HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٤٤٩

حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: مَا قَرَأَ رسول الله ﷺ على الْجِنِّ وَمَا رَآهُمْ. انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ. وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ. فرجعت الشياطين إلى قومهم. فقالوا: مالكم؟ قَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ. قَالُوا: مَا ذَاكَ إِلَّا مِنْ شَيْءٍ حَدَثَ. فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا. فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. فَانْطَلَقُوا يَضْرِبُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا. فَمَرَّ النَّفَرُ الَّذِينَ أَخَذُوا نَحْوَ تِهَامَةَ (وَهُوَ بِنَخْلٍ، عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ. وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ) فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ. وَقَالُوا: هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا! إنا سمعنا قرآنا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ. وَلَنْ نشرك بربنا أحدا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أنه استمع نفر من الجن﴾ [٧٢/الجن/ الآية-١].
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص35
ج ١ ص ٣٣١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين جامع الترمذي, صحيح البخاري
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٠ ص٣٦٥
بالوحي، وبدأ يقرأ ذلك الوحي عليه، استمع -ﷺ- لقراءته، فإذا انتهى من قراءته، وانصرف من عنده، قرأه النبيّ -ﷺ- مثل ما قرأه جبريل -﵇-، من غير زيادة، ولا نقص، ولا تبديل، ولا تحريف. والحديث متّفق عليه، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٤) - (بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ، وَالْقِرَاءَةِ عَلَى الْجِنِّ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠١١] (٤٤٩) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- علَى الْجِنًّ، وَمَا رَآهُمُ، انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، قَالُوا: مَا ذَاكَ إِلَّا مِنْ شَيْءٍ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ؟ فَانْطَلَقُوا يَضْرِبُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَمَرَّ النَّفَرُ الَّذِينَ أَخَذُوا نَحْوَ تِهَامَةَ، وَهُوَ بِنَخْلٍ، عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرآنَ، اسْتَمَعُوا لَهُ، وَقَالُوا: هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -﷿- عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ -ﷺ-: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ الأُبُلّيّ، صدوق يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٦ أو ٢٣٥) عن بضع وتسعين سنة (م د س) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٧. «وأبو بشر» هو: ابن أبي وَحْشيّة، جعفر بن إياس، تقدّم قبل باب، والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وكذا لطائف الإسناد. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- أنه (قَالَ: مَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الْجِنِّ، وَمَا رَآهُمُ) قال النوويّ -﵀-: في وجه الجمع بين هذا وبين ما يأتي عن ابن مسعود -﵁- أنه -ﷺ- قرأ عليهم القرآن: هما قضيّتان. فحديث ابن عبّاس -﵄- أول الأمر، وأول النبوة، حين أَتَوا فسمعوا قراءة ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾، واختَلَف المفسرون، هل علم النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- استماعهم حال استماعهم بوحي أُوحي إليه، أم لم يعلم بهم إلا بعد ذلك؟. وأما حديث ابن مسعود -﵁- فقضية أخرى، جَرَت بعد ذلك بزمان، اللَّه أعلم بقدره، وكان بعد اشتهار الإسلام. انتهى . [تنبيه]: أخرج البخاريّ -﵀- حديث ابن عبّاس هذا، لكنه اقتصر على قوله: «انطَلَق رسول اللَّه -ﷺ-. . . إلخ»، فقال في «الفتح»: قوله: «انطلق رسول اللَّه -ﷺ-»، كذا اختصره البخاريّ هنا، وفي «صفة الصلاة»، وأخرجه أبو نعيم في «المستخرج» عن الطبرانيّ، عن معاذ بن المثنى، عن مسدد شيخ البخاريّ فيه، فزاد في أوله: «ما قرأ رسول اللَّه -ﷺ- على الجنّ، ولا رآهم، انطلق. . . إلخ»، وهكذا أخرجه مسلم عن شيبان بن فَرُّوخ، عن أبي عوانة بالسند الذي أخرجه به البخاريّ، فكأنّ البخاريّ حذف هذه اللفظة عمدًا؛ لأن ابن مسعود -﵁- أثبت أن النبيّ -ﷺ- قرأ على الجنّ، فكان ذلك مقدَّمًا على نفي ابن عباس -﵄-، وقد أشار إلى ذلك مسلم، فأخرج عقب حديثِ ابن عباس هذا حديثَ ابنِ مسعود -﵁-، عن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- قال: «أتاني داعي الجنّ، فانطلقتُ معه، فقرأت عليه القرآن»، ويمكن الجمع بالتعدد، كما سيأتي. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: حمله على التعدّد أولى، كما سبق عن النوويّ -﵀-. (انْطَلَقَ) أي ذهب (رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي طَائِفَةٍ) قال في «العمدة»: ذكره الجوهريّ في باب «طَوَفَ»، وقال: الطائفة من الشيء قطعة منه، وقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] قال ابن عباس -﵄-: الواحد فما فوقه، وقال مجاهد: الطائفة: الرجل الواحد إلى الألف، وقال عطاء: أقلها رجلان. انتهى . وقال في «المصباح»: الطائفة: الفرقة من الناس، والطائفة: القطعة من الشيء، والطائفة من الناس: الجماعة، وأقلّها ثلاثةٌ، وربّما أُطلقت على الواحد والاثنين. انتهى . وقوله: (مِنْ أَصْحَابِهِ) بيان لـ «طائفة»، قال في «الفتح»: ذكر ابن إسحاق، وابن سعد أن ذلك كان في ذي القعدة سنة عشر من المبعث لَمّا خرج النبيّ -ﷺ- إلى الطائف، ثم رجع منها، ويؤيده قوله في هذا الحديث: إن الجن رأوه يصلّي بأصحابه صلاة الفجر، والصلاة المفروضة إنما شُرِعت ليلة الإسراء، والإسراء كان على الراجح قبل الهجرة بسنتين، أو ثلاث، فتكون القصّة بعد الإسراء. لكنه مشكل من جهة أخرى؛ لأن مُحَصَّل ما في «الصحيح»، كما في «بدء الخلق»، وما ذكره ابن إسحاق أنه -ﷺ- لَمّا خرج إلى الطائف، لم يكن معه من أصحابه إلا زيد بن حارثة، وهنا قال: إنه انطلق في طائفة من أصحابه، فلعلها كانت وِجْهةً أخرى، ويمكن الجمع بأنه لَمّا رجع لاقاه بعض أصحابه في أثناء الطريق، فرافقوه. انتهى . (عَامِدِينَ) أي قاصدين، يقال: عَمَدتُ للشيء عَمْدًا، من باب ضرب، وعَمَدتُ إليه: قصدتُ، وتعمّدته: قصدت إليه أيضًا، قاله الفيّوميّ . (إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ) متعلّق بـ «عامدين». و«السُّوق»: تؤنّث وتذكّر لغتان، قيل: سُمِّيت بذلك لقيام الناس فيها على سُوقهم . و«عُكَاظ»: بضم العين المهملة، وتخفيف الكاف، وآخره ظاء معجمة، بالصرف وعدمه. قال اللحيانيّ: الصرف لأهل الحجاز، وعدمه لغة تميم، وهو موسم معروف للعرب، بل كان من أعظم مواسمهم، وهو نخل في وادٍ بين مكة والطائف، وهو إلى الطائف أقرب، بينهما عشرة أميال، وهو وراء قرن المنازل بمرحلة، من طريق صنعاء اليمن. وقال البكريّ: أَوّلُ ما أحدثت قبل الفيل بخمس عشرة سنة، ولم تزل سوقًا إلى سنة تسع وعشرين ومائة، فخرج الخوارج الحرورية، فَنَهَبُوها، فتُرِكت إلى الآن، وكانوا يقيمون به جميع شَوّال، يتبايعون، ويتفاخرون، وتنشد الشعراء ما تجدد لهم، وقد كثر ذلك في أشعارهم، كقول حسان [من الوافر]: سَأَنْشُرُ إِنْ حَيِيتُ لَكُمْ كَلَامًا … يُنَشَّرُ فِي الْمَجَامِعِ مِنْ عُكَاظِ وكان المكان الذي يجتمعون به منه يقال له: الابتداء، وكانت هناك صُخُور يطوفون حولها، ثم يأتون مَجَنّة ، فيُقيمون بها عشرين ليلة من ذي القَعْدة، ثم يأتون ذا الْمَجَاز، وهو خلف عرفة، فيقيمون به إلى وقت الحجّ. وقال ابن التين: سُوق عكاظ من إضافة الشيء إلى نفسه، كذا قال، وعلى ما تقدم من أن السوق كانت تقام بمكان من عكاظ، يقال له الابتداء، لا يكون كذلك، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله ابن التين، من أنه من إضافة الشيء إلى نفسه، ليس كما قال، بل هو من إضافة العام إلى الخاصّ، كشجر أراك، وعلم الفقه، ونحو ذلك، فتبصر، واللَّه تعالى أعلم. وقال الفيوميّ: «عُكَاظ» وزانُ غُرَاب: سوقٌ من أعظم أسواق الجاهليّة، وراء قرن المنازل بمرحلة، من عَمَل الطائف، على طريق اليمن، وقال أبو عُبيد: هي الصحراء مستويةً، لا جبل فيها، ولا عَلَمَ، وهي بين نجد والطائف، وكان يقام فيها السوق في ذي الْقَعْدة نحوًا من نصف شهر، ثم يأتون موضعًا دونه إلى مكة، يقال له: سوق مَجَنّة، فيقام فيه السوق إلى آخر الشهر، ثم يأتون موضعًا قريبًا منه، يقال له: ذو الْمَجَاز، فيقام فيه السوق إلى يوم التروية، ثم يَصْدُرُون إلى منى، والتأنيث لغة الحجاز، والتذكير لغة تميم. انتهى . وقال في «العمدة»: وعن الليث: سُمّي عُكاظُ عُكاظًا؛ لأن العرب كانت تجتمع فيها، فيَعْكِظ بعضهم بعضًا بالمفاخرة: أي يَدْعَك ، وقال غيره: عَكَظَ الرجلُ دابته يَعْكِظها عَكْظًا : إذا حَبَسَها، وتَعَكّظ القوم تعكُّظًا: إذا تحبسوا ينظرون في أمرهم، وبه سُمّيت عكاظ. قال: وقال أبو عبيدة: عُكاظ فيما بين نخلة والطائف إلى موضع، يقال له: الْفُتُق ، به أموال ونخيل لثقيف، بينه وبين الطائف عشرة أميال، فكان سوق عُكاظ يقوم صبيحة هلال ذي القعدة عشرين يومًا، وسوق مَجَنّة يقوم بعده عشرة أيام، وسوق ذي المجاز يقوم هلال ذي الحجة. وزعم الرشاطيّ أنها كانت تقام نصف ذي القعدة إلى آخر الشهر، فإذا أَهَلّ ذو الحجة أَتَوا ذا المجاز، وهي قريب من عُكاظ، فيقوم سوقها إلى يوم التروية، فيسيرون إلى منى، وقال ابن الكلبيّ: لم يكن بعُكاظ عُشُور ولا خَفَارة. انتهى . (وَقَدْ حِيلَ) بكسر الحاء المهملة، وسكون التحتانيّة، بعدها لام: أي حُجِز، ومُنِع على البناء للمجهول، قاله في «الفتح» . وقال في «العمدة»: يقال: حال الشيءُ بيني وبينك: أي حَجَزَ، وأصل مصدره واويّ، يعني من الْحَوْل، وأصلُ حِيلَ حُولَ، نُقِلت كسرة الواو إلى ما قبلها، بعد حذف الضمة منها، فصار حِيلَ. انتهى . (بَيْنَ الشَّيَاطِينِ) جمع شيطان، قال الزمخشريّ: وقد جَعَل سيبويه نون الشيطان في موضع من كتابه أصليةً، وفي آخر زائدةً، واشتقاقه من شَطَن: إذا بَعُدَ؛ لبعده عن الصلاح والخير، أو من شاط إذا بطل، إذا جعلت نونه زائدة، والشياطين: العصاة من الجنّ، وهم من ولد إبليس، والمراد أعتاهم وأغواهم، وهم أعوان إبليس، يُنَفِّذون بين يديه في الإغواء، وقال الجوهريّ: كل عاتٍ متمرّدٍ من الجنّ، والإنس، والدواب شيطان. وقال القاضي أبو يعلى: الشياطين: مردة الجنّ وأشرارهم، ولذلك يقال للشِّرِّير: ماردٌ وشيطانٌ، وقال تعالى: ﴿شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات: ٧]. وقال أبو عمر بن عبد البر: الجنّ مُنَزَّلون على مراتب، فإذا ذكر الجنّ خالصًا، يقال: جنيّ، وإن أريد به أنه ممن يَسْكُن مع الناس، يقال: عامرٌ، والجمع عُمّار، وإن كان مما يَعْرِض للصبيان، يقال: أرواح، فإن خَبُث فهو شيطان، فإن زاد على ذلك فهو ماردٌ، فإن زاد على ذلك، وقَوِيَ أمره فهو عِفْرِيت، والجمع عفاريت. انتهى. وفي الحديث المذكور ذكر وجود الجنّ، ووجود الشياطين، ولكنهما نوع واحدٌ، غير أنهما صارا صنفين باعتبار أَمْرٍ عَرَض لهما، وهو الكفر والإيمان، فالكافر منهم يُسَمَّى بالشيطان، والمؤمن بالجنّ، قاله في «العمدة» . (وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ) وفي نسخة: «وأُرسل» بلا تاء التأنيث (عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ) بضم الهاء: جمع شِهَاب، وهو شُعْلة نار، ساطعةٌ كأنها كوكب مُنْقَضٌّ. قال «الفتح»: ظاهر هذا أن الحيلولة، وإرسال الشهب وقع في هذا الزمان المقدَّم ذكْرُهُ، والذي تضافرت به الأخبار أن ذلك وقع لهم من أول البعثة النبوية، وهذا مما يؤيِّد تغاير زمن القصّتين، وأن مجيء الجنّ لاستماع القرآن كان قبل خروجه -ﷺ- إلى الطائف بسنتين، ولا يَعْكُر على ذلك إلا قوله في هذا الخبر: إنهم رأوه يصلّي بأصحابه صلاة الفجر؛ لأنه يَحْتَمِل أن يكون ذلك قبل فرض الصلوات ليلة الإسراء، فإنه -ﷺ- كان قبل الإسراء يصلّي قطعًا، وكذلك أصحابه، لكن اختُلِف هل افتُرِض قبل الخمس شيء من الصلاة، أم لا؟، فيصح على هذا قولُ مَن قال: إن الفرض أوّلًا كان صلاةً قبل طلوع الشمس، وصلاةً قبل غروبها، والحجة فيه قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]، ونحوها من الآيات، فيكون إطلاق صلاة الفجر في حديث الباب باعتبار الزمان، لا لكونها إحدى الخمس المفترضة ليلة الإسراء، فتكون قصّة الجن متقدّمة من أول المبعث. قال الحافظ -﵀-: وهذا الموضع مما لم يُنَبِّه عليه أحدٌ ممن وقفت على كلامهم في شرح هذا الحديث. وقد أخرج الترمذيّ، والطبريّ حديث الباب بسياقٍ سالمٍ من الإشكال الذي ذكرته من طريق أبي إسحاق السبيعيّ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -﵄- قال: «كانت الجنّ تصعد إلى السماء الدنيا، يستمعون الوحي، فإذا سَمِعُوا الكلمة زادوا فيها أضعافًا، فالكلمة تكون حقًّا، وأما ما زادوا فيكون باطلًا، فلما بُعِث النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- مُنِعُوا مقاعدهم، ولم تكن النجوم يُرْمَى بها قبل ذلك». وأخرجه الطبريّ أيضًا، وابن مردويه، وغيرهما، من طريق عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير مُطَوَّلًا، وأوله: «كان للجن مقاعدُ في السماء، يستمعون الوحي. . .» الحديث، «فبينما هم كذلك، إذ بُعِث النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، فدُحِرت الشياطين من السماء، ورُمُوا بالكواكب، فجَعَلَ لا يصعد أحد منهم إلا احترق، وفزع أهل الأرض لِمَا رأوا من الكواكب، ولم تكن قبل ذلك، فقالوا: هلك أهل السماء، وكان أهل الطائف أَوَّلَ من تفطّن لذلك، فعَمَدُوا إلى أموالهم، فسَئبُوها، وإلى عبيدهم فعتقوها ، فقال لهم رجل: ويلكم لا تُهلِكوا أموالكم، فإن معالمكم من الكواكب التي تَهْتَدون بها لم يَسقُط منها شيء، فأَقْلَعُوا، وقال إبليس: حَدَث في الأرض حَدَث، فأُتِي من كل أرض بتربة فشَمَّها، فقال لتربة تهامة: ها هنا حَدَثَ الحدث، فصَرَفَ إليه نَفَرًا من الجنّ، فهم الذين استمعوا القرآن. وعند أبي داود في «كتاب المبعث» من طريق الشعبيّ أن الذي قال لأهل الطائف ما قال، هو عبدُ ياليل بن عمرو، وكان قد عَمِيَ، فقال لهم: لا تَعْجَلوا وانظروا، فإن كانت النجوم التي يُرْمَى بها هي التي تُعْرَف، فهو عند فناء الناس، وإن كانت لا تُعْرَف فهو من حَدَثٍ، فنظروا فإذا هي نجوم لا تُعْرَف، فلم يلبثوا أن سمعوا بمبعث النبي -ﷺ-. وقد أخرجه الطبريّ، من طريق السُّدّيّ مُطَوَّلًا، وذكر ابن إسحاق نحوه مطوّلًا بغير إسناد في «مختصر ابن هشام»، زاد في رواية يونس بن بُكير، فساق سنده بذلك، عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، أنه حَدَّثه، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه، أنه حدثه أن رجلًا من ثقيف، يقال له: عمرو بن أمية، كان من أدهى العرب، وكان أوَّلَ مَن فَزعَ لَمّا رُمِي بالنجوم من الناس، فذكر نحوه. وأخرجه ابن سعد من وجه آخر، عن يعقوب بن عتبة، قال: أول العرب فَزِع مِن رَمْي النجوم ثقيف، فأَتَوْا عمرو بن أمية. وذكر الزبير بن بكار في «النسب» نحوه بغير سياقه، ونسب القول المنسوب لعبد ياليل لعتبة بن ربيعة، فلعلهما تواردا على ذلك. فهذه الأخبار تَدُلّ على أن القصّة وقعت أول البعثة، وهو المعتمد. قال: وقد استَشْكَل عياض، وتبعه القرطبيّ، والنوويّ، وغيرهما من حديث الباب موضعًا آخر، ولم يتعرضوا لما ذكرته، فقال عياض: ظاهر الحديث أن الرمي بالشهب لم يكن قبل مبعث النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- لإنكار الشياطين له، وطلبهم سببه، ولهذا كانت الكهانة فاشية في العرب، ومرجوعًا إليها في حكمهم، حتى قُطِع سببها، بأن حيل بين الشياطين وبين استراق السمع، كما قال تعالى في «سورة الجنّ»: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ [الجنّ: ٨ - ٩]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ [الشعراء: ٢١٢]، وقد جاءت أشعار العرب باستغراب رميها وإنكاره؛ إذ لم يَعْهَدوه قبل المبعث، وكان ذلك أحد دلائل نبوته -ﷺ-، ويؤيده ما ذُكِر في الحديث من إنكار الشياطين. قال: وقال بعضهم: لم تَزَلِ الشُّهُبُ يُرْمَى بها مذ كانت الدنيا، واحتجوا بما جاء في أشعار العرب من ذلك، قال: وهذا مرويّ عن ابن عباس، والزهريّ ورَفَع فيه ابنُ عباس حديثًا عن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-. وقال الزهريّ لمن اعترض عليه بقوله: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩] قال: غُلّظَ أمرها، وشُدِّد. انتهى. وهذا الحديث الذي أشار إليه أخرجه مسلم، من طريق الزهريّ، عن عبيد اللَّه، عن ابن عباس، عن رجال من الأنصار، قالوا: «كنا عند النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- إذ رمي بنجم، فاستنار، فقال: ما كنتم تقولون لهذا إذا رُمِي به في الجاهلية؟. . .» الحديث ، وأخرجه عبد الرزاق، عن معمر، قال: سئل الزهريّ عن النجوم، أكان يُرْمَى بها في الجاهلية؟ قال: نعم، ولكنه إذ جاء الإسلام غُلِّظَ وشُدّد، وهذا جمع حسن. ويَحْتَمِل أن يكون المراد بقوله -ﷺ- إذا رُمِي بها في الجاهلية، أي جاهلية المخاطبين، ولا يلزم أن يكون ذلك قبل المبعث، فإن المخاطب بذلك الأنصار، وكانوا قبل إسلامهم في جاهلية، فإنهم لم يُسْلِموا إلا بعد المبعث بثلاث عشرة سنة. وقال السهيليّ: لم يَزَل القذف بالنجوم قديمًا، وهو موجود في أشعار قدماء الجاهلية، كأوس بن حُجْر، وبشر بن أبي حازم وغيرهما. وقال القرطبيّ: يُجْمَع بأنها لم تكن يُرْمَى بها قبل المبعث رميًا يَقطع الشياطين عن استراق السمع، ولكن كانت تُرْمَى تارةً، ولا تُرْمَى أخرى، وتُرْمَى من جانب، ولا تُرْمَى من جميع الجوانب، ولعل الإشارة إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا﴾ [الصافات: ٨ - ٩] انتهى. قال الحافظ -﵀-: ثم وجدت عن وهب بن منبه ما يرفع الإشكال، ويجمع بين مختلف الأخبار، قال: كان إبليس يَصْعَد إلى السماوات كلهنّ، يتقلَّب فيهنّ كيف شاء، لا يُمنَع منذ أُخرج آدم إلى أن رُفِع عيسى، فحُجِب حينئذ من أربع سماوات، فلما بُعِث نبينا -ﷺ- حُجِب من الثلاث، فصار يسترق السمع هو وجنوده، ويقذفون بالكواكب. ويؤيِّده ما رَوَى الطبريّ، من طريق الْعَوْفيّ، عن ابن عباس، قال: لم تكن السماء تُحْرَس في الفترة بين عيسى ومحمد، فلما بُعِث محمد -ﷺ- حُرِست حَرَسًا شديدًا، ورُجِمت الشياطين، فأنكروا ذلك. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي رواه وهب بن منبّه الظاهر أنه من الإسرائيليّات، فرَفْعُهُ الإشكال محلّ نظر، وأما تأييده برواية العوفيّ، فلا ينفع؛ لأنّ عطيّة العوفي ضعيف، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. قال: ومن طريق السديّ قال: إن السماء لم تكن تُحْرَس إلا أن يكون في الأرض نبيّ، أو دين ظاهرٌ، وكانت الشياطين قد اتَّخَذت مقاعد يسمعون فيها ما يحدُث، فلما بُعِث محمد -ﷺ- رُجِموا. وقال الزين ابن الْمُنَيِّر: ظاهر الخبر أن الشهب لم تكن يُرْمَى بها، وليس كذلك؛ لما دَلّ عليه حديث مسلم، وأما قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾، فمعناه أن الشهب كانت تُرْمَى فتصيب تارةً، ولا تصيب أخرى، وبعد البعثة أصابتهم إصابةً مستمرةً، فوصفوها لذلك بالرصد؛ لأن الذي يَرْصُد الشيء لا يخطئه، فيكون المتجدد دوام الإصابة لا أصلها. وأما قول السهيليّ: لولا أن الشهاب قد يُخطئ الشيطان لم يَتَعَرَّض له مرة أخرى، فجوابه أنه يجوز أن يقع التعرض مع تحقق الإصابة؛ لرجاء اختطاف الكلمة وإلقائها قبل إصابة الشهاب، ثم لا يبالي المختطِفُ بالإصابة لِمَاطُبع عليه من الشرّ كما تقدّم. وأخرج العقيليّ، وابن منده، وغيرهما، وذكره أبو عمر بغير سند من طريق لَهَب -بفتحتين، ويقال: بالتصغير- ابن مالك الليثيّ قال: ذُكِرت عند النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- الكهانة، فقلت: نحن أول من عَرَفَ حراسة السماء، ورَجْمَ الشياطين، ومَنْعَهم من استراق السمع عند قذف النجوم، وذلك أنا اجتمعنا عند كاهن لنا، يقال له: خطر بن مالك، وكان شيخًا كبيرًا، قد أتت عليه مائتان وستة وثمانون سنةً، فقلنا: يا خطر هل عندك علمٌ من هذه النجوم التي يُرْمَى بها، فإنا فَزِعنا منها، وخِفْنا سوء عاقبتها. . . الحديث، وفيه: فانقضّ نجم عظيم من السماء، فصرخ الكاهن رافعًا صوته: أَصَابَهُ أَصَابَهُ خَامَرَهُ عَذَابُهُ أَحْرَقَهُ شِهَابُهُ الأبيات، وفي الخبر أنه قال أيضًا: قَدْ مُنِعَ السَّمْعَ عُتَاةُ الْجَانِ بِثَاقِبٍ يُتْلِفُ ذِي سُلْطَانِ مِنْ أَجْلِ مَبْعُوثٍ عَظِيمِ الشَّانِ وفيه أنه قال: أَرَى لِقَوْمِي مَا أَرَى لِنَفْسِي … أَنْ يَتْبَعُوا خَيْرَ نَبِيِّ الإِنْسِ الحديث بطوله، قال أبو عمر: سنده ضعيف جدًّا، ولو كان فيه حكم لما ذكرته؛ لكونه عَلَمًا من أعلام النبوة والأصول. [فإن قبل]: إذا كان الرمي بها غُلِّظَ وشُدّد بسبب نزول الوحي، فهلا انقطع بانقطاع الوحي، بموت النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، ونحن نشاهدها الآن يرمى بها. [فالجواب]: يؤخذ مما تقدّم من حديث الزهريّ عند مسلم ، ففيه: «قالوا: كنا نقول: وُلِدَ الليلة رجل عظيمٌ، ومات رجل عظيمٌ، فقال رسول اللَّه -ﷺ-:»فإنها لا تُرْمَى لموت أحد، ولا لحياته، ولكن رَبّنا إذا قضى أمرًا أخبر أهلُ السماوات بعضهم بعضًا حتى يبلغ الخبر السماء الدنيا، فيخطف الجنّ السمع، فَيَقْذِفُون به إلى أوليائهم». فيؤخذ من ذلك أن سبب التغليظ والحفظ لم ينقطع؛ لِمَا يتجدد من الحوادث التي تُلْقَى بأمره إلى الملائكة، فإن الشياطين مع شدّة التغليظ عليهم في ذلك بعد المبعث، لم ينقطع طمعهم في استراق السمع في زمن النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، فكيف بما بعده؟. وقد قال عمر -﵁- لغيلان بن سلمة لَمّا طَلَّق نساءه: إني أحسب أن الشياطين فيما تسترق السمع سمعت بأنك ستموت، فألقت إليك ذلك. . . الحديث، أخرجه عبد الرزاق وغيره. فهذا ظاهر في أن استراقهم السمع استَمَرَّ بعد النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، فكانوا يَقْصِدون استماع الشيء مما يحدث، فلا يصلون إلى ذلك، إلا إن اختَطَف أحدهم بخفة حركته خَطْفةً، فيتبعه الشهاب، فإن أصابه قبل أن يُلقيها لأصحابه فاتت، وإلا سمعوها وتداولوها، وهذا يرد على قول السهيليّ المقدّم ذكره. انتهى ما في «الفتح»، وهو بحث نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم. (فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا) أي قال لهم رؤساؤهم، قال في «الفتح»: الذي قال لهم ذلك هو إبليس، كما تقدّم في رواية أبي إسحاق المتقدّمة قريبًا. انتهى . (مَا لَكُمْ؟) «ما» استفهاميّة، أي أيّ شيء ثبت عندكم؟ (قَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَر السَّمَاءِ) المراد جنس الأخبار التي في السماء عند الملائكة (وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، قَالُوا: مَا ذَاكَ) «ما» نافية، أي ليس هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء (إِلَّا مِنْ) زائدة، كما قال في «الخلاصة»: وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرّ … نَكِرَةً كَـ «مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرّ» ويَحْتَمِل أن تكون أصليّة للتعليل، ويعود اسم الإشارة إلى حصول الحيلولة، أي ليس حصول الحيلولة بيننا وبين خبر السماء إلا من أجل (شَيْءٍ حَدَثَ) أي وُجد بعد أن لم يكن (فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا) بنصب «مشارق»، و«مغارب» على الظرفيّة، أي سيروا في الأرض كلّها، فالمشارق والمغارب كناية عن الكلّ، ويقال: فلان ضرب في الأرض، أي سار فيها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١]، وقوله: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، ومنه أيضًا قوله -ﷺ-: «لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عوراتهما يتحدّثان، فإن اللَّه تعالى يمقت على ذلك» . وفي رواية نافع بن جبير، عن ابن عباس -﵄- عند أحمد: «فَشَكَوا ذلك إلى إبليس، فَبَثَّ جنوده، فإذا هم بالنبيّ -ﷺ- يصلّي بِرَحْبَةٍ في نَخْلَة». انتهى. (فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ؟ فَانْطَلَقُوا يَضْرِبُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَمَرَّ النَّفَرُ الَّذِينَ أَخَذُوا) وفي نسخة: «ذَهَبُوا»، أي ذهب الشياطين الذين توجّهوا نحو تهامة. قال في «الفتح»: قيل: كان هؤلاء المذكورون من الجنّ على دين اليهود، ولهذا قالوا: ﴿أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف: ٣٠]، وأخرج ابن مردويه من طريق عُمر بن قيس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنهم كانوا تسعةً، ومن طريق النضر بن عربيّ، عن عكرمة، عن ابن عباس: كانوا سبعةً من أهل نَصِيبين، وعند ابن أبي حاتم، من طريق مجاهد نحوه، لكن قال: كانوا أربعةً من نَصِيبين، وثلاثة من حَرّان، وهم حسا ونسا وشاصر وماضر والأدرس ووردان والأحقب، ونقل السهيليّ في «التعريف» أن ابن دريد ذكر منهم خمسةً: شاصر وماضر ومنشي وناشي والأحقب، قال: وذكر يحيى بن سلام وغيره قصة عمرو بن جابر، وقصة سرق، وقصة زَوْبعة، قال: فإن كانوا سبعةً، فالأحقب لقب أحدهم لا اسمه، واستدرك عليه ابن عساكر ما تقدم عن مجاهد، قال: فإذا ضُمّ إليهم عمرو، وزوبعة، وسرق، وكان الأحقب لقبًا كانوا تسعة، قال الحافظ: هو مطابق لرواية عمر بن قيس المذكورة. وقد روى ابن مردويه أيضًا من طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس: كانوا اثني عشر ألفًا من جزيرة الْمَوْصِل، فقال النبيّ -ﷺ- لابن مسعود: «انظرني حتى آتيك، وخَطَّ عليه خطًّا. . .» الحديث. والجمع بين الروايتين تعدد القصة، فإن الذين جاؤوا أوّلًا كان سبب مجيئهم ما ذُكِر في الحديث من إرسال الشهب، وسببُ مجيء الذين في قصة ابن مسعود أنهم جاؤوا لقصد الإسلام، وسماع القرآن، والسؤال عن أحكام الدين. قال الحافظ: وقد بينتُ ذلك في أوائل المبعث في الكلام على حديث أبي هريرة، وهو من أقوى الأدلة على تعدد القصة، فإن أبا هريرة إنما أسلم بعد الهجرة، والقصة الأولى كانت عقب المبعث، ولعل مَن ذكر في القصص المفَرَّقة كانوا ممن وَفَد بعدُ؛ لأنه ليس في كل قصة منها إلا أنه كان ممن وَفَد، وقد ثبت تعدد وفودهم. انتهى كلام الحافظ -﵀-. قال الجامع عفا اللَّه عنه: أشار بحديث أبي هريرة -﵁- المذكور إلى ما أخرجه البخاريّ في «صحيحه» عن أبي هريرة -﵁- أنه كان يَحْمِل مع النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها، فقال: «مَن هذا؟»، فقال: أنا أبو هريرة، فقال: «ابغني أحجارًا أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة»، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي، حتى وضعتها إلى جنبه، ثم انصرفت حتى إذا فَرَغَ مشيت، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: «هما من طعام الجنّ، وإنه أتاني وَفْدُ جنّ نصيبين، ونعم الجنّ، فسألوني الزاد، فدعوت اللَّه لهم أن لا يَمُرُّوا بعظم ولا بروثة، إلا وجدوا عليها طعامًا». انتهى. قال في «الفتح»: وحديث أبي هريرة في هذا الباب، وإن كان ظاهرًا في اجتماع النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- بالجنّ، وحديثِهِ معهم، لكنه ليس فيه أنه قرأ عليهم، ولا أنهم الجن الذين استمعوا القرآن؛ لأن في حديث أبي هريرة أنه كان مع النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- ليلتئذ، وأبو هريرة إنما قَدِم على النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- في السنة السابعة المدينة، وقصةُ استماع الجن للقرآن كان بمكة قبل الهجرة، وحديث ابن عباس صريح في ذلك. فيُجْمَع بين ما نفاه وما أثبته غيره بتعدد وفود الجنّ على النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، فأما ما وقع في مكة فكان لاستماع القرآن، والرجوع إلى قومهم منذرين، كما وقع في القرآن، وأما في المدينة فللسؤال عن الأحكام، وذلك بَيِّنٌ في الحديثين المذكورين. ويحتمل أن يكون القدوم الثاني كان أيضًا بمكة، وهو الذي يدل عليه حديث ابن مسعود -﵁-، وأما حديث أبي هريرة فليس فيه تصريح بأن ذلك وقع بالمدينة، ويَحْتَمِل تعدد القدوم بمكة مرتين وبالمدينة أيضًا. قال البيهقيّ: حديث ابن عباس حَكَى ما وقع في أول الأمر عندما عَلِم الجنّ بحاله -ﷺ-، وفي ذلك الوقت لم يَقْرأ عليهم، ولم يرهم، ثم أتاه داعي الجنّ مرة أخرى، فذهب معه، وقرأ عليهم القرآن، كما حكاه عبد اللَّه بن مسعود. انتهى. وأشار بذلك إلى ما أخرجه أحمد، والحاكم، من طريق زِرّ بن حُبيش، عن عبد اللَّه بن مسعود -﵁-، قال: هَبَطُوا على النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، وهو يقرأ القرآن ببطن نَخْل، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا، وكانوا سبعةً، أحدهم زوبعة. وهذا يوافق حديث ابن عباس. وأخرج مسلم من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، عن علقمة، قال: قلت لعبد اللَّه بن مسعود: هل صَحِب أحد منكم رسول اللَّه -ﷺ- ليلة الجنّ؟ قال: لا، ولكنا فقدناه. . . الحديث. قال: وقول ابن مسعود في هذا الحديث: إنه لم يكن مع النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- أصح مما رواه الزهريّ، أخبرني أبو عثمان بن شيبة الْخُزَاعيّ، أنه سمع ابن مسعود يقول: إن رسول اللَّه -ﷺ- قال لأصحابه، وهو بمكة: «مَن أحبّ منكم أن ينظر الليلة أثر الجنّ فليفعل»، قال: فلم يحضر منهم أحد غيري، فلما كنا بأعلى مكة خَطّ لي برجله خَطًّا، ثم أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق، ثم قرأ القرآن، فغشيته أسودة كثيرة، حالت بيني وبينه، حتى ما أسمع صوته، ثم انطلقوا، وفَرَغَ منهم مع الفجر، فانطلق. . . الحديث. قال البيهقيّ: يَحْتَمِل أن يكون قوله في «الصحيح»: ما صَحِبه منا أحدٌ أراد به في حال إقرائه القرآن، لكن قوله في «الصحيح»: إنهم فقدوه يدلّ على أنهم لم يعلموا بخروجه إلا أن يُحْمَل على أن الذي فقده غير الذي خرج معه، فاللَّه أعلم. ولرواية الزهريّ متابع من طريق موسى بن عُلَيّ بن رَبَاح، عن أبيه، عن ابن مسعود -﵁- قال: استتبعني النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم-، فقال: «إن نفرًا من الجنّ خمسة عشر بني إخوة، وبني عمّ، يأتونني الليلةَ، فأقرأ عليهم القرآن»، فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد، فَخَطّ لي خَطًّا. . .، فذكر الحديث، نحوه، أخرجه الدارقطنيّ، وابن مردويه، وغيرهما. وأخرج ابن مردويه، من طريق أبي الجوزاء، عن ابن مسعود نحوه مختصرًا. وذكر ابن إسحاق أن استماع الجنّ كان بعد رجوع النبيّ -صلي اللَّه عليه وسلم- من الطائف لَمّا خرج إليها يدعو ثقيفًا إلى نصره، وذلك بعد موت أبي طالب، وكان ذلك في سنة عشر من المبعث، كما جزم ابن سعد بأن خروجه إلى الطائف كان في شوال، وسوق عكاظ التي أشار إليها ابن عباس كانت تقام في ذي القعدة، وقولُ ابن عباس في حديثه: «وهو يصلّي بأصحابه» لم يُضْبَط ممن كان معه في تلك السفرة غيرُ زيد بن حارثة، فلعل بعض الصحابة تلقّاه لَمّا رجع، واللَّه أعلم. وقول من قال: إن وفود الجن كان بعد رجوعه -ﷺ- من الطائف ليس صريحًا في أولية قدوم بعضهم، والذي يظهر من سياق الحديث الذي فيه المبالغة في رمي الشهب لحراسة السماء، من استراق الجنّ السمع دالٌّ على أن ذلك كان قبل المبعث النبويّ، وإنزال الوحي إلى الأرض، فكَشَفُوا ذلك إلى أن وقفوا على السبب، ثم لما انتشرت الدعوة، وأسلم من أسلم، قَدِموا، فسمعوا، فأسلموا، وكان ذلك بين الهجرتين، ثم تعدد مجيئهم حتى في المدينة. انتهى ما في «الفتح» . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما ذُكر من سياق الروايات المختلفة، أن وقائع قصّة الجنّ متعدّدة، قبل الهجرة إلى المدينة، وبعدها، وبهذا تندفع الإشكالات الواردة على تلك الأحاديث، فتنبّه لذلك، واللَّه تعالى أعلم. (نَحْوَ تِهَامَةَ) -بكسر التاء المثناة- اسم لكل مكان غير عال، من بلاد الحجاز، سُمِّيت بذلك؛ لشدة حرّها؛ اشتقاقًا من التَّهَم -بفتحتين- وهو شدّة الحرّ، وسكونُ الريح، وقيل: من تَهِمَ الشيءُ : إذا تغير، قيل لها ذلك لتغير هوائها، قال البكريّ: حدّها من جهة الشرق ذات عِرْق، ومن قبل الحجاز السَّرْج -بفتح المهملة، وسكون الراء، بعدها جيم-: قرية من عَمَل الْفُرْع، بينها وبين المدينة اثنان وسبعون ميلًا. انتهى . وقال في «الموعب»: تهامة: اسم مكة، وطرف تهامة من قِبَل الحجاز مدارج الْعَرْج، وأولها من قِبَل نَجْد مدارج عِرْق، فإذا نُسِب إليها يقال: تَهَاميّ، بفتح التاء، قاله أبو حاتم، وعن سيبويه بكسرها، وفي «أمالي الْهَجَريّ»: آخر تهامة أعلام الحرم الشاميّ. وفي كتاب الرشاطيّ: تهامة: ما ساير البحر من نجد، ونجْد ما بين الحجاز إلى الشام إلى الْعُذَيب، والصحيح أن مكة من تهامة. وقال المدائنيّ: جزيرة العرب خمسة أقسام: تهامة، ونجد، وحجاز، وعروض، ويمن، أما تهامة فهي الناحية الجنوبية من الحجاز، وأما نجد فهي الناحية التي من الحجاز والعراق، وأما الحجاز فهو جبل يُقْبِل من اليمن حتى يتصل بالشام، وفيه المدينة وعمان، وأما العروض فهي اليمامة إلى البحرين، قال: وإنما سمي الحجاز حجازًا؛ لأنه يَحْجُز بين نجد وتهامة، ومن المدينة إلى طريق مكة إلى أن يبلغ مهبط الْعَرْج حجازٌ أيضًا، وما وراء ذلك إلى مكة وجُدّة فهو تهامة. وقال الواقديّ: الحجاز من المدينة إلى تبوك، ومن المدينة إلى طريق الكوفة، ومن وراء ذلك إلى أن يُشارف أرض البصرة فهو نجد، وما بين العراق وبين وَجْرة وعمرة الطائف نجد، وما كان من وراء وجرة إلى البحر فهو تهامة، وما كان بين تهامة ونجد فهو حجاز. وقال قطرب: تهامة من قولهم: تَهِم البعير تَهَمًا -أي من باب تَعِبَ- دخله حَرّ، وتَهِم البعيرُ: إذا استنكر الْمَرْعَى، ولم يَسْتَمْرِ به، ولحم تَهِمٌ: خَنِزٌ ، ويقال: تهامة، وتهومة، وقيل: سُمِّيت تهامة؛ لأنها انخفضت عن نجد، فَتَهِمَ ريحُها: أي تغير، وعن ابن دريد: التَّهَمُ: شدّةُ الحرّ، وركود الريح، وسميت بها تهامة، قاله في «العمدة» . (وَهُوَ بِنَخْلٍ) قال النوويّ -﵀- هكذا وقع في «صحيح مسلم» بـ «نخل» بالخاء المعجمة، وصوابه بنخلة بالهاء، وهو موضع معروف هناك، كذا جاء صوابه في «صحيح البخاريّ»، ويَحْتَمِل أنه يقال فيه: نَخْلٌ، ونَخْلَةٌ. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «بنخلة» بفتح النون، وسكون المعجمة: موضع بين مكة والطائف، قال البكريّ: على ليلة من مكة، وهي التي يُنسب إليها بطن نخل، ووقع في رواية مسلم: «بنخل» بلا هاء، والصواب إثباتها. انتهى . وقال في «العمدة»: قوله: «وهو بنخلة» -بفتح النون، وسكون الخاء المعجمة- وهو موضع معروف ثمة، وبطن نخلة موضع بين مكة والطائف، وقال البكريّ: نخلة على لفظ الواحدة من النخل موضع على ليلة من مكة، وهي التي نسب إليها بطن نخلة، وهي التي ورد الحديث فيها ليلة الجنّ، وهو غير منصرف؛ للعلمية والتأنيث. انتهى. (عَامِدِينَ) منصوب على الحال، وإنما جُمِع وإن كان ذو الحال واحدًا باعتبار أن أصحابه معه، كما يقال: جاء السلطان، والمراد هو وأتباعه، أو جُمِع تعظيمًا له . (إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ) متعلّق بـ «عامدين» (وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ) جملة في محلّ نصب على الحال، فيكون مع ما قبله مترادفين، أَو متداخلين. قال في «الفتح»: قوله: «وهو يصلّي بأصحابه. . . إلخ»، لم يُخْتَلف على ابن عباس في ذلك، ووقع في رواية عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: قال الزبير، أو ابن الزبير: كان ذلك بنخلة، والنبيّ -ﷺ- يقرأ في العشاء، وأخرجه ابن أبي شيبة، عن ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، قال: قال الزبير، فذكره، وزاد: «فقرأ: ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩]»، وكذا أخرجه ابن أبي حاتم، وهذا منقطع، والأول أصح. انتهى . (فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ، اسْتَمَعُوا لَهُ) أي قصدوا لسماع القرآن، وأصغوا إليه، قال في «العمدة»: والفرق بين السماع والاستماع، أن باب الافتعال لا بُدّ فيه من التصرف، فالاستماع تصرُّفٌ بالقصد، والإصغاءِ إليه، والسماع أعمّ منه. انتهى . (وَقَالُوا) أي الجنّ الذين سمعوا القرآن واستمعوا له (هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ) وفي رواية البخاريّ: «فهُنالك رجعوا إلى قومهم» (فَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾) أي بديعًا مبيّنًا لسائر الكتب في حسن لفظه، وصحّة معانيه، قائمة في دلائل الإعجاز، وانتصاب «عجبًا» على أنه مصدرٌ وُضِع موضع التعجب، وفيه مبالغةٌ، والْعَجَبُ ما خَرَج عن حدّ أشكاله ونظائره. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: ﴿قُرْآنًا عَجَبًا﴾ أي في فصاحة كلامه، وقيل: عجبًا في بلاغة مواعظه، وقيل: عجبًا في عظم بركته، وقيل: قرآنًا عزيزًا، لا يوجد مثله، وقيل: يعنون عظيمًا. انتهى . (﴿يَهْدِي﴾) جملة في محلّ نصب صفة لـ «عجبًا»، أي هاديًا (﴿إِلَى الرُّشْدِ﴾) أي يدعو إلى الصواب، وقيل: يَهدِي إلى التوحيد والإيمان، وقيل: يهدي إلى مراشد الأمور، وقيل: إلى معرفة اللَّه تعالى: (﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾) أي فاهتدينا بالقرآن، وصدَّقنا أنه من عند اللَّه تعالى. قال في «الفتح»: قال الماورديّ: ظاهر هذا أنهم آمنوا عند سماع القرآن، قال: والإيمان يقع بأحد أمرين: إما بأن يَعْلَم حقيقةَ الإعجاز، وشروط المعجزة، فيقع له العلم بصدق الرسول، أو يكون عنده علم من الكتب الأولى، فيها دلائل على أنه النبيّ المبشَّر به، وكلا الأمرين في الجنّ محتمل. انتهى . ونقل القاضي عياض عن المازريّ أنه قال: ظاهر الحديث أنهم آمنوا عند سماع القرآن، ولا بدّ لمن آمن عند سماعه أن يعلم حقيقة الإعجاز، وشروط المعجزة، وبعد ذلك يقع العلم له بصدق الرسول -ﷺ-، فإما أن يكون الجنّ علموا بذلك، أو علموا من كتب الرسل المتقدّمة ما دلّهم على أنه هو النبيّ الصادق الْمُبَشَّر به. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: «لا بدّ لمن آمن. . . إلخ»، وكذا ما قبله من كلام المازريّ شيء عجيبٌ، فمن أين له هذا الشرط؟ فأي آية دلّت عليه؟ ومتى قال النبيّ -ﷺ-: من شرط الإيمان بي العلم بحقيقة الإعجاز، وشروط المعجزة؟ بل هذا قول تبع فيه المتكلّمين الذين يتّبعون أهواءهم، فيقول أحدهم: أول واجب على المكلّف النظر، ويقول الآخر: لا، بل أول الواجب الشكّ، ثم النظر، إلى آخر ما تنازعوا فيه مما هو مهزلة في الدين، واتّباع لسبيل المعتدين من الفلاسفة والملحدين. فمن رأى النبيّ -ﷺ-، أو سمع كلامه، أو استمع إلى قراءته، فآمن، فذلك المؤمن الذي شرح اللَّه تعالى صدره للإسلام، فلا يجوز أن نقول له: هل علمت المعجزة، وهل علمت معنى الإعجاز، وهل، وهل، ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾، ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وقد استوفيت هذا البحث في المسائل التي كتبتها في أوائل «كتاب الإيمان»، فارجع إليها ترى العجب العجاب، وتجد ما يسرّك مما جاء عن السلف من فصل الخطاب، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾) لَمّا كان الإيمان بالقرآن إيمانًا باللَّه ﷿، وبوحدانيته، وبراءةً من الشرك، قالوا: ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾، أي من خلقه، وجاز أن يكون الضمير في ﴿بِهِ﴾ للَّه تعالى؛ لأن قوله: ﴿بِرَبِّنَا﴾ يفسّره، قاله النسفيّ -﵀- . وقال القرطبيّ -﵀-: ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ أي لا نرجع إلى إبليس، ولا نطيعه؛ لأنه الذي كان بعثهم ليأتوه بالخبر، ثم رُمِي الجن بالشهب، وقيل: لا نتخذ مع اللَّه إلهًا آخر؛ لأنه المتفرد بالربوبية، وفي هذا تعجيب المؤمنين بذهاب مشركي قريش عما أدركته الجنّ بتدبرها القرآن. انتهى . (فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ -ﷺ-: ﴿قُلْ﴾ أي قل يا محمد، أي أخبر قومك ما ليس لهم به علم، ثم بَيَّنَ له ما يقوله، فقال: (﴿أُوحِيَ إِلَيَّ﴾) قال في «العمدة»: وقرأ حيوة الأسديّ: «قل أُحِيَ إليّ»، وقال الزجاج في «المعاني»: الأكثر أَوْحَيْتُ، ويقال: وَحَيْتُ، فالأصل وُحِيَ. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: وقرأ ابن أبي عَبْلة: «أُحِيَ» على الأصل، يقال: أَوْحَى إليه، ووَحَى، فقُلِبت الواو همزةً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] وهو من القلب المطلق جوازُهُ في كل واو مضمومة، وقد أطلقه المازنيّ في المكسورة أيضًا، كإِشَاح، وإِسَادة، و«إِعَاءِ أخيه»، ونحوه. انتهى. (﴿أَنَّهُ﴾) بفتح الهمزة؛ لأنه نائب فاعل ﴿أُوحِيَ﴾، والضمير للشأن، تفسّره الجملة بعده، أي أن الأمر والشأن. [تنبيه]: قال القرطبيّ -﵀-: كان علقمة، ويحيى، والأعمش، وحمزة، والكسائيّ، وابن عامر، وخَلَف، وحفص، والسلميّ يفتحون «أَنّ» في جميع السورة، في اثني عشر موضعًا، وهو ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ﴾، ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ﴾، ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا﴾، ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾، ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ﴾، ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي﴾، ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ﴾، ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ﴾، ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى﴾، ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾؛ عطفًا على قوله: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾، و﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ لا يجوز فيه إلا الفتح؛ لأنها في موضع فاعل ﴿أُوحِيَ﴾، فما بعده معطوف عليه، وقيل: هو محمول على الهاء في ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ أي وبأنه تعالى جد ربنا، وجاز ذلك، وهو مضمر مجرور؛ لكثرة حذف الجارّ مع «أنّ»، وقيل: المعنى: أي وصدَّقنا أنه جد ربنا. وقرأ الباقون كلَّها بالكسر، وهو الصواب، واختاره أبو عبيدة، وأبو حاتم، عطفًا على قوله: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا﴾؛ لأنه كلّه من كلام الجنّ. وأما أبو جعفر وشيبة، فإنهما فتحا ثلاثة مواضع، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ﴾ قالا: لأنه من الوحي، وكسرا ما بقي؛ لأنه من كلام الجنّ، وأما قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ فكلهم فتحوا إلا نافعًا وشيبة وزِرّ بن حُبيش وأبا بكر والمفضل، عن عاصم، فإنهم كسروا لا غير، ولا خلاف في فتح همزة ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾، ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾، ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ ﴿أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا﴾، وكذلك لا خلاف في كسر ما بعد القول، نحو قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا﴾، و﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾، و﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي﴾، و﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ﴾، وكذلك لا خلاف في كسر ما كان بعد فاء الجزاء، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾، و﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾؛ لأنه موضع ابتداء. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . (﴿اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾) أي جماعة، أي استمعوا إلى النبيّ -ﷺ-، فعَلِموا أن ما يقرؤه كلام اللَّه، ولم يُذْكَر المستمع إليه لدلالة الحال عليه، والنفر: الرهط، قال الخليل: ما بين ثلاثة إلى عشرة، وقرأ عيسى الثقفيّ: «يَهْدِي إلى الرَّشَدِ» بفتح الراء والشين. (﴿مِنَ الْجِنِّ﴾) أي جنّ نصيبين، وقيل غير ذلك. زاد الترمذيّ: قال ابن عباس: وقول الجنّ لقومهم: لَمّا قام عبد اللَّه يدعوه كادوا يكونون عليه لبدًا، قال: لَمّا رأوه يصلّي، وأصحابه يصلّون بصلاته، يسجدون بسجوده، قال: فتعجبوا من طواعية أصحابه له، قالوا لقومهم ذلك. وزاد في رواية البخاريّ: «وإنما أُوحي إليه قولُ الجنّ»، قال في «الفتح»: هذا كلام ابن عباس -﵄-، كأنه قرّر فيه ما ذهب إليه أوّلًا أنه -ﷺ- لم يجتمع بهم، وإنما أَوْحَى اللَّه إليه بأنهم استمعوا، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ الآية [الأحقاف: ٢٩]، ولكن لا يلزم من عدم ذكر اجتماعه بهم حين استمعوا أن لا يكون اجتمع بهم بعد ذلك، كما تقدم تقريره. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ أن اجتماعه -ﷺ- بالجنّ في غير هذه الواقعة ثابتٌ، فقول ابن عبّاس -﵄-: إنه لم يرهم محمول على عدم علمه، لا على ما هو الواقع، فقد أثبته ابن مسعود -﵁-، كما سيأتي قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ١٠١١] (٤٤٩)، و(البخاريّ) في «الأذان» (٧٧٣) و«التفسير» (٤٩٢١)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣٣٢٣ و٣٣٢٤)، و(النسائيّ) في «التفسير» من «الكبرى» (٦/ ٤٩٩)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٣٣٠ - ٣٣١)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٢/ ٥٢ - ٥٣ رقم ١٢٤٤٩)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (٢٩/ ١٠٢)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٢/ ٥٠٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٥٢٦)، و(البيهقيّ) في «دلائل النبوّة» (٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦)، و(البغويّ) في «تفسيره» (٤/ ١٧٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣٧٩٣ و٣٧٩٤ و٣٧٩٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٩٩٥)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة الجهر بالقراءة في الصبح، وعليه بوّب البخاريّ -﵀-. ٢ - (ومنها): أن الصلاة في جماعة شُرعت قبل الهجرة في أوائل بعثة النبيّ -ﷺ-. ٣ - (ومنها): مشروعيّة صلاة الجماعة في السفر. ٤ - (ومنها): بيان أن النبيّ -ﷺ- أُرْسِل إلى الإنس والجنّ، ولم يخالف أحدٌ من طوائف المسلمين في أن اللَّه تعالى أرسل محمدًا -ﷺ- إلى الجن والإنس؛ لقول النبيّ -ﷺ- في حديث جابر -﵁- في «الصحيحين»: «وبُعِثت إلى الناس عامّةً»، قال الجوهريّ: الناس قد يكون من الإنس، ومن الجنّ، وقد أخبر اللَّه تعالى في القرآن أن الجنّ استمعوا القرآن، وأنهم آمنوا به، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: ٢٩] إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٣٢]، ثم أمره اللَّه أن يخبر الناس بذلك؛ ليعلم الإنس بأحوالها، وأنه مبعوث إلى الإنس والجن. ٥ - (ومنها): إثبات وجود الشياطين والجنّ، وأنهما لمسمًّى واحد، وإنما صارا صنفين باعتبار الكفر والإيمان، فلا يقال لمن آمن منهم: إنه شيطان. وقال إمام الحرمين في كتابه «الشامل»: إن كثيرًا من الفلاسفة، وجماهير القدريّة، وكافة الزنادقة أنكروا الشياطين والجن رأسًا، وقال أبو القاسم الصفّار في «شرح الإرشاد»: وقد أنكرهم معظم المعتزلة، وقد دَلَّت نصوص الكتاب والسنة على إثباتهم، وقال أبو بكر الباقلانيّ: وكثير من القدريّة يثبتون وجود الجن قديمًا، وينفون وجودهم الآن، ومنهم من يُقِرّ بوجودهم، ويزعم أنهم لا يُرَوْن لرقة أجسادهم، ونفوذ الشعاع، ومنهم من قال: إنهم لا يُرَون؛ لأنهم لا ألوان لهم. وقال الشيخ أبو العباس ابن تيمية: لم يخالف أحدٌ من طوائف المسلمين في وجود الجنّ، وجمهور طوائف الكفار على إثبات الجنّ، وإن وُجِد من يُنكِر ذلك منهم كما يوجد في بعض طوائف المسلمين، كالجهمية، والمعتزلة من ينكر ذلك، وإن كان جمهور الطائفة، وأئمتها مقرين بذلك، وهذا لأن وجود الجنّ تواترت به أخبار الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- تواترًا معلومًا بالاضطرار. ذكره في «العمدة» . ٦ - (ومنها): بيان أن الاعتبار بما قضى اللَّه للعبد من حسن الخاتمة، لا بما يظهر منه من الشرّ، ولو بلغ ما بَلَغ؛ لأن هؤلاء الذين بادروا إلى الإيمان بمجرد استماع القرآن لو لم يكونوا عند إبليس في أعلى مقامات الشرّ ما اختارهم للتوجه إلى الجهة التي ظهر له أن الْحَدَث الحادث من جهتها، ومع ذلك فغَلَب عليهم ما قُضِي لهم من السعادة بحسن الخاتمة، ونحو ذلك قصة سَحَرَة فرعون . ٧ - (ومنها): ما قاله النوويّ -﵀-: اتّفق العلماء على أن الجن يُعَذَّبون في الآخرة على المعاصي، قال اللَّه تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]، واختلفوا في أن مؤمنهم ومطيعهم هل يدخل الجنة، وُينَعَّم بها ثوابًا ومجازاةً له على طاعته، أم لا يدخلون، بل يكون ثوابهم أن ينجوا من النار، ثم يقال: كونوا ترابًا كالبهائم؟ وهذا مذهب ابن أبي سُلَيم وجماعة، والصحيح أنهم يدخلونها، ويُنَعَّمون فيها بالأكل والشرب وغيرهما، وهذا قول الحسن البصريّ، والضحاك، ومالك بن أنس، وابن أبي ليلى، وغيرهم . وقال في «العمدة» -في بيان ابتداء خلق الجن-: وفي كتاب «المبتدأ» عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، قال: خلق اللَّه الجنّ قبل آدم بألفي سنة، وعن ابن عباس: كان الجن سكان الأرض، والملائكة سكان السماء، وقال بعضهم: عَمَرُوا الأرض ألفي سنة، وقيل: أربعين سنة، وقال إسحاق بن بشر في «المبتدأ»: قال أبو رَوْق، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما خلق اللَّه شوما أبا الجن، وهو الذي خُلق من مارج من نار، فقال ﵎: تمنَّ، قال: أتمنى أن نَرَى ولا نُرَى، وأن نغيب في الثَّرَى، وأن يصير كهلنا شابًّا، فأعطي ذلك، فهم يَرَون ولا يُرَون، وإذا ماتوا غُيِّبوا في الثرى، ولا يموت كهلهم حتى يعود شابًّا، يعني مثل الصبي، ثم يردّ إلى أرذل العمر، قال: وخلق اللَّه آدم ﵇ فقيل له: تمنَّ، فتمَنَّى الْحِيَل، فأعطي الحيل. وفي «التلويح»: وقد اختُلِف في أصلهم: فعن الحسن أن الجنّ ولد إبليس، ومنهم المؤمن والكافر، والكافر يسمى شيطانًا، وعن ابن عباس: هم ولد الجانّ، وليسوا شياطين، منهم الكافر والمؤمن، وهم يموتون، والشياطين وَلَد إبليس لا يموتون إلّا مع إبليس. قال الجامع عفا اللَّه عنه: الظاهر أن هذه الحكايات كلّها من الإسرائيليّات التي لا اعتماد عليها، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. قال: واختلفوا في مآل أمرهم على حسب اختلافهم في أصلهم، فمن قال: إنهم من ولد الجانّ، قال: يدخلون الجنة بإيمانهم، ومن قال: إنهم من ذرية إبليس، فعند الحسن يدخلونها، وعن مجاهد لا يدخلونها، وقال: ليس لمؤمني الجن غير نجاتهم من النار، قال تعالى: ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١]، وبه قال أبو حنيفة، ويقال لهم كالبهائم: كونوا ترابًا، وفي رواية عن أبي حنيفة أنه تردَّد فيهم، ولم يَجْزِم، وقال آخرون: يعاقبون في الإساءة، ويجازَون في الإحسان، كالإنس، وإليه ذهب مالك، والشافعيّ، وابن أبي ليلى؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢]، بعد قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ الآية [الأنعام: ١٣٠]. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا القول الأخير هو الصواب؛ لوضوح حجته.
مصادر المؤلف (٤٦)

١. وفي نسخة: «وأُرسل» بلا تاء.

٢. وفي نسخة: «ذهبوا».

٣. »شرح النوويّ«٤/ ١٦٧.

٤. «الفتح» ٨/ ٥٣٨ «كتاب التفسير» رقم (٤٩٢٠ - ٤٩٢١).

٥. «عمدة القاري» ٦/ ٥٠ في «كتاب الصلاة» رقم (٧٧٣).

٦. «المصباح المنير» ٢/ ٣٨١.

٧. «الفتح» ٨/ ٥٣٨.

٨. «المصباح المنير» ٢/ ٤٢٨.

٩. «شرح النوويّ» ٤/ ١٦٧.

١٠. قال في «القاموس» ٤/ ٢١٠: و«الْمَجَنَّةُ»: الأرض الكثيرة الجنّ، وموضع قرب مكة، وقد تكسر ميمها. انتهى.

١١. «الفتح» ٨/ ٥٣٩.

١٢. «المصباح المنير» ٢/ ٤٢٤.

١٣. يقال: دعك خصمه: ليّنه. اهـ. «ق».

١٤. من باب ضرب.

١٥. بضمتين: قرية بالطائف. اهـ. «ق».

١٦. «عمدة القاري» ٦/ ٥١.

١٧. ٨/ ٥٣٩.

١٨. «عمدة القاري» ٦/ ٥١.

١٩. «عمدة القاري» ٦/ ٥٢.

٢٠. هكذا النسخة، والظاهر أن الصواب: فأعتقوها، بالهمزة؛ لأن عتق الثلاثي لا يتعدّى، اللَّهمّ إلا أن نجعله من التعتيق المضاعف، وإن كان غير ظاهر، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم.

٢١. سيأتي للمصنّف في «كتاب السلام» برقم (٢٢٢٩).

٢٢. تقدّم أنه سيأتي في «كتاب السلام» برقم (٢٢٢٩).

٢٣. »الفتح«٨/ ٥٤١»كتاب التفسير«رقم (٤٩٢٠ - ٤٩٢١).

٢٤. أبو داود، وابن خزيمة، وفي سنده عياض بن عبد اللَّه، أو عبد اللَّه بن عياض مجهول، لكن صححه الشيخ الألباني لغيره، انظر:»صحيح الترغيب والترهيب«رقم (١٥٥).

٢٥. «الفتح» ٧/ ٢٠٨ - ٢١٠ «كتاب مناقب الأنصار» «باب ذكر الجنّ» رقم الحديث (٣٨٦٠).

٢٦. من باب تَعِبَ. «المصباح».

٢٧. «الفتح» ٨/ ٥٤٢ رقم (٤٩٢٠ - ٤٩٢١).

٢٨. بفتح الواو، وسكون الجيم: موضع بين مكة والبصرة. «ق».

٢٩. خَنِز اللحم، من باب تعِب: تغيّر. «المصباح».

٣٠. «عمدة القاري» ٦/ ٥٣.

٣١. «شرح النوويّ» ٤/ ١٦٩.

٣٢. «الفتح» ٨/ ٥٤٢.

٣٣. «عمدة القاري» ٦/ ٥٣.

٣٤. «الفتح» ٨/ ٥٤٢ - ٥٤٣.

٣٥. «عمدة القاري» ٦/ ٥٣.

٣٦. «الجامع لأحكام القرآن» ١٩/ ٧.

٣٧. «الفتح» ٨/ ٥٤٣.

٣٨. «إكمال المعلم» ٢/ ٣٦١.

٣٩. «تفسير النسفيّ» ٤/ ٢٩٩.

٤٠. «تفسير القرطبي» ١٩/ ٧.

٤١. «عمدة القاري» ٦/ ٥٤.

٤٢. «الجامع لأحكام القرآن» ١٩/ ٧ - ٨.

٤٣. «عمدة القاري» ٦/ ٥٥.

٤٤. راجع: «الفتح» ٨/ ٥٤٣ «كتاب التفسير».

٤٥. «شرح النوويّ» ٤/ ١٦٩.

٤٦. «عمدة القاري» ٦/ ٥٥.