HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٢١

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي. كَانَ كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ. وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي. وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَيِّبَةً طَهُورًا وَمَسْجِدًا. فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ صَلَّى حَيْثُ كَانَ. وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ بَيْنَ يَدَيْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ. وَأُعْطِيتُ الشفاعة».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص63
ج ١ ص ٣٧٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن الدارمي, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٢ ص١٩
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٦٨] (٥٢١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أُعْطِيتُ خَمْسًا، لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: كَانَ كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَيِّبَةً طَهُورًا وَمَسْجِدًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ صَلَّى حَيْثُ كَانَ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ بَيْنَ يَدَيْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (هُشَيْم) بن بشير بن القاسم بن دينار السّلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ كثير التدليس، والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في«المقدمة»٣/ ٩. ٣ - (سَيَّار) بن أبي سيّار وَرْدان، أبو الحكم الْعَنَزيّ الواسطيّ، ويقال: البصريّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في«الإيمان»٢٥/ ٢٠٩. ٤ - (يَزِيدُ الْفَقِيرُ) هو: يزيد بن صُهيب، أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [٤] (ع) تقدم في«الإيمان» ٩٠/ ٤٧٩. ٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ) الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، تقدّم في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنهم ما بين نيسابوريّ، وواسطيين، وكوفيّ، ومدنيّ. ٤ - (ومنها): أن يزيد لُقّب بالفقير؛ لأنه كان يَشكو فَقَار ظهره، وليس من الفقر ضدّ الغنى، قال في «المحكم»: رجلٌ فقيرٌ: مكسور فَقَار الظهر، ويقال له: فُقَيِّرٌ بالتشديد أيضًا. انتهى. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ -﵄-، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. [فائدة]: قال الحافظ -﵀-: «سَيّار» -بمهملة، بعدها تحتانية مشدّدة، وآخره راء- هو أبو الْحَكَم الْعَنَزيّ الواسطيّ البصريّ، واسم أبيه وردان على الأشهر، ويكنى اْبا سيَّار، واتَّفقوا على توثيق سيّار، وأخرج له الأئمة الستة وغيرهم، وقد أدرك بعض الصحابة، لكن لم يَلْقَ أحدًا منهم، فهو من كبار أتباع التابعين، ولهم شيخ آخر يقال له: «سيّار»، لكنه تابعيّ شاميّ، أخرج له الترمذيّ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، قال: وإنما ذكرته؛ لأنه رَوَى معنى حديث الباب عن أبي أمامة، ولم يُنْسَب في الرواية، كما لم يُنْسَب سيار في حديث الباب، فربما ظنهما بعض من لا تمييز له واحدًا، فيظن أنّ في الإسناد اختلافًا، وليس كذلك. انتهى ، وهو بحث نفيسٌ جدّأ. [فائدة أخرى]: قال الحافظ أيضًا: مدار حديث جابر -﵁- هذا على هُشيم بهذا الإسناد، وله شواهد من حديث ابن عباس، وأبي موسى، وأبي ذرّ، ومن رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، رواها كلها أحمد بأسانيد حسان. انتهى، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سَيَّارٍ) سيأتي في الرواية التالية التصريح بالسماع في كلّ السند، حيث قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا هُشيم، أخبرنا سيّار، حدّثنا يزيد الفقير، أخبرنا جابر بن عبد اللَّه. . .، فاتّصل بالسماع من أوله إلى آخره، فزالت تهمة تدليس هُشيم، وكذا وقع في رواية البخاريّ نحو هذا، قال الحافظ ابن رجب في «شرح البخاريّ»: هُشيم مدلّسٌ، وقد صرّح هنا بالسماع من سيّار، وصرّح سيّار بالسماع من يزيد، وصرّح يزيد بالسماع من جابر -﵁-، فهذا الإسناد جليل متّصل. انتهى . (عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ) تقدّم سبب تلقيبه به آنفًا (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ) -﵄- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) كان ذلك في غزوة تبوك، وهي آخر غزوات النبيّ -ﷺ-. أخرج الإمام أحمد في «مسنده» بسند صحيح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أن رسول اللَّه -ﷺ- عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي، فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يَحْرُسونه، حتى إذا صَلَّى، وانصرف إليهم، فقال لهم: «لقد أُعطيت الليلة خمسًا، ما أعطيهنّ أحد قبلي، أما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامّةً، وكان مَن قبلي إنما يُرْسَل إلى قومه، ونُصِرتُ على العدوّ بالرُّعْب، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لَمُلئ منه رُعْبًا، وأُحِلّت لي الغنالْم، آكُلُها، وكان مَن قبلي يُعْظِمُون أكلها، كانوا يُحَرِّقونها، وجُعلت لي الأرض مساجد وطهورًا، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت، وكان مَن قبلي يعظمون ذلك، إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيَعِهم، والخامسة هي ما هي، قيل لي: سَلْ، فإن كل نبي قد سأل، فاخَّرت مسَالتي إلى يوم القيامة، فهي لكم، ولمن شَهِدَ أن لا إله إلا اللَّه». انتهى. قال الحافظ ابن رجب بعد ذكر هذا الحديث: قوله:«أُعطيت الليلة خمسًا»لم يُرد أنه لم يُعطها قبل تلك الليلة، فإن عامّتها كان موجودًا قبل ذلك، كنصره بالرعب، وتيمّمه بالتراب، فإن التيمّم شُرع قبل غزوة تبوك بغير إشكال، ولعلّه أراد أنه أُعلم بأن هذه الخمس خصال اختصّ بها عن سائر الأنبياء في تلك الليلة. انتهى . («أُعْطِيتُ) ببناء الفعل للمفعول (خَمْسًا، لَمْ يُعْطَهُنَّ) بالبناء للمفعول أيضًا (أحَدٌ قَبْلِي) زاد في رواية البخاريّ في »الصلاة«: »من الأنبياء«، يعني أن اللَّه -﷿- أعطاه هذه الخصال، وخصّه بهنّ، ولم يُشاركه فيهنّ أحد من الأنبياء الذين قبله، وفي حديث ابن عباس -﵄-: »لا أقولهنّ فخرًا«، يعني أنه إنما ذكر هذا اعترافًا بالنعمة، وأداءً لشكرها، وامتثالًا لأمره تعالى بقوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، لا افتخارًا، وتطاوُلًا على غيره من الخلق. [فإن قيل]: مفهوم الحديث يدلّ على أنه -ﷺ- لم يَختَصّ بغير الخمس المذكورة فيه، وهذا يعارضه ما جاء في أحاديث كثيرة تدلّ على الزيادة على هذه الخمس، ومنها حديث أبي هريرة -﵁- الآتي هنا بعد حديث حذيفة -﵁-، بلفظ: «فُضِّلت على الأنبياء بست. . .»، فذكر أربعًا من هذه الخمس، وزاد اثنتين: «وأعطيت جوامع الكلم، وخُتم بي النبيّون». ويُجاب بأن سياق الحديث لا يدلّ على الحصر، فلا ينافي ما دلّت عليه الأحاديث الأخرى من الخصوصيّات الزائدة على الخمس. قال الحافظ ابن رجب -﵀-: وهذه الخمس اختصّ بها النبيّ -ﷺ- عن الأنبياء، وليس في الحديث أنه لم يختصّ بغيرها، فإن هذه اللفظة لا تقتضي الحصر، وقد دلّت النصوص الصحيحة الكثيرة على أنه -ﷺ- خُصّ عن الأنبياء بخصال كثيرة غير هذه الخمس. انتهى. وقال في «الفتح»: وطريق الجمع أن يقال: لعله اطَّلَع أوّلًا على بعض ما اختَصّ به، ثم اطَّلع على الباقي، ومن لا يَرَى مفهوم العدد حجةً يَدفع هذا الإشكال من أصله. انتهى. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله في حديث جابر -ﷺ-: «أُعطيتُ خمسًا»، وفي حديث أبي هريرة -﵁-: «ستًّا»، وفي حديث حُذيفة: «ثلاثًا»، لا يظُنّ القاصد أن هذا تعارض، وإنما يَظُنّ هذا من توهّم أن ذكر الأعداد يدلّ على الحصر، وأنها لها دليلُ خطاب، وكلُّ ذلك باطلٌ، فإن القائل: عندي خمسة دنانير مثلًا لا يدلّ هذا اللفظ على أنه ليس عنده غيرها، ويجوز له أن يقول تارةً أخرى: عندي عشرون، وتارة أخرى: عندي ثلاثون، فإن من عنده ثلاثون صدق عليه أن عنده عشرين، وعشرةً، فلا تناقض ولا تعارض. ويجوز أن يكون النبيّ -ﷺ- أُعلم في وقت بالثلاث، وفي وقت بالخمس، وفي وقت بالستّ. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- ، وهو بحث نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الحافظ -﵀-: ظاهر الحديث يقتضي أن كل واحدة من الخمس المذكورات، لم تكن لأحد قبله، وهو كذلك، ولا يُعْتَرَض بأن نوحًا -﵇- كان مبعوثًا إلى أهل الأرض بعد الطوفان؛ لأنه لم يبق إلا من كان مؤمنًا معه، وقد كان مرسلًا إليهم؛ لأن هذا العموم لم يكن في أصل بعثته، وإنما اتَّفَق بالحادث الذي وقع، وهو انحصار الخلق في الموجودين بعد هلاك سائر الناس، وأما نبينا -ﷺ-، فعموم رسالته من أصل البعثة، فثبت اختصاصه بذلك. وأما قول أهل الموقِفِ لنوح -﵇- كما صحّ في حديث الشفاعة: «أنت أول رسول إلى أهل الأرض»، فليس المراد به عموم بعثته، بل إثبات أولية إرساله، وعلى تقدير أن يكون مرادًا فهو مخصوص بتنصيصه -﷿- في عدة آيات على أن إرسال نوح كان إلى قومه، ولم يذكر أنه أُرسل إلى غيرهم. واستَدَلَّ بعضهم لعموم بعثته بكونه دعا على جميع من في الأرض، فأُههلكوا بالغَرَق، إلا أهل السفينة، ولو لم يكن مبعوثًا إليهم لما أهلكوا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقد ثبت أنه أول الرسل. وأجيب: بجواز أن يكون غيره أرسل إليهم في أثناء مدة نوح، وعَلِمَ نوح بأنهم لم يؤمنوا، فدعا على من لم يؤمن من قومه، ومن غيرهم فأجيب، وهذا جواب حَسَنٌ، لكن لم يُنقَل أنه نُبِّئ في زمن نوح غيره. ويَحْتَمِل أن يكون معنى الخصوصية لنبينا -ﷺ- في ذلك بقاء شريعته إلى يوم القيامة، ونوح وغيره بصدد أن يُبْعَث نبي في زمانه أو بعده، فينسخ بعض شريعته. ويَحْتَمِل أن يكون دعاؤه قومه إلى التوحيد بلغ بقية الناس، فتَمَادَوا على الشرك، فاستَحَقُّوا العقاب، وإلى هذا نحا ابن عطية في تفسير «سورة هود»، قال: وغير ممكن أن تكون نبوته لم تبلغ القريب والبعيد؛ لطول مدته، ووجّهه ابن دقيق العيد: بأن توحيد اللَّه تعالى يجوز أن يكون عامّا في حقّ بعض الأنبياء، وإن كان التزام فروع شريعته ليس عامًّا؛ لأن منهم من قاتل غير قومه على الشرك، ولو لم يكن التوحيد لازمًا لهم لم يقاتلهم. ويَحْتَمِل أنه لم يكن في الأرض عند إرسال نوح إلا قوم نوح، فبعثته خاصّة؛ لكونها إلى قومه فقط، وهي عامّة في الصورة؛ لعدم وجود غيرهم، لكن لو اتَّفَق وجود غيرهم لم يكن مبعوثًا إليهم. قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن هذا الاحتمال الأخير أقرب الاحتمالات، وأظهرها؛ لموافقته لظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ولآيات أخرى نصَّت على أن بعث نوح -﵇- كان لقومه خاصّة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [العنكبوت: ١٤] الآية، وقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١)﴾ [الشعراء: ١٦٠ - ١٦١] وغير ذلك من الآيات، وما عدا ذلك من الاحتمالات، فالتكلّف فيه ظاهرٌ، فتأمّله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم. قال: وغَفَل الداوديّ الشارح غفلةً عظيمةً، فقال: قوله: «لم يُعْطَهُنّ أحدٌ» يعني لم تُجْمَع لأحد قبله؛ لأن نوحًا -﵇- بُعِث إلى كافّة الناس، وأما الأربع فلم يُعْطَ أحدٌ واحدة منهنّ، وكأنه نظر في أول الحديث، وغَفَل عن آخره؛ لأنه -ﷺ- نَصّ على خصوصيته بهذه أيضًا، لقوله: «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصّة»، وفي رواية مسلم: «وكان كلُّ نبي. . . إلخ». انتهى . ثم فصّل تلك الخمسة التي أجملها في قوله: «أُعطيتُ خمسًا إلخ»، فأشار إلى الخصوصيّة الأولى بقوله: (كَانَ كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ) بالبناء للمفعول، يقال: بَعَثْتُ رسولًا بَعْثًا: أوصلته، وابتعثته كذلك، وفي المطاوع: فانبعث، مثلُ كَسَرْتُهُ فانكَسَر، وكلُّ شيء يَنبَعِث بنفسه، فإن الفعل يتعدى إليه بنفسه، فيقال: بعثته، وكلُّ شيء لا ينبعث بنفسه، كالكتاب، والهدية، فإن الفعل يتعدى إليه بالباء، فيقال: بَعَثْتُ به، وأَوْجَزَ الفارابيّ، فقال: بَعَثَهُ: أي أَهَبَّهُ، وبَعَثَ به: وَجَّهَهُ. انتهى . (إِلَى قوْمِهِ خَاصَّةً) قال الفيّوميّ -﵀-: الخاصّة: خلاف العامّة، والهاء للتأكيد، وعن الكسائيّ: الخاصّ، والخاصّة واحدٌ. انتهى . قال السنديّ -﵀-: وهذا يشمل نوحًا -﵇-، فقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ الآية [نوح: ١]، وآدم -﵇-، نعم قد اتّفق في وقت آدم أنه ما كان على وجه الأرض غير أولاده، فعمّت نبوّته لأهل الأرض اتّفاقًا، وكذا اتّفق مثله في نوح بعد الطوفان حيث لم يبق إلا من كان معه في السفينة، وهذا لا يؤدّي إلى العموم، وأما دعاء نوح -﵇- على أهل الأرض كلّها، وإهلاكهم، فلا يَتَوقّف على عموم الدعوة، بل يكفي بلوغ الدعوة، وقد بلغت دعوته الكلّ؛ لطول مدّته، كيف، والإيمان بالنبيّ بعد بلوغ الدعوة، وثبوت النبوّة واجبٌ، سواء كان مبعوثًا إليهم أم لا، كإيماننا بالأنبياء السابقين، مع عدم بعثتهم إلينا، وفرقٌ بين المقامين. انتهى كلام السنديّ -﵀- ، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم. (وَبُعِثْتُ) بالبناء للمفعول أيضًا (إِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ) أي إلى كافّة الناس، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ الآية [سبأ: ٢٨]. قال ابن الأثير -﵀-: أراد العجم والعرب؛ لأن الغالب على ألوان العجم الحمرة والبياض، وعلى ألوان العرب الأُدْمة والسُّمْرة، وقيل: أراد الجنّ والإنس، وقيل: أراد بالأحمر الأبيض مطلقًا، فإن العرب تقول: امرأة حمراء: أي بيضاءُ. وسُئل ثعلب: لم خَصَّ الأحمر دون الأبيض؟ فقال: لأن العرب تقول: رجلٌ أبيض، من بياض اللون، وإنما الأبيض عندهم الطاهر النَّقِيّ من العيوب، فإذا أرادوا الأبيض من اللون قالوا: الأحمر. قال ابن الأثير: وفي هذا نظرٌ؛ فإنهم قد استعملوا الأبيض في ألوان الناس وغيرهم. انتهى كلام ابن الأثير -﵀- . وفي حديث أبي هريرة -﵁- الآتي: «وأُرسلت إلى الخلق كافّة»، «وبُعثت إلى الناس عامّةً»، وفي رواية النسائيّ: «وبُعثت إلى الناس كافّةً». وقال في «الفتح»: قيل: المراد بالأحمر العجم، وبالأسود العرب، وقيل: الأحمر الإنس، والأسود الجنّ، وعلى الأول التنصيص على الإنس من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأنه مرسل إلى الجميع، وأصرح الروايات في ذلك وأشملها رواية أبي هريرة -﵁- عند مسلم: «وأرسلت إلى الخلق كافة». انتهى. ثم أشار إلى الخصوصيّة الثانية بقوله: (وَأحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ) فعلٌ ونائب فاعله، وفي رواية الكشميهني عند البخاريّ: «المغانم». و«الغنائم»: جمع غَنِيمة -بفتح، فكسر- يقال: غَنِمتُ الشيءَ أَغْنَمَهُ، من باب تَعِبَ، غُنْمًا بالضمّ: أصبته غَنِيمةً ومَغْنَمًا، قال أبو عُبيد: الغنيمة: ما نِيل من أهل الشرك عَنْوةً، والحرب قائمةٌ، والفَيْءُ: ما نِيلَ منهم بعدما تضع الحرب أوزارها. انتهى . وقال في «العمدة»: «الغنائم»: جميعِ غَنِيمة، وهي مالٌ حَصَل من الكفار بإيجاف خيل وركاب، والمغانم جمع مَغْنم، وقال الجوهريّ: الغنيمة والمغنم بمعنى واحد. انتهى . (وَلَمْ تُحَلَّ) يَحْتَمل أن يكون بضمّ أوله، وفتح ثالثه، مبنيًّا للمفعول، ويَحْتَمِل أن يكون بفتح أوله، وكسر ثالثه، مبنيًّا للفاعل، أي لم يُحلّها اللَّه تعالى (لِأَحَدٍ قَبْلِي) أي من الأنبياء وأممهم. قال الحافظ ابن رجب -﵀-: وأما إحلال الغنائم له ولأمته خاصّةً، فقد رُوي أن من كان قبلنا من الأنبياء كانوا يحرقون الغنائم، وفي حديث عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيّ -ﷺ-: «وأُحلّت لي الغنائم آكلُها، وكان من قبلي يُعظمون أكلها، كانوا يحرقونها». وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة. . .» فذكر قصّته، وفيه: «فجمع الغنائم، فجاءت يعني النار لتأكلها، فلم تَطْعمها، فقال: إن فيكم غلولًا، فليبايعني من كل قبيلة رجل، فلَزِقَت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول، فليبايعني قبيلتك، فلَزِقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاءوا برأسٍ مثل رأس بقرة من الذهب، فوضعوها، فجاءت النار فأكلتها، ثم أَحَلّ اللَّه لنا الغنائم، رأى ضعفنا وعجزنا، فأحلها لنا». وأخرج الترمذيّ عن أبي هريرة -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- قال: «لم تحلّ الغنائم لأحد سُود الرءوس مِن قبلكم، كانت تنزل نار من السماء، فتأكلها»، قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح . وقال الخطابيّ -﵀-: كان مَن تقَدَّم على ضربين: منهم من لم يؤذن له في الجهاد، فلم تكن لهم مغانم، ومنهم من أُذن له فيه، لكن كانوا إذا غَنِمُوا شيئًا لم يَحِلّ لهم أن يأكلوه، وجاءت نار فأحرقته، وقيل: المراد أنه خُصَّ بالتصرف في الغنيمة، يَصْرِفها كيف يشاء، والأول أصوب، وهو أنّ مَن مضى لم تحل لهم الغنائم أصلًا، وسيأتي بسط ذلك في «كتاب الجهاد» -إن شاء اللَّه تعالى-. ثم أشار إلى الخصوصيّة الثالثة بقوله: (وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَيِّبَةً) أي طاهرةً في نفسها (طَهُورًا) بفتح الطاء: أي مُطهِّرةً لغيرها، والمراد أن الأرض ما دامت على حالها الأصليّة، فهي كذلك، وإلا فقد تخرج بالنجاسة عن ذلك، وهذا معنى قوله: «طيّبةً» أي طاهرةً، فلو تنجّست لا تكون لها هذه الخصوصيّة، فتنبّه. وهذا الحديث يؤيّد القول الراجح بأن التيمّم يجوز على وجه الأرض كلّها، ولا يختصّ بالتراب، ويؤيّد أن هذا العموم غير مخصوص قوله في حديث أبي أمامة عند البيهقيّ: «فأيّما رجل من أمتي أتى الصلاة، فلم يجد ماء وجد الأرض طَهُورًا، ومسجدًا»، وعند أحمد: «فعنده طَهُوره ومسجده». قال السنديّ -﵀-: قوله: «فأينما أدرك الرجل من أمتي الصلاة إلخ» ظاهر في العموم، ولا سيّما في بلاد الحجاز، فإن غالبها الجبال والحجارة، فكيف يصحّ، أو يناسب هذا العموم إذا قلنا: إن بلاد الحجاز لا يجوز التيمّم منها إلا في مواضع مخصوصة؟ فليُتأمل. انتهى. (وَمَسْجِدًا) أي موضع سجود، لا يختصّ السجود منها بموضع دون غيره، أو المراد محلّ صلاة، وهذا أولى؛ لأنه يؤيّده قوله: «فأيما رجل أدركته الصلاة صلّى»، وعبارة الفتح: ويمكن أن يكون مجازًا عن المكان المبنيّ للصلاة، وهو من مجاز التشبيه؛ لأنه لَمّا جازت الصلاة في جميعها كانت كالمسجد المبنيّ في ذلك. وقال ابن التين: قيل: المراد جُعلت لي الأرض مسجدًا وطَهُورًا، وجُعلت لغيري مسجدًا، ولم تُجعل له طَهورًا؛ لأن عيسى -﵇- كان يسيح في الأرض، ويصلي حيث أدركته الصلاة، كذا قال، وسبقه إلى ذلك الدّاوُديّ، وقيل: إنما أبيحت لهم في موضع يتيقنون طهارته، بخلاف هذه الأمة، فأبيح لها في جميع الأرض، إلا فيما تيقنوا نجاسته، والأظهر ما قاله الخطابيّ، وهو أنّ مَن قبله إنما أبيحت لهم الصلوات في أماكن مخصوصة، كالْبِيَعِ والصوامع، ويؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ: «وكان مَن قبلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم»، وهذا نصّ في موضع النزاع، فثبتت الخصوصية، ويؤيده ما أخرجه البزار من حديث ابن عباس -﵄- نحو حديث الباب، وفيه: «ولم يكن من الأنبياء أحد يصلي حتى يبلغ مِحْرابه». انتهى . وقال الحافظ ابن رجب -﵀- بعد ذكر حديث ابن عبّاس -﵄- المذكور ما نصّه: وقد تبيّن بهذا أن معنى اختصاصه عن الأنبياء بأن الأرض كلّها جُعلت مسجدًا له ولأمته أن صلاتهم لا تختصّ بمساجدهم المعدّة لصلاتهم، كما كان من قبلهم، بل يُصلّون حيث أدركتهم الصلاة من الأرض، وهذا لا يُنافي أن يُنهى عن الصلاة في مواضع مخصوصة من الأرض لمعنى يختصّ بها، كما نُهي عن الصلاة في أعطان الإبل، وفي المقبرة، والحَمّام. انتهى . (فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ) «أَيُّ» مبتدأ فيه معنى الشرط يجزم الفعلين، و«ما» زائدة لتأكيد العموم، و«رجلٍ» مضاف إليه «أيُّ»، و«أدركته الصلاة» وهو فعل الشرط في محلّ جزم، وهو العامل في الظرف، و«الصلاة» فاعل مؤخّر، وقوله: (صَلَّى) خبر المبتدأ، وقوله: (حَيثُ كَانَ) ظرف لـ «صلّى»، وهو لتأكيد التعميم، والمراد صلّى بعد التيمّم، وقيل: معنى قوله: «صلّى»: أي تيمّم، وصلّى؛ ليناسب الأمرين: المسجد والطَّهور، أفاده في «العمدة» . قال في «الفتح»: قوله: «فأيّما رجلٍ إلخ» هذه صيغة عموم يدخل تحتها مَن لم يجد ماءً ولا ترابًا، ووجد شيئًا من أجزاء الأرض، فإنه يتيمم به، ولا يقال: هو خاص بالصلاة؛ لأنا نقول: لفظ حديث جابر -﵁- مختصر، وفي رواية أبي أمامة عند البيهقيّ: «فأيما رجل من أمتي أتى الصلاة، فلم يجد ماءً، وجد الأرض طَهُورًا ومسجدًا»، وعند أحمد: «فعنده طَهُوره ومسجده»، وفي رواية عمرو بن شعيب: «فأينما أدركتني الصلاة تَمَسَّحتُ وصليتُ». واحتجَّ مَن خَصّ التيمم بالتراب بحديث حذيفة -﵁- عند المصنف بلفظ: «وجُعِلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طَهُورًا، إذا لم نجد الماء»، وهذا خاصّ، فينبغي أن يُحْمَل العام عليه، فتختص الطهورية بالتراب، ودل الافتراق في اللفظ حيث حصل التأكيد في جعلها مسجدًا دون الآخر على افتراق الحكم، وإلا لعُطِف أحدهما على الآخر نَسَقًا، كما في حديث الباب. ومنع بعضهم الاستدلال بلفظ «التربة» على خصوصية التيمم بالتراب، بأن قال: تُربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره. وأجيب: بأنه ورد في الحديث المذكور بلفظ التراب، أخرجه ابن خزيمة وغيره، وفي حديث عليّ -﵁-: «وجُعل التراب لي طهورًا» أخرجه أحمد، والبيهقيّ باسناد حسن. ويُقّوِّي القول بأنه خاص بالتراب أن الحديث سيق لإظهار التشريف والتخصيص، فلو كان جائزًا بغير التراب لما اقتَصَر عليه. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي مال إليه صاحب «الفتح» من تأييد القول بتخصيص التيمّم بالتراب فقط، كما هو مذهب الشافعي، وطائفة، قد سبق لنا في «التيمّم» ترجيح خلافه، وأن الحقّ جواز التيمّم بجميع ما كان من جنس الأرض، ترابًا كان أو غيره؛ عملًا بظواهر النصوص المطلقة، وأما رواية «تربتها»، أو «ترابها» فليس مما يخصّ به العامّ، بل هو من باب ذكر بعض الأفراد؛ تشريفًا، واللَّه تعالى أعلم. ثم أشار إلى الخصوصيّة الرابعة بقوله: (وَنُصِرْتُ) بالبناء للمفعول (بِالرُّعْبِ) زاد أبو أمامة: «يُقْذَف في قلوب أعدائي»، أخرجه أحمد. و«الرُّعْب»: -بضم الراء، وسكون العين المهملة-: الخوف، وقرأ ابن عامر، والكسائيّ، بضم العين، والباقون بسكونها . قال الفيّوميّ -﵀-: رَعَبْتُ رَعْبًا، من باب نَفَعَ: خِفْتُ، ويتعدّى بنفسه، وبالهمزة أيضًا، فيقال: رَعَبته، وأرعبته، والاسم الرُّعْبُ بالضمّ، وتُضمّ العين للإتباع. انتهى . وقال ابن رجب -﵀-: الرعب: هو الرعب الذي يقذفه اللَّه تعالى في قلوب أعدائه المشركين، كما قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٥١]، وقال في قصّة بدر: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ الآية [الأنفال: ١٢] انتهى . وقال السنديّ -﵀-: قوله: «نصِرت بالرعب»: أي بقذفه من اللَّه في قلوب الأعداء بلا أسباب ظاهرية، وآلات عادية له، بل بضدّها، فإنه -ﷺ- كثيرًا ما يَرْبِط الحجر ببطنه من الجوع، ولا يوقد النار في بيوته، ومع هذا الحال كان الكَفَرة، مع ما عندهم من المتاع والآلات والأسباب، في خوف شديد من بأسه -ﷺ-، فلا يُشْكِل بأن الناس يخافون من بعض الجبابرة مسيرة شهر وأكثر، فكانت بلقيس تخاف من سليمان -﵊- مسيرة شهر، وهذا ظاهر، وقد بقي آثار هذه الخاصّة في خلفاء أمته ما داموا على حاله، واللَّه تعالى أعلم. انتهى . (بَيْنَ يَدَيْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ) منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ «نُصِرتُ»، قال في «الفتح»: مفهومه أنه لم يوجد لغيره النصر بالرُّعْب في هذه المدة، ولا في أكثر منها، أما ما دونها فلا، لكن لفظ رواية عمرو بن شعيب: «ونُصِرت على العدو بالرعب، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر»، فالظاهر اختصاصه به مطلقًا، وإنما جَعَل الغاية شهرًا؛ لأنه لم لِكن بين بلده وبين أحد من أعدائه أكثر منه، وهذه الخصوصية حاصلة له على الإطلاق، حتى لو كان وحده بغير عسكر، وهل هي حاصلة لأمته من بعده؟ فيه احتمال. انتهى . ثم أشار إلى الخصوصيّة الخامسة بقوله: (وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ») أي أعطاني اللَّه تعالى الشفاعة العُظمى في هول الموقف. و«الشفاعة»: هي سؤال فعل الخير، وترك الضرر عن الغير لأجل الغير على سبيل الضَّرَاعة، وذكر الأزهريّ في«تهذيبه»عن المبرد وثعلب: أن الشفاعة الدعاء، والشفاعة كلام الشفيع للملك عند حاجة يسألها لغيره، وعن أبي الهيثم أنه قال: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ [النساء: ٨٥] أي من يزدد عملًا إلى عمل، وفي«الجامع»: الشفاعةُ: الطلبُ من فعل الشفيع، وشَفَعتُ لفلان: إذا كان متوسلًا بك، فشفعت له، وأنت شافع له، وشفيع. انتهى . وقال ابن دقيق العيد -﵀-: الأقرب أن اللام في«الشفاعة»للعهد، والمراد الشفاعة العُظْمى في إراحة الناس من هول الموقف، ولا خلاف في وقوعها، وكذا جزم النوويّ وغيره. وقيل: الشفاعة التي اختُصّ بها أنه لا يُرَدّ فيما يَسْأَلُ، وقيل: الشفاعة لخروج مَن في قلبه مثقال ذرّة من إيمان؛ لأن شفاعة غيره تقع فيمن في قلبه أكثر من ذلك، قاله عياض. قال الحافظ -﵀-: والذي يظهر لي أن هذه مرادةٌ مع الأولى؛ لأنه يتبعها بها، وقال البيهقيّ في«البعث»: يَحْتَمِل أن الشفاعة التي يَخْتَص بها أنه يشفع لأهل الصغائر والكبائر، وغيره إنما يَشفع لأهل الصغائر دون الكبائر، ونَقَل عياض أن الشفاعة الحصة به شفاعة لا تُرَدّ. وقد وقع في حديث ابن عباس -﵄-:«وأُعطيت الشفاعة، فأخّرتها لأمتي، فهي لمن لا يشرك باللَّه شيئًا». وفي حديث عمرو بن شعيب:«فهي لكم، ولمن شَهِد أن لا إله إلا اللَّه»، فالظاهر أن المراد بالشفاعة المختصة في هذا الحديث إخراج مَن ليس له عمل صالح إلا التوحيد، وهو مختصّ أيضًا بالشفاعة الأولى، لكن جاء التنويه بذكر هذه؛ لأنها غاية المطلوب من تلك؛ لاقتضائها الراحة المستمرة، واللَّه أعلم. وقد ثبتت هذه الشفاعة في رواية الحسن، عن أنس -﵁- عند البخاريّ في«كتاب التوحيد»:«ثم أرجع إلى ربي في الرابعة، فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا اللَّه، فيقول: وعزتي وجلالي، لأُخْرِجنّ منها مَن قال: لا إله إلا اللَّه». ولا يَعْكُر على ذلك ما وقع عند مسلم قبل قوله:«وعزتي»:«فيقول: ليس ذلك لك، وعزتي. . . إلخ»؛ لأن المراد أنه لا يباشر الإخراج، كما في المرات الماضية، بل كانت شفاعته سببًا في ذلك في الجملة. انتهى ما في«الفتح»، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللَّه -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في«المساجد»[١١٦٨ و١١٦٩] (٥٢١)، و(البخاريّ) في«التيمّم»(٣٣٥) و«الصلاة»(٤٣٨) و«الجهاد»(٣١٢٢)، و(النسائيّ) في«الغسل»(١/ ٢٠٩ و٢١١)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(١١/ ٤٣٢)، و(أحمد) في«مسنده»(٣/ ٣٠٤)، و(الدارميّ) في«سننه»(١/ ٣٢٢ - ٣٣٣)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(١١٧٣)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(١١٥٠ و١١٥١)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٦٣٩٨)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(١/ ٢١٢ و٢/ ٣٢٩ و٤٣٣ و٦/ ٢٩١ و٩/ ٤) وفي«دلائل النبوّة»(٥/ ٤٧٢ - ٤٧٣)، و(البغويّ) في«شرح السنّة»(٣٦١٦)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): مشروعيّة تعداد نعم اللَّه تعالى؛ تحدّثًا بها، وإظهارًا لها، لا فخرًا وخيلاء؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١١]. ٢ - (ومنها): استحباب إلقاء العالم العلم من غير أن يُسأل، ولا سيّما إذا كان للناس به حاجة. ٣ - (ومنها): ما استدلّ به صاحب«المبسوط»من الحنفيّة على إظهار كرامة الآدميّ، وقال: لأن الآدميّ خُلق من ماء وتراب، وقد ثبت أن كلًّا منهما طَهُور، ففي ذلك بيان كرامته . ٤ - (ومنها): بيان أن الأصل في الأرض الطهارة، وأنها كلها مسجد للصلاة فيها، فلا تختصّ بالمسجد المبنيّ لها، وأما حديث:«لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد»، فضعيف، أخرجه الدارقطنيّ من حديث جابر -﵁-. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الحديث، وإن كان هو ضعيفًا، إلا أنه يُغني عنه ما أخرجه ابن ماجه بسند صحيح، عن ابن عباس -﵄- عن النبيّ -ﷺ- قال:«من سمع النداء، فلم يأته، فلا صلاة له إلا من عذر». ويؤيّد هذا ما أخرجه المصنّف عن أبي هريرة -﵁- قال: أتى النبيّ -ﷺ- رجل أعمى، فقال: يا رسول اللَّه، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول اللَّه -ﷺ- أن يُرَخِّص له، فيصلي في بيته، فرَخّص له، فلما وَلَّى دعاه، فقال:«هل تسمع النداء بالصلاة؟ »قال: نعم، قال:«فأجب». ٥ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن الطَّهُور هو المطَهِّر لغيره؛ لأن الطَّهور لو كان المراد به الطاهر، لم تثبت الخصوصية، والحديث إنما سيق لإثباتها، قال: وقد رَوَى ابن المنذر وابن الجارود، بإسناد صحيح عن أنس منه مرفوعًا:«جعلت لي كلُّ أرض طيبة مسجدًا، وطهورًا»، ومعنى«طيبة»طاهرة، فلو كان معنى طهورًا طاهرًا للزم تحصيل الحاصل. ٦ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن التيمم يرفع الحدث كالماء، لاشتراكهما في هذا الوصف، قال في«الفتح»: وفيه نظرٌ. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: ليس فيه نظرٌ معتبَرٌ، بل الحقّ كونه رافعًا كالماء، وقد تقدّم تحقيق هذا مستوفًى في«أبواب التيمّم»، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. ٧ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: قوله:«طهورًا»هذه البنية من أبنية المبالغة، كقتول، وضروب، وكذلك قال في الماء، فقد سوَّى بين الأرض والماء في ذلك، ويلزم منه أن التيمّم يرفع الحدث، وهو أحد القولين عن مالك، وليس بالمشهور. انتهى. ٨ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على أن التيمم جائز بجميع أجزاء الأرض، وقد أَكَّد ذلك في رواية أبي أمامة بقوله:«وجُعِلت لي الأرض كلها ولأمتي مسجدًا وطهورًا». قال النوويّ -﵀-: قوله:«وجُعِلت لي الأرضُ طيبةً طهورًا ومسجدًا»، وفي الرواية الأخرى:«وجُعلت تربتها لنا طهورًا»، احتج بالرواية الأولى مالك، وأبو حنيفة -رحمهما اللَّه تعالى- وغيرهما ممن يُجَوِّز التيمم بجميع أجزاء الأرض، واحتج بالثانية الشافعيّ، وأحمد -رحمهما اللَّه تعالى- وغيرهما ممن لا يُجَوِّز إلا بالتراب خاصّةً، وحَمَلوا ذلك المطلق على هذا المقيد. انتهى . وردّ هذا بعض المحقّقين فقال: وقد ظنّ بعضهم أن هذا من باب المطلق والمقيّد، وهو غلطٌ، وإنما هو من باب تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر، وهو لا يقتضي التخصيص عند الجمهور، خلافًا لما حُكِي عن أبي ثور، إلا أن يكون له مفهوم، فينبني على تخصيص العموم بالمفهوم، والتراب والتُّربة لقب، واللقب مختَلَف في ثبوت المفهوم له، والأكثرون يأبَوْن ذلك. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: الحديث حجة لمالك، في التيمّم بجميع أجزاء الأرض، فإن اسم الأرض يشملها، وكما أباح الصلاة على جميع أجزاء الأرض كذلك يجوز التيمّم على جميع أجزائها؛ لأن الأرض في هذا الحديث بالنسبة إلى الصلاة والتيمّم واحدةٌ، فكما تجوز الصلاة على جميع أجزائها كذلك يجوز التيمّم على جميع أجزائها. قال: ولا يُظنّ أن قوله في حديث حذيفة -﵁-: «وجُعلت تربتها لنا طَهُورًا» مخصّص له، فإن ذلك ذُهول من قائله، فإن التخصيص إخراج ما تناوله العموم عن الحكم، ولم يُخرج هذا الخبر شيئًا، وإنما عَيَّنَ واحدًا مما تناوله الاسم الأول مع موافقته في الحكم، وصار بمثابة قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ الآية [البقرة: ٩٨]، فعَيَّن بعض ما تناوله اللفظ الأول مع الموافقة في المعنى على جهة التشريف، وكذلك ذكر التراب في حديث حذيفة، وإنما عيّنه؛ لكونه أمكن وأغلب، فإن قيل: عيّنه ليبيّن أنه لا يجوز التيمّم بغيره، قلنا: لا نسلّم ذلك، بل هو أول المسألة، ولئن سلّمنا أنه يَحْتَمل ذلك، فيحتمِل أيضًا ما ذكرناه، وليس أحد الاحتمالين أولى من الآخر، فليُلحَق اللفظ بالمجملات، فلا يكون لكم فيه حجةٌ، ويبقى مالك متمسّكًا باسم الصعيد، واسم الأرض، وأيضًا فإنه نقول بموجبه، فإن تراب كلّ شيء بحسبه، فيقال: تراب الزرنيخ، وتراب السباخ. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . ٩ - (ومنها): ما خصّه اللَّه -﷿- نبيّه -ﷺ- من الشفاعة، وأنها مقبولة لا محالة، كما وعده اللَّه تعالى: «قل تُسمَعْ، واشفع تُشَفَّع». قال الحافظ ابن رجب -﵀-: وأما الشفاعة التي اختُصّ بها النبيّ -ﷺ- من بين الأنبياء، فليست الشفاعة في خروج العصاة من النار، فإن هذه الشفاعة يُشارك فيها الأنبياء والمؤمنون أيضًا، كما تواترت بذلك النصوص، وإنما الشفاعة التي يختصّ بها دون الأنبياء أربعة أنواع: إحداها: شفاعته للخلق في فصل القضاء. والثانية: شفاعته لأهل الجنّة في دخول الجنّة. والثالث: شفاعته في أهل الكبائر من أهل النار، فقد قيل: إن هذه يختصّ بها هو. والرابعة: كثرة من يشفع له من أمته، فإنه وفّر شفاعته، وادّخرها إلى يوم القيامة، وقد ورد التصريح بأن هذه الشفاعة هي المرادة في هذا الحديث، فقد أخرج الإمام أحمد في «مسنده» عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول اللَّه -ﷺ- عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي. . . الحديث، وفيه: فقال: «لقد أعطيت الليلة خمسًا ما أعطيهنّ أحد قبلي»، إلى أن قال: «والخامسة هي ما هي، قيل لي: سل، فإن كل نبي قد سأل، فأخّرت مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم، ولمن شَهِد أن لا إله إلا اللَّه». وأخرج أيضًا: عن ابن عباس -﵄- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي. . .»، فذكر الحديث، وفي آخره: «وأعطيت الشفاعةَ، فأخّرتها لأمتي، فهي لمن لا يشرك باللَّه شيئًا». وأخرج أيضًا عن أبي موسى -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «أعطيت خمسًا. . .» فذكره، وفي آخره: «وأعطيت الشفاعة، وليس من نبي إلا وقد سأل شفاعةً، وإني أخبأت شفاعتي، ثم جعلتها لمن مات من أمتي لم يشرك باللَّه شيئًا». وأخرج من حديث ابن عباس -﵄- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «إنه لم يكن نبي إلا له دعوة تنجزها في الدنيا، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، وأنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي. . .» الحديث. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «لكل نبي دعوة مستجابة، يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة». وأخرجا عن أنس -﵁- عن النبيّ -ﷺ- قال: «كلُّ نبي سأل سؤالًا، أو قال: لكل نبي دعوة قد دعا بها، فاستجيب، فجعلت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة». وأخرج مسلم عن جابر بن عبد اللَّه -﵄-، عن النبيّ -ﷺ-: «لكل نبي دعوة قد دعا بها في أمته، وخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة». قال ابن رجب -﵀-: والمراد من هذه الأحاديث -واللَّه أعلم- أن كلّ نبيّ أُعطي دعوة عامّة شاملة لأمته، فمنهم من دعا على أمته المكذّبين له، فهلكوا، ومنهم سأل كثرتهم في الدنيا، كما سأله سليمان -﵇-، واختصّ النبيّ -ﷺ- بأن ادّخر تلك الدعوة العامّة الشاملة لأمته شفاعةً لهم يوم القيامة. وقد ذكر بعضهم شفاعة خامسة خاصّة بالنبيّ -ﷺ-، وهي شفاعته في تخفيف عذاب بعض المشركين، كما شفع لعمه أبي طالب، وجعل هذا من الشفاعة المختصّ بها النبيّ -ﷺ-. وزاد بعضهم شفاعةً سادسةً خاصّةً بالنبيّ -ﷺ-، وهي شفاعته في سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب. انتهى كلام ابن رجب -﵀- بتصرّف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قد تقدّم أن ذكر الخمس ليس للحصر، بل أخبر -ﷺ- به على حسب ما أطلعه اللَّه عليه، وإلا فقد ثبت في حديث أبي هريرة -﵁- الآتي: «فُضِّلت على الأنبياء بستّ. . .» فذكر الخمس المذكورة في حديث جابر -﵁-، إلا الشفاعة، وزاد خَصْلتين، وهما: «وأعطيت جوامع الكلم، وخُتم بي النبيون»، فتحصّل منه، ومن حديث جابر سبع خصال. وفي حديث حذيفة -﵁- الآتي بعد هذا: «فُضّلنا على الناس بثلاث خصال: جُعلت صفوفنا كصفوف الملائكة. . .» وذكر خصلة الأرض، كما تقدم، قال: وذكر خصلة أخرى، وهذه الخصلة المبهمة بيّنها ابن خزيمة، والنسائيّ، وهي: «وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش»، يشير إلى ما حطه اللَّه عن أمته من الإصر، وتحميل ما لا طاقة لهم به، ورفع الخطأ والنسيان، فصارت الخصال تسعًا. ولأحمد من حديث عليّ -﵁-: «أعطيت أربعًا لم يعطهن أحد من أنبياء اللَّه: أعطيت مفاتيح الأرض، وسُمِّيت أحمد، وجُعلت أمتي خير الأمم»، وذكر خصلة التراب، فصارت الخصال اثنتي عشرة خصلةً. وعند البزار من وجه آخر، عن أبي هريرة -﵁- رفعه: «فُضِّلت على الأنبياء بستّ: غفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وجُعلت أمتي خير الأمم، وأعطيت الكوثر، وأن صاحبكم لَصَاحب لواء الحمد يوم القيامة، تحته آدم فمن دونه»، وذكر اثنتين مما تقدم. وله من حديث ابن عباس -﵄- رفعه: «فُضّلت على الأنبياء بخصلتين: كان شيطاني كافرًا، فأعانني اللَّه عليه فأسلم»، قال: ونسيت الأخرى. قال الحافظ -﵀-: فينتظم بهذا سبع عشرة خصلةً، ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع، وقد تقدم طريق الجمع بين هذه الروايات، وأنه لا تعارض فيها. وقد ذكر أبو سعيد النيسابوريّ في «كتاب شرف المصطفى -ﷺ-» أن عدد الذي اختص به نبينا -ﷺ- عن الأنبياء ستون خصلةً. انتهى كلام الحافظ . قال السيوطيّ -﵀- في «شرح النسائيّ» (١/ ٢١٠) بعد ذكر كلام الحافظ هذا ما نصّه: قلت: وقد دعاني ذلك لَمّا ألّفت التعليق الذي على البخاريّ في سنة بضع وسبعين وثمانمائة إلى تتبعها، فوجدت في ذلك شيئًا كثيرًا في الأحاديث والآثار، وكتب التفسير، وشروح الحديث والفقه والأصول والتصوف، فأفردتها في مؤلف سَمَّيته «أُنموذج اللبيب في خصائص الحبيب»، وقسمتها قسمين: ما خُصّ به عن الأنبياء، وما خص به عن الأمة، وزادت عِدّة القسمين على ألف خِصِّيصة، وسار المؤلَّف المذكور إلى أقاصي المغارب والمشارق، واستفاده كل عالم وفاضل، وسَرَق منه كل مُدَّعٍ وسارق. انتهى. وقد عَقَد الحافظ أبو الفضل العراقيّ -﵀- في «ألفيّة السيرة» المسمّاة «نظم الدرر البهيّة في سيرة خير البريّة» بابًا في ذكر القسمين، فقال: «باب في ذكر خصائصه -ﷺ-»: خُصَّ النَّبيُّ بِوُجُوب عدَّةِ … الوتْرِ والسّوَاكِ وَالأضْحيَّةِ كَذَا الضُّحَى لَوْ صَحَّ وَالمُصَابَرَةْ … عَلَى العَدُوِّ وَكَذَا المُشَاوَرَهْ وَالشَّافعِيْ عَن الوُجُوب صَرَفَهْ … حَكَاهُ عَنْهُ البَيْهَقيْ في المَعْرفَهْ كَذَا التَّهَجُّدُ وَلَكنْ خُفِّفَا … نَسْخًا وَقيلَ الوتْرُ ذَا وَضُعِّفَا كَذَا قَضَاءُ دَيْنِ مَنْ مَاتَ وَلَمْ … يَتْرُكْ وَفًا وَقيلَ: بَلْ هَذَا كَرَمْ كَذَاكَ تَخْييرُ النِّسَاء اللاتِي … مَعْهُ وَأمَّا في المُحَرَّمَاتِ ممَّا أبيحَ لسوَاهُ حُرِّمَا … عَلَيْه فَهْوَ مَدُّ عَيْنَيْه لِمَا قَد مُتِّعَ النَّاسُ به منْ زَهْرَةِ … دُنْيَاهُمُ كَذَاكَ مِنْ خَائنَةِ الأَعْيُنِ اعْدُدْهُ وَنَزْعُهُ لِمَا … لَبِسَ منْ لأمَةِ حَرْبٍ حُرِّمَا حَتَّى يُلاقيَ العِدَا فَيَنْزِعَا … صَدَقَةً فَامْنَعْ وَلَوْ تَطَوُّعَا والشِّعْرَ وَالخَطَّ وَقيلَ: يُمْنَعُ … ثُوْمٌ وَنَحْوُهُ وَأكْلٌ يَقَعُ مَعَ اتِّكَاءٍ والنِّكَاحُ للأمَهْ … مَعَ الكتَابيَّة غَيْرِ المُسْلمَهْ كَذَاكَ إمْسَاكُ التي قَدْ كَرهَتْ … نكَاحَهُ وَالخُلْفُ في هَذَا ثَبَتْ وَقَدْ أبَاحَ رَبّهُ الوصَالا … لَهُ وَفي سَاعَةٍ القتَالا بِمَكَّةٍ كَذَا بِلا إحْرَامِ … دُخُولُهَا وَلَيْسَ بالمَنَامِ مُضْطجعًا نَقْضُ وُضُوئِهِ حَصَلْ … كَذَا اصْطفَاءُ مَا لَهُ اللَّهُ أحَلّ مِنْ قَبْلِ قِسْمَةٍ كَذَاكَ يَقْضِي … لِنَفْسِهِ وَوُلْدِهِ فَيَمْضِي كَذَا الشَّهَادَةُ كَذَاكَ يَقْبَلُ … مَنْ شَهِدُوا لَهُ كَذَاكَ يَفْصِلُ في حُكْمهِ بعلْمهِ لِلْعصْمَةِ … وَاخْتَلَفُوا في غَيْره للرِّيبَة كَذَا لَهُ أنْ يَحْميَ المَوَاتَا … لنَفْسِهِ وَيَأخُذَ الأقْوَاتَا وَغَيْرَهَا منَ الطَّعَامِ مَهْمَا … احْتَاجَ وَالبَذْلَ فَأوْجبْ حَتْمَا مِنْ مَالِكٍ وَإنْ يَكُنْ مُحْتَاجَا … لَكنَّهُ لِفِعْل هَذَا مَا جَا وَالخُلْفُ فِي النَّقْضِ بلَمْسِ المَرْأةِ … وَالمُكْثُ فِي المَسْجِدِ مَعْ جَنَابَةِ وَجَائِز نكَاحُهُ لتسْعَةِ … وَفَوْقَهَا وَعَقْدُهُ بالهبَةِ فَإنْ فَلا بِالعَقْدِ حَتْمُ مَهْرِهِ … وَلا الدُّخُولِ بخلاف غَيْرِهِ كَذَا بِلا وَليٍّ أَوْ شُهُودٍ أَوْ … فِي حَالِ إحْرَامٍ بِخُلْفٍ قَدْ حَكَوْا وَمَنْ يَرُمْ نكَاحَهَا لَزِمَهَا … إجَابَةٌ وَحَرُمَتْ خِطْبَتُهَا وَمَنْ لَهْا زَوْجٌ فَحَقًّا وَجَبَا … طَلاقُهَا كَما جَرَى لِزَيْنَبَا وَفي وُجُوب قَسْمِهِ بَيْنَ الإِمَا … وَبَيْنَ زَوْجَاتٍ لَهُ خُلْفٌ نَمَا زَوْجَاتُهُ كُلٌّ مُحَرَّمَاتُ … هُنَّ لِذِي الإيمَانِ أمَّهَاتُ نكَاحُهُنَّ مَعْ عُقُوقِهنَّهْ … مَعَ الوُجُوبِ لاحْترامِهِنَّهْ لا نَظَرٌ وَخَلْوَةٌ بِهِنَّهْ … ولا بتحريم بناتهنه مَنْ دَخَلَتْ عَلَيْه أوْ قَدْ فُورقَتْ … أوْ مَاتَ عَنْهَا أَوْ تَكُونُ سَبَقَتْ وَهُنَّ أفْضَلُ نسَاءِ الأمَّةِ … ضُعّفْنَ فِي الأجْرِ وَفي العُقُوبَةِ أفْضَلُهُنَّ مُطْلَقًا خَدِيجَةُ … وَبَعْدَهَا عَائِشَةُ الصِّدّيقَةُ وَأنَّهُ خَاتَمُ الأَنْبيَاءِ … خَيْرُ الخَلائِقِ بلا امْترَاءِ أمَّتُهُ فِي النَّاسِ أفْضَلُ الأمَمْ … مَعْصُومَةٌ منَ الضَّلالِ بِعِصَمْ أَصْحَابُهُ خَيْرُ القُرُونِ فِي المَلا … كتَابُهُ المحْفُوظُ أنْ يُبَدَّلا شِرْعَتُهُ قَدْ أبِّدَتْ وَنَسَخَتْ … كُلَّ الشَّرَائع الَّتِي قَبْلُ خَلَتْ وَالأرْضُ مَسْجِدٌ لَهُ طَهُورُ … وَالرُّعْبُ شَهْرًا نَصْرُهُ يَسِيرُ سَيِّدُ أوْلادِ أَبِينَا آدَمَا … قَدْ حَلَّلَ اللَّهُ لَهُ الغَنَائِمَا أُرْسِلَ للنَّاسِ جَميعًا أُعْطِيَا … مَقَامَهُ المَحْمُودَ حَتَّى رَضِيَا وَخُصَّ بِالشَّفَاعَةِ العُظْمَى الَّتِي … يُحْجِمُ عَنْهَا كُلُّ مَنْ لَهَا أُتِي أوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ … وَلا يَنَامُ قَلْبُهُ بَلْ غَمْضُ أوَّلُ مَنْ يَقُومُ لِلشَّفَاعَةِ … أوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الجَنَّةِ أكْثَرُ الأَنْبيَاءِ حَقًّا تَبَعَا … يَرَى مَنْ خَلْفَهُ كَقُدَّامٍ مَعَا آتاهُ رَبُّهُ جَوَامِعَ الكَلِمْ … قَرينُهُ أيسْلَمَ فَهْوَ قَدْ سَلِمْ صُفُوفُهُ وَالأمَّةِ المُبَارَكَهْ … كَصَفِّ عنْدَ رَبِّهَا المَلائكَهْ وَلا يَحلُّ الرَّفْعُ فَوْقَ صَوْتِهِ … وَلا يُنَادَى باسْمِهِ بَلْ نَعْتِهِ خُوطِبَ فِي الصَّلاةِ بالسَّلامِ … عَلَيْكَ دُونَ سَائِرِ الأنَامِ وَمَنْ دَعَاهُ فِي الصَّلاة وَجَبَتْ … إِجَابَةٌ لَهُ وَفَرْضُهُ ثَبَتْ وَبَوْلُهُ وَدَمُهُ إذْ أُتِيَا … تَبَرُّكًا مِنْ شَارِبٍ مَا نُهِيَا يَقْبَلُ مَا يُهْدَى لَهُ فَحِلُّ … دُونَ الوُلاةِ فَهْوَ لا يَحِلُّ فَاتَتْهُ رَكْعَتَانِ بَعْدَ الظُّهْرِ … صَلَّاهُمَا وَدَامَ بَعْدَ العَصْرِ وَمَا لَنَا دَوَامُ ذَا بَلْ يَمْتَنِعْ … وَمَا سِوَى سَبَبِهِ فَمُنْقَطِعْ وَنَسَب يَوْمَ القيَامَة وَمَنْ … رَآه نَوْمًا فَهْوَ قَدْ رَآه لَنْ يَكُونَ لِلشَّيْطَانِ مِنْ تَمَثُّلِ … بِصُورَةِ النَّبيِّ أوْ تَخَيُّلِ وَكَذبٌ عَلَيْه لَيْسَ كَكَذِبْ … عَلَى سِوَاهُ فَهْوَ أكْبَرُ الكَذِبْ انتهى كلام الحافظ العراقيّ ﵀ ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٦٩] (. . .) - (حَدَثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ الْفَقِيرُ، أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ، فَذَكرَ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: كلّهم تقدّموا في السند الماضي، إلا شيخه، فتقدّم في أول الباب، وإنما أعاد السند هذا لبيان الاتّصال بالتحديث والإخبار، فقد صرّحوا بذلك، فزال بذلك تهمة التدليس عن هُشيم، وقد مرّ بيان هذا في الحديث الماضي. وقوله: (فَذَكرَ نَحْوَهُ) ببناء الفعل للفاعل، وفاعله ضمير أبي بكر بن أبي شيبة، يعني أنه ذكر نحو حديث يحيى بن يحيى شيخه الماضي.
مصادر المؤلف (٣٣)

١. «الفتح» ١/ ٥٢٠.

٢. «فتح الباري» لابن رجب -﵀- ٢/ ٢٠٦.

٣. «فتح الباري» لابن رجب -﵀- ٢/ ٢٠٧.

٤. «المفهم» ٢/ ١١٥ - ١١٦.

٥. «الفتح» ١/ ٥٢١.

٦. «المصباح المنير» ١/ ٥٢.

٧. «المصباح المنير» ١/ ١٧١.

٨. «شرح السنديّ على النسائيّ» ١/ ٢١١ - ٢١٢.

٩. «النهاية» ١/ ٤٣٧ - ٤٣٨.

١٠. راجع:«المصباح المنير»٢/ ٤٥٥.

١١. «عمدة القاري»٤/ ١٤.

١٢. نقل من «فتح الباري» لابن رجب -﵀- ٢/ ٢١١ - ٢١٢ بتصرف وزيادة.

١٣. «الفتح» ١/ ٥٢١ - ٥٢٢.

١٤. «فتح الباري» لابن رجب -﵀- ٢/ ٢٠٨.

١٥. «عمدة القاري» ٤/ ١٤.

١٦. «الفتح» ١/ ٥٢٢.

١٧. «عمدة القاري» ٤/ ٥.

١٨. «المصباح المنير» ١/ ٢٣٠.

١٩. «فتح الباري» لابن رجب -﵀- ٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧.

٢٠. «حاشية السنديّ على النسائيّ» ١/ ٢١٠ - ٢١١.

٢١. «الفتح»١/ ٥٢١.

٢٢. «عمدة القاري»٤/ ١٥.

٢٣. راجع:«الفتح»١/ ٥٢٤.

٢٤. حديث صحيح، أخرجه ابن ماجه في«سننه»برقم (٧٩٣).

٢٥. سيأتي للمصنّف برقم (٦٥٣).

٢٦. «شرح النووي» ٥/ ٣ - ٤.

٢٧. راجع: «فتح الباري» لابن رجب -﵀- ٢/ ٢١٠.

٢٨. «المفهم» ٢/ ١١٦ - ١١٧.

٢٩. «الفتح» ١/ ٥٢٣ - ٥٢٤.

٣٠. أي لو صحّ الحديث، ولكنه لم يصحّ، كما قال البلقينيّ -﵀-.

٣١. قد أنكر السبكيّ -﵀- هذا، وقال: هو من منكر القول، ولم يكن -ﷺ- تعجبه امرأة من الناس، وقصّة زينب إنما جعلها اللَّه تعالى كما في «سورة الأحزاب» قطعًا لقول الناس: إن زيدًا ابن محمد -ﷺ-، وإبطالًا للتبنّي، قال: ولا لجملة هذا من منكرات كلامهم في الخصائص، وقد بالغوا في هذا الباب في مواضع اقتَحَموا فيها عظائم، لقد كانوا في غنية عنها. انتهى كلام السبكيّ -﵀- منقولًا من هامش شرح الألفيّة المذكورة (ص ١٣٩)، ولقد أجاد السبكيّ -﵀- في إنكاره هذا، واللَّه تعالى أعلم.

٣٢. الهاء في المواضع الأربعة للسكت.

٣٣. منقولًا من «الألفيّة» المذكورة (ص ١٣٣ - ١٥٠) بنسخة الشرح.