HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٤٤٦

حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ. جميعا عَنْ هُشَيْمٍ. قَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ. أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ ﷿: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تخافت بها [١٧/الإسراء/الآية ١١٠] قَالَ: نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ متوار بمكة. فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن. فإذا سَمِعَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ، وَمَنْ أَنْزَلَهُ، وَمَنْ جَاءَ بِهِ. فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ: ولا تجهر بصلاتك فيسمع المشركون قراءتك. ولا تخافت بها عَنْ أَصْحَابِكَ. أَسْمِعْهُمُ الْقُرْآنَ. وَلَا تَجْهَرْ ذَلِكَ الْجَهْرَ. وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا. يَقُولُ بَيْنَ الجهر والمخافتة.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص34
ج ١ ص ٣٢٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٠ ص٣٣٥
إسحاق، أنبا عيسى بن يوسف ثنا يحيى بن سعيد، عن عمرة (ح) وحدثنا أبو محمد بن حيان، ثنا حامد بن شعيب، ثنا شريح بن يونس ثنا سفيان بن عيينة، سمعت يحيى بن سعيد (ح) وحدّثنا محمد بن بدر، ثنا بكر بن سهل، ثنا عبد اللَّه بن يوسف، ثنا مالك (ح) وحدّثنا حبيب بن الحسن، ثنا يوسف القاضي، ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا حماد بن زيد، وحدّثنا أبو علي الصوّاف، ثنا محمد بن نصر الصايغ، ثنا خالد بن خِدَاش، ثنا عبد اللَّه بن وهب، عن عمرو بن الحارث، قالوا: عن يحيى بن سعيد، أخبرتني عمرة، قالت: سمعت عائشة تقول: لو أن رسول اللَّه -ﷺ- رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد، كما مُنِع نساء بني إسرائيل، قلت لعمرة: كأن نساء بني إسرائيل مُنِعْنَ المسجد؟ قالت: نعم. لفظ عبد الوهاب. انتهى. وأما رواية أبي خالد الأحمر، فلم أجد من أخرجها بمفردها، إلا ما سبق عن أبي نعيم، في ضمن الرواية المذكورة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٢) - (بَابُ التَّوَسُّطِ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالإِسْرَارِ إِذَا خَافَ مِنَ الْجَهْرِ مَفْسَدَةً) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٠٦] (٤٤٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّباحِ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَنْ هُشَيْمٍ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلهِ -﷿-: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، قَالَ: نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُتَوَارٍ بِمَكَّةَ، فَكَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ، فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ، وَمَنْ أَنْزَلَهُ، وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ -ﷺ-: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾، فَيَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ قِرَاءَتَكَ، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عَنْ أَصْحَابِكَ، أَسْمِعْهُمُ الْقُرْآنَ، وَلَا تَجْهَرْ ذَلِكَ الْجَهْرَ، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، يَقُولُ : بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) الدُّولابيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٢٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٧. ٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (هُشَيْم) بن بَشِير بن القاسم بن دينار السّلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٤ - (أَبُو بِشْرٍ) بن أبي وحشيّة، جعفر بن إياس الواسطيّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ، من أثبت الناس في سعيد بن جبير [٥] (ت ٥ أو ١٢٦) (ع) تقدم في «الطهارة» ٩/ ٥٧٨. ٥ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر) بن هشام الأسديّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٧/ ٣٢٩. ٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد اللَّه الحبر البحر -﵄-، مات سنة (٦٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه عمرو، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن فيه قوله: «قال ابن الصبّاح. . . إلخ» إشارة إلى اختلاف شيخيه في صيغ الأداء، وفيه بيان تصريح هشيم بالإخبار؛ لأنه مدلّس. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو بشر، عن سعيد. ٥ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس -﵄- أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وقد مرّ هذا غير مرّة. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄-، كذا وصله هُشيم بذكر ابن عبّاس، وأرسله شعبة، كما أخرجه الترمذيّ من طريق الطيالسيّ، عن شعبة، وهشيم، مفصّلًا، قاله في «الفتح» . (فِي قَوْلِهِ -﷿-) أي في بيان سبب نزول قوله -﷿-، وتوضيح معناه ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] قَالَ) ابن عبّاس -﵄- (نَزَلَتْ) أي هذه الآية (وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُتَوَارٍ) بالضمّ: اسم فاعل، من توارى يتوارى: إذا اختفى، أي مختف ومتستّر عن المشركين؛ لئلا يعتدوا عليه، يعني أنها نزلت في أول الإسلام في وقت اشتداد أذى المشركين له -ﷺ-، والجملة في محلّ نصب على الحال، من فاعل «نزلت»، والرابط الواو، كما أشار إليه في «الخلاصة» بقوله: وَجُمْلَةُ الْحَالِ سِوَى مَا قُدّمَا … بِوَاوٍ أَوْ بِمُضْمَرٍ أَوْ بِهِمَا وقوله: (بِمَكَّةَ) متعلّق بـ«متوار» (فَكَانَ) -ﷺ- (إِذَا صَلَى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ) أي بقراءة القرآن؛ ليسمعوه، ويعوه، ويبلّغوه من بعدهم. وفي رواية الطبريّ من وجه آخر عن ابن عبّاس -﵄-: «فكان إذا صلّى بأصحابه، أسمع المشركين، فآذوه»، وفَسَّرت رواية الباب الأذى، حيث قال: «سَبُّوا القرآن»، وأخرج الطبريّ أيضًا بسنده عن الضحاك، عن ابن عباس -﵄- قال: «كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا جهر بالصلاة بالمسلمين بالقرآن شقّ ذلك على المشركين إذا سمعوه، فيؤذون رسول اللَّه -ﷺ- بالشتم والعيب به، وذلك بمكة، فأنزل اللَّه: يا محمد ﴿لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ ويقول: لا تُعْلِن بالقراءة بالقرآن إعلانًا شديدًا، يسمعه المشركون، فيؤذونك، ولا تخافت بالقراءة بالقرآن، يقول: لا خفض صوتك حتى لا تُسْمِع أذنيك، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ يقول: اطلب بين الإعلان والجهر، وبين التخافت والخفض طريقًا لا جهرًا شديدًا ولا خفضًا لا تسمع أذنيك، فلما هاجر رسول اللَّه -ﷺ- إلى المدينة سقط هذا كله، فيفعل أيّ ذلك شاء. (فَإِذَا سَمِعَ دلِكَ الْمُشْرِكُونَ) أي قراءته -ﷺ- للقرآن (سَبُّوا الْقُرْآنَ) قال الراغب: السبّ: الشتم الوجيع (وَمَنْ أَنْزَلَهُ) أي وسبّوا من أنزله، وهو اللَّه، كما قال -﷿-: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾ [الفرقان: ٦]. قال الراغب: وسبّهم للَّه تعالى ليس على أنهم يسبّونه صريحًا، ولكن يخوضون في ذكره، فيذكرونه بما لا يليق به، ويتمادون في ذلك بالمجادلة، فيزدادون في ذكره بما تنزّه تعالى عنه. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا مانع من أن يكون سبّهم صريحًا، فإنهم جُرَآء على اللَّه تعالى، فلا يُستبعد أن يصرّحوا بسبّه. والحاصل أنهم يسبّونه بما استطاعوا من صريح، أو كناية، تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا. (وَمَنْ جَاءَ بِهِ) أي وسبّوا أيضًا من جاء بالقرآن، وهو النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، أو الملك الذي جاء به إليه من عند ربّه ﵎، وهو جبريل -﵇- (فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ -ﷺ-: ﴿لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾) أي بقراءتك، هكذا وقع التفسير عند البخاريّ، والنسائيّ، وهو تفسير من ابن عبّاس -﵄-، وفي رواية الطبريّ: ﴿لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ أي لا تُعلن بقراءة القرآن إعلانًا شديدًا، فيسمعك المشركون، فيؤذونك، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ وأي لا تخفض صوتك حتى لا تُسمع أذنيك، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ أي طريقًا وسطًا. انتهى. وقال أبو عبد اللَّه القرطبيّ -﵀- في «تفسيره»: عبّر بالصلاة هنا عن القراءة كما عبّر بالقراءة عن الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] لأن كل واحد منهما مرتبط بالآخر؛ لأن الصلاة تشتمل على قراءة، وركوع، وسجود، فهي من جملة أجزائها، فعبّر بالجزء عن الجملة، وبالجملة عن الجزء، على عادة العرب في المجاز، وهو كثير، ومنه الحديث الصحيح: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي»، أي قراءة الفاتحة، كما تقدّم. انتهى . (فَيَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ قِرَاءَتَكَ) بنصب «يسمع» مبنيًّا للفاعل، ونصبه بـ «أن» مضمرةً وجوبًا بعد الفاء المجاب بها طلبٌ محضٌ، وهو النهي في قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ﴾، كما قال في «الخلاصة»: وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ «أَنْ» وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ ومفعول «يسمع» محذوف، تقديره: قراءتك، زاد في رواية البخاريّ، والنسائيّ: «فيسبُّوا القرآن». (﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾) أي بصلاتك، بمعنى قراءتك، كما أسلفنا تقريره، أي لا تُسِرّ بقراءتك، يقال: خَفَتَ الصوتُ، من بابي: ضَرَبَ، وجَلَس: إذا سكن، ويُعدَّى بالباء، فيقال: خَفَتَ الرجل بصوته: إذا لم يرفعه، وخافت بقراءته مخافتةً: إذا لم يرفع صوته بها، أفاده في «المصباح»، و«المختار»، وقال السمين الحلبيّ -﵀-: المخافتة: المسارّة، بحيث لا يسمع الكلام، وضربته حتى خَفَتَ: أي لم يُسمَع له صوت. انتهى . وقوله: (عَنْ أَصْحَابِكَ) متعلّق بـ «تُخافت»، وقوله: (أَسْمِعْهُمُ الْقُرْآنَ) توضيح وبيان لمعنى ﴿وَلَا تُخَافِتْ﴾. . . إلخ، وفي رواية البخاريّ: «فلا تُسمعهم»، وللنسائيّ: «فلا يسمعوا»، أي قراءتك (وَلَا تَجْهَرْ) أي بصلاتك، بمعنى قراءتك (ذَلِكَ الْجَهْرَ) أي البالغ حدّه (﴿وَابْتَغِ) أي اطلب (بَيْنَ ذَلِكَ) أي بين الجهر والمخافتة (سَبِيلًا﴾) أي طريقًا وسطًا، وقوله: (يَقُولُ) وفي نسخة: قال: يقول بزيادة «قال» أي قال ابن عبّاس -﵄-: يقول اللَّه تعالى، يعني أنه يريد بقوله: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ) يعني أن قوله تعالى: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ وبين المخافتة والجهر. وحاصل المعنى: أن اللَّه -﷿- أمر نبيّه -ﷺ- أن يطلب بين ما ذُكر من الجهر والمخافتة ما يحصل به الأمران جميعًا، وهو عدم الإخلال بسماع الحاضرين، والاحتراز عن سبّ أعداء الدين. وأخرج ابن جرير -﵀- في «تفسيره» عن محمد بن إسحاق قال: حدّثني داود بن الحصين ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا جهر بالقرآن، وهو يصلي تفرقوا عنه، وأَبَوا أن يسمعوا منه، وكان الرجل إذا أراد أن يسمع من رسول اللَّه -ﷺ- بعض ما يتلو، وهو يصلي استرق السمع دونهم فَرَقًا منهم، فإذا رأى أنهم قد عَرَفُوا أنه يستمع ذهب خشيةَ أذاهم، فلم يسمع، فإن خفض صوته -ﷺ- لم يسمع الذين يستمعون من قراءته شيئًا، فأنزل اللَّه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ فيتفرقوا عنك ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ فلا يَسمَع من أراد أن يسمع ممن يسترق ذلك منهم، فلعله يَرْعَوي إلى بعض ما يسمع، فينتفع به، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، وهكذا قال عكرمة، والحسن البصريّ، وقتادة: نزلت هذه الآية في القراءة في الصلاة، وقال شعبة، عن أشعث بن سليم، عن الأسود بن هلال، عن ابن مسعود: لم يُخافت من أسمع أذنيه. انتهى . وقال ابن جرير أيضًا بعد ذكر الأقوال في الآية ما نصّه: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة ما ذكرنا عن ابن عباس -﵄- في الخبر الذي رواه أبو جعفر، عن سعيد، عن ابن عباس؛ لأن ذلك أصحّ الأسانيد التي رُوِي عن صحابيّ فيه قول مُخَرّج، وأشبه الأقوال بما دَلّ عليه ظاهر التنزيل، وذلك أن قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عقيب قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، وعقيب تقريع الكفار بكفرهم بالقرآن، وذلك بُعْدُهم منه، ومن الإيمان، فماذا كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى وأشبه بقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ أن يكون من سبب ما هو في سياقه من الكلام، ما لم يأت بمعنى يوجب صرفه عنه، أو يكون على انصرافه عنه دليل يُعْلَم به الانصراف عما هو في سياقه. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: قل: ادعوا اللَّه أو ادعوا الرحمن أيًّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى، ولا تجهر يا محمد بقراءتك في صلاتك، ودعائك فيها ربَّك، ومسألتك إياه، وذكرك فيها، فيؤذيك بجهرك بذلك المشركون، ولا تخافت بها، فلا يسمعها أصحابك، وابتغ بين ذلك سبيلًا، ولكن التمس بين الجهر والمخافتة طريقًا إلى أن تُسْمِع أصحابك، ولا يسمعه المشركون، فيؤذوك. قال: ولولا أن أقوال أهل التأويل مَضَت بما ذكرتُ عنهم من التأويل، وإنّا لا نستجيز خلافهم فيما جاء عنهم، لكان وجهًا يَحْتَمِلُه التأويل أن يقال: ولا تجهر بصلاتك التي أمرناك بالمخافتة بها، وهي صلاة النهار؛ لأنها عجماء، لا يُجْهَر بها، ولا تخافت بصلاتك التي أمرناك بالجهر بها، وهي صلاة الليل، فإنها يُجهَر بها، وابتغ بين ذلك سبيلًا، بأن تجهر بالتي أمرناك بالجهر بها، وتخافت بالتي أمرناك بالمخافتة بها، لا تجهر بجميعها، ولا تخافت بكلها، فكان ذلك وجهًا غير بعيد من الصحة، ولكنا لا نَرَى ذلك صحيحًا؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل على خلافه. فإن قال قائل: فأية قراءة هذه التي بين الجهر والمخافتة؟. قيل: حدَّثني مطر بن محمد، قال: ثنا قتيبة، ووهب بن جرير، قالا: ثنا شعبة، عن الأشعث بن سُلَيم، عن الأسود بن هلال، قال: قال عبد اللَّه: لم يُخافِتْ من أسمع أذنيه. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن الأشعث، عن الأسود بن هلال، عن عبد اللَّه مثله. انتهى كلام ابن جرير -﵀- ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ١٠٠٦] (٤٤٦)، و(البخاريّ) في «التفسير» (٤٧٢٢) و«التوحيد» (٧٤٩٠ و٧٥٢٥ و٧٥٤٧)، و(الترمذيّ) في (التفسير) (٣١٤٥ و٣١٤٦)، و(النسائيّ) في «الصلاة» (٢/ ١٧٧ - ١٧٨)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٥٨٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٧٩٦)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (١٥/ ١٨٤ و١٨٥ - ١٨٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ١٩٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٦٦١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٩٩١)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في سبب نزول هذه الآية الكريمة: (اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك على أقوال: (الأول): هذا الذي ذُكر في حديث ابن عبّاس -﵄- هذا، وهو متّفق عليه. (الثاني): ما يأتي في حديث عائشة -﵂- أنها نزلت في الدعاء، متّفقٌ عليه، وروي عن ابن عبّاس أيضًا. وقال ابن كثير في تفسيره: قال أشعث بن سوّار، عن عكرمة، عن ابن عباس: نزلت في الدعاء، وهكذا روى الثوريّ، ومالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة -﵂- أنها نزلت في الدعاء، وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو عياض، ومكحول، وعروة بن الزبير. وقال الثوريّ، عن ابن عياش العامريّ، عن عبد اللَّه بن شدّاد، قال: كان أعرابيّ من بني تميم، إذا سَلَّم النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- قال: اللهم ارزقني إبلًا وولدًا، قال: فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. انتهى. ورَوَى سعيد بن منصور من طريق صحابيّ لم يُسَمّ رَفَعَه في هذه الآية: «لا ترفع صوتك في دعائك، فتذكُرَ ذنوبك، فتُعَيَّر بها» . (الثالث): قول ابن سيرين -﵀-: كان الأعراب يجهرون بتشهّدهم، فنزلت الآية في ذلك. قال ابن جرير -﵀-: حدثنا أبو السائب، حدثنا حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة -﵂-: نزلت هذه الآية في التشهد، ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، وبه قال حفص، عن أشعث بن سوّار، عن محمد بن سيرين مثله. (الرابع): ما رُوي عن ابن سيرين أيضًا أن أبا بكر -﵁- كان يُسرّ قراءته، وكان عمر -﵁- يجهر بها، فقيل لهما في ذلك؟ فقال أبو بكر: إنما أناجي ربي، وهو يعلم حاجتي إليه، وقال عمر: أنا أطرُد الشيطان، وأوقظ الوسنان، فلما نزلت هذه الآية، قيل لأبي بكر: ارفع قليلًا، وقيل لعمر: اخفض قليلًا. وقال ابن جرير الطبريّ: حدّثنا يعقوب، حدّثنا ابن عُلَيّة، عن سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، قال: نُبِّئت أن أبا بكر كان إذا صلى، فقرأ خفض صوته، وأن عمر كان يرفع صوته، فقيل لأبي بكر: لم تصنع هذا؟ قال: أناجي ربي -﷿-، وقد عَلِم حاجتي، فقيل: أحسنت، وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟ قال: أطرد الشيطان، وأوقظ الْوَسْنان، قيل: أحسنت، فلما نزلت: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، قيل لأبي بكر: ارفع شيئًا، وقيل لعمر: اخفض شيئًا. انتهى. (الخامس): ما رُوي عن ابن عبّاس -﵄- أيضًا أن معناها: ولا تجهر بصلاة النهار، ولا تخافت بصلاة الليل، ذكره يحيى بن سلّام وغيره. وقال في «الفتح»: قال الطبريّ -﵀-: لولا أننا لا نستجيز مخالفة أهل التفسير فيما جاء عنهم، لاحْتَمَل أن يكون المراد لا تجهر بصلاتك، أي بقراءتك نهارًا ولا تخافت بها أي ليلًا، وكان ذلك وجهًا لا يبعد من الصحة. انتهى. وقد أثبته بعض المتأخرين قولًا. انتهى . (السادس): قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس -﵄- في قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ وقال: لا تُصَلّ مراءاةً للناس، ولا تَدَعها مخافةَ الناس، وقال الثوريّ عن منصور، عن الحسن البصريّ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، قال: لا تُحْسن علانيتها، وتسيء سريرتها، وكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن به، وهشام، عن عوف عنه به، وسعيد عن قتادة عنه كذلك. (السابع): قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قوله: ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ وقال: أهل الكتاب يخافتون، ثم يجهر أحدهم بالحرف، فيصيح به، ويصيحون هم به وراءه، فنهاه أن يصيح كما يصيح هؤلاء، وأن يخافت كما يخافت القوم، ثم كان السبيل الذي بين ذلك الذي سَنّ له جبريل من الصلاة. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أرجح هذه الأقوال هو الأول والثاني؛ لقوتهما صحّةً، ولا تنافي بينهما؛ إذ يُحمل الدعاء على الدعاء الذي يكون في الصلاة، ويؤيّده ما رَوَاه ابن مردويه من حديث أبي هريرة -﵁- قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا صلى عند البيت رفع صوته بالدعاء، فنَزَلت. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب التوسّط في القراءة في الصلاة الجهريّة، فينبغي للقارئ أن يكون رفعه لصوته وسطًا، بحيث لا يحصل منه ضرر لأيّ أحد، لا له، ولا لمن يستمع منه.
مصادر المؤلف (١٤)

١. هكذا النسخة: «ابن يوسف»، والظاهر أنه تصحيف من «عيسى بن يونس»، فليُحرّر.

٢. هكذا النسخة، والظاهر أنه تصحيف من «سُريج بن يونس» بالسين المهملة، وآخره جيم، فليُحرّر.

٣. وفي نسخة: «قال: يقول».

٤. ٨/ ٢٥٧.

٥. «مفردات القرآن» للراغب الأصبهانيّ (ص ٣٩١).

٦. «الجامع لأحكام القرآن» ١٠/ ٣٤٤.

٧. راجع: «حاشية الجمل على الجلالين» ٢/ ٦٦٧ - ٦٦٨.

٨. داود بن الحصين ثقة إلا في عكرمة، وهذا الحديث من روايته عنه، فلا يصحّ.

٩. «تفسير ابن جرير» ١٧/ ٥٨٥.

١٠. «تفسير الطبري» ١٥/ ١٨٨.

١١. راجع: «الفتح» ٨/ ٢٥٨.

١٢. «الفتح» ٨/ ٢٥٨.

١٣. راجع: هذه الأقوال في: «تفسير ابن جرير» ١٧/ ٥٨٠ - ٥٨٩، و«تفسير ابن كثير» ٣/ ٩٨ - ٩٩.

١٤. «الفتح» ٨/ ٢٥٨.