HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٣٥

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ (وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ) قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أبي يعفور، عن مصعب ابن سَعْدٍ. قَالَ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي. قَالَ وَجَعَلْتُ يَدَيَّ بَيْنَ رُكْبَتَيَّ. فَقَالَ لِي أَبِي: اضْرِبْ بِكَفَّيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ. قَالَ ثُمَّ فَعَلْتُ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى. فَضَرَبَ يَدَيَّ وَقَالَ: إِنَّا نُهِينَا عَنْ هَذَا. وَأُمِرْنَا أَنْ نَضْرِبَ بِالأَكُفِّ على الركب.
ج ١ ص ٣٨٠

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٢ ص١٨٦
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٩٩] (٥٣٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي، قَالَ: وَجَعَلْتُ يَدَيَّ بَيْنَ رُكْبَتَيَّ، فَقَالَ لِي أَبِي: اضْرِبْ بِكَفَّيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ، قَالَ: ثُمَّ فَعَلْتُ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَضَرَبَ يَدَيَّ، وَقَالَ: إِنَّا نُهِينَا عَنْ هَذَا، وَأُمِرْنَا أَنْ نَضْرِبَ بِأَكُفِّ عَلَى الرُّكَبِ). رجال هذا الإسناد: ستة: - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) هو: فضيل بن الحسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧. ٣ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. ٤ - (أَبُو يَعْفُورٍ) -بفتح التحتانيّة، وسكون المهملة، وضمّ الفاء، آخره راء- الأكبر، واسمه وَقْدان -بفتح الواو، وسكون القاف، وبالدال المهملة، ثم بالألف والنون- ويقال: واقد العبديّ الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٤]. أدرك المغيرة بن شعبة، ورَوَى عن ابن عمر، وابن أبي أوفى، وأنس، وعَرْفَجة بن شُرَيح، ومصعب بن سعد، وأبي صادق الأزديّ، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه يونس، وإسرائيل، وزائدة، والثوريّ، وشعبة، وأبو الأحوص، وأبو عوانة، وابن عيينة، وغيرهم. قال أبو طالب، عن أحمد: أبو يعفور الكبير اسمه وَقْدان، ويقال: واقد، كوفيّ ثقةٌ، وقال ابن معين، وعليّ ابن المدينيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في «الثقات»، يقال: مات سنة عشرين ومائة. هكذا قال الحافظ المزيّ في «تهذيب الكمال»، وتعقّبه الحافظ، فقال: بل بعدها بسنين؛ لأن ابن عيينة سمع منه، وكان ابتداء طلبه بعد العشرين، وذكر مسلم في الطبقات أن اسمه واقد، ولقبه وقدان. انتهى . أخرج له الستّة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٥٣٥) و(٧٤٥) و(١٨٥٢) و(١٩٥٢). [تنبيه]: قال النوويّ في «شرحه»: أبو يعفور هذا هو عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس، أبو يعفور الأصغر، وهذا ردّه عليه المحقّقون، فقال الحافظ في «الفتح»: قوله: «عن أبي يعفور» هو الأكبر، كما جزم به المزيّ، وهو مقتضى صنيع ابن عبد البرّ، وصرّح الدارميّ في روايته من طريق إسرائيل، عن أبي يعفور بأنه العبديّ، والعبديّ هو الأكبر بلا نزاع، وذكر النوويّ في «شرح مسلم» أنه الأصغر، وتُعُقِّب. انتهى . وممن تعقّبه أيضًا العينيّ في «العمدة»، فقال: «أبو يعفور»، واسمه وَقْدان الْعَبْديّ الكوفيّ، والد يونس بن أبي يعفور، ويقال: اسمه واقد، والأول أشهر، وهو أبو يعفور الأكبر، وهو الصحيح، جزم به المزيّ وغيره، وزعم النوويّ أنه يعفور الصغير، عبد الرحمن بن عُبيد بن نِسْطَاس، وليس بشيء؛ لأن الصغير ليس مذكورًا في الآخذين عن مصعب، ولا في أشياخ شعبة. انتهى. وممن صرّح بأنه الأكبر الحافظ ابن رجب في «شرح البخاريّ»، حيث قال: «أبو يعفور»: هو العبديّ الكوفيّ، اسمه وقْدان، وقيل: واقد، وهو أبو يعفور الأكبر. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما قال هؤلاء المحقّقون أن أبا يعفور هنا هو الأكبر، لا الصغير، كما زعم النوويّ -﵀-، فتبصّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه آخر]: الظاهر أن يعفور غير منصرف؛ لأن فيه العلميّة ووزن الفعل، كما قال في «الخلاصة»: كَذَاكَ ذُو وَزْنٍ يَخُصُّ الْفِعْلَا … أَوْ غَالِبٍ كَأَحْمَدٍ وَيَعْلَى لكن الموجود في كتب الحديث بضبط القلم صرفه، ولم أر أحدًا من الشرّاح تعرّض لهذا البحث، واللَّه تعالى أعلم. ٥ - (مُصْعَبُ بْنُ سَعْد) بن أبي وقّاص الزهريّ، أبو زُرَارة المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٣) (ع) تقدم في «الطهارة» ٢/ ٥٤١. ٦ - (أَبُوه) سعد بن أبي وقّاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق الصحابيّ الشهير، مات -﵁- سنة (٥٥) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما، وفيه التحديث، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، إلا أبا كامل، فما أخرج له ابن ماجه، وعلّق له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- ذو مناقب جمّة، فإنه من السابقين الأولين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وأول من رمى بسهم في سبيل اللَّه تعالى، وآخر من مات من العشرة المبشّرين -﵃-، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ) تقدّم آنفًا أن الصواب أنه الأكبر، وقدان، أو واقد (عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ) ابن أبي وقّاص، أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي) سعد -﵁-، والجنب والجانب بمعنى واحد، قال في «اللسان»: «الْجَنْبُ» -بفتح، فسكون- و«الْجَنَبَةُ» محرَّكَةً، و«الجانب»: شِقُّ الإنسان وغيره، تقول: قعدت إلى جنب فلان، وإلى جانبه، بمعنى، والجمع جُنُوب، وجوانِبُ، وجَنَابٌ، والأخيرة نادرةٌ. انتهى . (قَالَ) مصعبٌ (وَجَعَلْتُ يَدَيَّ) بالتثنية، وأراد باليدين الكفّين، من باب إطلاق الكلّ، وإرادة الجزء (بَيْنَ رُكْبَتَيَّ) بالتثنية أيضًا، والمراد أنه طبّق بين كفّيه، فجعلهما بين ركبتيه، كما فسّرته الرواية الآتية: «فلَمّا ركعت شبّكت أصابعي، وجعلتهما بين ركبتيَّ»، وفي رواية البخاريّ: «فطبّقتُ بين كفّيَّ، ثم وضعتهما بين فخذيّ»، وفي رواية الدارميّ من طريق إسرائيل، عن أبي يعفور: «كان بنو عبد اللَّه بن مسعود إذا ركعوا جعلوا أيديهم بين أفخاذهم، فصلّيتُ إلى جنب أبي، فضرب يدي. . .» الحديث، فأفادت هذه الرواية مُستند مصعب في فعل ذلك، وأولاد ابن مسعود -﵁- أخذوه عن أبيهم . (فَقَالَ لِي أَبِي: اضْرِبْ بِكَفَّيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ) أي اجعل كفّيك على ركبتيك (قَالَ) مصعبٌ (ثُمَّ فَعَلْتُ ذَلِكَ) يعني ما ذكره من تطبيق اليدين، وجعلهما بين الركبتين (مَرَّةً أُخْرَى) ظرف متعلّق بـ «فعلتُ» (فَضَرَبَ يَدَيَّ) يعني أن أباه ضرب يديه تأديبًا (وَقَالَ: إِنَّا نُهِينَا عَنْ هَذَا) أي عن التطبيق، والفعل مبنيّ للمجهول، وقوله: (وَأُمِرْنَا أَنْ نَضْرِبَ بِالْأَكفِّ عَلَى الرُّكَبِ) أي نضع أكفّنا على رُكَبنا. و«الأكُفُّ» -بفتح الهمزة، وضمّ الكاف، وتشديد الفاء-: جمع كفّ، كأفلُس جمع فَلْس، ويُجمع أيضًا على كُفُوف، كالفلُوس، قال الأزهريّ: الكفّ: الراحة مع الأصابع، سُمّيت بذلك؛ لأنها تكفّ الأذى عن البدن. انتهى. وهي مؤنّثة على المشهور، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفى. و«الرُّكَب» -بضمّ، ففتح- جمع رُكبة، كغُرفة وغُرَف، قال في «القاموس»: «الركبة» بالضمّ: موصل ما بين أسافل أطراف الفخذ وأعالي الساق، أو موضع الْوَظِيف والذراع، أو مَرْفِق الذراع من كلّ شيء. انتهى باختصار . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ١٩٩ و١٢٠٠ و١٢٠١ و١٢٠٢] (٥٣٥)، و(البخاريّ) في «الصلاة» (٧٩٠)، و(أبو داود) فيها (٧٦٧)، و(الترمذيّ) فيها (٢٥٩)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ١٨٥)، و(ابن ماجه) فيها (٨٧٣)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٢٩٥٣)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٧٩)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ٢٤٤)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٥٩٥ و٥٩٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٨٨٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ١٦٦)، و(الطحاويّ) في «معاني الآثار» (١/ ٢٣٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٨٣)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١٩٦)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (١/ ٣٣٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٨٠٨ و١٨٠٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١١٧٩ و١١٨٠ و١١٨١) واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان نسخ التطبيق، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-. ٢ - (ومنها): بيان أن التطبيق كان أوّلًا مأمورًا به، ثم تُرك. ٣ - (ومنها): جواز النسخ في الشريعة، ووقوعه. ٤ - (ومنها): الأمر بوضع اليدين على الركبتين، وسيأتي ترجيح القول بوجوبه. ٥ - (ومنها): تعليم الجاهل بسنّة الصلاة، وهو فيها، فإن سعدًا -﵁- ضرب يدي ولده وهو راكع. ٦ - (ومنها): إزالة المنكر باليد؛ عملًا بحديث أبي سعيد الخدريّ -﵁-، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، رواه مسلم، وأحمد، وأصحاب السنن. ٧ - (ومنها): أن الحديث يدلّ على نسخ التطبيق؛ بناءً على أن المراد بالآمر والناهي في قول سعد -﵁-: «نهينا عن هذا، وأُمرنا بالرُّكب» هو النبيّ -ﷺ-، وهذه الصيغة مختلفٌ فيها، والراجح أن حكمها حكم الرفع، وهو مقتضى صنيع الشيخين، حيث أخرجا الحديث في هذا الباب احتجاجًا به على هذا الحكم، وإلى هذه المسألة أشار السيوطيّ في «ألفيّة الحديث»، حيث قال: وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ … نَحْوُ «مِنَ السُّنَّةِ» مِنْ صَحَابِي كَذَا «أُمِرْنَا» وَكَذا «كُنَّا نَرَى … فِي عَهْدِهِ» أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم التطبيق: قال الإمام الترمذيّ -﵀-: التطبيق منسوخ عند أهل العلم، لا خلاف بين العلماء في ذلك، إلا ما رُوي عن ابن مسعود -﵁- وبعض أصحابه أنهم كانوا يُطَبِّقون. انتهى بتصرّف . وأخرج الإمام ابن المنذر بسنده حديث الباب، ثم أخرج بسند قويّ عن ابن عمر -﵄- قال: إنما فعله النبيّ -ﷺ- مرّة -يعني التطبيق-. ثم قال: فقد ثبتت الأخبار عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه وضع يديه على ركبتيه، ودلّ خبر سعد -يعني حديث الباب- على نسخ التطبيق، والنهي عنه. ولا يقولنّ قائل: إن المصلّي بالخيار، إن شاء طبّق يديه على ركبتيه، وإن شاء وضع يديه على ركبتيه؛ لأن في خبر سعد -﵁- النهيَ عنه. قال: وممن رَوَينا عنه من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- أنه وَضَعَ يديه على ركبتيه، وأمر بذلك: عمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد اللَّه بن عمر -﵃-، ثم أخرج آثارهم بأسانيدها. ثم قال: ورَوَينا ذلك عن عروة بن الزبير، وسعيد بن جُبير، وعطاء، ومجاهد، والنخعيّ، وبه قال سفيان الثوريّ، والشافعيّ، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وكلّ من لقيته من أهل العلم. وكان عبد اللَّه بن مسعود -﵁-، والأسود، وأبو عبيدة، وعبد الرحمن بن الأسود يُطبِّقون أيديهم بين رُكَبهم إذا ركعوا. وقد روينا عن عليّ بن أبي طالب -﵁- قولًا ثالثًا من حديث عاصم بن ضَمْرة، عنه أنه قال: إذا ركعت، فإن شئت قلت هكذا طبّقت، وإن شئت وضعت على ركبتيك. انتهى كلام ابن المنذر -﵀- . وقال النوويّ -﵀-: مذهبنا، ومذهب العلماء كافّة أن السنّة وضع اليدين على الركبتين، وكراهة التطبيق، إلا ابن مسعود، وصاحبيه: علقمة، والأسود، فإنهم يقولون: إن السنّة التطبيق؛ لأنهم لم يبلغهم الناسخ، وهو حديث سعد بن أبي وقّاص -﵁-، والصواب ما عليه الجمهور؛ لثبوت الناسخ الصريح. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن ما عليه الجمهور من الصحابة، فمن بعدهم من أن التطبيق منسوخ، هو الحقّ؛ لثبوت النسخ فيما أخرجه الشيخان من حديث سعد -﵁-، ولما أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ عن عمر -﵁-، أنه قال: «سُنّت لكم الرُّكَب، فأمسكوا بالرُّكَب»، وقد سبق أن الراجح أن قول الصحابيّ: «من السنة كذا» يريد به سنّة النبيّ -ﷺ-، ولا سيّما من مثل عمر -﵁-، فهو مرفوع حكمًا. ويُعتذر عن ابن مسعود -﵁- وأصحابه بأنه لم يبلغهم النسخ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قال الحافظ ابن رجب -﵀-: أكثر العلماء على أن وضع اليدين على الركبتين في الركوع من سُنن الصلاة، ولا تبطل الصلاة بتركه، ولا بالتطبيق. ورَوَى عاصم بن ضمرة، عن عليّ -﵁- أنه مخيَّرٌ بين أن يضع يديه على ركبتيه، أو يُطبِّق. وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى المنع من التطبيق، وإبطال الصلاة به؛ للنهي عنه، كما دلّ عليه حديث سعد -﵁-، منهم: أبو خيثمة زُهير بن حرب، وأبو إسحاق الْجُوزَجانيّ، وقال أبو بكر بن أبي شيبة فيمن طبَّق، ولم يَضَع يديه على ركبتيه: أحبّ إليّ أن يُعيد. ونَقَل إسحاق بن منصور عن أحمد أنه سُئل عن قول سفيان: من صلّى بالتطبيق يُجزئه؟ فقال أحمد: أرجو أن يُجزئه، فقال إسحاق ابن راهويه كما قال: إذا كان به علّةٌ. وحَمَل أبو حفص الْبَرْمكيّ من أصحابنا -يعني الحنبليّة- قول أحمد على ما إذا كان به علّة، فإن لم تكن به علّة فلا تُجزئه صلاته إلا أن لا يعلم بالنهي عنه. وتوقّف أحمد في إعادة الصلاة مع التطبيق في رواية أخرى. فعلى قول هؤلاء يكون وضع اليدين على الركبتين في الركوع من واجبات الصلاة. وقد رُوي عن طائفة من السلف ما يدلّ على ذلك، فإنه رُوي عن جماعة أنهم قالوا: إذا وضع يديه على ركبتيه أجزأه في الركوع، وممن رُوي عنه ذلك: سعد بن أبي وقّاص، وابن مسعود، وابن سيرين، ومجاهد، وعطاء، وقال: هو أدنى ما يُجزئ في الركوع. انتهى كلام ابن رجب -﵀- . وقال الإمام ابن خزيمة في «صحيحه»: «باب ذكر البيان أن التطبيق غير جائز، بعد أمر النبيّ -ﷺ- بوضع اليدين على الركبتين، وأن التطبيق مَنْهِيٌّ عنه، لا أن هذا من فعل المباح، فيجوز التطبيق، ووضع اليدين على الركبتين جميعًا، كما ذكرنا أخبار النبيّ -ﷺ- في القراءة في الصلوات، واختلافهم في السور التي كان يقرأ فيها -ﷺ- في الصلاة، وكاختلافهم في عدد غسل النبيّ -ﷺ- أعضاء الوضوء، وكلُّ ذلك مباح، فأما التطبيق فىِ الركوع فمنسوخ منهيٌّ عنه، والسنة وضع اليدين على الركبتين». انتهى كلام ابن خزيمة -﵀- . وتعقّبه في«الفتح»، فقال: وفيه نظر؛ لاحتمال حمل النهي على الكراهة، فقد رَوَى ابن أبي شيبة من طريق عاصم بن ضَمْرة عن عليّ -﵁- قال:«إذا ركعت فإن شئت قلت هكذا، -يعني وضعت يديك على ركبتيك- وإن شئت طَبَّقت»، وإسناده حسن، وهو ظاهر في أنه كان يرى التخيير، فإما أنه لم يبلغه النهي، وإما حمله على كراهة التنزيه، ويدلّ على أنه ليس بحرام كون عمر وغيره ممن أنكره لم يأمر مَن فعله بالإعادة. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن هذا الاعتراض غير صحيح؛ لأن ابن خزيمة -﵀- احتجّ بظاهر النهي المرفوع، فكيف يُعترض بالموقوف على المرفوع، فهل رأي الصحابيّ المخالف للنّصّ يعارَض به النصّ؟، ولا سيّما وقد خالفه الصحابة الآخرون، كعمر بن الخطّاب، وسعد، وعائشة -﵃-، هذا من الغرائب. والحاصل أن ما قاله ابن خزيمة -﵀- من أن التطبيق غير جائز، وأن وضع اليدين على الركبتين في الركوع واجب هو الحقّ، وقد سبق أنه مذهب جماعة من السلف، كالإمام أحمد، وأبي خيثمة، والجوزجانيّ، وغيرهم، فالنصّ الذي عمل به هؤلاء الأئمة من الصحابة، فمن بعدهم هو الحقّ الذي لا مرية فيه، فتأمّل بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [فائدة]: حَكَى ابن بطال عن الطحاويّ، وأقره أن طريق النظر يقتضي أن تفريق اليدين أولى من تطبيقهما؛ لأن السنة جاءت بالتجافي في الركوع والسجود، وبالمراوحة بين القدمين، قال: فلما اتفقوا على أولوية تفريقهما في هذا، واختلفوا في الأول اقتضى النظر أن يُلْحَق ما اختلفوا فيه بما اتفقوا عليه، قال: فثبت انتفاء التطبيق، ووجوب وضع اليدين على الركبتين. انتهى كلامه. وتَعَقَّبه الزين ابن الْمُنَيِّر بأن الذي ذكره مُعارَض بالمواضع التي سُنّ فيها الضمّ، كوضع اليمنى على اليسرى في حال القيام، قال: وإذا ثبت مشروعية الضمّ في بعض مقاصد الصلاة، بطل ما اعتمده من القياس المذكور. نعم لو قال: إن الذي ذكره ما يقتضي مَزِيّة التفريج على التطبيق، لكان له وجه. قال الحافظ: وقد وردت الحكمة في إثبات التفريج على التطبيق، عن عائشة -﵂-، أورد سيف في «الفتوح» من رواية مسروق أنه سألها عن ذلك؟ فأجابت بما مُحَصَّلُهُ أن التطبيق من صنيع اليهود، وأن النبيّ -ﷺ- نَهَى عنه لذلك، وكان النبيّ -ﷺ- يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يُنْزَل عليه، ثم أُمِر في آخر الأمر بمخالفتهم. انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٠٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، إِلَى قَوْلِهِ: فَنُهِينَا عَنْهُ، وَلَمْ يَذْكُرَا مَا بَعْدَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَام) البزّار المقرئ البغداديّ، له اختيارات في القراءات، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٢٩) (م د) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤. ٢ - (أَبُو الْأَحْوَص) سلّام بن سليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، صاحب حديث [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٥. ٣ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ٤ - (سُفْيَانُ) بن عيينة بن أبي عمران الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، نزيل مكة، ثقة ثبتٌ حجة إمام، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٣. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ) أي أبو الأحوص، وسفيان بن عيينة. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) يعني إسناد أبي يعفور المتقدّم، وهو: عن مصعب بن سعد، عن أبيه. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة هذه، ساقها عبد الرزاق في «مصنّفه» (٢/ ١٥٢) فقال: (٢٨٦٤) عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن أبي يعفور، عن مصعب بن سعد، قال: صليت إلى جنب أبي، فطَبَّقت، فقال: فنهاني أبي، وقال: قد كنا نفعله، فنهينا عنه. انتهى. وأما رواية أبي الأحوص، فلم أجد من ساقها تامّةً، فليُنظر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٠١] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: رَكَعْتُ، فَقُلْتُ بِيَدَيَّ هَكَذَا، يَعْنِي طبَّقَ بِهِمَا، وَوَضَعَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ، فَقَالَ أَبِي: قَدْ كُنَّا نَفْعَلُ هَذَا، ثُمَّ أُمِرْنَا بِالرُّكَبِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (وَكِيع) بن الجرّاح تقدّم قبل باب أيضًا. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) البَجَليّ الأحمسيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٩. ٤ - (الزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ) الْهَمَدانيّ الياميّ، أبو عدس الكوفيّ، ولي قضاء الريّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٢/ ٤٣٨. والباقيان تقدّما قبله. وقوله: (فَقُلْتُ بِيَدَيَّ هَكَذَا) أي فعلت التطبيق، كما فسّره بعد، ففيه إطلاق القول على الفعل، وهو جائز في اللغة، وقد تقدّم أن «قال» تطلق لغةً على معان كثيرة، قد تقدّمت نظمًا. وقوله: (ثُمَّ أُمِرْنَا بِالرُّكَبِ) أي بوضع اليدين على الركب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (١٥)

١. «تهذيب التهذيب» ١١/ ١٠٨.

٢. «الفتح» ٢/ ٣١٩.

٣. «فتح الباري» لابن رجب -﵀- ٧/ ١٥٣.

٤. «لسان العرب» ١/ ٦٩١.

٥. «الفتح» ٢/ ٥٢٧.

٦. «القاموس المحيط» ١/ ٧٦.

٧. راجع: «جامع الترمذيّ» ٢/ ١١٥ بنسخة «تحفة الأحوذيّ».

٨. «الأوسط» ٣/ ١٥٢ - ١٥٤.

٩. «شرح النووي» ٥/ ١٥.

١٠. إنما ذكرت هذه المسألة وإن كان معظمها سبق في التي قبلها؛ لما فيها من الزوائد التي لم تذكر فيما مضى، فتنبه.

١١. «فتح الباري»لابن رجب ٧/ ١٥٦ - ١٥٨.

١٢. «صحيح ابن خزيمة» ١/ ٣٠١ - ٣٠٢.

١٣. «الفتح» ٢/ ٥٢٨.

١٤. «الفتح» ٢/ ٥٢٨.

١٥. وفي نسخة: «وحدّثنا».