HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٣٤

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، أَبُو كُرَيْبٍ. قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو معاوية عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود وَعَلْقَمَةَ. قَالَا: أَتَيْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فِي دَارِهِ. فَقَالَ: أَصَلَّى هَؤُلَاءِ خَلْفَكُمْ؟ فَقُلْنَا: لَا. قَالَ: فَقُومُوا فَصَلُّوا. فَلَمْ يَأْمُرْنَا بِأَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ. قَالَ وَذَهَبْنَا لِنَقُومَ خَلْفَهُ. فَأَخَذَ بِأَيْدِينَا فَجَعَلَ أَحَدَنَا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ. قَالَ فَلَمَّا رَكَعَ وَضَعْنَا أَيْدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا. قَالَ فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا وَطَبَّقَ بَيْنَ كَفَّيْهِ. ثُمَّ أَدْخَلَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ. قَالَ فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: إِنَّهُ سَتَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مِيقَاتِهَا. وَيَخْنُقُونَهَا إِلَى شَرَقِ الْمَوْتَى. فَإِذَا رأيتوهم قَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِمِيقَاتِهَا. وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً. وَإِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَصَلُّوا جَمِيعًا. وَإِذَا كُنْتُمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَلْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ. وَإِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْرِشْ ذِرَاعَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ. وَلْيَجْنَأْ. وَلْيُطَبِّقْ بَيْنَ كَفَّيْهِ. فَلَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلى اختلاف أصابع رسول الله ﷺ، فأراهم.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص68
ج ١ ص ٣٧٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, سنن النسائي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٢ ص١٧٢
قال الجامع عفا اللَّه عنه: إنما جزم القرطبيّ: بأن اللَّه تعالى فعل لعثمان ذلك؛ اعتمادًا على ما صحّ أن النبيّ -ﷺ- ضمن له الجنّة، وبشّره بها، واللَّه تعالى أعلم. وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ وَضْعِ الأَيْدِي عَلَى الرُّكَبِ في الرُّكُوعِ، وَنَسْخِ التَّطْبِيقِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٩٦] (٥٣٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، أَبُو كُرَيْبِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، وَعَلْقَمَةَ، قَالًا: أَتَيْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فِي دَارِهِ، فَقَالَ: أَصَلَّى هَؤُلَاءِ خَلْفَكُمْ؟ فَقُلْنَا: لَا، قَالَ: فَقُومُوا ، فَصَلُّوا، فَلَمْ يَأْمُرْنَا بِأَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، قَالَ: وَذَهَبْنَا لِنَقُومَ خَلْفَهُ، فَأَخَذَ بِأَيْدِينَا، فَجَعَلَ أَحَدَنَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ، قَالَ: فَلَمَّا رَكَعَ وَضَعْنَا أَيْدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا، قَالَ: فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا، وَطبَّقَ بَيْنَ كَفيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ، قَالَ: فَلَمَّا صَلَّى، قَالَ: إِنَّهُ سَتَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ، يُؤَخرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مِيقَاتِهَا، وَيَخْنُقُونَهَا إِلَى شَرَقِ الْمَوْتَى، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ قَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِمِيقَاتِهَا، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً، وَإِذَا كنْتُمْ ثَلَاثَةً، فَصَلُّوا جَمِيعًا، وَإِذَا كُنْتُمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَلْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، وَإِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُفْرِشْ ذِرَاعَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَلْيَجْنَأْ ، وَلْيُطَبّقْ بَيْنَ كَفَّيْهِ، فَلَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى اخْتِلَافِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَرَاهُمْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، أَبُو كُرَيْب) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) عن (٨٧) سنة (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) عن (٨٢) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظ عارف بالقراءة ورعٌ، لكنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٧. ٤ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ الفقيه، ثقةٌ، إلا أنه يرسل كثيرًا [٥] (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٢. ٥ - (الْأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مكثرٌ مخضرم [٢] (ت ٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في «الطهارة» ٣٢/ ٦٧٤. ٦ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد اللَّه النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٢] مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين (ع) تقدم في المقدمة ٦/ ٥٢. ٧ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ) بن غافل بن حبيب الْهُذليّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ الشهير، مات سنة (٣٢) (ع) تقدم فىِ «المقدمة» ٣/ ١١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وفيه التحديث، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، روى بعضهم، عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود وعلقمة، والأخيران قُرن بينهما. ٦ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد ابن مسعود -﵁-، كما نُقل عن ابن معين -﵀-، وإليه أشار السيوطيّ في «ألفيّة الحديث» حيث قال: كَذَا ابْنُ مِهْرَانَ عَنِ ابْرَاهِيمَ عَنْ … عَلْقَمَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودِ الْحَسَنْ ٧ - (ومنها): أن ابن مسعود -﵁- صحابيّ مشهورٌ ذو مناقب جمّة، من السابقين الأولين إلى الإسلام، ومن أكابر فقهاء الصحابة -﵃-، وأثنى النبيّ -ﷺ- على قراءته، وحثّ على الأخذ منه، فقد أخرج أحمد، وابن ماجه بسند صحيح، عن عبد اللَّه بن مسعود -﵁- أن أبا بكر وعمر -﵄- بَشّراه أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «من أحب أن يقرأ القرآن غَضًّا كما أُنزل، فليقرأه على قراءة ابن أُمِّ عبد»، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ الْأَسْوَدِ، وَعَلْقَمَةَ) أنهما (قَالَا: أَتَيْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ) -﵁- (فِي دَارِهِ) وفي رواية النسائيّ: «دخلت أنا وعلقمة على عبد اللَّه بن مسعود» (فَقَالَ) عبد اللَّه -﵁- (أَصَلَّى هَؤُلَاءِ خَلْفَكُمْ؟) يريد الأمير والتابعين له، وفيه إشارة إلى إنكار تأخير الصلاة. وقال القرطبي -﵀ -: قوله: «أصلّى هؤلاء. . . إلخ» هذه الإشارة إلى الأمراء، عاب عليهم تأخيرها عن وقتها المستحبّ، ويدلّ عليه آخر الحديث، و«خَلْفَكُم» إشارة إلى موضعهم، فكأنه قال: «الذين خَلْفَكُم»، ولم يُرد به أنهم أئمتهم؛ إذ قد صلّى بهم عبد اللَّه -﵁-. انتهى . (فَقُلْنَا: لَا) أي لم يصلّوا (قَالَ) عبد اللَّه -﵁- (فَقُومُوا) وفي نسخة: «قوموا» (فَصَلُّوا) قال النوويّ -﵀-: فيه جواز إقامة الجماعة في البيوت، لكن لا يَسقُط بها فرض الكفاية، إذا قلنا بالمذهب الصحيح أنها فرض كفاية، بل لا بدّ من إظهارها، وإنما اقتصر عبد اللَّه بن مسعود -﵁- على فعلها في البيت؛ لأن الفرض كان يسقط بفعل الأمير، وعامّة الناس، وإن أخروها إلى أواخر الوقت. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الراجح أن صلاة الجماعة فرض على الرجال، لا يسقط إلا بعذر، ومن جملة الأعذار تأخير الأئمة الصلاة عن وقتها، فيُحمل فعل ابن مسعود -﵁- على هذا، وسيأتي تحقيق الخلاف بأدلّته في موضعه -إن شاء اللَّه تعالى-. (فَلَمْ يَأْمُرْنَا بِأَذانٍ وَلَا إِقَامَةٍ) قال القرطبي -﵀-: اختُلف في صلاة الرجل وحده، أو في بيته، فذهب بعض السلف من أصحاب ابن مسعود -﵁- وغيرهم إلى أنه تُجزئه إقامة أهل المصر وأذانهم، وذهب عامّة فقهاء الأمصار إلى أنه لا بدّ من إقامة الصلاة، ولا تجزئه إقامة أهل المصر، ولا يؤذّن، واستحبّ ابن المنذر أن يؤذّن ويقيم. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: هذا مذهب ابن مسعود -﵁-، وبعض السلف من أصحابه وغيرهم، أنه لا يُشْرَع الأذان ولا الإقامة من يصلي وحده في البلد الذي يؤذَّن فيه ويقام لصلاة الجماعة العظمى، بل يكفي أذانهم وإقامتهم، وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف إلى أن الإقامة سنة في حقه، ولا يكفيه إقامة الجماعة، واختلفوا في الأذان، فقال بعضهم: يشرع له، وقال بعضهم: لا يشرع، ومذهبنا الصحيح أنه يشرع له الأذان إن لم يكن سمع أذان الجماعة، وإلا فلا يُشْرَع. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ مشروعيّة الأذان والإقامة من يُصلّي وحده في بيته لعذر؛ لأن الأدلّة التي وردت في الأذان والإقامة تعمّه، فلا يخرج من عمومها إلا بدليل، وأما ما فعله ابن مسعود -﵁-، فهذا رأيه، ولم يُسنده إلى النبيّ -ﷺ-، فلا يكون حجة. وقد استحبّ ابن المنذر: الأذان والإقامة من صلّى وحده، واحتجّ له بحديث مالك بن الحويرث حيث قال له النبيّ -ﷺ- ولابن عمه: «إذا سافرتما فأذنا، وأقيما، وليؤمكما أكبركما»، رواه الترمذيّ، وقال: حسن صحيح. وفي رواية الشيخين: «فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم». قال ابن المنذر: فقد أمرهما النبيّ -ﷺ- بالأذان ولا جماعة معهما. واحتجّ أيضًا بما أخرجه الشيخان عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاريّ ثم المازنيّ، عن أبيه أنه أخبره، أن أبا سعيد الخدريّ قال له: إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك، فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جنّ، ولا إنس، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة، قال أبو سعيد: سمعته من رسول اللَّه -ﷺ-. قال ابن المنذر: فقد رغّب في رفع الصوت بالأذان؛ لفضيلة الأذان؛ لئلا يظنّ ظانّ أن الأذان لاجتماع الناس لا غير. وقال الترمذيّ بعد إخراج حديث مالك بن الحويرث المذكور ما نصّه: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، اختاروا الأذان في السفر، وقال بعضهم: تجزئ الإقامة إنما الأذان على من يريد أن يجمع الناس، والقول الأول أصحّ، وبه يقول أحمد وإسحاق. انتهى. والحاصل أن الأذان والإقامة لا يشترط لها الجماعة، بل يشرعان لكلّ مصلّ، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ) هكذا الرواية بالإفراد مع أن الضمير للأسود وعلقمة، بتأويله بالمذكور، أو بالراوي (وَذَهَبْنَا لِنَقُومَ خَلْفَهُ) أي نقوم صفًّا واحد (خلف ابن مسعود -﵁-؛ لاعتقادهما أنه السنّة، كما هو الثابت عن الصحابة الآخرين، إلا أن ابن مسعود لا يراه، كما قال: (فَأَخَذَ بِأَيْدِينَا، فَجَعَلَ أَحَدَنَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ) قال النوويّ -﵀-: وهذا مذهب ابن مسعود وصاحبيه، وخالفهم جميع العلماء من الصحابة، فمن بعدهم إلى الآن، فقالوا: إذا كان مع الإمام رجلان وقفا وراءه صفًّا؛ لحديث جابر وجَبّار بن صخر، وقد ذكره مسلم في «صحيحه» في آخر الكتاب في الحديث الطويل عن جابر -﵁-، وأجمعوا إذا كانوا ثلاثةً أنهم يقفون وراءه، وأما الواحد فيقف عن يمين الإمام عند العلماء كافّة، ونقل جماعةٌ الإجماع فيه، ونقل القاضي عياض عن ابن المسيب أنه يقف عن يساره، ولا أظنه يصحّ عنه، وإن صح فلعله لم يبلغه حديث ابن عباس -﵄-، وكيف كان فهم اليوم مُجْمِعون على أنه يقف عن يمينه. انتهى. (قَالَ) الراوي، وتقدّم الكلام في إفراد الضمير (فَلَمَّا رَكَعَ) أي ابن مسعود -﵁- (وَضَعْنَا أَيْدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا) كما هو السنّة، إلا أن ابن مسعود لم يصل إليه علمه، فلذا أنكر عليهما، كما أشار إليه بقوله: (قَالَ) الراوي (فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا، وَطَبَّقَ) بتشديد الموحّدة، من التطبيق (بَيْنَ كَفيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلَهُمَا) أي الكفّين المطبّقين (بَيْنَ فَخِذَيْهِ، قَالَ: فَلَمَّا صَلَّى، قَالَ) ابن مسعود (إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الضمير الذي تفسّره الجملة بعده (سَتَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ، يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مِيقَاتِهَا) أي عن وقتها المعتاد في السنّة، قال النووي -﵀-: معناه: يؤخّرونها عن وقتها المختار، وهو أول وقتها، لا عن جميع وقتها. انتهى. وقال القرطبي -﵀ -: هذا وقع في بني أميّة، وكذلك أخّر عمر بن عبد العزيز العصر، فدخل عليه عروة بن الزبير، فأنكر عليه، وكأن بني أميّة كانوا قد ذهبوا إلى أن تأخير الصلاة إلى آخر وقتِها أفضل، كما هو قياس قول أبي حنيفة، حيث قال: إن آخر الوقت هو وقت الوجوب. انتهى . [تنبيه]: ظاهر هذا السياق يدلّ أنّ قوله: «إنه ستكون عليكم أمراء. . . إلخ» موقوف من كلام ابن مسعود، لكن مثل هذا، وإن كان موقوفًا لفظًا، إلا أنه مرفوعٌ حكمًا؛ لأنه مما لا يقال بالرأي، ويؤيّد هذا ما جاء رفعه صريحًا فيما أخرجه المصنّف من حديث أبي ذرّ -﵁- قال: قال لي رسول اللَّه -ﷺ-: «كيف أنت إذا كانت عليك أمراء، يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو يميتون الصلاة عن وقتها؟» قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: «صَلِّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصلّ، فإنها لك نافلة» . وأخرج الإمام أحمد في «مسنده» بسند حسن، عن شدّاد بن أوس -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- أنه قال: «سيكون من بعدي أئمة يميتون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة» ، واللَّه تعالى أعلم. (وَيَخْنُقُونَهَا) بضمّ النون، يقال: خَنَقَه يَخْنُقُهُ، من باب قتل خَنِقًا، مثل كَتِفٍ، ويُسكّن للتخفيف ، وقال النوويّ -﵀-: معناه يُضَيّقون وقتها، ويتركون أداءها إلى ذلك الحين، يقال: هم في خِنَاق من كذا، أي في ضيق، والْمُخْتَنِقُ الْمُضَيّق. انتهى . (إِلَى شَرَقِ الْمَوْتَى) بفتح الشين والراء، قال ابن الأعرابيّ: فيه معنيان: أحدهما: أن الشمس في ذلك الوقت، وهو آخر النهار إنما تبقى ساعة، ثم تغيب. والثاني: أنه من قولهم: شَرِق الميت بريقه، من باب تَعِبَ، إذا لم يَبْقَ بعده إلا يسيرًا، ثم يموت. وقال الأثير: قوله: «شَرَق الموتى»: له معنيان: أحدهما: أنه أراد به آخر النهار؛ لأن الشمس في ذلك الوقت إنما تَلْبث قليلًا، ثم تغيب، فشبّه ما بقي من الوقت ببقاء الشمس تلك الساعة. والآخر: من قولهم: شَرِق الميت بريقه: إذا غُصّ به، فشبّه قلّة ما بقي من الوقت بما بقي من حياة الشَّرِق بريقه إلى أن تخرج نَفْسُهُ، وسئل الحسن بن محمد ابن الحنفية عنه؟ فقال: ألم تر إلى الشمس إذا ارتفعت عن الحيطان، فصارت بين القبور كأنها لُجّة؟ فذلك شَرَق الموتى، يقال: شَرِقَت الشمس شَرَقًا: إذا ضَعُف ضوؤها. انتهى . وقيل: شرق الموتى: إذا ارتفعت الشمس عن الطلوع يقال: ساعة الموتى، وقيل: هو اصفرارها عند غروبها . (فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ قَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ) أي إذا رأيتم تأخير الأمراء الصلاة مثل هذا التأخير (فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِمِيقَاتِهَا) أي لوقتها المعتاد في السنّة (وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً) بضم السين، وإسكان الباء: هي النافلة. قال النوويّ -﵀-: معناه: صَلُّوا في أول الوقت، يسقط عنكم الفرض، ثم صلُّوا معهم متى صَلَّوا؛ لتحرزوا فضيلة أول الوقت، وفضيلة الجماعة، ولئلا تقع فتنة بسبب التخلف عن الصلاة مع الإمام، وتختلفَ كلمة المسلمين، وفيه دليل على أن من صلى فريضةً مرتين تكون الثانية سنةً، والفرض سقط بالأولى، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا، وقيل: الفرض أكملهما، وقيل: كلاهما، وقيل: إحداهما مبهمةً، وتظهر فائدة الخلاف في مسائل معروفة. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذه الأقوال كلها ساقطة، غير الأول؛ لمخالفتها النصّ، فالحديث نصّ في أن الثانية نافلة، فلا وجه للترديدات المذكورة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. (وَإِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً، فَصَلُّوا جَمِيعًا) أي مجتمعين صفًّا واحدًا، يكون الإمام فيه وسطًا، كما فعل ابن مسعود -﵁- بالأسود وعلقمة (وَإِذَا كُنْتُمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) أي من الثلاثة (فَلْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ) أي ليتقدّم أمامكم، وتصفّون وراءه (وَإِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُفْرِشْ) بضمّ الراء، وكسرها، يقال: فَرَشتُ البساط وغيره فَرْشًا، من باب قتل، وفي لغة من باب ضرب: بسطته، وأفرشته، فافترشَ هو، وهو الفِراشُ بالكسر، فِعَالٌ بمعنى مفعول، مثلُ كتاب؛ قاله الفيّوميّ . وقوله: (ذِرَاعَيْهِ) منصوب على المفعوليّة، أي يبسطهما (عَلَى فَخِذَيْهِ) متعلّق بـ «يفرِشُ» (وَلْيَجْنَأْ) قال النوويّ -﵀-: هو بفتح الياء، وإسكان الجيم، آخره مهموز، هكذا ضبطناه، وكذا هو في أصول بلادنا، ومعناه: يَنْعَطِف، وقال القاضي عياض -﵀-: رُوي: «وَلْيَجْنَأْ» كما ذكرناه، ورُوي «ولْيَحْنِ» بالحاء المهملة، قال: وهذا رواية أكثر شيوخنا، وكلاهما صحيح، ومعناه: الانحناء والانعطاف في الركوع، قال: ورواه بعض شيوخنا بضم النون، وهو صحيح في المعنى أيضًا، يقال: حَنَيْتَ الْعُودَ، وحَنَوتُهُ: إذا عطفته، وأصل الركوع في اللغة: الخضوع، والذِّلّة، وسُمِّي الركوع الشرعيُّ ركوعًا، لما فيه من صورة الذِّلّة، والخضوع، والاستسلام. انتهى. وقال القرطبيّ -﵀ -: قوله: «ولْيَحْنِ» رواية الْعُذريّ بضمّ النون، من حَنَوْتُ العودَ: إذا عطفته، ورواية أكثر الشيوخ بكسر النون، من حَنَيتُ العُود، وهما لغتان، وعند الطبريّ: «فليَجْنَأْ» بالجيم وفتح النون، وبهمزة في آخره، وكلها صحيح، والمراد به الانحناء في الركوع، وهو تَعَقُّف الصلْب، يقال: حَنَا على الشيء يَحْنُو حَنْوًا بالحاء، وجَنَأ يَجَنأ جَنًا وجُنُوءًا بالجيم والهمز: إذا فعل ذلك، وأصل الركوع في لغة العرب: الخضوع والذِّلّة، قال شاعرهم [من الخفيف]: لَا تُعَادِ الْفَقِيرَ عَلَّكَ أَنْ تَرْ … كَعَ يَوْمًا وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ ثم هو في الشرع: عبارة عن التذلّل بالانحناء، وأقلّه عندنا -يعني المالكيّة- تمكين وضع اليدين على الركبتين منحنيًا، وهو الواجب، وهل الطمأنينة واجبة، أو ليست بواجبة؛ قولان، وعند أبي حنيفة: الواجب منه أقلّ ما يُطلق عليه اسم المنحني، والحديث الصحيح يردّ عليه. انتهى كلام القرطبيّ -﵀-. قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحديث الصحيح أيضًا يردّ على من يقول من المالكيّة ويخرهم: إن الطمأنينة غير واجبة، فقد قال -ﷺ- للمسيء صلاته: «ثم اركع حتى تطمئنّ راكعًا. . .» الحديث، متفقّ عليه، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في محلّه، وباللَّه تعالى التوفيق. وقال القاضي عياض؛ بعد ذكره نحو ما تقدّم عن القرطبيّ ما نصّه: وهذه صفة الخاضع الذليل الملقي بيده المستسلم، بل قيل: هي صورة الممكّن نفسه لضرب عنقه، وتلك غاية صور الاستسلام، لا سيّما ما كان عليه أول الشرع من التطبيق، وحبس اليدين بين الفخذين كالمكتوف. انتهى . (وَلْيُطَبِّقْ بَيْنَ كَفَّيْهِ، فَلَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى اخْتِلَافِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَرَاهُمْ) أي أرى ابن مسعود -﵁- الحاضرين كيفيّة التطبيق الذي رآه من النبيّ -ﷺ-، وقوله: «فلكأني» الفاء فاء الفصيحة، واللام هي لام الابتداء، و«كأنّ» أداة تشبيه، أراد بذلك أنه حفظ هذه القضيّة من النبيّ -ﷺ-، وما نسيها إلى ذلك الوقت، بل يستحضر صورتها أمامه، ويتخيّلها، ففيه تأكيد إخباره بذلك، ولقد صدق ابن مسعود -﵁- فيما قاله، وصحّ ذلك عنه -ﷺ-، إلا أنه منسوخ، ولم يبلغه نسخه، فلهذا استمرّ عليه، واللَّه تعالى أعلم. وقال القرطبيّ -﵀ -: هذا الذي ذكره من تشبيك اليدين، وتطبيقهم بين الفخذين هو مذهب ابن مسعود وأصحابه خاصّةً، وهو صحيح من فعل النبيّ -ﷺ-، إلا أنه منسوخ، كما ذُكر في حديث سعد بن أبي وقّاص -﵁-، ولم يبلُغ ابن مسعود -﵁- نسخه، قال: وعلى نسخ التطبيق كافّة العلماء غير من ذُكر. انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن مسعود -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ١١٩٦ و١١٩٧ و١١٩٨] (٥٣٤)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٨٦٨)، و(النسائيّ) في «المساجد» (٢/ ٤٩ و٥٠)، و«التطبيق» (١٨٣ و١٨٤) وفي «الكبرى» (٢٧/ ٧٩٨)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ٢٤٥ و٢٤٦)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٤١٤ و٤٥١ و٤٥٥ و٤٥٩)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١٩٦)، و(الطحاويّ) في «معاني الآثار» (١/ ٢٢٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٩٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٨٧٤ و١٨٧٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ١٦٤ و١٦٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٢/ ١٣٤ و١٣٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٨٣)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان التطبيق الذي كان أوّلًا مشروعًا، ثم نُسخ، ولا زال ابن مسعود -﵁- متمسّكا به؛ لعدم علمه بنسخه. ٢ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن أكابر العلماء قد يخفى عليهم من النصوص ما هو مشهور لدى الناس، وقد عقد الإمام ابن حبّان في «صحيحه» بابًا لهذا، فقال: «ذكر البيان بأن الْخَيِّرَ الفاضلَ من أهل العلم قد يَخْفَى عليه من السنن المشهورة ما يحفظه من هو دونه، أو مثله، وإن كَثُرَ مواظبته عليها، وعنايته بها»، ثم أورد هذا الحديث، وقال قبل ذلك ما نصّه: كان ابن مسعود -﵁- ممن يُشَبّك يديه في الركوع، وزعم أنه كذلك رأى النبيّ -ﷺ- يفعله، وأجمع المسلمون قاطبةً من لدن المصطفى -ﷺ- إلى يومنا هذا على أن الفعل كان في أول الإسلام، ثم نسخه الأمر بوضع اليدين للمصلي في ركوعه، فإن جاز لابن مسعود -﵁- في فضله، وورعه، وكثرة تعاهده أحكام الدين، وتفقده أسباب الصلاة خلف المصطفى -ﷺ-، وهو في الصف الأول؛ إذ كان من أولي الأحلام والنُّهَى أن يخفى عليه مثل هذا الشيء المستفيض الذي هو منسوخ بإجماع المسلمين، أو رآه فنسيه، جاز أن يكون رفع المصطفى -ﷺ- يديه عند الركوع، وعند رفع الرأس من الركوع، مثلَ التشبيك في الركوع، أن يخفى عليه ذلك، أو ينساه بعد أن رآه. انتهى كلام ابن حبّان -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: لقد أجاد ابن حبّان -﵀- في هذا الاستنباط، والتحقيق، فإن هذا الحديث وأمثاله مما يقطع دابر المقلّدين الذين لا يبالون بالسنن الصحاح إذا خالفت مذهبهم، إذا ذُكِّرُوا لا يذكُرُون، بل يتعلّلون بأن إمامهم أعلم وأكثر اطّلاعًا من غيره، فلو كان هذا النصّ سليمًا لَمَا خفي عليه، ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، فهذا ابن مسعود -﵁- أعلم، وأحفظ للسنن من الإمام الذي يدّعون له الإحاطة بالسنّة زورًا، قد خفيت عليه هذه السنة، فماذا بعد هذا؟ إلا العناد والمكابرة، اللهم اهدنا فيمن هديت آمين. ٣ - (ومنها): أنه من أدلّة نبوّة النبيّ -ﷺ-، ومعجزة من معجزاته؛ إذ قد أخبر -ﷺ- عن شيء من الغيب، فوقع على نحو ما أخبر به. ٤ - (ومنها): أن فيه جواز التشبيك في المسجد؛ لأن التطبيق الذي ذكر في هذا الحديث كان في المسجد، وفيه قوله: «فلكأني أنظر إلى اختلاف أصابع رسول اللَّه -ﷺ-»، وفي رواية النسائيّ: «فجعل إذا ركع شبّك بين أصابعه»، ففيه أن التشبيك وقع في المسجد، وقد بوّب النسائيّ في «سننه»، فقال: «تشبيك الأصابع في المسجد»، ثم أورد الحديث محتجًّا به على جوازه، وقد أشبعت البحث في «شرحي» عليه، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. وأما حديث أحمد، وأبو داود، والترمذيّ عن كعب بن عجرة -﵁- مرفوعًا: «إذا توضأ أحدكم، فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى المسجد، فلا يُشَبِّكَنّ يديه، فإنه في صلاة»، ففي إسناده اختلاف، ضعَّفه بعضهم بسببه ، فلا يُعارض حديث الباب والأحاديث الأخرى في معناه. ٥ - (ومنها): الإنكار على الأئمّة إذا أخّروا الصلاة، والمبادرة إلى أدائها في أول وقتها، ثم إذا أدركهم يصلّون صلاها معهم نافلة؛ إحرازًا لفضيلة أول الوقت، وفضيلة صلاة الجماعة. ٦ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن الواجب على المسلم البعد عن إثارة الفتن في وُلاة الأمور، وجماهير المسلمين، ولو رأى منهم التساهل في بعض أمور الدين، فهذه الصلاة التي أخرها هؤلاء الأئمة الذين أنكر عليهم ابن مسعود -﵁- ما حثه على الخروج بسببها عليهم، بل أمر الأسود وعلقمة بأن يصلوا في بيوتهم، ثم يصلوا معهم في أي وقت صلّوها، وهذا كلّه محافظة على أمن الأمة، وأداء لما يجب على الناس تجاه ولاة الأمور، وإنما الحقّ أن ينصحهم سِرًّا إذا استطاع دون أن يثير شرًّا، أو يُشهِرهم على رؤوس الأشهاد، فإن هذا هو الشرّ المستطير، ونسأل اللَّه تعالى السلامة من كلّ شرّ، اللهم اهدنا فيمن هديت ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، آمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٩٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ، أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ وَجَرِيرٍ: فَلَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى اخْتِلَافِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَهُوَ رَاكِعٌ). رجال هذا الإسناد: اثنا عشر: ١ - (مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ) أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣١) (م فق) تقدم في «الإيمان» ٤١/ ٢٧٣. ٢ - (ابْنُ مُسْهِرٍ) هو: عليّ بن مُسْهِر القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِل، ثقةٌ له غرائب بعدما أضَرّ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٣ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ شهيرٌ [١٠] (ت ٢٣٩) عن (٨٣) سنةً (خ م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٦. ٤ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ مولاهم، أبو عبد اللَّه النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ حافظ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٦ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريا الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. ٧ - (مُفَضَّل) بن المُهَلْهَل السعديّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ نبيلٌ عابدٌ [٧] (ت ١٦٧) (م س ق) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥١. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (كلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ) أي كلّ هؤلاء الثلاثة: عليّ بن مُسهر، وجرير بن عبد الحميد، ومفضل بن مهلهل رووا هذا الحديث عن الأعمش. . . إلخ. وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيةَ) يعني أن حديث هؤلاء الثلاثة عن الأعمش بمعنى حديث أبي معاوية عنه الذي سبق قبل هذا. وقوله: (وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ وَجَرِيرٍ: فَلَكَأَنِّي. . . إلخ) وفي بعض النسخ «فكأني»، يعني أن في حديثهما زيادة، وهي قوله في آخره: «وهو راكعٌ». [تنبيه]: روايات هؤلاء الثلاثة لم أجد من ساقها تامّةً، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٩٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ، أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: أَصَلَّى مَنْ خَلْفَكُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَامَ بَيْنَهُمَا، وَجَعَلَ أَحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ رَكَعْنَا، فَوَضَعْنَا أَيْدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا، فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا، ثُمَّ طبَّقَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ جَعَلَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) السمرقنديّ، أبو محمد الحافظ، صاحب «المسند» ثقةٌ ثبتٌ متقنٌ إمام [١١] (ت ٢٥٥) (م د ت) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٩. ٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي الْمُختار باذام العبسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ يتشيّع [٩] (ت ٢١٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٨. ٣ - (إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الْهَمْدانيّ، أبو يوسف الكوفيّ، ثقةٌ تُكُلِّم فيه بلا حجة [٧] (ت ١٦٥) أو بعدها (ع) تقدم في «الطهارة» ٢/ ٥٤٢. ٤ - (مَنْصُور) بن المعتمر بن عبد اللَّه السَّلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٦. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا) وفي رواية النسائيّ: «فنزعها، فخالف بين أصابعها»، وهذا هو معنى التشبيك، وهو التطبيق. وقوله: (ثُمَّ طبَّقَ بَيْنَ يَدَيْهِ) المراد بالتطبيق هنا: جمع الكفّين، وتشبيك أصابعهما حتى تختلف، ثم وضعهما بين الركبتين في حالة الركوع، وهذا منسوخ، كما يأتي في حديث سعد بن أبي وقّاص -﵁-، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (٢١)

١. وفي نسخة: «قال: قوموا».

٢. وفي نسخة: «وليحنأ» بالحاء المهملة.

٣. «المفهم» ٢/ ١٣٢.

٤. «شرح النوويّ» ٥/ ١٥.

٥. «المفهم» ٢/ ١٣٢.

٦. «المفهم» ٢/ ١٣٣.

٧. سيأتي للمصنّف -﵀- برقم (٦٤٨).

٨. حديث حسنٌ، أخرجه أحمد في «مسنده» برقم (١٦٦٧٣).

٩. «المصباح» ١/ ١٨٣.

١٠. «إكمال المعلم» ٢/ ٤٥٦، و«شرح النووي» ٥/ ١٦.

١١. «النهاية في غريب الأثر» ٢/ ٤٦٥.

١٢. «إكمال المعلم» ٢/ ٤٥٦.

١٣. «المصباح المنير» ٢/ ٤٦٨.

١٤. من بابيّ نفَعَ، وفَرَحَ، كما تفيده عبارة «القاموس».

١٥. «إكمال المعلم» ٢/ ٤٥٨.

١٦. «المفهم» ٢/ ١٣٣.

١٧. «صحيح ابن حبان» ٥/ ١٩٤.

١٨. راجع: «ذخيرة العقبى» ٩/ ٣٩ - ٤١.

١٩. راجع: «الفتح» ٢/ ١٤٤.

٢٠. وفي نسخة: «فكأني».

٢١. وفي نسخة: «وحدّثني».