مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤/ ١٣٢٣] (٥٨٥)، و(النسائيّ) في «الجنائز» (٢٠٦١) وفي «الكبرى» (٢١٨٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٢٩٦)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٢٤] (٥٨٦) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَتَا: إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، قَالَتْ: فَكَذَّبْتُهُمَا، وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا، فَخَرَجَتَا، وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَجُوزَيْنِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ دَخَلَتَا عَلَيَّ، فَزَعَمَتَا أَنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَقَالَ: «صَدَقَتَا، إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ»، قَالَتْ : فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلَاةٍ إِلَّا يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٣ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠.
٤ - (مَنْصُور) بن المعتمر، تقدّم قبل باب.
٥ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧.
٦ - (مَسْرُوق) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابد مخضرم [٢] (ت ٢ أو ٦٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٧/ ٢١٧.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- أنها (قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ) تثنية عَجُوز، ووقع في رواية النسائيّ: «عجوزتان» بتاء التأنيث، والأول هو المشهور عند اللغويين، قال ابن السكّيت: الْعَجُوز: المرأة المسنّة، ولا يؤنّث بالهاء.
والثانية أيضًا جائزة عند بعض اللغويين، فقد قال ابن الأنباريّ: ويقال أيضًا: عَجوزة بالهاء، لتحقيق التأنيث، ورُوي عن يونس أنه قال: سمعت العرب، تقول: عَجُوزة بالهاء. قاله في «المصباح».
وقولها: (مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ) -بضم العين المهملة، والجيم، بعدها زاي-: جمع عَجُوز، مثل عَمُود، وعُمُد، ويجمع أيضًا على عجائز (فَقَالَتَا: إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ) والظاهر أنهما أخذتا هذا من أحبار اليهود (قَالَتْ) عائشة -﵂- (فَكَذَّبْتُهُمَا) ظنًّا منها أن هذا مما كذبه اليهود (وَلَمْ أُنْعِمْ) بضم الهمزة، وإسكان النون، وكسر العين المهملة، من الإنعام، رباعيًّا، يقال: أنعمتُ له -بالألف-: إذا قلتَ له: نَعَم، قال النوويّ -﵀-: أي لم تَطِبْ نفسي أن أُصدّقهما، ومنه قولهم في التصديق: نَعَم، وقولها: (أَنْ أُصَدِّقَهُمَا) «أن» مصدريّةٌ، والمصدر المؤوّل مفعول به لـ «أُنْعِم»، والمراد أنها لم تصدّقهما أوّلًا؛ لظهور كذب اليهود، وافتراءاتهم في الدين، وتحريفهم الكتاب، كما أخبر اللَّه تعالى بذلك، فقال: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]، وقال: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨] الآية.
(فَخَرَجَتَا) أي العجوزان من البيت (وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَجُوزَيْنِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ دَخَلَتَا عَلَيَّ، فَزَعَمَتَا) أي قالتا، وقد تقدّم أن زعم أكثر ما يُستعمل فيما كان باطلًا، أو فيه ارتياب، وهو هنا كذلك، بناء على ظنّ عائشة -﵂- (أَنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ) بالبناء للمفعول (فِي قُبُورِهِمْ، فَقَالَ) -ﷺ- («صَدَقَتَا) ظاهر هذا أن هذه الواقعة غير الواقعة السابقة؛
لأنه فيها أنه -ﷺ- أنكر ذلك، فتكون هذه بعدما أُوحي إليه، فقوله: (إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ) وفي نسخة:»ليُعذّبون«الضمير فيه لأهل القبور.
ويَحْتَمِل أن تتّحد الواقعتان، فيكون قبل أن يوحَى إليه، ويكون الضمير في قوله:»إنهم يعذّبون«لليهود، والوجه الأول أقرب وأظهر، واللَّه تعالى أعلم.
قال الكرمانيّ -﵀-: لعله سَمَّى أحوال العباد في القبر تعذيبًا؛ تغليبًا لفتنة العاصي على فتنة المطيع؛ لأجل التخويف، ولأن القبر مقام الهول والوحشة، ولأن ملاقاة الملائكة مما يَهاب منه ابن آدم في العادة. انتهى.
(عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ») جمع بهيمة، قال في «المصباح»: البَهيمة: كلُّ ذات أربع، من دوابّ البحر والبرّ، وكلُّ حيوان لا يُميِّز، فهو بهيمة، والجمع بَهَائم. انتهى . (قَالَتْ) وفي نسخة: «ثمّ قالت»، أي عائشة -﵂- (فَمَا) نافية (رَأَيْتُهُ) أي النبيّ -ﷺ- (بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ كما مرّ في الحديث الماضي، أي بعد هذه الواقعة، وفي الرواية التالية: «وما صلّى صلاةً بعد ذلك إلا سمعته يتعوّذ من عذاب القبر» (فِي صَلَاةٍ إِلَّا يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) أي لأنه أوحي إليه به.
والحديث متّفقٌ عليه، وتقدّمت مسائله في الحديث الماضى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٢٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَفِيهِ قَالَتْ: وَمَا صَلَّى صَلَاةً بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا سَمِعْتُهُ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ) بن مصعب التميميّ، أبو السَّرِيّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) عن (٩١) سنةً (عخ م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦٤/ ٣٦٥.