بمكة يوم الفتح، ونَقَل النوويّ عن ابن قُتيبة أن اسمه سليمان، واستغربه . أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والمصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا حديث الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه شيخان قرن بينهما، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة، من صيغ الأداء. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى مكحول، وهو وابن مُحيريز شاميّان، وأبو محذورة مكيّ، وإسحاق مروزيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: عامر الأحول، عن مكحول، عن عبد الله بن محيريز. ٤ - (ومنها): أن صحابيه - ﵁ - من المقلّين من الرواية، له في الكتب الستّة، سوى البخاريّ حديث الأذان فقط . ٥ - (ومنها): أن فيه قولَه: «صَاحِبِ الدَّسْتَوَائِيِّ»، وهو مجرور صفة و«هشام»، ولا يُرفع صفة و«معاذ»، وقد صرّح مسلم: بأنه صفة و«هشام» في أواخر «كتاب الإيمان» في حديث الشفاعة ، وتقدّم هناك أنه يقال فيه أيضًا: «الدستواني» بالنون، وأنه منسوب إلى دَسْتَوَاء كُورة من كُور الأَهْوَاز، كان يبيع الثياب التي تُجْلَب منها، فنُسب إليها، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ) أوس بن مِعْيَر على الصحيح - ﵁ - (أَنَّ نَبِيَّ اللهِ) - ﷺ - (عَلَّمَهُ هَذَا الْأَذانَ) وفي رواية النسائيّ: «أن النبيّ - ﷺ - أقعده، فألقى عليه الأذان حرفًا حرفًا» («اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا وقع هذا الحديث في»صحيح مسلم«في أكثر الأصول في أوله:»الله أكبر«مرتين فقط، ووقع في غير مسلم:»الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر«أربع مرات، قال القاضي عياض - ﵀ -: ووقع في بعض طُرُق الفارسيّ في»صحيح مسلم« أربع مرات، وكذلك اختُلِف في حديث عبد الله بن زيد في التثنية والتربيع، والمشهور فيه التربيع، وبالتربيع قال الشافعيّ، وأبو حنيفة، وأحمد، وجمهور العلماء، وبالتثنية قال مالك، واحتَجّ بهذا الحديث، وبأنه عَمَلُ أهل المدينة، وهم أعرف بالسنن، واحتَجَّ الجمهور بأن الزيادة من الثقة مقبولة، وبالتربيع عَمَلُ أهل مكة، وهي مجمع المسلمين في المواسم وغيرها، ولم يُنْكِر ذلك أحد من الصحابة وغيرهم، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الرواية التي فيه تربيع التكبير عند مسلم هي التي ينبغي الاعتماد عليها، كما حقّق ذلك الحافظ أبو الحسن ابن القطّان الفاسيّ، في كتابه «بيان الوهم والإيهام»، ودونك نصّه: فيه بيان أن كلمات الأذان مثنى، وهو حديث ساقه مسلم من رواية عامر الأحول، عن مكحول، عن ابن مُحيريز، عن أبي محذورة، من رواية هشام الدستوائيّ، عن عامر، رواها عنه ابنه معاذ، والصحيح عن عامر المذكور في هذا الحديث إنما هو تربيع التكبير في أول الأذان، كذلك رواه عن عامر المذكور جماعة، منهم: عفّان، وسعيد بن عامر، وحجّاج، ورواه عن هؤلاء الحسن بن عليّ، ذكر ذلك أبو داود عنه، وبذلك يصحّ فيه كون الأذان تسع عشرة كلمةً، يزيد عليها الأذان بالترجيع في الشهادتين. وقد يقع في بعض روايات كتاب مسلم هذا الحديث مُربّعًا فيه التكبير، وهي التي ينبغي أن تُعَدَّ صحيحةً، وقد ساقه البيهقيّ في كتابه من رواية إسحاق بن إبراهيم، عن معاذ بن هشام، عن أبيه هشام الدستوائيّ بالتكبير مربّعًا، ثم قال البيهقيّ: أخرجه مسلم في «الصحيح»، وإسحاق بن إبراهيم أحد من رواه عنه مسلم، فهو إذن مربّع فيه التكبير، فاعلم ذلك. انتهى كلام ابن القطّان - ﵀ - ، وهو تحقيق نفيسٌ، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الأزهريّ في «التهذيب»: قول المصلّي «الله أكبر»، وكذلك قول المؤذّن، فيه قولان: أحدهما: أن معناه: الله كبيرٌ، فوُضع «أفعل» موضع «فَعِيل»، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، معناه: وهو هَيِّنٌ عليه، ومثله قول مَعْن بن أَوْس [من الطويل]: لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لأَوْجَلُ … عَلَى أَيِّنَا تَعْدُو الْمَنِيَّةُ أَوَّلُ معناه: واني لوَجِلٌ. وتقول العرب: المرء بأصغريه: أي بصغيريه، وهما قلبه ولسانه، فكذلك قوله: الله أكبر: أي كبير. والقول الآخر: أن فيه إضمارًا، والمعنى: الله أكبر كبيرٍ، وكذلك الله الأعزّ؛ أي أعزّ عزيز، قال الفرزدق [من الكامل]: إِنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا … بَيْتًا دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ معناه: أعزّ عزيز، وأطول طويل. وقيل: معناه: الله أكبر من كلّ شيء؛ أي أعظم، فحُذف؛ لوضوح معناه، و«أكبر» خبر، والأخبار لا يُنكر حذفها، وقيل: معناه: الله أكبر من أن يُعرف كُنْهُ كبريائه وعَظَمته. وإنما قُدّر له ذلك؛ لأن أفعل يلزم الألف واللام أو الإضافة، كالأكبر، وأكبر القوم، والراء في «أكبر» في الأذان والصلاة ساكنة، لا تضمّ؛ للوقف، فإذا وُصل بكلام ضُمّ. انتهى . (أَشْهَدُ) بفتح الهاء مضارع شَهِد، كعَلِمَ، قال في «القاموس»: الشهادة: خبرٌ قاطعٌ، وقد شَهِدَ، كعَلِمَ، وكَرُمَ، وقد تُسَكَّن هاؤه، وشَهِده، كسَمِعه شُهُودًا: حضره، فهو شاهد، وجمعه شُهُودٌ، وشُهَّدٌ. انتهى . وقال في «العمدة»: قوله: (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) أي أعلم وأُبيِّن، ومن ذلك: شهد الشاهد عند الحاكم، معناه: قد بيَّن له، وأعلمه الخبرَ الذي عنده، وقال ابن منظور - ﵀ -: «الشهادة»: خبرٌ قاطعٌ، تقول منه: شَهِدَ الرجلُ على كذا، وربما قالوا: شَهْدَ الرجل بسكون الهاء للتخفيف، قاله الأخفش، وقولهم: أَشْهَدُ بكذا: أي أَحْلِف. وقال أبو بكر بن الأنباريّ في قول المؤذن: «أشهد أن لا إله إلا الله»: أعلم أن لا إله إلا الله، وأُبَيِّنُ أن لا إله إلا الله، قال: وقوله: «أشهد أن محمدًا رسول الله»: أَعْلَمُ وأُبَيِّنُ أن محمدًا رسول الله، وقوله - ﷿ - ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] قال أبو عبيدة: معنى ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾: قَضَى اللهُ أنه لا إله إلا هو، وحقيقته عَلِمَ اللهُ وبَيَّنَ الله، لأن الشاهد هو العالم الذي يُبَيِّن ما علمه، فالله قد دَلّ على توحيده بجميع ما خَلَق، فبَيَّن أنه لا يقدر أحد أن يُنشئ شيئًا واحدًا مما أنشأ، وشَهِدت الملائكة لِمَا عاينت من عظيم قدرته، وشَهِد أولو العلم بما ثبت عندهم، وتبَيَّن من خلقه الذي لا يَقدِر عليه غيره. وقال أبو العباس: شَهِدَ الله: بَيَّن الله وأظهر، وشَهِدَ الشاهد عند الحاكم: أي بَيَّن ما يعلمه وأظهره، يدُلّ على ذلك. وسأل المنذريُّ أحمدَ بن يحيى عن قول الله - ﷿ -: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فقال: كلُّ ما كان «شهد الله»، فإنه بمعنى عَلِمَ الله، قال: وقال ابنُ الأعرابيّ: معناه: قال الله، ويكون معناه: عَلِمَ الله، ويكون معناه: كَتَب الله، وقال ابنُ الأنباريّ: معناه: بَيَّن الله أن لا إله إلا هو. انتهى . وقال ابن باطيش في «المغني»: قوله: «أشهد»: أصلها أنها خبر، وهي هنا خاصّ بالحال، وإن شاركه في لفظه المستقبل، لأن المتلفّظ به سَيُقطَع بإسلامه عقب قوله، ولو كان مستقبَلًا لما قُطع به، فإنه يكون وعدًا بالشهادة. انتهى . (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) كرّر للتوكيد (أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) أي أعلم وأبيّن أن محمدًا - ﷺ - رسول الله، والرسول فَعُولٌ بمعنى مفعول، يقال: أرسلتُ رسولًا: إذا بعثته برسالة يؤدّيها، ويجوز استعماله بلفظ واحد للمذكّر والمؤنّث، والمثنَّى، والمجموع، ويجوز التثنية، والجمع، فيُجمَعُ على رُسُلٍ بضمّتين، وإسكان السين لغةٌ، أفاده الفيّوميّ . وقال أبو بكر بن الأنباريُّ في قول المؤذّن: «أشهد أن محمدًا رسول الله»: أي أعلم، وأبيِّنُ أن محمدًا متابعٌ للإخبار عن الله - ﷿ -، والرسول معناه في اللغة: الذي يتابع أخبار الذي بعثه، أخذًا من قولهم: جاءت الإبل رَسَلًا: أي متتابعةً، وقال أبو إسحاق النحويّ في قوله - ﷿ - حكايةً عن موسى وأخيه: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]: معناه: إنا رِسالة ربّ العالمين؛ أي ذَوَا رسالة ربّ العالمين، وأنشد قول كُثَيِّر [من الطويل]: لَقَدْ كَذَبَ الْوَاشُونَ مَا بُحْتُ عِنْدَهُمْ … بِسِرٍّ وَلَا أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ أراد: ولا أرسلتهم برسالة . وقال الجوهريّ: وأرسلتُ فلانًا، فهو مرسَلٌ، ورَسُولٌ، والجمع رُسْلٌ، ورُسُلٌ، والرسول أيضًا: الرسالة، قال [من الوافر]: أَلَا أَبْلِغْ أَبَا عَمْرٍ ورَسُولًا … بأَنِّي عَنْ فُتَاحَتِكُمْ غَنِيُّ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] ولم يَقُل: رُسُلُ ربّ العالمين؛ لأن فَعُولًا وفَعِيلًا يستوي فيهما المذكّر والمؤنّث والواحد والجمع، مثلُ: عَدُو وصَدِيقٍ. انتهى . [تنبيه]: قال ابن الأنباريّ: فُصَحَاءُ العرب، وأهل الحجاز ومن والاهم يقولون: أشهد أن محمدًا رسول الله، وجماعة من العرب يبدلون من الألف عينًا، فيقولون: أشهد عَنَّ. انتهى . (أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، ثُمَّ يَعُودُ) أي يرجع المؤذّن بهؤلاء الكلمات مزة أخرى رافعًا صوته، ويستفاد منه أن ما سبق كان بخفض الصوت، ويوضّح ذلك رواية أبي داود، فقد أخرجه بسند صحيح، عن محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبيه، عن جدّه قال: قلت: يا رسول الله عَلِّمني سنة الأذان، قال: فمسح مقدَّم رأسي، وقال: «تقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ترفع بها صوتك، ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، تخفض بها صوتك، ثم ترفع صوتك بالشهادة: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله». زاد في رواية:«قال: وعلمني الإقامة مرتين مرتين، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله». فتبيّن بهذه الرواية أن المراد بالعود هنا أن يعود إلى رفع الصوت بعد خفضه، وهذا هو المسمّى بالترجيع، وهو أن يَخفض صوته بالشهادتين بعد الجهر بهما، وفيه خلاف مشهور، والحقّ أنه سنة ثابتةٌ، وسيأتي تحقيق ذلك قريبًا - إن شاء الله تعالى -. (فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) وفي نسخة: «ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله مرّتين، أشهد أن محمدًا رسول الله مرّتين» (حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ) معناه: تَعَالَوْا إلى الصلاة، وأَقْبِلُوا إليها، قالوا: وفُتِحَت الياء لسكونها، وسكون الياء السابقة الْمُدْغَمَة، قاله النوويّ . وقال ابن منظور: وحَيَّ على الغداء والصلاة: ائتوها، فـ «حَيّ» اسم للفعل، ولذلك عُلِّق حرف الجر الذي هو «على» به، و«حَيَّهَلْ»، و«حَيَّهَلًا»، و«حَيَّهَلَا» منونًا وغيرَ منون كلُّه كلمةٌ يُسْتَحَثُّ بها، قال مزاحم [من الطويل]: بِحَيَّهَلًا يُزْجُونَ كُلَّ مَطِيَّةِ … أَمَامَ الْمَطَايَا سَيْرُهَا الْمُتَقَاذِفُ قال بعض النحويين: إذا قُلت: حَيَّهَلًا، فنَوَّنتَ، قلت: حَثًّا، وإذا قلت: حَيَّهَلَا فلم تنوّن، فكأنك قلت: الْحَثَّ، فصار التنوين عَلَمَ التنكير، وتركه علم التعريف، وكذلك جميع ما هذه حاله من المبنيات، إذا اعتُقِد فيه التنكير نُوِّن، وإذا اعتُقِد فيه التعريف حُذِف التنوين، وإلى هذا أشار ابن مالك - ﵀ - في «الخلاصة» حيث قال: وَاحْكُمْ بِتَنْكِيرِ الَّذِي يُنَوَّنُ … مِنْهَا وَتَعْرِيفُ سِوَاهُ بَيِّنُ وقال الجوهريّ: وقولهم: «حيَّ على الصلاة»: معناه هَلُمَّ، وأَقْبِلْ، وفتُحِت الياء لسكونها وسكون ما قبلها، كما قيل: ليت، ولعل، والعرب تقول: حيَّ على الثريد، وهو اسم لفعل الأمر . (حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ مَرَّتَيْنِ») أي هَلُمَّ إلى الفَوْز والنجاة، وقيل: إلى البقاء؛ أي أقبلوا على سبب البقاء في الجنة، والْفَلَحُ بفتح الفاء واللام لغة في الفلاح، حكاهما الجوهريّ وغيره، ويقال لِحَيَّ على كذا: الحيعلة، قال أبو منصور الأزهريّ: قال الخليل بن أحمد - رحمهما الله تعالى -: الحاء والعين لا يأتلفان في كلمة أصلية الحروف؛ لقرب مخرجيهما إلا أن يُؤَلَّفَ فعل من كلمتين، مثلُ: حَيَّ على، فيقال منه: حَيْعَلَ. انتهى. وقال الأزهريّ - ﵀ -: معنى «حيّ الفلاح»: هَلُمّ، وعَجِّل إلى الفلاح، والفلاحُ: هو الفوز بالبقاء، والخلود في النعيم المقيم، ويقال للفائز: مُفْلح، وكل من أصاب خيرًا: مُفْلِح، وقال عُبيد بن الأبرص: أَفْلِحْ بِمَا شِئْتَ فَقَدْ يُدْرَكُ بِالـ … ـضَّعْفِ وَقَدْ يُخْدَعُ الأَرِيبُ أفلح يعني: ابْقَ بما شئت من حُمْقٍ أو كَيْسٍ، ويقال للسحور الذي يستعين به الصائم على صومه: فلاح وفَلَحٌ - أي بفتحتين -؛ لأنه سبب للبقاء. انتهى . (زَادَ إِسْحَاقُ) ابن راهويه شيخه الثاني في روايته لهذا الحديث (اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) يعني أن أبا غسّان اختصر الحديث، فانتهى عند قوله: «حيّ على الفلاح مرتين»، وأما إسحاق فأتمّه بذكر قوله: «الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي محذورة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٨٤٨] (٣٧٩)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٥٠٢)، و(الترمذيّ) فيه (١٩٢)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٤ - ٥)، و(ابن ماجه) في «الأذان» (٧٠٩)، و(أبو داود الطيالسيّ«) في»مسنده«(١٣٥٤)، و(ابن أبي شيبة) في»مصنّفه«(١/ ٢٠٣)، و(أحمد) في»مسنده«(٣/ ٤٠٩)، و(الدارميّ) في»سننه«(١/ ٢٧١)، و(ابن الجارود) في»المنتقى«(١٦٢)، و(ابن خزيمة) في»صحيحه«(٣٧٧)، و(ابن حبّان) في»صحيحه«(١٦٨٠ و١٦٨١ و١٦٨٢)، و(الطحاويّ) في»معاني الآثار«(١/ ١٣٠ و١٣٥)، و(البيهقيّ) في»الكبرى«(١/ ٤١٦)، و(أبو عوانة) في»مسنده«(٩٦٤ و٩٦٥)، و(أبو نعيم) في»مستخرجه«(٨٣٥)، و(البغويّ) في»شرح السنّة«(٤٠٧)، و(الدارقطنيّ) في»سننه«(١/ ٢٣٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان صفة الأذان، وهو المذكور في هذا الحديث، وقد سبق أنه وقع في أكثر نُسَخ«صحيح مسلم»بتثنية التكبير في أوله، ووقع في بعضها بالتربيع، وكذلك اختُلف في حديث عبد الله بن زيد بالتثنية والتربيع، والمشهور فيه التربيع. وقد سبق أيضًا أن الأرجح جواز كلّ ذلك، لصحّة نقله، فمن شاء ربّع، وهو الأقوى رواية، ومن شاء ثنّى، وكذلك الإقامة، من شاء أفرد، ومن شاء ثنّى، إلا«قد قامت الصلاة»، فإنها تُثنَّى دائمًا. ٢ - (ومنها): مشروعيّة الترجيع في الأذان، وفيه خلاف سيأتي بيانه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٣ - (ومنها): بيان فضل أبي محذورة - ﵁ - حيث لقّنه النبيّ - ﷺ - الأذان بنفسه، وولّاه إياه في مكّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الترجيع: قال النوويّ - ﵀ -: وفي هذا الحديث حجة بينةٌ، ودلالة واضحة لمذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء أن الترجيع في الأذان ثابت مشروع، وهو الْعَودُ إلى الشهادتين مرتين برفع الصوت، بعد قولهما مرتين بخفض الصوت، وقال أبو حنيفة والكوفيون: لا يُشْرَع الترجيع؛ عملًا بحديث عبد الله بن زيد، فإنه ليس فيه ترجيع، وحجة الجمهور هذا الحديث الصحيح، والزيادة مقدَّمةٌ، مع أن حديث أبي محذورة هذا متأخرٌ عن حديث عبد الله بن زيد، فإن حديث أبي محذورة سنة ثمان من الهجرة بعد حنين، وحديث عبد الله بن زيد في أول الأمر، وانضمّ إلى هذا كلِّه عمل أهل مكة والمدينة، وسائر الأمصار، وبالله تعالى التوفيق. قال: واختَلَف أصحابنا - يعني الشافعيّة - في الترجيع، هل هو ركن لا يصحّ الأذان إلا به، أم هو سنة، ليس ركنًا، حتى لو تركه صحّ الأذان، مع فوات كمال الفضيلة؟ على وجهين: والأصح عندهم أنه سنة، وقد ذهب جماعة من المحدثين وغيرهم إلى التخيير بين فعل الترجيع وتركه، والصواب إثباته. انتهى كلام النوويّ - ﵀ -. قال الجامع عفا الله عنه: قد علمت أن الأرجح ما ذهب إليه جماعة من المحدّثين من التخيير؛ لصحّة كلّ من الترجيع وعدمه؛ كإفراد الإقامة، وتثنيتها، فتبصّر، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: احتجَّ الجمهور على مشروعية الترجيع وثبوته بروايات أبي محذورة - ﵁ -، وهي نصوص صريحة فيه: (فمنها): ما أخرجه المصنّف - ﵀ - هنا. (ومنها): ما رواه الترمذيّ (١٩١) حدَّثنا بشر بن معاذ البصريّ، حدّثنا إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، قال: أخبرني أبي وجدّي جميعًا عن أبي محذورة «أن رسول الله - ﷺ - أقعده، وألقى عليه الأذان حرفًا حرفًا»، قال إبراهيم: مثل أذاننا، قال بشر: فقلت له: أَعِدْ عليّ، فوصف الأذان بالترجيع، قال أبو عيسى: حديث أبي محذورة في الأذان حديث صحيح، وقد رُوي عنه من غير وجه، وعليه العمل بمكة، وهو قول الشافعي. انتهى. (ومنها): ما رواه أبو داود في «سننه» عن أبي محذورة - ﵁ -، وقد تقدّم قريبًا، وهو حديث صحيح، وهو نصّ صريح في أن الترجيع من سنة الأذان. (ومنها): ما رواه النسائي وأبو داود وابن ماجه عن أبي محذورة - ﵁ - قال: علَّمني رسول الله - ﷺ - الأذان، فقال: «الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم يعود، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله، حَيّ على الصلاة حي على الصلاة …» الحديث، وإسناده صحيح، فهذه الروايات كلها نصوص صريحة في ثبوت الترجيع ومشروعيته. قال العلامة المباركفوريّ - ﵀ -: وأجاب عن هذه الروايات من لم يقل بالترجيع بأجوبة كلها مخدوشة واهية جدًّا. (فمنها): ما ذكره ابن الهمام في «فتح القدير»، فقال: رَوَى الطبراني في «الأوسط» عن أبي محذورة يقول: «ألقى عليّ رسول الله - ﷺ - الأذان حرفًا حرفًا، الله أكبر …» إلخ، ولم يذكر ترجيعًا، فتعارضا فتساقطا، ويبقى حديث ابن عمر، وعبد الله بن زيد سالمًا عن المعارضة. انتهى. ورَدَّه القارئ في «المرقاة شرح المشكاة» حيث قال: وفيه أن عدم ذكره في حديثٍ لا يُعَدّ معارضًا؛ لأن مَن حَفِظَ حجةٌ على من لم يحفظ، والزيادة من الثقة مقبولة، نعم لو صَرَّح بالنفي كان معارضًا مع أن المثبت مقدم على النافي. انتهى. (ومنها): ما قال الطحاويّ: إنه يَحتَمِلُ أن الترجيع إنما كان لأن أبا محذورة لم يَمُدَّ بذلك صوته على ما أراد النبيّ - ﷺ - منه، فقال النبيّ - ﷺ -: ارجع وامدُدْ من صوتك، هكذا اللفظ في هذا الحديث. انتهى. وهذا التأويل مردودٌ، فإنه وقع في رواية أبي داود: «ثم ارجع، فَمُدَّ من صوتك» بزيادة لفظ «ثُمَّ»، ولفظه هكذا: «قل: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله، مرتين مرتين، قال: ثم ارجع، فَمُدّ من صوتك أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله …» إلخ. فمعنى قوله: «ثم ارجع، فمد من صوتك»، أي اخفض صوتك بالشهادتين مرتين مرتين، ثم ارجع، فمُدَّ من صوتك وارفعه بهما مرتين مرتين، يدلّ عليه رواية أبي داود التي ذكرناها قبل هذا بلفظ: «تقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ترفع بها صوتك، ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله، تخفض بها صوتك، ثم ترفع صوتك بالشهادة، أشهد أن لا إله إلا الله …» إلخ، والروايات بعضها يُفَسِّر بعضًا. ويرد هذا التأويل أيضًا ما رواه الترمذي بإسناد صحيح عن أبي محذورة، بلفظ: «إن النبيّ - ﷺ - علّمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمةً». (ومنها): ما ذكره أبو زيد الدبوسي في «الأسرار»، وتبعه بعض شُرّاح «الهداية» من أن النبيّ - ﷺ - أمره بذلك لحكمة رُويت في قصته، وهي أن أبا محذورة كان يُبغض رسول الله - ﷺ - قبل الإسلام بغضًا شديدًا، فلما أسلم أمره رسول الله - ﷺ -، وعَرَكَ أذنه، وقال له: «ارجع وامدُد بها من صوتك»؛ لِيُعلَم أنه لا حياء من الحقّ، أو ليزيد محبةً لرسول الله - ﷺ - بتكرير الشهادتين. ورَدّه العينيّ حيث قال: هذا ضعيف، فإنه خفض صوته عند ذكر اسم الله تعالى أيضًا بعد أن رفع صوته بالتكبير، ولم ينقل في كتب الحديث أنه عَرَك أذنه. انتهى. (ومنها): ما قال ابن الجوزيّ في «التحقيق» من أن أبا محذورة كان كافرًا قبل أن يُسْلِم، فلما أسلم، ولقّنه النبيّ - ﷺ - الأذان، أعاد عليه الشهادة وكرَّرها؛ لتَثبُت عنده ويحفظها، ويكررها على أصحابه المشركين، فلما كرّرها عليه ظنّها من الأذان. انتهى. (ومنها): ما قال صاحب «الهداية» من أن ما رواه كان تعليمًا، فظنه ترجيعًا، وقد ذكر الحافظ الزيلعيّ في «نصب الراية» هذه الأقوال، وقال: هذه الأقوال متقاربة في المعنى، ثم ردَّها، فقال: ويردُّها لفظ أبي داود، قلت: يا رسول الله عَلِّمني سنة الأذان، وفيه: «ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، تَخْفِض بها صوتك، ثم ترفع صوتك بها»، فجعله من سنة الأذان، وهو كذلك في «صحيح ابن حبّان»، و«مسند أحمد». انتهى. وكذلك ردّ هذه الأقوال الحافظ ابن حجر في «الدراية». قال المباركفوريّ - ﵀ -: ولردّ هذه الأقوال وجوهٌ أخرى: (منها): أن فيها سوء الظن بأبي محذورة - ﵁ -، ونسبة الخطأ إليه من غير دليل. (ومنها): أن أبا محذورة - ﵁ - كان مقيمًا بمكة مؤذِّنًا لأهلها إلى أن تُوُفِّي، وكانت وفاته سنة تسع وخمسين، وكلُّ مَن كان في هذه المدة بمكة من الصحابة، ومن التابعين كانوا يسمعون تأذينه بالترجيع، وكذلك يَسمَع كل مَن يَرِد مكة في مواسم الحج، وهي مَجْمَع المسلمين، فلو كان ترجيع أبي محذورة غير مشروع، وكان من خطئه لأنكروا عليه، ولم يُقِرُّوه على خطئه، ولكن لم يثبت إنكار أحد من الصحابة وغيرهم على أبي محذورة في ترجيعه في الأذان، فظهر بهذا بطلان تلك الأقوال، وثَبَت أن الترجيع من سنة الأذان، بل ثبت إجماع الصحابة على سنيته على طريق الحنفية فتفكر. قال: وقد بسطنا الكلام في هذه المسألة في كتابنا «أبكار المنن في نقد آثار السنن» . واستُدِلّ من لم يقل بمشروعية الترجيع بما رواه مسلم عن عمر بن الخطاب - ﵁ - مرفوعًا: «إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله …» الحديث. قيل: يستفاد من هذا الحديث أن الأذان ليس فيه الترجيع. وتُعُقِّب بأنه يستفاد منه أيضًا أن الأذان ليس فيه تربيع التكبير، ولا تثنية باقي الكلمات، فما هو الجواب عنهما هو الجواب عن الترجيع. واستُدِلّ أيضًا بحديث عبد الله بن زيد، قال ابن الجوزيّ في «التحقيق»: حديث عبد الله بن زيد هو أصل في التأذين، وليس فيه ترجيع، فدَلَّ على أن الترجيع غير مسنون. انتهى. وقد عرفت جوابه في كلام النووي. وقال الطحاوي في «شرح معاني الآثار»: كَرِهَ قوم أن يقال في أذان الصبح: «الصلاة خير من النوم»، واحتَجُّوا في ذلك بحديث عبد الله بن زيد في الأذان، وخالفهم في ذلك آخرون، فاستحبوا أن يقال ذلك في التأذين للصبح بعد الفلاح، وكان الحجة لهم في ذلك أنه وإن لم يكن ذلك في حديث عبد الله بن زيد، فقد عَلَّمه رسول الله - ﷺ - أبا محذورة بعد ذلك، فلما عَلَّم رسول الله - ﷺ - ذلك أبا محذورة، كان زيادةً على ما في حديث عبد الله بن زيد، ووجب استعمالها. انتهى كلام الطحاويّ. قال المباركفوريّ - ﵀ -: فكذلك يقال: إن الترجيع وإن لم يكن في حديث عبد الله بن زيد، فقد علّمه رسول الله - ﷺ - أبا محذورة بعد ذلك، فلما علّم رسول الله - ﷺ - ذلك أبا محذورة كان زيادة على ما في حديث عبد الله بن زيد، فوجب استعماله. وقال صاحب «بذل المجهود» تحت حديث أبي محذورة ما لفظه: وهذا الحديث يُحتَجُّ به على سنية الترجيع في الأذان، وبه قال الشافعيّ، ومالك؛ لأنه ثابت في حديث أبي محذورة، وهو حديث صحيح، أخرجه مسلم، مشتمل على زيادة غير منافية، فيجب قبولها، وهو أيضًا متأخر عن حديث عبد الله بن زيد؛ لأن حديث أبي محذورة سنة ثمان من الهجرة بعد حنين، وحديث عبد الله بن زيد في أول الأمر، ويرجّحه أيضًا عمل أهل مكة والمدينة. انتهى. وقال صاحب «العرف الشذيّ» ما لفظه: واستمر الترجيع في مكة إلى عهد الشافعيّ، وكان السلف يشهدون موسم الحج كلَّ سنة، ولم ينكر أحد. انتهى. قال المباركفوريّ: والأمر كما قالا، ولكنهما مع هذا الاعتراف لم يقولا بسنية الترجيع في الأذان، فأما صاحب «بذل المجهود»، فأجاب عن حديث أبي محذورة بأن الترجيع في أذانه لم يكن لأجل الأذان، بل كان لأجل التعليم، فانه كان كافرًا، فكرر رسول الله - ﷺ - الشهادتين برفع الصوت لترسخا في قلبه، كما تدل عليه قصته المفَصَّلة، فظن أبو محذورة أنه ترجيع، وأنه في أصل الأذان. انتهى. قلت: وهذا الجواب مردود كما عرفت آنفًا، ثم قال صاحب «البذل» مستدلًّا على عدم سنية الترجيع، ما لفظه: وقد رَوَى الطبراني في «معجمه الأوسط» عن أبي محذورة أنه قال: «ألقي على رسول الله - ﷺ - الأذان حرفًا حرفًا: الله أكبر الله أكبر …» إلى آخره، لم يذكر فيه ترجيعًا. انتهى. قلت: وأجاب عن هذه الرواية في «نصب الراية»، فقال بعد ذكر هذه الرواية: وهذا معارِض للرواية المتقدمة التي عند مسلم وغيره، ورواه أبو داود في «سننه»، حدثنا النُّفَيليّ، ثنا إبراهيم بن إسماعيل، فذكره بهذا الإسناد، وفيه ترجيع - انتهى. ثم قال: وأيضًا يدل على عدم الترجيع ما رواه أبو داود والنسائي عن ابن عمر: إنما كان الأذان على عهد رسول الله - ﷺ - مرتين مرتين، والإقامة مرة، غير أنه يقول: قد قامت الصلاة. انتهى. قلت: قد تقدّم الجواب عن هذه الرواية فتذكر، ثم هذه الرواية إن دلت على عدم الترجيع، فتدل أيضًا على عدم تثنية الإقامة، فعليهم أن يقولوا بعدم تثنيتها أيضًا. وأما صاحب «العرف الشذيّ، فقال: إن رَجَّع الحنفيّ في الأذان، ففي»البحر« أنه يباح، ليس بسنة ولا مكروه، وعليه الاعتماد، وقال: الحقّ ثبوت الترجيع، ووجه الرجحان لنا في عدم الترجيع أن بلالًا استمر أمره بين يدي رسول الله - ﷺ - قبل تعليمه - ﵇ - الأذان أبا محذورة وبعده. انتهى. قلت: قد استَمَرّ الترجيع أيضًا من حين تعليمه - ﵇ - الأذان بالترجيع أبا محذورة إلى عهد الشافعيّ كما اعترف هو به. فحاصل الكلام أنه ليس لإنكار سنية الترجيع في الأذان وجه، إلا التقليدُ، أو قلة الاطلاع. انتهى كلام المباركفوريّ - ﵀ - ، وهو بحثٌ نفيسٌ. خلاصته أن أدلّة ثبوت الترجيع واضحة كالشمس في رابعة النهار، حتى اعترف بها المعارضون لها من متعصّبي الحنفيّة، إلا أن التعصّب أعماهم، فتكلّفوا التأويلات الزائفة، قاتل الله التعصّب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في عدد كلمات الأذان: ذهب الشافعيّة وطائفة من العلماء إلى أن الأذان تسع عشرة كلمةً، واحتجّوا بحديث أبي محذورة - ﵁ - المذكور في الباب، وقالوا: العمل به مقدّم لأن فيه زيادةً، وزيادة الثقة مقبولة، ولأن النبيّ - ﷺ - لقّنه إياه بنفسه. وذهب أبو حنيفة، والثوريّ، وأحمد بن حنبل إلى أنه خمس عشرة كلمة، واحتجّوا بحديث عبد الله بن زيد - ﵁ -. وذهب مالك إلى أنه سبع عشرة كلمة؛ لعدم التربيع في أوله. قال العلامة ابن رشد - ﵀ - في كتابه «بداية المجتهد»: اختلف العلماء في الأذان على أربع صفات مشهورة: [إحداها]: تثنية التكبير فيه، وتربيع الشهادتين، وباقيه مثنى، وهو مذهب أهل المدينة، مالك وغيره، واختار المتأخرون من أصحاب مالك الترجيع، وهو أن يُثَنِّي الشهادتين أوّلًا خفيًّا، ثم يُثَنِّيهما مرةً ثانية، مرفوعَ الصوت. [والصفة الثانية]: أذان المكيين، وبه قال الشافعيّ، وهو تربيع التكبير الأول، والشهادتين، وتثنية باقي الأذان. [والصفة الثالثة]: أذان الكوفيين، وهو تربيع التكبير الأول، وتثنية باقي الأذان، وبه قال أبو حنيفة. [والصفة الرابعة]: أذان البصريين، وهو تربيع التكبير الأول، وتثليث الشهادتين، و«حي على الصلاة»، و«حي على الفلاح»، يبدأ بـ «أشهد أن لا إله إلا الله» حتى يصل إلى «حي على الفلاح»، ثم يُعِيد كذلك مرة ثانية، أعني الأربع كلمات تبعًا، ثم يعيدهن ثالثةً، وبه قال الحسن البصريّ، وابن سيرين. والسبب في اختلاف هؤلاء الفرق الأربع اختلاف الآثار في ذلك، واختلاف اتّصال العمل عند كل واحد منهم، وذلك أن المدنيين يَحتجون لمذهبهم بالعمل المتصل بذلك في المدينة، والمكيون كذلك أيضًا يحتجون بالعمل المتصل عندهم بذاك، وكذلك الكوفيون، والبصريون، ولكل واحد منهم آثار تشهد لقوله. أما تثنية التكبير في أوله على مذهب أهل الحجاز، فرُوي من طُرُق صحاح عن أبي محذورة وعبد الله بن زيد الأنصاريّ، وتربيعه أيضًا عن أبي محذورة من طُرُق أُخَر، وعن عبد الله بن زيد، قال الشافعيّ: وهي زيادات يجب قبولها مع اتصال العمل بذلك بمكة، وأما الترجيع الذي اختاره المتأخرون من أصحاب مالك، فرُوي من طريق أبي قُدامة، قال أبو عمر: وأبو قدامة عندهم ضعيف. وأما الكوفيون فبحديث ابن أبي ليلى ، وفيه أن عبد الله بن زيد رأى في المنام رجلًا، قام على خُرْم حائط ، وعليه بُرْدان أخضران، فأذَّن مثنى، وأقام مثنى وأنه أخبر بذلك رسول الله - ﷺ -، فقام بلال فأذّن مثنى وأقام مثنى، والذي أخرجه البخاريّ في هذا الباب، إنما هو من حديث أنس فقط، وهو أن بلالًا أُمِر أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة، إلا «قد قامت الصلاة»، فإنه يثنيها، وأخرج مسلم عن أبي محذورة، على صفة أذان الحجازيين. ولمكان هذا التعارض الذي ورد في الأذان رأى أحمد بن حنبل وداود أن هذه لا على إيجاب واحدة منها، وأن الإنسان مخير فيها. انتهى كلام ابن رشد - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن ما ذهب إليه أحمد وداود، وهو مذهب كثير من أهل الحديث وهو التخيير في ذلك هو الحقّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في عدد كلمات الإقامة: ذهب الشافعيّ، وأحمد، وجمهور العلماء إلى أن ألفاظ الإقامة إحدى عشرة كلمة، كلها مفردة إلا التكبير في أولها وآخرها، ولفظ «قد قامت الصلاة»، فإنها تثنّى، واستدلّوا بحديث أنس المتقدّم، وغيره. وذهب الحنفيّة، والثوريّ، وابن المبارك، وأهل الكوفة إلى أن ألفاظ الإقامة مثل الأذان، مع زيادة «قد قامت الصلاة» مرّتين، واستدلّوا بحديث عبد الله بن زيد، فقد وقع في بعض روايته بلفظ: «كان أذان رسول الله - ﷺ - شفعًا شفعًا في الأذان والإقامة»، وأعلّه الترمذيّ بالانقطاع بين عبد الرحمن بن أبي ليلى، وبين عبد الله بن زيد، والأصحّ أنه صحيح؛ لأن ابن أبي ليلى قال: حدّثنا أصحاب محمد - ﷺ - … فذكره، فهو متّصل بلا ريب، وقال الحافظ - ﵀ -: وحديث أبي محذورة في تثنية الإقامة مشهور عند النسائيّ وغيره. انتهى. وقال الشوكانيّ - ﵀ - بعد ذكر نحو ما سبق -: إذا عرفت هذا تبيّن لك أن أحاديث تثنية الإقامة صالحة للاحتجاج بها؛ لما أسلفناه، وأحاديث إفراد الإقامة، وإن كانت أصحّ منها؛ لكثرة طرقها، وكونها في «الصحيحين»، لكن أحاديث التثنية مشتملة على الزيادة، فالمصير إليها لازم مع تأخّر تاريخ بعضها، كما عرّفناك. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الأحسن مما قاله الشوكاني ما قدّمناه من أن العمل بالحديثين هو الصواب؛ لصحّتهما، فيعمل بالإفراد تارةً، وبالتثنية أخرى، لكن يعمل في أكثر الأوقات بما هو الأقوى، والأرجح، وهو الإفراد، فهذا أحسن من دعوى النسخ أو غيره، فتبصر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم التثويب: اختَلَفوا فيه، فذهبت طائفة إلى مشروعيّته، وممن قال به ابن عمر، والحسن البصريّ، وابن سيرين، والزهريّ، ومالك، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، قاله ابن المنذر، وزاد ابن قُدامة: الأوزاعيّ. قال ابن المنذر: وقد كان الشافعيّ يقول به إذ هو بالعراق، قال: وهو الظاهر المعمول به في مسجد الله، ومسجد رسول الله - ﷺ -، وحَكَى عنه البُويطيّ أنه كان يقول به، وقال في «كتاب الصلاة»: ولا أُحبّ التثويب في الصبح، ولا في غير هذا؛ لأن أبا محذورة لم يَحْكِ عن النبيّ - ﷺ - أنه أمره بالتثويب، فأكره الزيادة في الأذان، وأكره التثويب بعده. قال ابن المنذر - ﵀ -: وما هذا إلا سهوٌ منه ومنسيٌّ، حيث كتب هذه المسألة؛ لأنه حَكَى ذلك في الكتاب العراقيّ عن سعد القَرَظ، وعن أبي محذورة، ورَوَى ذلك عن عليّ. قال: وخالف النعمان، فاستحسن التثويب بين الأذان والإقامة، يقول: «حي على الصلاة» مرّتين، «حيّ على الفلاح» مرّتين، وخالف ما ثبت عن مؤذّني رسول الله - ﷺ -، من أنهم كانوا يثوّبون في نفس الأذان قبل الفراغ منه. قال: وبالأخبار التي رويناها عن بلال، وأبي محذورة نقول، ولا أرى التثويب إلا في أذان الفجر خاصّةً، يقول بعد قوله: «حيّ على الفلاح»: «الصلاة خيرٌ من النوم» مرّتين. انتهى كلام ابن المنذر ملخّصًا ، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ - ﵀ - في «شرح المهذّب» : يكره التثويب في غير الصبح، وهذا مذهبنا، ومذهب الجمهور، وحُكي عن النخعيّ أن التثويب سنة في كلّ الصلوات كالصبح، وحُكي عن الحسن بن صالح أنه استحبّه في أذان العشاء أيضًا؛ لأن بعض الناس قد ينام عنها. وحجة الأولين حديث عائشة - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ»، متّفقٌ عليه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من ذكر الأقوال وأدلّتها أن الأرجح استحباب التثويب في أذان الفجر بقوله بعد الحيعلتين: «الصلاة خير من النوم» مرّتين؛ لصحّة الخبر بذلك. وأما ما أحدثه الناس من نحو قولهم: الصلاة يرحكم الله، أو ما يسمّونه بالترحيب في الفجر، أو غير ذلك، فإن هذا كلّه من البدع المنكرة، يجب إزالته على من يستطيع. وكذا زيادة «حيّ على خير العمل»؛ لأنه لم يثبت عن النبيّ - ﷺ -، قال النوويّ: وروى البيهقيّ فيه شيئًا موقوفًا على ابن عمر، وعليّ بن الحسن - ﵃ -. قال البيهقيّ - ﵀ -: لم تثبت هذه اللفظة عن النبيّ - ﷺ -، فنحن نكره الزيادة في الأذان. انتهى . وخلاصة القول: إن التثويب بـ «الصلاة خيرٌ من النوم» سنّةٌ ثابتةٌ في أذان الفجر، وما عدا ذلك من أنواع التثويبات، وكذا قولُ «حيّ على خير العمل» فمما لا أصل له فيما صحّ عن رسول الله - ﷺ -، فينبغي الحذَر، والتحذير منه، والإنكار على من يفعله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في بيان أغلاط المؤذّنين: (اعلم): أنه يجب الاحتراز عن الأغلاط التي يرتكبها معظم المؤذّنين، وهي كثيرة: [أولها]: مدّ الهمزة من «أشهد»، فيخرج إلى الاستفهام. [ثانيها]: مدّ الباء من «أكبر»، فينقلب المعنى إلى جمع كَبَر، وهو الطبل. [ثالثها]: الوقف على «إله»، ويبتدئ بـ «إلا الله»، قال ابن الملقّن: فهو كفر، وفيه نظر. [رابعها]: إدغام الدال من «محمد» - ﷺ - في الراء من «رسول الله»، وهو لحن خفيّ عند القرّاء. [خامسها]: ترك النطق بالهاء من «الصلاة»؛ لأنه يصير دعاء إلى النار. [سادسها]: أن يُبدل هاء «الصلاة» حاء. نبّه على هذه الأخطاء العلامة ابن الملقّن - ﵀ - في «الإعلام» ، وزاد غير هذا تركته؛ إذ لم يُعجبني، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ اتِّخَاذِ مُؤَذِّنَيْنِ لِلْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ) وبالسند المتّصل إلى الامام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٤٩] (٣٨٠) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُؤَذِّنَانِ: بِلَالٌ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٢ - (أَبُوهُ) هو: عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيٌّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٣ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب الْعُمَريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] (ت سنة بضع و١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. والباقيان تقدّما قبل بابين. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وفيه التحديث، والعنعنة من صيغ الأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ. ٤ - (ومنها): أن ابن عمر -﵄- أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى، وبتشدّده في اتّباع السنّة، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب -﵄-، أنه (قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُؤَذِّنَانِ) يعني بالمدينة، وفي وقت واحد، وقد كان أبو محذورة أيضًا مؤذنًا لرسول اللَّه -ﷺ- بمكة، وسعد القرظ أَذَّن لرسول اللَّه -ﷺ- بقباء مرّات، قاله النوويّ -﵀- . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «كان لرسول اللَّه -ﷺ- مؤذّنان» يعني في وقت واحد، وإلا فقد كان له غيرهما؛ أذّن له أبو محذورة بمكّة، ورتّبه لأذانها، وسعد الْقَرَظ أذّن للنبيّ -ﷺ- ثلاث مرَّات، وقال له: «إذا لم تر بلالًا، فأذِّن» ، وأذّن له الصُّدائيّ، وقال: «إن أخا صداء أذّن، فهو يقيم» . انتهى . وقوله: (بِلَالٌ) بالرفع على البدليّة من «مؤذّنان»، وهو بلال بن رَبَاح، وهو ابن حَمَامة، وهي أمه، من السابقين الأولين، مات -﵁- بالشام سنة (٧ أو ١٨) وقيل: سنة (٢٠)، تقدّمت ترجمته في «الطهارة» ٢٣/ ٦٤٣. وقوله: (وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) بالرفع عطفًا على «بلالٌ»، وقوله: (الْأَعْمَى) نعتٌ له. وهو: عمرو بن زائدة، ويقال: عمرو بن قيدس بن زائدة، ويقال: زياد بن الأصم، وهو جُنْدُب بن هَرِم بن رواحة بن حُجْر بن عبد بن مَعيص بن عامر بن لُؤَيّ العامريّ، المعروف بابن أمّ مكتوم الأعمى، مؤذِّن النبيّ -ﷺ-، وقيل: اسمه عبد اللَّه، والأول أكثر وأشهر، وهو قرشيّ عامريّ، أسلم قديمًا، وهاجر قبل مقدم النبيّ -ﷺ- المدينة، وكان النبيّ -ﷺ- يُكرمه، واستخلفه على المدينة ثلاث عشرة مرّة، وشَهِد القادسيّة، وقُتل بها شهيدًا في خلافة عمر -﵄-، وكان معه اللواء يومئذ، وهو الأعمى المذكور في القرآن، في ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾، واسم أمه عاتكة بنت عبد اللَّه المخزوميّة، وزعم بعضهم أنه وُلد أعمى، فكُنيت أمه أم مكتوم؛ لانكتام نور بصره، والمعروف أنه عَمِي بعد بدر بسنتين. قال الجامع عفا اللَّه عنه: كذا قال في «الفتح» (٢/ ١١٩) وتعُقّب بأن سورة ﴿عَبَسَ﴾ مكيّة، كما هو مذكور في كتب التفاسير، وقد وُصف فيها بالأعمى، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. وقال الواقديّ: رجع من القادسية إلى المدينة، فمات بها، ولم يُسمَع له بذكر بعد عمر بن الخطاب -﵄-. رَوَى عن النبيّ -ﷺ-، وعنه أنس بن مالك، وعبد اللَّه بن شداد بن الهاد، وزِرّ بن حُبيش، وأبو رَزِين الأسديّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعطيةُ بن أبي عطية، وأبو الْبَخْتريّ الطائيّ، ولم يدركه، وذكره ابن حبان في الصحابة في العبادلة، فقال: كان اسمه الْحُصين، فسماه النبيّ -ﷺ- عبد اللَّه، ومنهم من زعم أن اسمه عمرو، ومن قال: هو عبد اللَّه بن زائدة، فقد نسبه إلى جدّه، وقال ابن سعد: أما أهل المدينة فيقولون: اسمه عبد اللَّه، وأما أهل العراق فيقولون: اسمه عمرو، ثم اتفقوا على نسبه، فقالوا: ابن قيس بن زائدة، وكان النبي -ﷺ- يستخلفه على المدينة، يصلي بالناس في عامة غزواته، وقال أبو أحمد الحاكم: قُتل شهيدًا بالقادسية. أخرج له أبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله عندهم حديث عدم الرخصة من يسمع النداء، وله ذكر في «الصحيحين». [تنبيه]: هذا الحديث هنا مختصرٌ، وقد ساقه المصنّف بتمامه في «كتاب الصيام»، فقال: (١٠٩٢) حدّثنا ابن نمير، حدّثنا أبي، حدّثنا عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر -﵄- قال: كان لرسول اللَّه -ﷺ- مؤذِّنان: بلالٌ، وابن أم مكتوم الأعمى، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: «إن بلالًا يؤذِّن بليل، فكلوا واشربوا، حتى يؤذِّن ابن أم مكتوم»، قال: ولم يكن بينهما إلا أن يَنْزِل هذا، ويَرْقَى هذا. انتهى، وسيأتي تمام شرحه هناك -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٨٤٩ و٨٥٠] (٣٨٠) وفي «الصيام» (١٠٩٢)، و(البخاريّ) في «الأذان» (٦١٧)، و(الترمذيّ) في «الصلاة» (١٨٧)، و(النسائيّ) في «الأذان» (٦٣٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٥٤٢٨ و٢٤٣٤٦)، و(الدارميّ) في «سننه» (١١٦٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٩٦٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٨٣٦ و٨٣٧ و٨٣٨ و٨٣٩)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب اتخاذ مؤذنين للمسجد الواحد، يؤذن أحدهما قبل طلوع الفجر، والآخر عند طلوعه، كما كان بلال وابن أم مكتوم -﵄- يفعلان ذلك. قال النوويّ -﵀-: قال أصحابنا: فإذا احتاج إلى أكثر من مؤذنين اتخذ ثلاثةً، وأربعةً، فأكثر بحسب الحاجة، وقد اتخذ عثمان -﵁- أربعةً للحاجة عند كثرة الناس، قالوا: ويستحب أن لا يزاد على أربعة إلا لحاجة ظاهرة، قالوا: وإذا ترتب للأذان اثنان فصاعدًا، فالمستحب أن لا يؤذنوا دَفْعَةً واحدةً، بل إن اتسع الوقت ترتبوا فيه، فإن تنازعوا في الابتداء به أُقرع بينهم، وإن ضاق الوقت، فإن كان المسجد كبيرًا أذَّنوا متفرقين في أقطاره، وإن كان ضيقًا وقفوا معًا، وأذّنوا، وهذا إذا لم يؤدّ اختلاف الأصوات إلى تهويش، فإن أدَّى إلى ذلك لم يُؤَذِّن إلا واحد، فإن تنازعوا أُقرع بينهم، وأما الإقامة فإن أذَّنُوا على الترتيب، فالأول أحقّ بها إن كان هو المؤذن الراتب، أو لم يكن هناك
مصادر المؤلف (١٦٤)

١. وقع في النسخة في السند الأول: «عن أبي بكر»، وفي الثاني: «عن بُكير»، وكلاهما غلط من النسّاخ، والصواب: «عن بكر»؛ فتنبّه.

٢. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٦.

٣. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٧ - ٨.

٤. «لسان العرب» ١١/ ٣٣٨ - ٣٣٩.

٥. رواه أبو يعلى في «مسنده» ٧/ ٢٧٩، وأبو نعيم في «الحلية» ٦/ ٢٦٨، والبيهقيّ في «الشعب» ٢/ ٤٣٦، وضعّفه الحافظ في «الفتح» ٨/ ٧٤٢، والهيثميّ في «المجمع» ٧/ ١٤٩، والألباني في «الضعيفة» رقم (٣٦٧).

٦. طرف من حديث ابن عمر مرفوعًا: «إن الشهر هكذا وهكذا، وخنس الإبهام في الثالثة»، متّفق عليه.

٧. هو الحسن بن محمد بن حيدر العدويّ العمريّ الصاغانيّ الحنفيّ المتوفّى سنة (٦٥٠ هـ).

٨. «إحكام الأحكام» ١/ ٣٥٩ - ٣٦٢ بنسخة «الحاشية».

٩. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٤٧٨.

١٠. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٥٥٨.

١١. «المصباح» ٢/ ٥٣٢.

١٢. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ١٣ - ١٤.

١٣. «شرح النوويّ» ٤/ ٦٧.

١٤. راجع: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ١٥.

١٥. راجع:«شرح النوويّ»٤/ ٦٦.

١٦. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام»٢/ ١٦.

١٧. راجع: «الفتح» ١/ ٤٦٥.

١٨. «شرح النوويّ» ٤/ ٦٦.

١٩. ١/ ٤٦٥.

٢٠. «العدّة» ١/ ٣٦٤.

٢١. «المصباح المنير»١/ ١٥٨.

٢٢. هذا أولى من قول «التقريب»: صدوقٌ؛ لأن الأئمة وثّقوه، ولم يضعّفه أحد، وكذا قوله: رُمي بالإرجاء والنصب لا يصحّ؛ لأنه من رواية محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف؛ فتنبّه.

٢٣. هذا لم يثبت عنه إلا برواية محمد بن حميد الرازيّ، وهو ضعيف، فلا ينبغي الالتفات إليه؛ فتنبّه.

٢٤. «المصباح المنير» ١/ ١٦٠.

٢٥. راجع:«ذخيرة العقبى في شرح المجتبى»٤/ ٣٩١ - ٣٩٣.

٢٦. تقدّم أن هذا غير مقبول؛ لأنه من رواية محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف، فلا يُقبل منه مثل هذا الجرح؛ فتنبّه.

٢٧. تعليقة ابن عبد الهادي على علل ابن أبي حاتم ص ١٢٥ - ١٢٧.

٢٨. وفي نسخة: «حدّثنا».

٢٩. وفي نسخة: «فذُكِرَ له الوضوءُ».

٣٠. «المصباح» ١/ ١٨١.

٣١. راجع: «فتح المنعم» ٢/ ٤١٩.

٣٢. «شرح النوويّ» ٤/ ٦٩.

٣٣. وفي نسخة: «فَأُتي» بالفاء.

٣٤. وفي نسخة: «لم؟ أُصلي؟» بهمزة واحدة.

٣٥. «المصباح المنير» ٢/ ٤٥٧.

٣٦. وفي نسخة: «يقول».

٣٧. وفي نسخة: «قيل له: يا رسول الله».

٣٨. وفي نسخة: «فلم يمسّ ماءً».

٣٩. وفي نسخة: «أنه سمعه».

٤٠. راجع: «تحفة الأشراف» ٤/ ٣٩٠.

٤١. قال في «الفتح» (١/ ٢٩٤): سعيد بن زيد المذكور في هذا السند، صدوقٌ، تَكَلَّم بعضهم في حفظه، وليس له في البخاري غير هذا الموضع المعلَّق، لكن لم ينفرد بهذا اللفظ، فقد رواه مسدد، عن عبد الوارث، عن عبد العزيز مثله، وأخرجه البيهقيّ من طريقه، وهو على شرط البخاريّ. انتهى.

٤٢. «الفتح» ١/ ٢٩٤.

٤٣. «المصباح المنير» ٢/ ٥٤٢.

٤٤. «النهاية» ٣/ ٣١٨.

٤٥. «الفتح» ١/ ٢٩٣.

٤٦. «عمدة القاري» ٢/ ٢٦٩ - ٢٧٠.

٤٧. راجع: «ذخيرة العقبى» ١/ ٣٠٠ - ٣٠١.

٤٨. «الفتح» ١/ ٢٩٤.

٤٩. وفي نسخة: «يناجي رجلًا».

٥٠. راجع: «شرح النوويّ» ٤/ ٧٢ - ٧٣.

٥١. «الفتح» ٢/ ١٤٦.

٥٢. راجع: «الفتح» ٢/ ١٤٦.

٥٣. «عمدة القاري» ٥/ ١٥٨.

٥٤. ٢/ ١٤٦.

٥٥. «شرح النوويّ» ٤/ ٧٣ - ٧٤.

٥٦. راجع: «ذخيرة العقبى في شرح المجتبى» ٣/ ٣٤٤ - ٣٤٩.

٥٧. «شرح النوويّ» ٤/ ٧٣ - ٧٤.

٥٨. «المصباح المنير» ١/ ٢٦١.

٥٩. وفي نسخة: «وحدّثنا».

٦٠. وفي نسخة: «أخبرنا».

٦١. فيه أن زهير بن حرب نسائيّ، ثم بغداديّ، اللهم إلا أن يريد أنه دخل البصرة للسماع من ابن عليّة وغيره، فليتأمل، والله تعالى أعلم.

٦٢. «شرح النوويّ» ٤/ ٧٢.

٦٣. «مغني اللبيب عن كتب الأعاريب» ١/ ٨٧.

٦٤. راجع: «عمدة القاري» ٥/ ٣.

٦٥. «النهاية» ٣/ ٥٠.

٦٦. حديث صحيح، أخرجه أبو داود في سننه (٢/ ٣٣١).

٦٧. «عمدة القاري» ٥/ ٣٩.

٦٨. اعتُرض هذا بأنه اشتقاق من الفرع.

٦٩. قال النوويّ: هذا باطلٌ؛ لأن لام الكلمة في «الصلاة» واوٌ بدليل الصلوات، وفي صليت ياء، فكيف صحّ الاشتقاق مع اختلاف الحروف الأصليّة؟.

٧٠. قد تقدّم اعتراض ابن القيّم - ﵀ - تفسير الصلاة بالرحمة في «شرح المقدّمة»، فراجعه تستفد.

٧١. «إكمال المعلم» ٢/ ٢٣٤، وقد أنكر بعضهم بعض هذه الاشتقاقات؛ لاختلاف لام الكلمة في بعض هذه الأقوال، فلا يصحّ الاشتقاق مع اختلاف الحروف، وأجاب بعضهم بأن الاختلاف إنما يضرّ في الاشتقاق الصغير، لا في الكبير، والأكبر.

٧٢. «مفردات ألفاظ القرآن»ص ٤٩٢.

٧٣. تقدم في ص ٦ أنه حديث صحيح.

٧٤. حديث صحيح، أخرجه أبو داود، (١/ ١٤٤)، و«النسائيّ» (٢/ ٢٥ و٣/ ٥٠).

٧٥. راجع: «لسان العرب» ١٤/ ٤٦٥.

٧٦. هكذا النسخة: «وقول المرء … إلى قوله: وخسارة»، وهي عبارة ركيكة، فلتحرّر، والله تعالى أعلم.

٧٧. هكذا النسخة، ولعل الأولى «من أهل الكتاب»، والله أعلم.

٧٨. مضارع أغبّ: إذا تأخّر.

٧٩. «إكمال المعلم» ٢/ ٢٣٤ - ٢٣٦.

٨٠. «المصباح المنير» (١/ ١٠.

٨١. «المجموع شرح المهذّب» ٣/ ٨٠ - ٨١.

٨٢. «الفتح» ٢/ ٩٢.

٨٣. «المغني»١/ ٤١٣.

٨٤. راجع:. «إكمال المعلم» ٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤، و«المجموع» ٣/ ٨٠.

٨٥. «الفتح» ٢/ ٩٢.

٨٦. «عمدة القاري»٥/ ١٥٤.

٨٧. «عمدة القاري»٥/ ١٥٤.

٨٨. «النهاية» ٥/ ١٠٦.

٨٩. «المصباح المنير» ٢/ ٦٢١.

٩٠. «الفتح» ٢/ ٩٦.

٩١. «شرح النوويّ» ٤/ ٧٦.

٩٢. «الفتح» ٢/ ٩٦ - ٩٧.

٩٣. أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ٢٨ بسند صحيح.

٩٤. «الأوسط» ٣/ ١٢.

٩٥. «شرح النوويّ» ٤/ ٧٧.

٩٦. «الأوسط» ٣/ ١٣.

٩٧. راجع: «شرح النوويّ» ٤/ ٧٧.

٩٨. «الأوسط» ٣/ ١١.

٩٩. «الأوسط» ٣/ ٢٤ - ٢٥.

١٠٠. «المحلَّى»٣/ ١٢٢ - ١٢٥.

١٠١. راجع:«ذخيرة العقبى في شرح المجتبى»٧/ ٦٦٧ - ٦٦٨.

١٠٢. «سنن أبي داود»١/ ١٣٥.

١٠٣. هو شيخ ابن ماجه محمد بن عُبيد بن ميمون المدنيّ، قال في «التقريب»: صدوقٌ من العاشرة، مات سنة (٢٥١). انتهى. والحديث عند ابن ماجه حديث حسن، لكن الأبيات فيها انقطاع.

١٠٤. «الأوسط» ٣/ ١٣.

١٠٥. «الأوسط» ٣/ ٣٨.

١٠٦. «الأوسط» ٣/ ٤٣ - ٤٥.

١٠٧. حديث حسنٌ، أخرجه أحمد في «مسنده» (٢٦٠٢٢)، وأبو داود في «سننه» (٥٩١).

١٠٨. راجع: «الأوسط» ٣/ ٥٨ - ٦٠.

١٠٩. «الأوسط» ٣/ ٦٠ - ٦٢.

١١٠. حديث صحيح أخرجه أحمد، وأصحاب السنن.

١١١. «الأوسط» ٣/ ٦٢ - ٦٤.

١١٢. راجع: «ذخيرة العقبى» ٨/ ٢٧٣ - ٢٧٦.

١١٣. وفي نسخة: «حدّثنا».

١١٤. بضمّ الميم، وبالنون، وكسر الزاي، ولم يكن حذّاءً، وإنما كان يجلس في الحذّائين، وقيل في سببه غير ذا، قاله النوويّ ٤/ ٧٨.

١١٥. بكسر القاف، وبالباء الموحّدة.

١١٦. «الفتح»٢/ ٩٩.

١١٧. «الفتح» ٢/ ٩٩.

١١٨. «الفتح» ٢/ ١٠٠ - ١٠١.

١١٩. «الفتح» ٢/ ١٠١.

١٢٠. «الأوسط» ٣/ ١٥ - ١٧.

١٢١. قال في «الفاموس» (٢/ ٣٩٨): سعد القرظ الصحابيّ تَجِرَ فيه، فربِحَ، فلزمه، فأضيف إليه. انتهى.

١٢٢. قال في «الفتح» (٢/ ١٠٠): وروى الدارقطنيّ، وحسّنه في حديث لأبي محذورة: «وأمره أن يُقيم واحدةً واحدةً». انتهى.

١٢٣. «الأوسط» ٣/ ١٧ - ٢٠.

١٢٤. ٢/ ١٠٠.

١٢٥. «شرح النوويّ» ٤/ ٧٩.

١٢٦. «القاموس المحيط» ٤/ ٣٩٩.

١٢٧. وفي نسخة:«حدّثني أبي»بدون عاطف.

١٢٨. وفي نسخة:«ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله مرّتين، أشهد أن محمدًا رسول الله مرّتين».

١٢٩. بقية كلام أبي حاتم كما في «الجرح والتعديل» ٨/ ٤٠٨: كأنه قَبِل ذلك.

١٣٠. هكذا نسخة «تهذيب التهذيب» «علّان» ولعله غيلان - بالغين المعجمة - وهو غيلان بن أبي غيلان المقتول في القدر، له ترجمة في «ميزان الاعتدال» (٣/ ٣٣٨)، فليُنظر ولْيُحرّر، والله تعالى أعلم.

١٣١. «الْمُرَيْطَاء» كالْغُبَيْراء: ما بين السّرّة، أو الصدر إلى العانة، أو جِلدة رقيقة بينهما، أو عِرْقان يَعتمد عليهما الصائح، قاله في «القاموس» ٢/ ٣٨٥.

١٣٢. «الإصابة» ٧/ ٣٠٢.

١٣٣. «الإصابة» ٧/ ٣٠٢، و«تهذيب التهذيب» ١٢/ ٢٤٣.

١٣٤. راجع: «تحفة الأشراف» ٨/ ٥٧٦ - ٥٧٨.

١٣٥. راجع: شرح الحديث (٩١/ ٤٨٥).

١٣٦. «شرح النوويّ» ٤/ ٨١.

١٣٧. «بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام» ٥/ ٦٠١ - ٦٠٢.

١٣٨. راجع: «تهذيب اللغة» ١٠/ ٢١٤ - ٢١٥، و«الزاهر في غريب ألفاظ الشافعيّ» ص ٢٢٢ - ٢٢٣، و«لسان العرب» ٥/ ١٢٧.

١٣٩. «القاموس المحيط» ١/ ٣٠٥.

١٤٠. لسان العرب ٣/ ٢٣٩.

١٤١. هو: عماد الدين أبو المجد إسماعيل بن أبي البركات بن باطيش الموصليّ (٥٧٥ - ٦٥٥ هـ) له كتاب «المغني في الإنباء عن غريب المهذّب والأسماء».

١٤٢. «المغني في الإنباء عن غريب المهذَّب والأسماء» ١/ ٨٥ - ٨٦.

١٤٣. «المصباح المنير» ١/ ٢٢٦.

١٤٤. «لسان العرب» ١١/ ٢٨٤.

١٤٥. «الصحاح» ٤/ ١٣٩٨.

١٤٦. «عمدة القاري» ٥/ ١٥٩.

١٤٧. «شرح النوويّ» ٤/ ٨١.

١٤٨. «لسان العرب» ١٤/ ٢٢١ - ٢٢٢.

١٤٩. «الزاهر في غريب ألفاظ الشافعيّ» ص ٢٢٠.

١٥٠. راجع: «أبكار المنن» (ص ٨٤ - ٨٧).

١٥١. «تحفة الأحوذيّ» (١/ ٥٠٣ - ٥٠٦)، و«أبكار المنن في نقد آثار السنن» (ص ٨٤ - ٨٨).

١٥٢. حديث ابن أبي ليلى أخرجه ابن خزيمة في«صحيحه».

١٥٣. في«القاموس»: خُرْم الأَكَمَة بالضمّ: منقطعها. اهـ.

١٥٤. «بداية المجتهد، ونهاية المقتصد»١/ ١٠٥ - ١٠٦.

١٥٥. «نيل الأوطار» ٢/ ١٠٦ - ١٠٨.

١٥٦. راجع: «الأوسط» ٣/ ٢١ - ٢٤.

١٥٧. راجع: «المجموع» ٣/ ٩٧ - ٩٨.

١٥٨. راجع: «السنن الكبرى» للبيهقيّ ١/ ٤٢٤ - ٤٢٥.

١٥٩. راجع: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٤٢٩ - ٤٣٠.

١٦٠. «شرح النوويّ» ٤/ ٨١.

١٦١. تقدّم سبب تلقيبه بالقرظ أنه كان تَجِرَ فيه، فربِحَ، فلزمه، فأضيف إليه.

١٦٢. قال الحافظ الهيثميّ -﵀- في «مجمع الزوائد»: رواه الطبرانيّ في «الكبير»، وفيه عبد الرحمن بن سعد بن عمّار، وهو ضعيف. انتهى.

١٦٣. ضعيف، أخرجه أبو داود (٥١٤)، وفي سنده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقيّ، ضعيف.

١٦٤. «المفهم» ٢/ ١١.