HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٤٣٢

حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا عبد اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ. قَالَ: كَانَ رسول الله ﷺ يمسح منا كبنا فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ «اسْتَوُوا وَلَا تَخْتَلِفُوا. فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ. لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى. ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ. ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» قَالَ أَبُو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافا.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص30
ج ١ ص ٣٢٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٠ ص٢٣٢
رَوَى عن أبي الطُّفَيل، وأبي حازم سلمان الأشجعيّ، وعبيد اللَّه ابن القبطية، وسعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعيّ. وروى عنه ابنه الحسن بن الفرات، وابن ابنه زياد بن الحسن بن فرات، ومحمد بن جُحَادة، وشعبة، والمسعوديّ، وعمر بن قيس الملائيّ، وعمرو بن أبي قيس الرازيّ، وأبو الأحوص، وشريك، والسفيانان، وغيرهم. قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن شاهين في «الثقات»: قال سفيان: كان ثقةً، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٤٣١) و(١٨٤٢) و(٢٩٠١) وأعاده بعده. والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: (صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) وفي نسخة: «صلّينا مع رسول اللَّه -ﷺ-». وقوله: (قُلْنَا بأَيْدِينَا) أي أشرنا، ففيه إطلاق القول على الإشارة. وقوله: (مَا شَأْنُكُمْ) «ما» استفهاميّة، أي ما حالكم؟. وقوله: (تُشِيرُونَ بِأَيْدِيكُمْ) جملة في محلّ نصب على الحال، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الأول، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٩) - (بَابُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، وَإِقَامَتِهَا، وَفَضْلِ الأَوَّلِ مِنْهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٧٧] (٤٣٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ، وَيَقُولُ: «اسْتَوُوا، وَلَا تَخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»، قَالَ أَبُو مَسْعُود: فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلَافًا). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ) الأَوْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. ٢ - (عُمَارَةُ بْنُ عُمَيْرٍ التَّيْمِيُّ) من بني تيم اللَّه بن ثعلبة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤]. رأى عبد اللَّه بن عمر، وروى عن الأسود بن يزيد النخعيّ، والحارث بن سُويد التيميّ، وعبد الرحمن بن يزيد النخعيّ، وأبي عطية الوادعيّ، وإبراهيم بن أبي موسى الأشعريّ، وأبي معمر عبد اللَّه بن سَخْبَرة الأزدي، وغيرهم. وروى عنه إبراهيم النخعيّ، والحكم بن عتيبة، وزبيد الياميّ، والأعمش، وسعد بن عبيدة، ومنصور بن المعتمر، وغيرهم. قال البخاريّ عن علي ابن المدينيّ: له نحو ثمانين حديثًا، وقال عبد اللَّه بن أحمد: سألت أبي عنه، فقال: ثقة وزيادة، يُسأل عن مثل هذا؟ وقال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: كوفيّ ثقة، وكان خيارًا، وقال ابن حبّان في «الثقات»: رَوَى عن عبد اللَّه بن عمر، وكذا جزم بروايته عن ابن عمر ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل». قال ابن سعد: تُوُفّي في خلافة سليمان بن عبد الملك، وكذا قال ابن حبان في «الثقات»، وخليفة بن خياط، وزاد: سنة (٩٨)، وأما ابن أبي خيثمة فحَكَى عن يحيى بن معين أنه مات سنة ثنتين وثمانين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا. ٣ - (أَبُو مَعْمَرٍ) عبد اللَّه بن سَخْبَرَة -بفتح المهملة، وسكون المعجمة، وفتح الموحّدة- الأزديّ الكوفيّ، ثقةٌ [٢] مات في ولاية عبيد اللَّه بن زياد (ع) تقدم في «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤٧٠. ٤ - (أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ البدريّ الصحابيّ الشهير، مات -﵁- قبل الأربعين، وقيل: بعدها (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٥٨. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم، عن بعض: الأعمش، عن عمارة، عن أبي معمر. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه اشتهر بالبدريّ، قيل: إنه لم يشهد بدرًا، وإنما نُسب إليها، لسكناه بها، ولكن عدّه البخاريّ -﵀- في «صحيحه» ممن شهد بدرًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) عبد اللَّه بن سَخْبَرة الأزديّ (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو البدريّ -﵁-، أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا) أي يُسَوِّي مناكبنا في الصفوف، ويُعَدِّلنا فيها. و«المناكب»: جمع مَنْكِب -بفتح الميم، وسكون النون، وكسر الكاف- وهو مُجْتَمَع رأس العضد والْكَتِف، قاله في «المصباح»، يعني أنه يضع يده على مناكبنا حتى لا يتقدّم بعضنا على بعض، أو يتأخّر (فِي الصَّلَاةِ) متعلّق بـ «يمسح»، أي في حال إرادة أداء الصلاة بالجماعة، يعني أنه يراعي تسويتنا للصفوف عند القيام للصلاة، ويَتَعَهَّد ذلك (وَيَقُولُ) في حال تسوية المناكب على ما هو الظاهر، كما قاله القاري («اسْتَوُوا) أي اعتدلوا في صفوفكم بأن لا يتقدّم بعضكم على بعض، وهو معنى قوله: (وَلَا تَخْتَلِفُوا) أي بالتقدّم والتأخّر، و»لا«ناهية، ولهذا جُزم الفعل بها (فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ) بنصب»تختلف«على أنه جواب النهي، بعد الفاء السببيّة، كما قال في»الخلاصة«: وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ«أَنْ»وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ والمعنى: لا تختلفوا في إقامة الصفوف بالأبدان بالتقدّم والتأخّر، فتختلفَ قلوبكم بالأهوية والإرادة؛ لأن اختلاف الظاهر يكون سببًا في اختلاف الباطن. [فإن قلت]: هذا الحديث يدلّ على أن القلب تابع للأعضاء، ففسادها سببٌ لفساده، ويعارضه حديث النعمان بن بشير -﵄- المتّفق عليه:«ألا إن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب»؛ لأنه يدلّ على أن الأعضاء تابعة للقلب، فصلاحها بصلاحه، وفسادها بفساده، فكيف يُجمع بينهما؟. [قلت]: يُجمع بأن الاختلاف في الظاهر ناشئ عن فساد القلب، وذلك أن عدم إقامة الصفوف يدلّ عدم الاعتناء بالسنّة، وعدم الاعتناء بها يدلّ على غفلة القلب وفساده؛ لأن من كان قلبه حيًّا صالحًا منوَّرًا بنور الإيمان يكون متّبعًا للسنّة في جميع أحواله، والعكس بالعكس، فثبت بهذا ترتّب الاختلاف الظاهريّ على الفساد الباطنيّ، ثم يَنشَأ من هذا الاختلاف الظاهريّ المتسبّب عن فساد القلب الاختلاف الباطنيّ بمعنى آخر، وهو وقوع العداوة والبغضاء والتحاسد فيما بينهم. فظهر بهذا أن فساد القلب أوّلًا بالإعراض عن السنّة هو الأصل؛ لاختلاف الظاهر بعدم إقامة الصفوف الذي ينشأ عنه اختلاف الباطن بالعداوة والبغضاء والتحاسد ونحوها، فاختلف جهة فساد القلب، فالفساد الأول هو الغفلة عن اللَّه، والإعراض عن اتّباع السنّة، والفساد الثاني هو الفساد الذي يكون بينهم من الأشياء المذكورة، فالفساد الثاني نتيجة الفساد الأول. وبهذا يحصل الجمع بين الحديثين، وللَّه الحمد والنعمة، وله الفضل والمنّة. (لِيَلِنِي مِنْكُمْ) أمر من الوَلْي، وهو القرب، والدنوّ، أي ليقرب منّي، وأصله «يليني» بياء بعد اللام، فلمّا دخلت لام الأمر حُذفت الياء للجزم. [تنبيه]: تكلّم الشرّاح في حذف الياء الثانية وإثباتها من قوله: «ليلني»، فقال النوويّ -﵀-: هو بكسر اللامين، وتخفيف النون، من غير ياء قبل النون، ويجوز إثبات الياء مع تشديد النون على التوكيد. انتهى . وأشار في هامش نسخة محمد ذهني (٢/ ٣٠) أنه وقع في بعض النسخ: «لِيَلِيَنّي» بالياء وتشديد النون، وهو الضبط الثاني مما ذكره النوويّ. وقال شارح «المصابيح»: الرواية «لِيَليني» بإثبات الياء، وهو شاذّ؛ لأنه من الولي بمعنى القرب، واللام للأمر، فيجب حذف الياء للجزم، قيل: لعله سهو من الكاتب، أو كُتب بالياء؛ لأنه الأصل، ثم قُرئ كذا. والأولى أن يقال: إنه من إشباع الكسرة كما قيل في قول الشاعر [من البسيط]: هَجَوْتَ زَبّانَ ثُمَّ جِئْتَ مُعْتَذِرًا … مِنْ هَجْوِ زَبَّانَ لَمْ تَهْجُو وَلَمْ تَدَعِ حيث ثبتت الواو في «تَهْجُو». وقوله [من الطويل]: وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ … كَأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيَا فثبتت الألف في «تَرَى». قال ابن مالك -﵀- في «شواهد التوضيح» (ص ٢٢ - ٢٤): وإشباع الحركات الثلاث، وتوليد الأحرف الثلاثة -يعني الواو، والياء، والألف- بعدها لغة معروفة، وذكر لذلك شواهد، فراجعه تستفد. أو هو تنبيه على الأصل، كما قيل في قراءة قُنْبُل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾، أو أنه لغة كما قاله في «همع الهوامع» . وقال العلامة أحمد محمد شاكر -﵀- فيما كتبه على الترمذيّ بعد نقل كلام النوويّ المذكور: وهكذا طُبع في «صحيح مسلم» بحذف الياء في طبعة بولاق (١: ١٢٨)، وفي طبعة الاستانة (٢: ٣٠) في حديثي أبي مسعود وابن مسعود، وكتب بهامشها في حديث أبي مسعود أن في نسخة: «ليليني»، وضبط بتشديد النون، وفتح الياء قبلها، ولكن في نسخة مخطوطة عندي من «صحيح مسلم» يغلب عليها الصحّة بإثبات الياء فيهما من غير ضبط، وكتب بهامشها في الموضعين أن في نسخة «ليلني» بحذف الياء. وقال الشارح المباركفوريّ (١/ ١٩٣): قد وقع في بعض نسخ الترمذيّ: «ليلني» بحذف الياء قبل النون، وفي بعضها بإثباتها. قال أحمد شاكر: وإني لم أرها في شيء من نسخ الترمذيّ بحذف الياء، وأظنّ أن حذفها فيه وفي غيره من تصرّف الناسخين، وكذلك ضبط الكلمة على إثبات الياء بفتحها، وتشديد النون؛ ذهابًا منه إلى الجادّة في قواعد النحو بجزم الفعل المعتلّ بحذف حرف العلّة، وقد رأيت كثيرًا من الناسخين والعلماء يجيزون لأنفسهم تغيير ما خالف القواعد المعروفة ظنًّا منهم أنه خطأٌ، والدليل على ظنّ التصرّف منهم أن الشارح نقل عن الطيبيّ أنه قال: من حقّ هذا اللفظ أن يُحذف منه الياء؛ لأنه على صيغة الأمر، وقد وجدناه بإثبات الياء وسكونها في سائر كتب الحديث، والظاهر أنه غلطٌ. قال أحمد شاكر: وليس هذا غلطًا كما زعم الطيبيّ، بل إثبات حرف العلّة في مثل هذا ورد في الحديث كثيرًا، وله شواهد من الشعر، وقد بَحَث فيه العلامة ابن مالك في كتاب «شواهد التوضيح» بحثًا طويلًا (١١ - ١٥) وذكر من شواهده في البخاري قول عائشة: «إن أبا بكر رجلٌ أسيف، وإنه متى يقوم مقامك لا يُسمع الناس»، وحديث: «من أكل من هذه الشجرة، فلا يغشانا»، وحديث: «مرُوا أبا بكر فليُصلّي بالناس»، ووجّه ذلك بأوجه متعدّدة، أحسنها عندي الوجه الثالث، أن يكون أجري المعتلّ مُجرى الصحيح، فأثبت الألف -يعني أو الواو، أو الياء- واكتفى بتقدير حذف الضمّة التي كان ثبوتها منويًّا في الرفع. انتهى كلام أحمد محمد شاكر -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن قول أحمد شاكر -﵀-: وأظنّ أن حذفها من تصرّفات الناسخين إلى آخر كلامه فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأن الحقّ أن ما ثبت في النسخ يُعتمد عليه، ولا سيّما إذا كان على وفق القواعد، ولا نتّهم الناسخين بالتصرّف، ومن الغريب استدلاله بما نقله عن الطيبيّ، فإن الطيبيّ ليس من المحدّثين المعتمدين في ضبط الروايات، وإنما هو من أهل اللغة والنحو والبلاغة. والحاصل أن ما ضبطه به النوويّ من أنه بكسر اللامين، وتخفيف النون من غير ياء قبل النون، مع تجويز إثبات الياء مع تشديد النون على التوكيد، هو الوجه الوجيه، فتأمله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم. (أُولُو الْأَحْلَامِ) أي ذوو العقول الراجحة، واحدها حِلْمٌ بكسر، فسكون، قال في «اللسان»: الْحِلْم بالكسر: الأناة، والعقل، جمعه أَحْلامٌ، وحُلُومٌ، وفي التنزيل العزيز: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا﴾ الآية [الطور: ٣٢]، قال جرير [من البسيط]: هَلْ مِنْ حُلُومٍ لأَقْوَامٍ فَتُنْذِرُهُمْ … مَا جَرَّبَ النَّاسُ مِنْ عَضِّي وَتَضْرِيسِي قال ابن سِيدَهْ: وهذا أحد ما جُمِع من المصادر. انتهى . وقال في «المرقاة»: الْحِلْم بالكسر: الأناة، والتثبّت في الأمور، والسكون، والوقارُ، وضبط النفس عند هَيَجَان الغضب، ويُفسّر بالعقل؛ لأن هذه الأمور من مقتضيات العقل، والعقلُ الراجح يتسبّب لها، وقيل: «أولو الأحلام»: البالغون، والْحُلُم بضمّ الحاء البلوغ، وأصله ما يراه النائم. انتهى . (وَالنُّهَى) بضم النون، وفتح الهاء مقصورًا: جمع نُهْيَة بالضمّ بمعنى العقل؛ سمّي به لأنه ينهى صاحبه عن القبائح. وقال في «اللسان»: «النُّهَى»: العقلُ يكون واحدًا وجَمْعًا، وفي التنزيل العزيز: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ [طه: ٥٤]، والنُّهْيةُ بالضمّ: العقلُ، سُمّيت بذلك؛ لأنها تنهى عن القبيح، وأنشد ابن بَرّيّ للخَنْسَاء [من الطويل]: فَتًى كَانَ ذَا حِلْمٍ أَصِيلٍ وَنُهْيَةٍ … إِذَا مَا الْحُبَا مِنْ طَائِفِ الْجَهْلِ حُلَّتِ ومن هنا اختار بعضهم أن يكون النُّهَى جمع نُهْية، وقد صَرَّح اللِّحْيانيّ بأنّ النُّهَى جمع نُهْيَةٍ، فأغنى عن التأويل. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: «أولو الأحلام»: هم العقلاء، وقيل: البالغون، و«النُّهَى» -بضم النون-: العقول، فعلى قول من يقول: «أولو الأحلام»: العقلاء يكون اللفظان بمعنًى، فلما اختَلَف اللفظ عُطِف أحدهما على الآخر تأكيدًا، وعلى الثاني معناه: البالغون العقلاء، قال أهل اللغة: واحدة النُّهَى نُهْية -بضم النون- وهي العقل، ورجلٌ نَهٍ -بفتح، فكسر- من قوم نَهِينَ، ونَهِيٌّ -بفتح، فكسر، فياء مشدّدة- من قوم أَنْهِيَاء، ويقال: نِهٍ -بكسرتين- للإتباع، وسُمِّي العقل نُهْيَةً؛ لأنه يُنْتَهَى إلى ما أَمَرَ به، ولا يُتَجاوَز، وقيل: لأنه يَنْهَى عن القبائح. قال أبو عليّ الفارسيّ: يجوز أن يكون النُّهَى مصدرًا، كالْهُدَى، وأن يكون جَمْعًا كالظُّلَمِ، قال: والنُّهَى في اللغة معناه: الثبات، والحبس، ومنه النِّهْيُ، والنَّهْيُ، بكسر النون وفتحها، والنُّهْيةُ للمكان الذي يَنتَهِي إليه الماء، فيستنقع، قال الواحديّ: فرجع القولان في اشتقاق النُّهْية إلى قول واحد، وهو الحبس، فالنُّهْية هي التي تَنْهَى، وتَحْبِس عن القبائح. انتهى كلام النوويّ -﵀- بزيادة من «اللسان» . والمعنى: لِيَدْنُ منّي البالغون العقلاء؛ لشرفهم، ومزيد فِطْنتهم، وتيقّظهم، وضبطهم لصلاته، وإن حدث به عارض استخلفهم في الإمامة. وقال النوويّ -﵀-: في هذا الحديث تقديمُ الأفضل فالأفضل إلى الإمام؛ لأنه أولى بالإكرام، ولأنه ربما احتاج الإمام إلى استخلاف، فيكون هو أولى، ولأنه يَتَفَطَّن لتنبيه الإمام على السهو لما لا يتفطن له غيره، وليضبطوا صفة الصلاة، ويحفظوها، وينقلوها، ويُعَلِّموها الناس، وليقتدي بأفعالهم مَن وَراءهم، ولا يختص هذا التقديم بالصلاة، بل السنَّة أن يقدم أهل الفضل في كل مَجْمَع إلى الإمام وكبير المجلس، كمجالس العلم، والقضاء، والذكر، والمشاورة، ومواقف القتال، وإمامة الصلاة، والتدريس، والإفتاء، وإسماع الحديث، ونحوها، ويكون الناس فيها على مراتبهم في العلم والدين والعقل والشرف والسنّ، والكفاءة في ذلك الباب، والأحاديث الصحيحة متعاضدة على ذلك. وفيه تسويةُ الصفوف، واعتناء الإمام بها، والحثّ عليها. انتهى . وقال الطيبيّ -﵀-: المعنى: ليدن منّي العلماء النجباء، أولو الأخطار، وذوو السكينة والوقار، أمرهم به؛ ليحفظوا صلاته، ويضبطوا الأحكام والسنن، فيُبلغوا مَن بَعْدهم، وفي ذلك بعد الإفصاح عن جلالة شؤونهم، ونباهة أقدارهم حثٌّ لهم على المسابقة إلى تلك الفضيلة، وفيه إرشاد لمن قصر عن المساهمة معهم في المنزلة إلى تحرّي ما يُزاحمهم فيها. انتهى . (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) أي الذين يَقْرُبون منهم في هذا الوصف، كالمراهقين، أو الذين يقاربون الأولين في النُّهَى والْحِلْم (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ») كالصبيان المميِّزين، أو الذين هم أنزل مرتبةً من المتقدّمين حِلْمًا وعَقْلًا. (قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عَمْرو -﵁- (فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَشَّدُّ اخْتِلَافًا) قال الطيبيّ -﵀-: هذا خطاب للقوم الذين هيَّجُوا الفِتَن، وأراد أن سبب الاختلاف والفتن عدم تسوية صفوفكم، وقال أيضًا: لعله أراد الفتن التي وقعت بين الصحابة، و«أشدّ»يَحْتَمِل أن يجري على المبالغة من وضع«أفعل»مقام اسم الفاعل، أي فأنتم اليوم في اختلاف لا مزيد عليه. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: إن كلام أبي مسعود -﵁- يَحْتَمِل معنيين: [أحدهما]: أنه يقول: إنكم اليوم أشدّ اختلافًا في الصفوف من اليوم الذي قال لنا فيه رسول اللَّه -ﷺ-:«لا تختلفوا، فتختلف قلوبكم»، فإنه كان قليلًا، فقد كان أحيانًا يرى النبيّ -ﷺ- عدم تسوية الصفّ من بعض الناس، فيُحذّرهم، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن النعمان بن بشير -﵄- قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يُسَوِّي صفوفنا، كأنما يُسوّي الْقِدَاحَ حتى رأى أنا قد عَقَلنا عنه، ثم خرج يومًا، فقام حتى كاد يكبّرُ، فرأى رجلًا باديًا صدره من الصفّ، فقال:«عباد اللَّه لتسوّنّ صفوفكم، أو ليُخالفنّ اللَّه بين وجوهكم». [الثاني]: أنه يقول: أنتم اليوم بسبب عدم تسويتكم الصفوف أشدّ اختلافًا حيث وقعتم في الفتن، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي مسعود -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٩٧٧ و٩٧٨] (٤٣٢)، و(أبو داود) في«الصلاة»(٦٧٤)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٨٧ - ٨٨)، و(ابن ماجه) فيها (٩٧٦)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(٢٤٣٠)، و(أبو داود الطيالسيّ) في«مسنده»(٦١٢)، و(الحميديّ) في«مسنده»(٤٥٦)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(١/ ٣٥١)، و(أحمد) في«مسنده»(٤/ ١٢٢)، و(الدارميّ) في«سننه»(١/ ٢٩٠)، و(ابن خزيمة) في«صحيحه»(١٥٤٢)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٢١٧٢ و٢١٧٨)، و(ابن الجارود) في«المنتقى»(٣١٥)، و(الطبرانيّ) في«الكبير»(١٧/ ٥٨٧ و٥٨٩ و٥٩٠ و٥٩٢ و٥٩٣ و٥٩٥ و٥٩٦ و٥٩٧ و٥٩٨)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(١٣٨٢ و١٣٨٣)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٩٦٤ و٩٦٥)، و(الحاكم) في«مستدركه»(١/ ٢١٩)، و(البيهقيّ) في«الكبرى» (٣/ ٩٧)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب تسوية الصفوف، وعدم الاختلاف فيها؛ لأنه جاء به الأمر، وترتّب عليه الوعيد. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من شدّة الاهتمام بتسوية الصفوف، وتولّي ذلك بنفسه. ٣ - (ومنها): بيان أن عدم تسوية الصفوف يترتّب عليه الاختلاف القلبيّ، فيستولي بسببه على المجتمع البغضاء، والتنافر، والتحاسد، وعدم توحيد الكلمة، وهذا واللَّه هو الدمار والهلاك، ولا حول ولا قوّة إلا باللَّه. فبهذا يتبيّن ويتّضح تمام الاتّضاح أنه ما حلّ بالمسلمين اليوم من الضعف، والهَوَان، والذلّ، والخضوع لأعداء الإسلام إلا بسبب هذا وأمثاله من تهاونهم بالسنّة، وعدم مبالاتهم بمخالفتها، فإنك لا تدخل مسجدًا يجتمع فيه المسلمون لأداء الصلاة جماعةً، إلا وترى صفوفهم عوجاء، وإذا طلبت من بعضهم أن يكمل الصفّ، أو أن يتراصّ وجدته معرضًا بعيدًا عن الاستجابة، بل ربما قال بعضهم: صلّ لنفسك، ولا تتدخّل في شأن غيرك، ثم إذا دخلوا في الصلاة ترى العجب العجاب من مسابقة بعضهم للإمام في الانتقالات، ومقارنة بعضهم له، بل ربّما قال بعضهم: إن المستحبّ في مذهبنا المقارنة، مستندًا إلى بعض أقوال ساقطة مخالفة للأحاديث الصحيحة، كقوله -ﷺ-: «فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم. . .» الحديث، فلا حول ولا قوّة إلا باللَّه العزيز الحكيم. اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، اللهم ثبّتنا على السنّة، أحينا عليها، وأمتنا عليها، واجعلنا من خيار أهلها أحياءً وأمواتًا، إنك سميع قريبٌ مجيب الدعوات. ٤ - (ومنها): أن أهل الفضل لهم حقّ التقدّم في مجالس الخير والتكريم على حسب مراتبهم، فقد أخرج الإمام أحمد، وابن ماجه بسند صحيح، عن أنس بن مالك -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يُحبّ أن يليه المهاجرون والأنصار؛ ليحفظوا عنه، وقد أشبع الكلام النوويّ -﵀- في هذا كما أسلفناه. ٥ - (ومنها): بيان فضل عهد النبيّ -ﷺ-؛ إذ كان وقت تناصح، وتوافق، واتّحاد كلمة، وقليل التنازع والاختلاف، وإنما جاء الاختلاف، واشتدّ بعده -ﷺ- كما بيّنه أبو مسعود -﵁- في هذا الكلام. ٦ - (ومنها): أن العلماء -رحمهم اللَّه تعالى- ذكروا في حكمة إقامة الصفوف أمورًا: [أحدها]: حصول الاستقامة والاعتدال ظاهرًا، كما هو المطلوب باطنًا. [ثانيها]: لئلا يتخللَّهم الشيطان، فيفسد صلاتهم بالوسوسة، كما جاء في ذلك الحديث. [ثالثها]: ما في ذلك من حُسْن الهيئة. [رابعها]: أن في ذلك تمكّنهم من صلاتهم مع كثرة جمعهم، فإذا تراصُّوا وَسِع جميعهم المسجدُ، وإذا لم يفعلوا ذلك ضاق عنهم. [خامسها]: أن لا يَشْغَل بعضُهم بعضًا بالنظر إلى ما يشغله منه، إذا كانوا مختلفين، وإذا اصطفُّوا غابت وجوه بعضهم عن بعض، وكثير من حركاتهم، وإنما يلي بعضهم من بعض ظهورهم. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم تسوية الصفوف: ذهب جمهور العلماء إلى أن تسويتها مستحبّة، وقد استُدِلّ لهم بحديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «أقيموا الصف في الصلاة؛ فإن إقامة الصفّ من حسن الصلاة»، ولمسلم من حديث أنس -﵁-: «سوُّوا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة»، وللبخاريّ: «من إقامة الصلاة». قال ابن بطّال -﵀-: هذا يدلّ على أن إقامة الصفوف سنّةٌ؛ لأنه لو كان فرضًا لم يجعله من حسن الصلاة؛ لأن حسن الشيء زيادة على تمامه، وذلك زيادة على الوجوب. قال: ودلّ هذا على أن قوله في حديث أنس -﵁-: «من إقامة الصلاة» أن إقامة الصلاة تقع على السنّة كما تقع على الفريضة. وقال الشيخ ابن دقيق العيد -﵀-: قد يؤخذ من قوله: «من تمام الصلاة» أنه مستحبّ غير واجب؛ لأنه لم يذكر أنه من أركانها، ولا من واجباتها، وتمام الشيء أمر زائد على وجود حقيقته التي لا يتحقّق إلا بها في مشهور الاصطلاح، قال: وقد ينطلق بحسب الوضع على بعض ما لا تتمّ الحقيقة إلا به. انتهى. واعترضه الصنعانيّ -﵀- في قوله: «ولم يذكر أنه من أركانها، ولا من واجباتها» قائلًا: التعبير بالأركان والواجبات ليس من المطّرد، واعتبارات الشارع له مسلّم، بل قال في الفاتحة: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن»، وقال -ﷺ-: «فإنك لم تصلّ»، وغاية كون هذا القول، أو الفعل ركنًا من الصلاة، أو واجبًا منها لم يقع التعبير به في لسان الشرع فيما لا تتمّ الصلاة إلا به، وإن جاء فنادرٌ. انتهى. واعترض الحافظ -﵀- قوله: «في مشهور الاصطلاح»، فقال: وهذا الأخذ بعيدٌ؛ لأن لفظ الشارع لا يُحْمَل إلا على ما دلّ عليه الوضع في اللسان العربيّ، وإنما يُحْمَل على العرف إذا ثبت أنه عرف الشارع، لا العرف الحادث. انتهى. وذهب أبو محمد بن حزم: إلى فرضيّة تسوية الصفوف، وبطلان الصلاة بتركه، فقال: وفَرْضٌ على المأمومين تعديل الصفوف، الأول فالأول، والتراصّ فيها، والمحاذاة بالمناكب والأرجل، فإن كان نقصٌ كان في آخرها، ومن صلى وأمامه في الصف فُرْجة يمكنه سدّها بنفسه، فلم يفعل بطلت صلاته. انتهى . ثم ذكر حديث النعمان بن بشير: «لتسوُّنّ صفوفكم، أو ليخالفن اللَّه بين وجوهكم»، قال: وهذا وعيد شديدٌ، والوعيد لا يكون إلا في كبيرة من الكبائر، ثم ذكر قول أنس: كان أحدنا يُلْزِق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه، وهو في «صحيح البخاريّ»، ثم قال: هذا إجماع منهم، ثم قال: وبقولنا يقول السلف الطيِّب، رَوَينا بأصح إسناد عن أبي عثمان النَّهديّ قال: كنت فيمن ضرب عمرُ بن الخطاب قدمه لإقامة الصف في الصلاة، قال ابن حزم: ما كان -﵁- ليضرب أحدًا، ويستبيح بَشَرَةً مُحَرَّمة عليه على غير فرض، ثم حكى ابن حزم بعث عثمان -﵁- رجلًا لذلك، وأنه لا يكبّر حتى يخبروه باستوائها، ثم قال: فهذا فعل الخليفتين بحضرة الصحابة، لا يخالفهم في ذلك أحد منهم، ثم حَكَى عن سُويد بن غَفَلة قال: كان بلال، هو مؤذن رسول اللَّه -ﷺ- يضرب أقدامنا في الصلاة، ويسوِّي مناكبنا، ثم قال: فهذا بلال ما كان ليضرب أحدًا على غير الفرض، ثم حكى قولهم لأنس بن مالك: أتنكر شيئًا مما كان على عهد رسول اللَّه -ﷺ-؟ فقال: لا، إلا أنكم لا تقيمون الصفوف، قال ابن حزم: المباح ليس منكرًا. انتهى . وقد استدل الإمام البخاريّ -﵀- بكلام أنس هذا على الوجوب، فبوّب عليه في «صحيحه» : «باب إثم من لم يتم الصفوف»، وقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ: هذا الوعيد يعني الذي في حديث النعمان لا يكون إلا في ترك واجب، وهذا كان يقتضي الوجوب إلا أن الشرع سَمَحَ في ذلك. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: «إلا أن الشرع سَمَحَ في ذلك» هذا عجيبٌ، فمتى سمح فيه؟ فهل سمح بترك تسوية الصفوف، بعد قوله: «لتسوّن صفوفكم، أو ليُخالفنّ اللَّه بين وجوهكم»؟، فهيهات هيهات!!!. وقال في «الفتح»: قال ابن رُشيد: أورد فيه حديث أنس: «ما أنكرت شيئًا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف». وتُعُقّب بأن الإنكار قد يَقع على ترك السنّة، فلا يدلّ ذلك على حصول الإثم. وأُجيب بأنه لعله حَمَل الأمر في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ الآية [النور: ٦٣] على أن المراد بالأمر الشأن والحال، لا مجرد الصيغة، فيلزم منه أن من خالف شيئًا من الحال التي كان عليها -ﷺ- أن يأثم؛ لِمَا يدُلّ عليه الوعيد المذكور في الآية، وإنكار أنس -﵁- ظاهر في أنهم خالفوا ما كانوا عليه في زمن رسول اللَّه -ﷺ- من إقامة الصفوف، فعلى هذا تستلزم المخالفة التأثيم. انتهى كلام ابن رُشيد ملخصًا. قال الحافظ: وهو ضعيف؛ لأنه يُفضي إلى أن لا يبقى شيء مسنون؛ لأن التأثيم إنما يحصل عن ترك واجب. وأما قول ابن بطال: إن تسوية الصفوف لَمّا كانت من السنن المندوب إليها التي يَستحِقّ فاعلها المدح عليها دلّ على أن تاركها يستحق الذم، فهو مُتَعقَّب من جهة أنه لا يلزم من ذمّ تارك السنّة أن يكون آثمًا، سَلَّمنا، لكن يَرِدُ عليه التعقب الذي قبله. ويَحْتَمِل أن يكون البخاريّ أخذ الوجوب من صيغة الأمر في قوله -ﷺ-: «سَوُّوا صفوفكم»، ومن عموم قوله -ﷺ-: «صلُّوا كما رأيتموني أصلي»، ومن ورود الوعيد على تركه، فرَجَح عنده بهذه القرائن أن إنكار أنس إنما وقع على ترك الواجب، وإن كان الإنكار قد يقع على ترك السنن. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الاحتمال الأخير هو الصواب، فالحقّ أن البخاريّ -﵀- إنما أخذ الوجوب من هذه الأدلّة، ولا سيّما صيغة الأمر، فقد تقرّر في الأصول أن صيغة الأمر محمولة عند الجمهور على الوجوب، إلا لصارف، ولا صارف هنا، فتنبّه. قال: ومع القول بأن التسوية واجبة، فصلاة من خالف، ولم يُسَوِّ صحيحة؛ لاختلاف الجهتين، ويؤيد ذلك أن أنسًا -﵁- مع إنكاره عليهم لم يأمرهم بإعادة الصلاة. وأفرط ابن حزم فجزم بالبطلان، ونازع مَن ادَّعَى الإجماع على عدم الوجوب بما صحّ عن عمر أنه ضَرَب قَدَم أبي عثمان النهديّ لإقامة الصف، وبما صحّ عن سُوَيد بن غَفَلة، قال: كان بلال يُسَوِّي مناكبنا، ويضرب أقدامنا في الصلاة، فقال: ما كان عمر وبلال يضربان أحدًا على ترك غير الواجب. وفيه نظر؛ لجواز أنهما كانا يريان التعزير على ترك السنّة. انتهى كلام الحافظ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يترجّح عندي وجوبُ تسوية الصفوف، كما هو ظاهر صنيع الإمام البخاريّ -﵀- المذكور آنفًا، ومن أوضح الأدلّة على ذلك أمره -ﷺ- به، والأمر للوجوب كما أسلفناه آنفًا، ومنها الوعيد المذكور في أحاديث الباب بقوله: «أو ليخالفنّ اللَّه بين وجوهكم»، ومنها ما صحّ من ضرب عمر، وبلال -﵄- على تركه. وخلاصة القول أن الأدلة التي استدلّ بها ابن حزم واضحة في إفادة الوجوب، وأما إفادتها البطلان فغير واضحة، ولذا قال الصنعانيّ -﵀- بعد ذكر ما تقدّم من كلام الحافظ -﵀- ما نصّه: قلت: الوعيد بقوله -ﷺ-: «لتسوّنّ صفوفكم، أو ليُخالفنّ اللَّه بين وجوهكم» يقتضي الوجوب، كما قاله ابن رسلان في «شرح الترمذيّ» ويؤئده حديث أبي أُمامة -﵁- عند أحمد: «لتسونّ صفوفكم، أو لتُطمسنّ الوجوه» ، ولهذا قال ابن الجوزيّ: الظاهر أنه مثل الوعيد في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ الآية [النساء: ٤٧]. نعم الأوامر، والوعيد، وفعل عمر وبلال أدلّة على الوجوب ناهضةٌ، وأما على بطلان الصلاة، فلا بدّ من الدليل عليه. انتهى كلام الصنعانيّ -﵀- ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. فتلخّص من هذا أن الراجح وجوب تسوية الصفوف دون بطلان الصلاة بعدم تسويتها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٧٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ (ح) قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى -يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ- (ح) قَالَ: وَحَدَّثنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ) . رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (جَرِير) بن عبد الحميد، تقدّم قبل بابين. ٢ - (ابْنُ خَشْرَمٍ) هو: عليّ بن خَشْرَم -بالخاء المعجمة، وزان جعفر- المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها، وقد قارب المائة (م ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٥. ٣ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ، صنّف «المسند»، ولازم ابن عيينة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ٤ - (ابْنُ عُيَيْنَةَ) هو: سفيان الإمام الحجة الفقيه المشهور، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٣. وإسحاق بن راهويه، وعيسى بن يونس تقدّما في الباب الماضي. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني أن كلًّا من جرير، وعيسى بن يونس، وسفيان بن عيينة رووا هذا الحديث عن الأعمش بإسناده السابق، وهو: عن عمارة بن عُمير التيميّ، عن أبي معمر، عن أبي مسعود -﵁-. وقوله: (نَحْوَهُ) أي نحو حديث عبد اللَّه بن إدريس، وأبي معاوية، ووكيع، ثلاثتهم عن الأعمش. [تنبيه]: رواية ابن عيينة هذه ساقها الإمام ابن ماجه -﵀- في «سننه»، فقال: (٩٧٦) حدّثنا محمد بن الصباح، أنبأنا سفيان بن عيينة، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، عن أبي مسعود الأنصاريّ، قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: «لا تختلفوا، فتختلفَ قلوبكم، لِيَلِيَنِّي منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». انتهى. وأما رواية جرير، وعيسى، فلم أجد من أفردهما، إلا أن أبا نُعيم ساقهما في جملة رواية ساقها عن جماعة رووا عن الأعمش، فقال في «مستخرجه» (٢/ ٥٥): (٩٦٤) حدّثنا أبو بكر بن يحيى الطلحيّ، ثنا عُبيد بن غَنّام، قال: وحدّث عن أبي بكر بن أبي شيبة في كتابي، ثنا عبد اللَّه بن إدريس، وأبو معاوية، ووكيع (ح) وحدّثنا أبو عمرو، ثنا الحسن، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد اللَّه بن إدريس، وأبو معاوية، ووكيع، عن الأعمش (ح) وحدّثنا أبو محمد بن حيان، ومخلد بن جعفر، قالا: ثنا جعفر بن محمد الفريابيّ، ثنا أبو كريب، ثنا وكيع، وابن فضيل، وابن نمير، وأبو معاوية، وابن إدريس، وأبو خالد الأحمر، ومحمد بن عُبيد، قالوا: عن الأعمش، وحدّثنا أبو أحمد، ثنا عبد اللَّه بن شيرويه، ثنا إسحاق، ثنا جرير، وعبد اللَّه بن إدريس، وعيسى بن يونس، ووكيع، عن الأعمش (ح) وحدّثنا جعفر بن محمد بن عمرو، ثنا أبو حصين الوادعيّ، ثنا يحيى الْحِمّانيّ، ثنا عبد اللَّه بن إدريس، ووكيع، وأبو معاوية، ويعلى، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، عن أبي مسعود، قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يَمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: «استَوُوا، لا تختلفوا، فتختلفَ قلوبكم، لِيَلِيَنِّي منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، قال أبو مسعود : فأنتم اليوم أشدّ اختلافًا. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٧٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ، وَصَالِحُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ وَرْدَانَ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنِي خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثَلَاثًا، وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الْأَسْوَاقِ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ) البصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٤٨) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٥. ٢ - (صَالِحُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ وَرْدَانَ) أبو محمد البصريّ، صدوقٌ [١٠]. رَوَى عن أبيه، ويزيد بن زريع، وحماد بن زيد، ومعتمر، وعبد الوهاب الثقفيّ. وروى عنه مسلم، وإبراهيم أبو رِمْثة، وبَقِيّ بن مَخْلد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وعبدان الأهوازيّ، والحسن بن سفيان، وأبو يعلى، وأبو القاسم البغويّ، وغيرهم. قال أبو حاتم: شيخٌ، وقال ابن قانع: صالح، وذكره ابن حبان في «الثقات». قال موسى بن هارون: مات سنة ست وثلاثين ومائتين. تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٤٣٢) وحديث (١٨٧٢). ٣ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) الْعَيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٤ - (خَالِدٌ الْحَذَّاءُ) ابن مِهْرَان، أبو الْمنازل البصريّ، ثقةٌ يُرسل، وتغيّر حفظه لَمّا قَدِمَ من الشام [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٤. ٥ - (أَبُو مَعْشَرٍ) زياد بن كُليب الحنظليّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٩ أو ١٢٠) (م د ت س) تقدم في «الطهارة» ٣٢/ ٦٧٤. ٦ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيه، يرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) (ع) ٦/ ٥٢. ٧ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٢] مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٢. ٨ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ) الصحابيّ الشهير، مات -﵁- سنة (٣٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (ومنها): أنه من سباعيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخيه، وأبا معشر، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أبي معشر، والباقون بصريّون. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: إبراهيم، عن علقمة. ٥ - (ومنها): أن رواية خالد الحذّاء عن أبي معشر من رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن خالدًا من الطبقة الخامسة، وأبا معشر من السادسة. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه من أكابر فقهاء الصحابة -﵃- وقرّائهم، جمّ المناقب، وقد تقدّم غير مرّة، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَام وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثَلَاثًا») أي كرّر «ثم الذين يلونهم» ثلاث مرّات (وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الْأَسْوَاقِ«) بفتح الهاء، وسكون الياء، وبالشين المعجمة: جمع هَيْشَة بالفتح: أي اختلاطها، والمنازعة، والخصومات، وارتفاع الأصوات، واللغط، والفِتَن التي فيها، قاله النوويّ. وقال ابن الأثير -﵀-: قوله:«إياكم وهَوْشَات الأسواق»، ويُروى بالياء: أي فِتَنها وهَيْجها. انتهى . وقال الخطّابيّ في«المعالم»: أصله من الْهَوْش، وهو الاختلاط، يقال: تهاوش القومُ: إذا اختلطوا، ودخل بعضهم في بعض، وبينهم تهاوشٌ، واختلاف. انتهى. وقال في«المرقاة»:«هيشات الأسواق»: جمع هَيْشَة، وهي رفع الأصوات، نهاهم عنها؛ لأن الصلاة حضورٌ بين يدي الحضرة الإلهيّة، فينبغي أن يكونوا على السكوت، وآداب العبوديّة، وقيل: هي الاختلاط، أي لا تختلطوا اختلاط أهل الأسواق، فلا يُميّز أصحاب الأحلام والعقول عن غيرهم، ولا يتميّز الصبيان من البالغين، ولا الذكور من الإناث. انتهى . وقال الطيبيّ: هي ما يكون من الْجَلَبَة، وارتفاع الأصوات، وقيل: هي الاختلاط، أي لا تختلطوا اختلاط أهل الأسواق، فلا يتميّز الذكور من الإناث، ولا الصبيان من البالغين، ويجوز أن يكون المعنى: قوا أنفسكم من الاشتغال بأمور الأسواق، فإنه يمنعكم أن تلوني. انتهى . [فائدة]: ذكر القرطبيّ في «المفهم» قال: قال أبو عبيد: الْهَوْشَةُ: الفتنة، والهيج، والاختلاط، يقال: هَوَّش القومُ: إذا اختلطوا، ومنه: «من أصاب مالًا من نَهَاوِش، أذهبه اللَّه في نَهَابِر»، قال أبو عبيد: هو كلّ مال أُخذ من غير حلّه، وهو شبيه بما ذكرنا من الهوشات، وقال بعض أهل العلم: الصواب: من تهاوش بالتاء، أي من تخاليط. انتهى . وقال ابن الأثير: «من أصاب مالًا من مهاوِش، أذهبه اللَّه في نهابِر» ، هو كلّ مال أُصيب من غير حلّه، ولا يُدرى ما وجهه، والْهُوَاشُ بالضمّ: ما جُمع من مال حرام وحلال، كأنه جمع مَهْوَاش، من الْهَوْش: الجمع والخلط، والميم زائدة. ويُروى «نهاوِش» بالنون، و«تَهاوِش» بالتاء، وكسر الواو: جمع تَهْواش، وهو بمعناه. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قول: «من أصاب مالًا. . . إلخ» أخرجه القضاعيّ في «مسنده» (١/ ٢٧١) رقم (٤٤١) وفيه عمرو بن الحصين متروك، وقال السبكيّ في «الفتاوى» (٢/ ٣٦٩): هذا الحديث لم يصحّ، ولا هو وارد في الكتب المذكورة، ومن أورده من العوامّ، فإن كان مع علمه بعدم وروده أثم، وإن اعتقد وروده لم يأثم، وعُذر لجهله، إلى آخر كلامه. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مسعود -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. [تنبيه]: أورد الحافظ أبو الفضل بن عمّار -﵀- في «علله» حديث ابن مسعود -﵁- هذا من رواية المصنّف، ثم قال: حدّثني محمد بن أحمد مولى بني هاشم، قال: سمعت حنبل بن إسحاق، عن عمّه أحمد بن حنبل، قال: هذا حديث منكر، قال أبو الفضل: قلت: إنما أنكره أحمد بن حنبل من هذا الطريق، فأما حديث أبي مسعود الأنصاريّ -﵁-، فهو صحيح. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الظاهر أن الإمام أحمد -﵀- إنما أنكر كونه من حديث ابن مسعود -﵁-؛ لكثرة من رواه من حديث أبي مسعود -﵁-، فقد تقدّم بأسانيد كثيرة، فقد رواه عن الأعمش جمع، وهم: وكيع، وأبو معاوية، وعبد اللَّه بن إدريس، وجرير، وشعبة، ومحمد بن عُبيد، ويعلى بن عبيد، وابن فضيل، وابن نمير، وأبو خالد الأحمر، والثوريّ، وعيسى بن يونس، وابن عيينة ، ولم ينفرد به الأعمش، بل تابعه حبيب بن أبي ثابت، عن عمارة بن
مصادر المؤلف (٣٠)

١. «شرح النوويّ» ٤/ ١٥٤ - ١٥٥.

٢. راجع: «حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل» ١/ ٥١.

٣. انظر: تعليقه على «جامع الترمذيّ» ١/ ٤٤٠ - ٤٤١.

٤. «لسان العرب» ١٢/ ١٤٦.

٥. «مرقاة المفاتيح» ٣/ ١٧١ - ١٧٢.

٦. «لسان العرب» ١٥/ ٣٤٦.

٧. «شرح النوويّ» ٤/ ١٥٥.

٨. «لسان العرب» ١٥/ ٣٤٦.

٩. «شرح النوويّ» ٤/ ١٥٥ - ١٥٦.

١٠. «الكاشف عن حقائق السنن»٤/ ١١٤٢.

١١. «الكاشف عن حقائق السنن»٤/ ١١٤١.

١٢. «طرح التثريب» ٢/ ٣٢٩.

١٣. «المحلَّى» ٤/ ٥٢.

١٤. «المحلّى» ٤/ ٥٢ - ٥٦.

١٥. نصّ الإمام البخاريّ -﵀- في «صحيحه»: «باب إثم من لم يُتمّ الصفوف، (٧٢٤) حدّثنا معاذ بن أسد، قال: أخبرنا الفضل بن موسى، قال: أخبرنا سعيد بن عبيد الطائيّ، عن بُشَير بن يسار الأنصاريّ، عن أنس بن مالك، أنه قَدِم المدينة، فقيل له: ما أنكرتَ منّا منذ يوم عَهِدتَ رسول اللَّه -ﷺ-؟ قال: ما أنكرت شيئًا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف». انتهى.

١٦. «الفتح» ٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦.

١٧. حديث ضعيف، أخرجه الإمام أحمد في «مسنده»، راجع: «ضعيف الجامع» للشيخ الألبانيّ -﵀- (٤٦٥٣).

١٨. «العدة حاشية العمدة» ٢/ ٢١٧ - ٢١٨.

١٩. وفي نسخة: «قال: (ح)» بتقديم «قال» في الموضعين.

٢٠. سقط من بعض النسخ لفظة «نحوه».

٢١. وقع في النسخة: «ابن مسعود»، وهو غلطٌ، فتنبّه.

٢٢. «النهاية» ٥/ ٢٨٢.

٢٣. «المرقاة» ٣/ ١٧٢.

٢٤. «الكاشف عن حقائق السنن» ٤/ ١١٤٢.

٢٥. «المفهم» ٢/ ٦٣.

٢٦. ومعنى نهابر: مهالك.

٢٧. «النهاية» ٥/ ٢٨٢.

٢٨. أفاده محقّق «مسند الشهاب» ١/ ٢٧١.

٢٩. راجع: كتابي «قرّة عين المحتاج في شرح مقدّمة صحيح مسلم بن الحجاج» ١/ ١٤٦.

٣٠. راجع: «مستخرج أبي عوانة» ٢/ ٥٥ - ٥٦.